حدقها عمران مطولًا رافعًا حاجبيه بحيرة مترقبًا سماع الأمر الذي تخفيه عنه. بينما هي فابتعدت عن حضنه واعتدلت جالسة تأخذ نفسًا عميقًا ثم تخرجه زفيرًا متهملًا قبل أن تستجمع شجاعتها وتبدأ في الحديث. تهمد له ما فعلته دون علمه: "الاثنين اللي ضربوا عليك النار كانوا راكبين على موتوسيكل وكانوا ملثمين يعني مش شفتش وشهم." ازدادت نظراته ترقبًا للتكملة رغم أنه لا يفهم شيء وعلامات الاستفهام تحلق فوق صفحة وجهه. فاسترسلت هي في
مقدمتها الطويلة وتمهيدها: "وسمعتك وأنت بتتكلم في التلفون امبارح قبل فرح بلال أن في واحد تبع صابر بيراقبك و... بدأ يفقد صبره وهدوئه فهتف بحدة بعدما شعر بأن تلك المقدمة سيتبعها كارثة: "ادخلي في الموضوع طوالي يا آسيا عملتي إيه من دون علمي! ازدردت ريقها بتوتر ورمقته بتوسل متمتمة وهي تمسح على كتفه: "هقولك بس بالله عليك ما تتعصب أنت لسه تعبان، أنا اللي عملته ده كان بسبب خوفي عليك وأني مكنتش عايزة أضيع حقك."
رفع عمران يده إلى وجهه وراح يمسح عليه بداية من رأسه إلى ذقنه متأففًا بغيظ مكتوم ثم هتف بصوت رجولي مخيف: "آسيا أنت لسه هادي لو فضلت بتلفي وتدوري كده كتير، أنتي عارفة قلبي، اتكلمي يلا." مصمصت شفتيها بخوف وارتباك ثم همست له في نظرات زائغة:
"الشباب اللي شغالين معاك لما عرفوا باللي حصل جم يزوروك في المستشفى لما كنت لسه في العمليات ومن ضمنهم كان صالح، فأنا اتكلمت معاه ووصف له شكل العيال والموتوسيكل اللي كانوا راكبينه وطلبت منه يجيبهم قبل ما يهربوا وهو جابهم ودلوقتي حابسهم في المخزن بتاع السمك." اتسعت عينا عمران بين الدهشة وبين عدم الفهم والغضب البسيط ليسألها بنظرة مميتة: "وأنتي تعرفي صالح ده منين وإيه ليكي علاقة بيه؟!
تنحنحت آسيا باضطراب شديد والخوف الحقيقي ظهر على محياها فالقسم الذي سيصيبه بالجنون حقًا قد أتى: "اصل أنا قبل كده طلبت منه يساعدني في موضوع خلود لما كنت عايزة آخد حقي منها وهو اللي عرف لي مكان سمير وجاب لي معلومات عنه." تشنجت عضلات وجهه وأظلمت عيناه بشكل مرعب ثم اعتدل في جلسته ببطء وهو مازال يرمقها بطريقة مرعبة جعلتها ترتجف خوفًا منه ثم صاح بها منفعلًا:
"كل ده بيدور من ورايا وأنا مش داري بحاجة، الهانم بتروح تكلم رجال وتتفق معاهم وتخطط وجوزها نايم على ودانه كيف الأطرش! همهمت آسيا بأن تدافع عن نفسها وتهدأ من ثورانه فقاطعه هو. وقبل أن تبدأ حتى صارخًا بعصبية: "أنني عايزاني أرتكب فيكي جريمة يا آسيا! آسيا بعينان دامعة من فرط التوتر: "والله غصب عني أنا كنت مقهورة على اللي حصل لك ومكنتش عايزة حقك يضيع ولو كنا اتأخرنا ما كناش هنلحقهم وكانوا هيهربوا، حقك عليا يا حبيبي."
