رفع حاجبه بابتسامة جانبية يثبت لها إدراكه لما تحاول فعله رغم إعجابه بأسلوبها الجديد في إرضائه إلا أنه يريد أن يطيل ذلك الخصام ليرى محاولاته المختلفة ودلالها عليه. قال بخبث ونظرة شبه ساخرة: _وهتدلعيني كيف عاد؟! حدقته بنظرة أنثوية مثيرة وقالت غامزة له: _زي ما تحب يامعلم. زادت ابتسامته اتساعًا ومازالت الدهشة تظهر على صفحة وجهه، ثم وجدها تميل عليه أكثر وتطبع قبلة حميمية فوق وجنته بشفتيها الناعمتين وسط همسها:
_هو أنا ليا مين غيرك ياعمران، مقدرش على زعلك مني. أغلق عينيه محاولًا التحكم في شهواته التي أشعلتها تلك الساحرة بقبلاتها وهمساتها وتغزلها به، ثم أخذ نفسًا عميقًا وأطلق زفيرًا ناريًا ونظر لها بحدة مزيفة وقال: _طيب بعدي شوية لحد يدخل، إحنا مش في البيت. انحنت عليه مجددًا غير مكترثة بتنبيهاته وقبلته بعمق أكثر متمتمة في لؤم: _وأنت من امتى بيهمك حد، ولا عشان لقيت نفسك ضعفت قصاد غزالتك. عمران بنظرة صارمة وصوت
رجولي بعد قبلتها الثانية: _آسيا. وبعدين. قهقهت عاليًا على محاولاته الفاشلة في الصمود أمامها وإظهار ثبات مشاعره ورغباته بها، فهزت رأسها بالموافقة وقالت وهي تغمز له بثقة: _حاضر، لما نروح البيت هنشوف هتصمد قصاد الغزال قد إيه.
ثم استقامت واقفة واتجهت إلى الحمام وهي تتمايل في سيرها أمامه عمدًا وتهتز منحنيات جسدها مع تمايلها، وقبل دخولها الحمام التفتت له وهي تبتسم بساحرية ثم توارت داخل الحمام وأغلقت الباب لتتركه هو يشتعل ويهمس متوعدًا لها: _ماشي يا آسيا، اصبري عليا لما نروح. ***
بعد مرور ثلاث ساعات تقريبًا كان بشار في منزل مريم بعد انتهائه من إجراءات خروج عمران. ذهب لمنزل خطيبته ليتفق مع والدها على ميعاد زفافهم، دامت جلسته مع والد مريم لساعة وهم يتحدثون عن تجهيزات الزفاف وميعاده وأحاديث أخرى مختلفة تخص العمل وغيره.
وبالداخل كانت مريم تجلس والقلق يستحوذها كليًا، فضولها سيقتلها لتعرف ماهي القرارات التي اتخذوها ومتى سيتم الزفاف، رغم كل ما حدث بينهم ومروا به إلا أن حبها له يجعلها في قمة السعادة أنها ستصبح زوجته أخيرًا وأنها نجحت في الحصول على قلبه وأصبح ملكًا لها وحدها. بعد نصف ساعة أخرى من الانتظار دخلت أمها وهي تخبرها بأن حديث والدها وبشار انتهى وهو ينتظرها ليتحدث معها قبل رحيله. فتسارعت نبضات قلبها ولمعت عيناها بفرحة
وراحت تسأل أمها بفضول: _متعرفيش طيب حددوا الفرح امتى ياماما؟ هزت رأسها بالنفي وقالت مبتسمة على لهفة ابنتها: _لا لسا ملحقتش اتكلم مع أبوكي، هروح أكلمه دلوقتي وانتي اطلعي لخطيبك وهو هيقولك أكيد.