عمران صارخًا بصوت جهوري نفضها في مكانها: "وأنتي مالك بالكلام ده شيفاني عاجز مقدرش آخد حقي، بتتصرفي من دماغك ومن غير ما ترجعي لي وتتكلمي مع الرجال وكأن اللي متزوجاه مش راجل وميقدرش يحكم! هتفت آسيا بالنفي وعين متسعة: "فشر ده أنت راجل وسيد الرجال يا معلم، حقك عليا أنا آسفة سامحني أنا غلطت." قالت عباراتها وهي تمد يدها لتمسح على كتفه ووجهه بحب لكن نفر منها ودفع يدها بعيدًا عنها:
"بعدي يدك دي، أنا قسمًا بالله اللي حايشني عنك الوضع اللي أنا فيه دلوقتي وإلا كان كسرت عضمك و... قطع كلماته في منتصفها وظهر الألم على وجهه ثم أطلق تأوهًا بسبب الألم الذي اجتاح ظهره جراء عمليته الجراحية التي تحتاج لراحة وما يفعله يزيد من ألمه أكثر. اقتربت منه بفزع وقلق وهي تهم بمساعدته على الاستلقاء مجددًا لكنه رمقها بنظرة نارية وهتف: "قومي من جنبي."
آسيا فمها بعبوس وحزن وظلت مكانها تحدقه بنظرات مستعطفة على أمل أن يلين قلبه لها ويسامحها لكنها وجدته لا ينظر لوجهها من فرط حنقه منها، فهتفت له بضيق: "طيب أنت مش عايزني جنبك أنا هنام فين؟! نظر لها بقسوة وأمسك بهاتفه يهم بالاتصال بابن عمه وهو يقول: "يبقى اتصل ببشار ييجي ياخدك وتروحي تقعدي مع الولد بدل ما أنت سيباه لوحده مع أمك وأنا مش عايزك معايا." عزمت شفتيها بأسى حقيقي ورمقته بنظرة عتاب ثم تمتمت:
"اخص عليك يا عمران.. أنا عارفة أني غلطت أني اتصرفت من غير علمك وجيت بنفسي وحكيت لك معقول كل ده ملوش خاطر عندك، وبتقول مش عايزاني دلوقتي." عندما وجدته مصممًا على الاتصال ببشار انزعجت بشدة وجذبت الهاتف من يده بعصبية ثم قالت بحدة ونظرة مشتعلة وقد أشهرت عن أنيابها: "متزودهاش عاد يا عمران بشار إيه اللي تتصل بيه، عايزني أروح مع ولد عمك في نص الليل دلوقتي!!
، شكلك كده الطلقة أثرت عليك، أنا مش هعتذر من هنا وهفضل جنبك مش هسيب جوزي لحاله وهو طالع من عمليات النهاردة." رقمها بغضب وقال ساخرًا في غيظ: "ده على أساس أن جوزك فارق معاكي قوي يعني." ردت آسيا بعناد وقد اختفى الخوف الذي يحتل ملامحها وتبدل بالشراسة والقوة: "أيوة فارق معايا طبعًا.. لو مش هيفرق معايا جوزي وأبو ولدي وحبيبي هيفرق معايا مين يعني."
رأته يحدقها رافعًا حاجبه بازدراء معبرًا عن عدم اقتناعه أو حتى إعجابه بما تقوله فتابعت هي بإصرار كيدًا فيه: "ومش هقوم من جنبك كمان، واعمل اللي عاوز تعمله فيا." طالعها مطولًا وهو يجز على أسنانه مغتاظًا ثم رفع كفه في الهواء واغلق قبضة يده بقوة من فرط الغيظ منها ثم قال متوعدًا لها: "اصبري عليا يا بت خليل بس أقوم من اللي أنا فيه وهربيكي على حق." ابتسمت له بسماجة وقالت في غرام: "أنت قوم بس بالسلامة وربيني براحتك يا معلم."
مال بوجهه للجهة الأخرى يتأفف بنفاذ صبر ويستغفر ربه محاولًا تمالك انفعالاته حتى لا يرتكب الجرائم في حقها، بينما هي فكانت في كامل ثباتها وبرودها الانفعالي وهي تبتسم له. في الجانب الآخر من المستشفى داخل العيادات الخاصة. كان كل من فريال وجلال داخل عيادة إحدى طبيبات النسا تقوم بفحصها الشامل على الطفل والحمل.
وكان يقف جلال بجوار الفراش الصغير الممددة عليه فريال ويمسك بيدها في قلق وعيناه عالقة على جهاز السونار يحاول فهم أي شيء لكن دون فائدة. وبعد لحظات طويلة من الفحص انتهت الطبيبة ونظرت لها بابتسامة جميلة وهتفت: "متقلقوش كل حاجة زي الفل الحمد لله والبيبي بخير كمان." أطلقت فريال تنهيدة حارة بارتياح وفرحة بينما جلال لاحت الابتسامة المطمئنة على ثغره.
ثم اقترب من مكتب الطبيبة وجلس على المقعد المقابل لها وجلست مقابله مباشرة على المقعد الآخر فريال التي بدأت الحديث مع الطبيبة بسؤالها: "طيب إيه سبب اللي حصل معايا ده يا دكتورة؟ أجابتها ببساطة وهدوء تام:
"واضح أنك بذلتي مجهود كبير في اليومين اللي فاتوا وأنتي في فترة محتاجة راحة عشان كده حصل معاكي الألم ده، وطبعًا أنا أكيد مش محتاجة أقولك أن المجهود الشديد ممكن يؤدي للإجهاض، فلازم خلال الثلاث شهور الأولى على الأقل نبقى في راحة تامة ونايمين على السرير فقط." تنهدت فريال الصعداء بقلق بسيط ثم هزت رأسها بالموافقة على تعليمات الطبيبة التي ابتسمت لهم باتساع وقالت في بشاشة: "في خبر حلو كمان وهو أنك حامل في توأم."
كانت الصدمة من نصيب جلال أولًا حيث اتسعت عيناه بذهول وراح ينقل نظره بين الطبيبة وزوجته بعدم استيعاب ثم سألها بتأكيد: "متأكدة يا دكتورة؟ ضحكت الطبيبة باستنكار من سؤاله وقالت مؤكدة لهم الخبر: "أيوة طبعًا متأكدة وظهر في السونار أن في كيسين مش كيس واحد." كانت مشاعر فريال مختلطة ما بين الفرحة والخوف والصدمة والصمت التام يهيمن عليها تراقب ردة فعل زوجها وحواره مع الطبيبة الذي يظهر سعادته الشديدة بذلك الخبر.
ثم أخيرًا انتبهت بصوت الطبيبة وهي تبدأ في وصف دواء ستحتاج المواظبة عليه لأيام ووجهت لها تعليماتها مجددًا فشكرتها فريال بامتنان واستقامت واقفة تلحق بزوجها الذي سبقها للخارج وكان ينتظرها وعلى وجهه ابتسامة تكاد تشق طريقها إلى أذنيه من شدة اتساعها. مال عليها وهمس بحماس غريب لم تشهده عليه عندما تلقى خبر حملها بابنهم الأول حتى:
"لولا المكان اللي إحنا فيه وقصاد الخلق كنت خدتك بالحضن يا فريالي ولفيت بيكي المكان كله من كتر فرحتي." ضحكت بصمت ثم سألته باستغراب: "معقول أنت فرحان للدرجادي يا جلال! أجاب مبتسمًا: "فرحان دي كلمة قليلة، ربنا عوضنا بدل الواحد اتنين." لمعت عيناها بوميض حزين رغم ابتسامتها التي تزين ثغرها وتمتمت بكلمات الشكر لربها: "اللهم لك الحمد والشكر يارب.. بس أنا خايفة يا جلال! ضيق عينيه بتعجب وسألها: "ليه؟ قالت ضاحكة بمرح يمتزج
بتعابير الخوف على وجهها: "الحمل هيبقى صعب قوي دول اتنين." جلال بحنو وابتسامة دافئة هتف بعدما احتضن كفها بين كفه: "متخافيش إن شاء الله ربنا هيقويكي والفترة دي هتعدي بسرعة من غير ما تحسي بيها، يلا عاد عشان نرجع البيت وترتاحي." هزت رأسها له بالموافقة بابتسامة محبة وسارت بجواره يدًا بيد وهي لا تتوقف عن ذكر ربها بالحمد وشكره. داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة غزل.
كانت تجلس أمامها على الفراش إنصاف وتتحدث معها باهتمام وحماس يلمع في عيناها وهي تغمز لها بخبث: "أنا عارفة أنك في الأول رفضتي، بس بعد اللي شفته امبارح شكلك كده موافقة." فهمت غزل مقصدها وتلميحاتها فقالت بسرعة في خجل شديد محاولة الدفاع عن نفسها وتحسين صورتها: "لا يا طنط والله صدقيني مفيش حاجة يعني اااا.... قاطعتها إنصاف وهي تضحك وتقول بإيجاز:
"يابت أنا مش هبلة وواعية زين وعارفة ولدي كيف دايب فيكي وبيحبك وعارفة كمان وشايفة أنك بدأتي أنتي كمان تتعلقي بيه، عشان كده جيتلك أسألك تاني وأشوفك لسه مصممة على قرارك ورفضك ولا غيرتي رأيك." أجفلت غزل نظرها واطرقت رأسها أرضًا خجلًا وسكتت مترددة لا تعرف أتسمع لصوت عقلها أم قلبها، بينما مشاعرها تميل إلى ذلك البربري كما كانت تصفه. عقلها يخشى من تلك التجربة، لتجد نفسها عالقة في المنتصف لا تدري أي طريق تسلك.