أومأت بالموافقة واسرعت للخارج حيث يجلس في غرفة الضيوف. فوجدته جالسًا فوق الأريكة وبيده كأس الشاي يشرب بهدوء. وقفت بجوار الباب وتمعنته بغرام لثواني دون أن يلاحظ وجودها. انزل هو الكأس ووضعه بمكانه ثم التفت بمحض الصدفة تجاه الباب فاندهش برؤيتها تقف تتأمله بشرود. ابتسم بحب وغمز لها هاتفًا: _أنا مش متعود على الحب ده كله!! انتبهت لصوته وتنحنحت بخجل شديد وهي تطرق رأسها أرضًا ثم اقتربت منه وجلست بجواره
وكان أول سؤال تطرحه هو: _حددت الفرح امتى مع بابا؟ قهقه بهدوء عليه وقال في نظرة عاشقة: _والله صدقيني بعد اللي شفته دلوك ده وبعد لهفتك دي أنا مستعد اچيب المأذون حالًا ونتچوز. أزاحت بوجهها بعيدًا عنه في خجل وقالت متصنعة عدم المبالاة بثبات: _لهفة إيه، أنا مش ملهوفة ده فضول بس مش اكتر. مال بوجهه عليها قليلًا وهمس في عين تنضج بالحب: _هو أنا قولتلك قبل إكده أني بحبك؟
ارتعش نظرها عنه خجلًا مبتسمة ثم هزت رأسها بالنفي ردًا على سؤاله. اطال هو التمعن في خجلها الجميل وهمس غامزًا: _معقول!! .. إزاي مقولكيش أني بحبك وأنك أجمل هدية في حياتي واني بحمد ربنا كل ليلة أنه رزقني بيكي. تلونت وجنتيها بحمرة الخجل واتسعت ابتسامتها حبًا واستحياءًا من تغزله بها، لتسمعه يسألها بتعجب: _إيه مش هتقولي أي حاجة؟ همست بصوت خافت بالكاد يُسمع من فرط خجلها: _أقول إيه؟! بشار مبتسمًا بمرح ومشاكسة:
_يعني أي كلمة حلوة كدا منك. نظرت له وقالت بدلع مبتسمة في ثقة: _تؤتؤ الكلام ده بعد ما نتجوز إن شاء الله. ضحك عاليًا ثم غمز لها وقال في خبث: _وماله الحلال أحلى برضوا، واحنا مش هنستنى كتير هي كلها أسبوع. فغرت شفتيها وعيناها بصدمة وراحت تسأله: _الفرح بعد أسبوع! أجابها ضاحكًا يحاول تهدئة روعها:
_في إيه مالك مفزوعة إكده ليه، كل ما في الموضوع إني هخطفك بس لمدة شهر إكده ننعزل عن الناس واصل ونقضي شهر العسل في المكان اللي تحبيه، الموضوع مش مخيف للدرجة يعني. ابتسمت مغلوبة منه وقالت في عتاب بسيط: _أنت بتهزر.. أسبوع قريبة أوي يابشار مش هلحق أجهز نفسي وبابا إزاي وافقك على الكلام ده. بشار بتصنع البراءة والحزن:
_الحج الله يباركله حس إنّي غلبان ودايب في حبك ومش قادر أصبر أكتر من إكده في بعادك فرأف بحالي ووافق أننا نعمل الفرح بعد أسبوع. _يعني هو رأف بحالك أنت ومرأفش بحال بنته!! قهقه بخفة ثم قال في مكر وعينان تلمع بوميض العشق: _مالها بنته ده أنا هدلعها آخر دلع هي بس تبقى على ذمتي وتدخل بيتي وهخليها تعيش ملكة. ضحكت بخجل من مغازلته المستمرة لها وقالت في قلة حيلة: _بكاش أوي. ارتخى جسده على الأريكة بإريحية أكثر وقال بثقة تامة وهو
يحدقها بطرف عينه في خبث: _كلها أسبوع وتشوفي بعينك إذا كنت بكاش ولا لأ. راقبته بابتسامة مغرمة وهو يجلس أمامها بعنجهية وثقة جميلة، وفي داخلها ألف شعور وأقواهم كان الهوى والفرحة باقتراب زواجها من حبيبها. *** داخل منزل جلال صفوان.... فتح جلال الباب ودخل وهو يحمل بيديه أكياس ممتلئة بألعاب مختلفة لأولاده وملابس ومستلزمات أخرى تحتاجها فريال. اتجه نحو الأريكة في الصالة وجلس فوقها ثم وضع الأكياس في الأرض وصاح مناديًا
على أولاده وزوجته: _معاذ.. عمار تعالوا عاوزكم.. فريال. ركض الأولاد من غرفتهم وخرجوا لوالدهم ركضًا فوجدوه يشير لهم بعينيه غامزًا على الأكياس فلمعت عيناها بوميض الفضول والفرحة واسرعوا إليه لينقضوا على الأكياس ويكتشفوا محتواها لكنه أوقفهم بعباراته الحازمة: _استنوا كل واحد ليه كيسه وحاجته ولعبه عشان ميحصلش خناق.