قطع ترددها وتفكيرها العميق صوت إنصاف المحمل بالحكمة والرزانة وهي تبتسم وتقول: "لو عايزة نصيحتي يا بتي، وأنا مش بقولك الكلام ده عشان "علي" ولدي، لا أنتي كمان أنا بحبك وبعتبرك كيف بتي وصدقيني لو "علي" من الشباب العفشة اللي بنشوفهم أنا ذات نفسي هقولك متوافقيش عليه ومش هوافق على الجوازة دي، لكن ده ولدي وأنا عارفاه زين وعمري ما شوفت عيونه بتلمع ووشه بينور لما بيشوف حد كيف لما بيشوفك أنتي، بلاش تخسري حد بيحبك صح."
أطالت غزل النظر في وجه إنصاف بتفكير، وبتلك اللحظات قذفت بعقلها ذكرى مشاهدتهم الأخيرة معًا، مشاكسه لها ومزاحه ولمساته العاشقة ونظراته حتى كلمات الغزل التي يقولها لها وسط حديثهم، فلاح شبح ابتسامتها المحبة على ثغرها وهي غارقة في التفكير به ولم ينتشلها ويعيدها للواقع سوى صوت إنصاف وهي تسألها لآخر مرة مبتسمة ومنتظرة الحصول على إجابة مؤكدة: "هااا قولتي إيه موافقة؟
ابتسمت غزل باتساع وحياء جميل يليق بوجهها وجمالها الساحر ثم هزت رأسها لها بالموافقة، فلمعت عين إنصاف بفرحة غامرة وبنفس اللحظة أطلقت زغروطة مرتفعة دليلًا على الفرح الذي سيملأ المنزل قريبًا، ثم استقامت واقفة وانحنت على غزل تعانقها بحنان وتقول بسعادة غامرة: "مبروك يا عروسة أنا هروح أبشر العريس عاد وأديله البشرى أحسن هو مستنيني."
أنهت كلماتها واندفعت لخارج الغرفة مسرعة دون أن تنتظر ردًا من غزل التي ارتبكت بمجرد معرفتها بأنها في طريقها بإخبار "علي" بموافقتها على الزواج منه. بالأسفل كان "علي" يقف وينظر إلى الدرج بابتسامة عريضة تكاد تشق أذنيه من فرط اتساعها وفرحته عندما سمع الزغاريد من أمه، التي وصلت إليه وهي تضحك وتقول: "مبروك يا عريس أخيرًا هفرح بيك يا ولد." سأل "علي" بعدم استيعاب وهو مبتسم: "وافقت؟
"أيوة طبعًا وافقت، كيف تقدر ترفض لازم هتوافق دي دايبة في غرامك." شاركه للحظة يفكر بها ثم اندفع بلهفة ينوي الذهاب لها وهو في قمة حماسه وفرحته، لكن قبضت أمه على ذراعه وأوقفاته هاتفة بجدية: "رايح فين؟ علي بكل بساطة وأعين لامعة: "هطلع أتكلم معاها." أجابته إنصاف معترضة بحدة: "تطلع فين هو إحنا ناقصين مشاكل مع جدك، اتقل يا ولدي لغاية ما تتجوزها وبعدين اعمل اللي تعمله لما تبقى مراتك، ميصحش تطلع تتكلم معاها في أوضتها."
ارتخت عضلات جسده المتشنجة من فرط الحماس وراح يتأفف بقوة في حزب ثم قال ممتثلًا لأمه: "طيب يا ماما خلاص مش طالع لها لازم كده تكسري بفرحتي، هطلع أوضتي." ثم جذب ذراعه من قبضتها وقاد خطواته على الدرج فسمع تنبيهاتها الصارمة وهي تؤكد عليه: "متروحش عندها يا "علي" سامعني."
اكتفى بهز رأسه لها بالموافقة والطاعة وهو يبتسم دون أن يلتفت لها وأكمل صعوده حتى وصل للطابق الثاني حيث يوجد كل من غرفته وغرفتها، فتقدم بحرص نحو غرفتها حتى وصل للباب وأخذ يتلفت حوله يتأكد من عدم وجود أعين تراقبه ثم رفع يده وطرق على باب غرفتها عدة مرات متتالية ليسمع صوتها من الداخل وهي تجيب على الطارق بأنها قادمة وماهي إلا ثواني حتى فتحت الباب باعتقاد منها أن الطارق إنصاف، وفور سقوط نظرها عليه اتسعت عيناها بدهشة، وهو على النقيض دون أي كلمة وفجأة بعدما تأكد ثانية أن لا أحد يراه أبعدها عن الطريق بيده ثم دخل واغلق الباب خلفه، فمالت هي برأسها للخلف متأففة بنفاذ
صبر منه ثم قالت بحزم: "وبعدين يا "علي" مينفعش كده اطلع برا عيب، مش كفاية الموقف اللي سبتني فيه امبارح قدام مامتك." كان لا يبالي بأي كلمة تتفوه بها ويتمعنها بنظرات يملأها العشق ثم تقدم نحوها خطوة فتراجعت هي بمثلها وهمس لها غامزًا بفرحة تظهر في نبرة صوته بوضوح: "سيبك من أمي بس دلوقتي، وافقتي تتجوزيني يعني يا غندورة!
مالت بوجهها للجانب بعيدًا عنه وهي تبتسم بخجل بعدما تجمعت الحمرة في وجنتيها البيضاء، أنا هو فتلك الابتسامة والخجل الذي يستحوذها أصابه بالجنون أكثر وزادت رغبته ولهفته بها فقال فورًا بإصرار: "كده أنت تجهزي نفسك عاد الليلة عشان بكرة معانا كتب كتاب يا عروسة." اختفت ابتسامتها وحل محلها الصدمة فور التقاط أذنيها "كتب كتاب". نظرت له وهتفت بذهول:
"ايه كتب كتاب إيه أنت أكيد بتهزر لا مستحيل نتجوز بالسرعة دي أنا وافقت بس على خطوبة عشان نتعرف على بعض أكتر لغاية الجواز." رفع حاجبه مبتسمًا بنظرة لئيمة وكلها ثقة ورزانة ثم رفع أنامله ببطء حتى وصل إلى خصلات شعرها وراح يعبث بهم بكل رقة ويرسل لها نظراته الساحرة ليؤثرها بهم هامسًا في صوت انسدل كالحرير ناعمًا:
"أنتي قلقانة مني ليه يا حبيبتي هو أنا هعلق لك حبل المشنقة بعد الجواز، ده بالعكس هتشوفي الدلع كله مني، وبعدين ده كتب كتاب بس لكن الفرح لسه براحتك وقت ما تحبي وتكوني جاهزة نبقى نعمله، ونتعرف على بعض إيه وخطوبة إيه هو إحنا غرب عن بعض يعني أنتي متعرفنيش! ارتبكت بشدة من لمساته الساحرة وهمست له بصوت ذائب وخافت لتطلب منه أن يبتعد عنها: "علي ابعد.... قاطعها واسترسل هو كلامه بهيام وعشق تلمعان بهم عيناه:
"وبيني وبينك كده أنا مش هقدر أتحمل نفضل الفترة دي كلها في خطوبة، يرضيكي اللي بنعمله ده عشان محدش يشوفنا لكن نكتب الكتاب هتبقى مرتي وناخد راحتنا لغاية الفرح." تسارعت نبضات قلبها بشدة وللحظة شعرت نفسها ستسقط بين ذراعيه من فرط الخجل، فجمعت ما تبقى منها من ثبات وابعدت أنامله عن شعرها وقالت باعتراض بسيط وتوتر: "لا وبعدين بابا لسه ميعرفش بالكلام ده هنتجوز وبابا ميعرفش." "علي" مبتسمًا بثقة ونبرة رجولية:
"كده بتغلطي في جوزك هو إحنا منعرفش في الأصول ولا إيه، أنتي فكرك أني طلبت يدك للجواز وأبوكي معرفش يعني!! .. إحنا أول حاجة عملناها أنا وجدك أخدنا رأي أبوكي وهو وافق وكلمته على كتب الكتاب وبرضه رفضش وقالي آخد رأيك لو وافقتي هو مستعد يركب في طيارة الصبح ويجيلك عشان يحضر جواز بنته." غرغرت غزل عيناها بصدمة ثم هتفت بعدم تصديق: "بجد بابا هينزل مصر؟ "علي" بجدية: "طبعًا لازم ينزل ده فرح بنته، المهم بس دلوقتي أنتي قولتي إيه؟
التزمت الصمت وهي تفكر بتردد فتقدم هو نحوها بخطوات متأنية كالأسد ونظرات لعوب فتقهقرت هي للخلف خوفًا منه ورفعت سبابتها في وجهه تحذره بابتسامة مرتبكة: "خليك بعيد متقربش وإلا هصوت." عزم شفتيه بعدم مبالاة وقال ضاحكًا بخبث: "ياريت ده كده نتجوز الليلة قبل بكرة." وجدته مازال يقترب فصاحت بغيظ منه واستسلام وسط ضحكها: "خلاص يا "علي" موافقة اقف عندك بقى ومتقربش تاني."