التقط أحد الأكياس الكبيرة واعطاها لمعاذ وثم التقط كيس مماثل في الحجم وأعطاه لعمار، لينقضوا على اكياسهم ويفرغوا محتوياتها وهم يضحكون بفرحة غامرة والاندهاش يستحوذ على وجوههم من كثر الألعاب وجمالها. بتلك اللحظات كانت تقف فريال بجوارهم وتراقب تعبيرات وجه اولادها وفرحتهم وهي تضحك، لتجد جلال يلتقط أحد الأكياس مختلفة الشكل وجميلة يبدو أنها من أحد المحلات الغالية وأعطاها إياه فاتسعت عيناها بدهشة وقالت في فرحة طفولية:
_وأنا كمان جايبلي منستنيش يعني. جلال في حنو: _برضوا يافريالي هو أنا أقدر أنساكي ياحبيبتي ده أنتي الكل في الكل هنا وقبل العيال دول ذات نفسهم. كان معاذ وعمار منشغلين بألعابهم غير منتخبيين للحوار الدائر بين والديهم وكل منهم يتفقد ألعاب الآخر ليرى ما الألعاب الذي اشتراها لهم والدهم. أما فريال فهمت بفتح ذلك الكيس المميز لتكتشف محتواه فوجدته يمنعها وهو يبتسم بخبث ويقول: _لا مش هنا، الكيس ده مينفعش يتفتح قصاد العيال.
ضيقت عيناها باستغراب ثم خمنت من نظراته اللعوب أن هناك أشياء حميمية وخاصة بالداخل، فرمقته بقلة حيلة ضاحكة وهمست: _مش مطمنالك. جلال بحماس وعينان تشتعل بالرغبة: _هنسيب العيال الليلة دي في بيت أبوي بعد كتب كتاب "علي" واحنا نقضي الليلة وحدنا يا فريالي. قهقهت فريال بقوة وقالت في إشفاق: _حرام عليك نسيبهم إيه.. "علي" أكيد هيبقى حابب يقعد مع مراته والعيال هيعملوا صداع في البيت. جلال بعدم اكتراث وهو يضحك:
_واحنا مالنا، بعدين خليه يشرب شوية انتي مش فاكرة كان بيعمل فينا إيه واحنا مخطوبين ده أنا هوصي العيال عليه وصاية. انطلقت ضحكتها المرتفعة ثم قالت: _أنت لسا فاكر ده من عشر سنين يا جلال الكلام ده. أجابها بكل بساطة وابتسامة شيطانية: _الحجات دي انتوا تنسوها الستات عادي لكن إحنا الرجالة مننسهاش، لأن اللحظات دي بتبقى مميزة بنسبالنا وبنستناها بفارغ الصبر، وأنا جه الوقت دلوقت أخُد حقي.
ضحكت هزت كتفيها بقلة حيلة منه، تتركه يفعل ما يريد مع ابن عمه ثم عادت تنظر لأولادها المنشغلين في اللعب وجلست بجوار زوجها الذي ضمها لصدره وقال مغتاظًا بضحك: _شايفة ولاد **** ولا حتى قالوا شكرا لأبوهم. ضحكت فريال عليه بين ذراعيه وقالت مدافعة عن أولادها: _عاجبهم اللعب خليهم يفوقوا من الصدمة والفرحة الأول حتى يا جلال. أمال على رأسها مبتسمًا بدفء وقبلها وهو يهمس: _ربنا ما يحرمني منكم أبدًا ياحبيبتي. ***
داخل منزل بلال الصاوي بتمام الساعة الثامنة مساءًا....