توقف بأرضه بعد تلك العبارة وهو يبتسم بنصر ثم غمز لها بخبث وقال متغزلًا بها: "طالما موافقة يبقى منقربش ونستحمل لغاية بكرة ونقرب براحتنا يا عروسة، جهزي نفسك المأذون هييجي بكرة بليل." بقت متصنمة بأرضها تراقبه بنظراتها المرتبكة والخجلة حتى وجدته يرسل لها قبلة في الهواء قبل أن يستدير ويتجه إلى باب الغرفة ليغادر، فوضعت هي كفها على فمها تكتم ضحكتها وهي تهمس بصوت منخفض بعد انصرافه: "قليل الأدب صحيح."
بعد مرور ساعة تقريبًا داخل غرفة "علي". كان ممددًا فوق الفراش ويضع كفيه خلف رأسه مستندًا على ظهر الفراش وهو مبتسم بفرحة ويفكر في تلك الجميلة التي استحوذت على قلبه في فترة قصيرة رغم كل محاولاته وإنكاره حقيقة أنه لا يحبها لكن في النهاية استسلم لمشاعره الملتهبة، والآن لا يفصله عن الزواج منها سوى ساعات وستبقى زوجته وله وحده، لا يطيق الانتظار إلى تلك اللحظة التي سيأخذها بين ذراعيه ويضمها ويقبلها دون أن يخشى أي شيء.
قطع شروده الغرامي في محبوبته طرق الباب الخفيف ثم دخول شقيقته التي وقفت بجوار الباب تنظر له بقلق وتسأله: "ممكن أدخل يا "علي"؟ تلاشت ابتسامته تدريجيًا حتى اختفت تمامًا ثم اعتدل جالسًا فوق الفراش وأشار لها بعينيه أن تدخل، ففعلت وأغلقت الباب خلفها ثم تقدمت نحوه بخطوات متعثرة حتى وصلت إليه وجلست أمامه على الفراش وهي تطرق رأسها أرضًا من الندم، ثواني معدودة حتى خرج صوتها الخافت: "أنا آسفة يا خوي سامحني." ابتسم ساخرًا
وقال بنظرة خزي وضيق: "على إيه ولا إيه يا خلود!! لمعت عيناها بالدموع وقالت في صوت مقهور: "على غلطي كله وبالأخص على آخر حاجة عملتها لما روحت له من وراك، صدقني مكنش في نيتي حاجة غير أني أحكيله الحقيقة وأفهمه، غصب عني روحت بسبب مشاعري، بس لو كنت أعرف أنه يتخلى عني ويهملني من غير ما يسمع مني حتى ما كنتش فكرت فيه ولا اهتميت، ندمانة على ثقتي فيه أنه مستحيل يهملني وندمانة أكتر أني كسرت كلمتك وزعلتك مني تاني بسببه."