كان جالسًا بالصالة يشاهد التلفاز إلى حين انتهاء زوجته من تجهيز نفسها، لكن طال انتظاره حتى ضجر فهب واقفًا واتجه إلى غرفتهم وهو منزعج فوجدها تقف أمام المرآة تضع اللمسات الأخيرة في حجابها وهي ترتدي ثوب فضفاض متدرج من إحدى درجات اللون الأخضر ويزينه بعض الفصوص البيضاء والفراشات الصغيرة. فابتسم بعينان لامعة ثم تقدم نحوها بخطواتها الهادئة حتى وقف خلفها مباشرة ولف ذراعيه حول خصرها وجذبها إليه يعانقه من الخلف وينحني برأسه عليه ويرفع حجابها عن رقبتها قليلًا ليطبع قبلاته الحارة
وسط همسه وانفاسه الساخنة: _إيه الجمال ده يا حوريتي. نظرت له في انعكاس المرآة وابتسمت بحب ثم احتضنت ذراعيه الملتفين حول خصره وقالت له بدلع: _يعني الفستان حلو فيا بجد، أنا كنت خايفة يبقى شكله وحش. بلال مبتسمًا وهو يتغزل بها: _أنتي أي حاجة بتلبسيها بتحليها ياحبيبتي مش هي اللي بتحليكي. ضحكت بخجل وقالت وهي تميل برأسها للجانب في دلال لطيف: _الله بقى يابلال متكسفنيش أكتر من كده.
قهقه عليه بخفة ثم رمقها بعين لامعة بمكر وعاد يوزع قبلاته على رقبتها ووجهها مجددًا ويهمس لها: _إيه رأيك نكنسل الطلعة دي وافسحك أنا أحلى فسحة هنا بين الأربع حيطان في مملكتنا الصغيرة. لوت فمها بضيق وقوست حاجبيها مغتاظة كدليل على اعتراضها التام على ذلك الاقتراح فانفجر ضاحكًا وقال باستسلام تام: _في إيه أنا كنت بهزر بس، هنطلع متخافيش بس على اتفاقنا كيف ما أنا هدلعك برا وافسحك انتي كمان تدلعيني في البيت لما نرجع.
عادت البسمة الواسعة تشق ثغرها مجددًا كالطفل الصغير وقالت بدلع: _اوكي، هو أنا ليا مين غيرك أدلعُه يابلبلتي. لوى فمه بقرف من ذلك الدلع السمج الذي تستمر في قوله وابتعد عنها وقال بهدوء مزيف وهو يتجه لخارج الغرفة: _أنا مستنيكي برا يلا خلصي بسرعة. فهمت سبب ذلك التحول فكتمت ضحكتها وردت عليه بابتسامة عريضة متعمدة إثارة غيظه أكثر: _حاضر يابلبلتي.
توقف والتفت لها يرمقها بنارية فانفجرت ضاحكة بقوة ورفعت كفها تشير له أنها الأخيرة دون أن تتوقف عن الضحك الهستيري، فيهز هو رأسه بنفاذ صبر ويكمل طريقه للخارج مبتسمًا على طفوليتها التي يعشقها. *** داخل منزل خليل صفوان.....
كانت العائلة بأكملها مجتمعة في الصالة الكبيرة بالمنزل بالطابق الأرضي وبانتظار وصول المأذون. كان "علي" يجلس مع الرجال ويتحدثون في أمور مختلفة وهو يرتدي جلباب صعيدي أبيض اللون ويلف حول رقبته شالًا رجالي من اللون البني زاده وسامة ورجولة. أما غزل فما زالت بالأعلى ومعها كل من خلود وآسيا يساعدونها في تجهيز نفسها.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا وصل المأذون أخيرًا وصعدت إنصاف لغرفة غزل لتطلب منها النزول، كانت ترتدي ثوب بسيط وفضفاض باللون الأبيض أيضًا مثله، بأكمام طويلة وعريضة وتركت العنان لشعرها الحريري ينسدل على ظهرها وكتفيها بعدما جهزته بإحدى التسريحات المفضلة لديها. وفي قدمها حذاء عالي من نفس اللون تنزل به الدرج فيصدر صوتًا ناعمًا مثلها جعل الجميع يلتفت لها وينبهر بجمالها الساحر. تعالت الزغاريد من النساء فور رؤية العروس وهي كانت تسير بخطوات رقيقة مبتسمة في خجل وهي تجفل نظرها أرضًا حتى وصلت لتلك الطاولة التي يجلس حولها كل من المأذون وأبيها وجدها وجلال و"علي" وكان مكانها بجواره هو.