انهمرت الدموع فوق وجنتيها مع آخر كلمة تفوهت بها ودون أي تردد كانت ترمي على أخيها تعانقه وتلف ذراعيها حول رقبته وتبكي بانكسار وقوة وهي تتوسله في ضعف:
"سامحني يا "علي" الشيطان ضحك عليا وغصب عني عملت كل ده لو رجع بيا الزمن كنت قتلت نفسي قبل ما أعمل فيكم وفي روحي كده، كنت جاهلة وغبية يا خوي واكتشفت أني غبية أكتر لما فكرت أن مروان ممكن يحبني صح ويقبلني بعد اللي عملته، أنا اكتشفت أني مليش غيرك أنتي وأمي وجدي ومن هنا ورايح مش هخرج عن طوعكم واصل واللي تقولي عليه هنفذه وهتشوف خلود جديدة ومختلفة."
بقت ذراعيه معلقة في الهواء مترددًا هل يضمها أن يبعدها عنه، رغم أن دموعها وبكائها أصاب قلبه وأشفق عليها إلا أنه لا يستطيع نسيان فعلتها، لكنها استمرت في البكاء بشدة وهي تترجاه أن يسامحها حتى استسلم لحبه الأخوي لها ولف ذراعه حول ظهرها يطبطب عليها بحنو ثم أبعدها عنه وقال بهدوء: "خلاص يا خلود بزيادة بكاء." سألته بعينان عاجزة وممتلئة بالأسى: "يعني سامحتني؟ تنهد "علي" الصعداء ثم أجابها بنبرة رزينة ونظرة حكيمة:
"أنا مصدق ندمك وأنك عرفتي غلطك وندمانة وده حاجة كويسة قوي بالنسبة لي، اعتبريني سامحتك مقدمًا لغاية ما أتأكد أنك صح مش هتعملي أي حاجة من ورايا تاني وهتنفذي كلامي ومش هتكسري كلمتي." تهللت أساريرها ولمعت عيناها والإبتسامة شقت طريقها باتساع وسط دموعها من فرط الفرحة وراحت ترمي عليه مجددًا تعانقه وهي تشكره بحب أخوي صادق، ثم ابتعدت عنه وقالت بنظرة كلها ثقة ووعيد:
"أوعدك أني مش هخيب ظنك فيا تاني، وكمان عاوزة آخد رأيك في حاجة عشان أثبت لك أني مش هفكر في أي حاجة من غير ما أشاركك الأول وأخذ الأذن منك." "علي" باستغراب وفضول: "حاجة إيه؟ تنحنحت خلود باضطراب بسيط وقلق من ردة فعله ثم بدأت تمهد له بذكاء:
"أنا الصراحة مش بفكر في جواز تاني واصل وأنا عارفة أن مليش جواز خلاص، بس نفسي أعمل حاجة لنفسي أفتخر بيها يعني يكون ليا شغلي وحياتي ومبقاش محتاجة لحد واصل، مش عايزة أفضل حابسة روحي وقاتلة نفسي بالحياة." رفع حاجبه وأجابها بابتسامة جانبية ساخرة: "يعني عايزة تقولي أنك عايزة تشتغلي؟! هزت رأسها بالإيجاب وتابعت محاولة إقناعه:
"أيوة نفسي أنجح في حياتي وقولت آخد رأيك الأول وأشوفك هتوافق ولا لا لأني لسه حتى مدورتش على شغل مناسب وأنا معايا شهادتي حلوة قوي وممكن أشتغل في شركات وأماكن كويسة ومحترمة." أطال "علي" النظر بها بصمت يفكر بحكمة في رغبتها، يريد منحها الفرصة ولكنه يخشى أن تخونها ثانية، وعندما نظر في عينيها ورأى لمعة الأمل والرغبة الحقيقية في صنع ذاتها كما تقول تنهد بقلة حيلة وقال مستسلمًا:
"تمام دوري وشوفي يا خلود بس الشغل ده واقف على المكان اللي هتشتغلي فيه لو مكان محترم ومناسب وقتها معنديش مانع." غرغرت شفتيها بصدمة من موافقته السريعة، فهي كانت تعتقد أنها ستحاول معه أكثر من مرة ليوافق على طلبها ومن فرط سعادتها للمرة الثالثة عانقته وهي تهتف بتلقائية ضاحكة: "شكرًا يا "علي" ويا رب كده أشوفك مبسوط وتتجوز غزل وتعيشوا في هنا وسعادة مع بعض." ضحك مغلوبًا منها ثم أبعدها عنه برفق وقال في هدوء امتزج بجديته:
"يارب، يلا عاد سيبيني عشان عايز أنام بكرة ورايا يوم طويل." هزت رأسها بالموافقة واستقامت واقفة وغمزت له بمكر متمتمة: "ماشي يا عريس تصبح على خير." ثم اتجهت إلى الباب لتنصرف وتتركه ينظر على أثرها شاردًا في الحال التي وصلت إليه شقيقته بسبب خطأها وجهلها. صباح اليوم التالي داخل المستشفى تحديدًا بغرفة عمران في تمام الساعة التاسعة صباحًا.