وفور جلوسها انحنى عليها وهمس في أذنها بصوت أصاب فؤادها: _كلها دقايق وتبقى مرتي ياغندورة. لم تنظر له وظلت مطرقة رأسها أرضًا والإبتسامة الخجلة لا تفارق ثغرها، حتى وجدت المأذون يبدأ في إجراءات الزواج ووضع "علي" يده في يد والدها وبدأ كل منهم يردد خلف المأذون ما يقوله. وبعد مرور دقائق طويلة نسبيًا بعد انتهاء كافة الإجراءات هتف المأذون بابتسامة صافية وهو يهنئهم: _بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. مبروك.
العبارة سقطت عليها كقطع الثلج التي أصبحت جسدها كله، وبلحظة مر أمامها شريطها الكامل منذ قدومها لذلك المنزل، كيف كان حالها عند دخولها وكيف هو حالها الآن، لو أخبرها أحدهم أنها ستتزوج "علي" لكانت اتهمته بالخرف، لا تستوعب أنها أصبحت زوجته حقًا.
شعور متضارب بين الرعب والفرح، التردد والحماس، لكن كل هذا لا يهم ولا مجال للصدمة الآن، فهي تتلقى التهنئات من جميع العائلة بالفعل والجميع يحتضنها ويهنئها بزواجها وسط الزغاريد وأصوات الأغاني المرتفعة والأطفال من حولها يرقصون ويلعبون. وعندما التفتت برأسها للخلف إلى "علي" كان على عكسها تمامًا في قمة سعادته وهو أيضًا يتلقى التهنئات، لكن ضحكاته تستطيع سماعها رغم ضجيج الأغاني وصخبها.
انحنت عليها آسيا التي لاحظت ذهولها وتوترها من ذلك الوضع وهمست في أذنها ضاحكة: _اضحكي وفكي أحسن الناس تفتكرك مغصوبة. نظرت لآسيا بنظرة طفولية وقالت في ارتباك شديد: _أنا خايفة. قهقهت آسيا عاليًا وردت عليها في قلة حيلة: _صدق اللي قال عليكي هبلة. جربتها النساء بجوارهم وتعالت ضحكاتهم مع بعضهم، فاندامجت معهم مع مرور الوقت ونست توترها وحتى بدأت تشاركهم في الرقص.
ولا تعرف لماذا أو ما السبب لكن عيناها كانت دائمة البحث عنه، بين كل لحظة والأخرى تلتفت وتبحث عنه وعندما تراه يقف بين الرجال تعود وتكمل رقصها وضحكها من النساء، هي نفسها لا تدري هل بحثها عنه يبثها بالأمان أم ارتباك وتوتر.
بعد انتهاء تلك الليلة الجميلة ورحيل جميع المدعوين لم يتبقى سوى أهل المنزل فقط، وهي كانت تجلس بين نساء العائلة تستمع لمزاحهم وأحاديثهم، ثم استقام كل من جلال وفريال وآسيا ليرحلوا وأصبح المنزل فارغ تقريبًا. وتسارعت نبضات قلبها بشدة عندما رأته يقترب منها ثم ينحني عليها ويمسك بيدها ثم ينظر لوالدها وجده ويطلب الإذن منهم بأدب ضاحكًا: _عن إذنكم عاد هاخد مرتي ونقعد شوية على انفراد.
رمقته غزل بحدة من كلماته الجريئة أمام الجميع لكنه لم يبالي بها وجذبها معه إلى غرفة الجلوس الخاصة بجدهم وأغلق الباب، فالتفتت له وقالت بخجل: _عيب يا "علي"، بتقفل الباب ليه؟ الكل قاعد برا إيه يقولوا دلوقتي. علي بعدم اكتراث وضحكة واسعة وهو يقترب منها بتريث: _يقولوا اللي يقولوه، مليش صالح، مرتي وأنا حر، محدش له حاجة عندي. تقهقهرت للخلف بارتباك من تقدمه الخبيث نحوها ورفعت سبابتها في وجهه وقالت محذرة إياه:
_"علي"، أنت بتقرب كدا ليه؟ عارف لو فكرت تعمل أي حاجة هصوت وأنت عارفني أنا مجنونة وأعملها. كبح ضحكاته بصعوبة وهو مستمر في التقدم نحوها ويقول بجدية ليطمئنها: _يابت هعمل إيه أنا، بس هاخدك بالحضن وأقولك مبروك. أجابته بتوتر وخجل حقيقي وهي مازالت تتراجع قبل أن يصل لها: _قول لي مبروك بدون touch. تصنع الغيظ والضيق وقال بحدة: _طيب ما تثبتي عشان أعرف أتكلم كلمتين على بعضهم معاكي.