فتحت آسيا عيناها ببطء وعندما شعرت بذلك الملمس المختلف عن ذراع زوجها الذي كانت تنام عليه طوال الليل، فتحت عيناها دفعة واحدة بفزع وراحت تتلفت حولها بحثًا عنه ثم صاحت منادية عليه بقلق: "عمران أنت فين؟
لم تسمع ردًا منه لكن التقطت أذنيها صوت المياه في الحمام فديقت عينيها بتعجب وانزعجت بشدة منه لأنه نهض من الفراش وذهب للحمام بمفرده دون أن يوقظها لتساعده، رفعت يدها إلى وجهها ومسحت عليه بتأفف وقلة حيلة ثم التفتت بجوارها حيث يوجد هاتفها فوق المنضدة والتقطته ثم أجرت اتصالًا لتطمئن على ابنها الصغير وبعد مكالمة دامت لثلاث دقائق تقريبًا كان محتواها الأساسي أن جليلة طمأنتها أن ابنها بخير.
استقامت واقفة بعد الانتهاء من المكالمة الهاتفية مع أمها واقتربت من الحمام حتى وقفت أمام الباب وطرقت عليه بالتزامن مع سؤالها المهتم: "عمران محتاج حاجة أدخل أساعدك؟ وصلها صوته الغليظ بالرفض: "لا."
لاحظت نبرته القاسية فلوت فمها بضيق واتجهت إلى مقعد بحوار الفراش وجلست عليه وهي تفكر في ذلك التوتر الذي حدث بينهم امبارح بسبب ما فعلته، وعلى الرغم من أنه تظهر أمامه ندمها ليُسامحها لكنها في الواقع ليست نادمة ولو بمقدار ذرة ولو عاد بها الزمن لفعلت مجددًا، لم تكن لتترك من الحق به الضرر وكاد أن يقتله أن يهرب ويعيش حر طليق دون عقاب.
يصفها بالغزال ولكنه يعلم جيدًا أن في ثناياها مساحة واسعة تخبئها لجانب آخر من شخصيتها يشبه تمامًا الأسود، فلا ينتظر منها إظهار اللطف والرقة في لحظات اصطيادها لفريستها. خرج من الحمام بعد دقائق معدودة وكان يسير ببطء فاستقامت هي واقفة وهرولت إليه لتمسك بذراعه وتساعده في سيره إلى الفراش، لتجده يرمقها بانزعاج لكنه لم يبدي اعتراض وسار معها إلى الفراش ثم ساعدته في التسطح عليه وقالت معاتبة إياه بحزم: "ليه مصحتنيش وقمت وحدك!
رمقها بطرف عينيه في غيظ ولم يجيبها ثم قال بعد لحظات بلهجة صارمة: "جهزي نفسك ولمي أي حاجة ليا وليكي في الأوضة عشان بشار جاي هيخلص الإجراءات وهنروح البيت." راقبت تعبيراته المنزعجة منها ونبرته في ابتسامة لئيمة ثم راحت تجلس بأريحية بجواره على الفراش ملتصقة به وتميل عليه تقول مشاكسة إياه: "واضح أنك شايل مني قوي وعايز تروح البيت بأسرع وقت عشان تربيني." عمران بجفاء ليس حقيقي دون أن ينظر لوجهها: "زين أنك عارفة."
مالت عليه أكثر بدلال ورفعت أناملها تعبث في خصلات شعره ولحيته هامسة: "وماله يا معلم هو أنا أطول، وبنسبة لي نروح بيتنا أفضل أصل أنا عايزة أهتم بجوزي زين وأدلعه وأهشتكه." رفع حاجبه بابتسامة جانبية يثبت لها إدراكه لما تحاول فعله رغم إعجابه بأسلوبها الجديد في إرضائه إلا أنه يريد أن يطيل ذلك الخصام ليرى محاولاته المختلفة ودلالها عليه، قال بخبث ونظرة شبه ساخرة: "وهتدلعيني كيف عاد؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!