توقفت مكانها بعدما نجح في إخافتها بنظراته الحادة، وقف أمامها مباشرة وهو يتمعنها بحب مبتسمًا ثم انحنى عليها ينوي أن يضمها، احضنه ويقبله من شعرها لكنها ظنته ينوي شيء آخر ودون أن تردد انطلقت منها صرخة لكنها أسرع وكتم على فمها قبل أن تلتقط آذانهم في الخارج تلك الصرخة. ورمقه مغتاظًا ثم هتف: _إيه الچنان وشغل الفضايح ده! دفعت يده عن فمها بعيدًا وهتفت بتحدي وشماتة: _عشان قولت لك وحذرتك لو عملت أي حاجة هصوت.
عض على شفاه مغتاظًا منها ثم قال بعين تلمع بشيطانية: _طب أنا كنت ناوي أحضنك بس وعشان اللي عملتيه ده لازم تاخدي عقاب. تركها للحظة لتستوعب ما قاله حيث دنى منها وأبحر معها في لحظاتهم الخاصة الأولى، يعيشون أولى أحزانهم الغرامية كزوجين. ابتعد عنها بعد لحظات طويلة ورفع شفتيه لجبهتها يطبع قبلة دافئة وهو يهمس: _مبروك ياغندورتي.. أخيرًا بقيتي ليا وحدي.
فتحت عيناها ببطء وحمرة الخجل تملأ وجنتيها وانفاسها متسارعة من فرط الاستحياء والتوتر، ثم راحت تلزكه في صدره بغيظ وتوبخه بلطف هاتفية: _أنت قليل الأدب على فكرة. قهقه بخفة ثم ضمها لصدره وقال ببرود مبتسمًا: _وماله صفة حلوة وشغالة برضوا اليومين دول.
ضحكت بصمت بين ذراعيه مغلوبة على أمرها منه، رغم كل شيء لكن ربما هي الآن لأول مرة تشعر بالسعادة الحقيقية منذ بداية اليوم، تلك الفراشات التي تحلق في معدتها واجنحتها التي تكاد لا تسع الغرفة من فرحتها وحبها له. *** داخل منزل عمران الصاوي....
كانت آسيا تقف في المطبخ تقوم بتحضير العشاء بعد عودتها من زواج "علي" وغزل، وكان عمران بالصالة متسطح فوق الأريكة ويشاهد التلفاز، كانت مازالت تخطط وقد فكرت بأن خطتها في إثارة رغباته فكرة جيدة وتجعلها يخضع ويسامحها.
بعدما انتهت من تحضير الطعام بدأت في نقل الصحون للخارج ووضعهم فوق طاولة الطعام وهي تتعمد تجاهله كأنها منشغلة في الطعام وغير منتبهة له، تتحرك أمامه كالفراشة بخفة وتتغنج في سيرها وتتمايل بذلك الثوب الأسود القصير الذي ترتديه، تخدعه أنها لا تراه لكنها كانت ملاحظتها قوية جدًا وتراقب نظراته المتفحصة لها. بعد انتهائها من نقل الصحون اقتربت منه ومدت له يد المساعدة فطالعها بمكر مبتسمًا ثم قال بين ضحكه:
_انتي بتمارسي عليا تعويذة من تعاويذ سحرك ولا إيه! ضحكت بصمت وقالت في شموخ وثقة: _إيه اللي خلاك تفهم إكده! مسك يدها وساعدته في الوقوف وهو يجيبها بهدوء: _أنا مش فاهم حاجة واصل. ابتسمت له بلؤم وقال بدلع: _مش لازم تفهم، أهم حاجة الإحساس يا معلم.
قهقه بخفة على عبارتها ثم سار بجوارها حتى وصل لمقعده وجلس عليه وجلست هي بجواره وقبل أن يمد يده للطعام وأوقفاته وبدأت هي تطعمه بيدها وسط نظراته الحائرة والمغرمة، كانت لا تجعله يضع يده في الطعام أبدًا بل تطعمه بكل اهتمام وتدلله كابنها الصغير وتعني له غامزة: _أنا وعدتك أني هدلعك في البيت. فتح فمه ليأخذ اللقمة من يدها ويجيبها مبتسمًا وهو يمضغ الطعام: _هتفضلي توكليني إكده ومتاكليش انتي. رفعت يدها بلقمة أخرى
ومدتها لفمه وهي تجيبه بحب: _لا أنا شبعانة. أبعد يدها وأعادها لفمها هي متمتما بحزم بسيط: _كلي انتي يا آسيا، كفاية أنا هكمل وكل لوحدي. همت بأن تعترض لكنه رمقها بنظرة صارمة لا تقبل النقاش جعلها تزم شفتيها بضيق وقلة حيلة وامتثلت لأوامره. وسط تناول الطعام صدح صوت رنين هاتفه فالتقطه وأجاب على بشار بغلظة: _عملت إيه يابشار؟ بشار بنبرة رجولية: _الرجالة عملوا معاهم الواجب في المخزن وبعدين هما راحوا سلموا نفسهم.
عمران بغضب شديد: _بتخليهم يسلموا نفسهم ليه؟ أنا ما قولتلك عاوز اربيهم بنفسي الأول. هتف بشار باستياء وحدة: _أنت في إيه ولا إيه ياعمران، لساتك طالع من عملية وفيك جرح في ضهرك وتقولي اربيهم أنا، ملوش لزمة يا ولد عمي، أحنا عملنا معاهم الواجب وأكتر كمان متقلقش وصابر الـ**** بعد اللي عمله ده معاك وهما هيعترفوا عليه مش هيطلع من السجن غير وهو بالكفن إن شاء الله. مسح عمران على وجهه متأففًا بنفاذ صبر وقال لبشار في صوت محتقن:
_طيب يابشار سلام. ألقى الهاتف بجواره منزعجًا فتمعنته آسيا بحنو وتردد لكن حسمت قرارها ومدت يدها تمسح على ذراعه بدفء وانحنى عليه تُقبّل كتفه هامسة: _كمل وكلك ياعمران متضايقش نفسك، هما خدوا جزائهم والسجن هيربيهم أكتر، كفاية أنك جاري وبخير يا أبو سليم. رمقها عمران بنظرة مميتة ثم دفع يدها بعيدًا عنه بنفور وقال بقسوة بعدما أشاح بوجهه للجهة الأخرى: _ما عاوزش أسمع حسك واصل يا آسيا دلوقتي.
تجمدت تعبيرات وجهها وتملكتها الصدمة من رده القاسي رغم كل ما تفعله من أجله ورغم محاولاتها المستميتة في إرضائه، لكنه ألقى بجهودها كلها عرض الحائط بتلك العبارة، استقامت واقفة بسخط واندفعت إلى غرفتها ثائرة في أسى. أطلق تأففًا حارًا بحنق وندم على كلماته السامة، يبدو أنه كسر بخاطرها حقًا هذه المرة، بقى مكانه لدقائق طويلة محاولًا امتصاص ذلك الغضب ليذهب لها ويجبر بخاطر غزاله المنكسر.
استقام واقفًا وسار ببطء شديد وحرص إلى غرفتهم ثم فتح الباب ودخل فوجدها تقف أمام الخزانة وتهم بنزع ذلك الثوب الأسود الذي سحره، فاقترب منها وحاوطها من خصرها بذراعه هامسًا: _هتغيريه ليه؟ أنا عاچبني. آسيا بامتعاض: _أنا مش عاچبني. مال ثغره في ابتسامة رجولية ساحرة ثم دنى منها ولثم وجنتها بقبلة عاشقة ثم لف ذراعه الآخر حولها وجذبها إليه لتلتصق بصدره وهمس:
_كل مرة بتسحريني وتسيطري عليا وتقلبي الطرابيزة عليا وفي النهاية أنا اللي آجي أصالحك. ابتسمت وقالت في غرور: _عشان أنت عارف أني بحبك ومستاهلش إكده وأني كنت بعمل كل حاجة عشان أرضيك. أكمل عليها بوجهه وراح يلثم وجهها بقبلاته المتفرقة في رغبة هامسًا: _وأنا كمان بحبك ياغزالي، بس ده ميمنعش أن اللي عملتيه الصبح في المستشفى وانتي قاصدة تچننيني عليكي لازم يبقى فيه رد عليه. رمقته بنظرة جريئة ثم لفت ذراعيها
حول رقبته وقالت في غنج: _وأنا منتظرة ردك يا معلم! ضحك وقال في نظرة لعوب: _أنتي عاوزة إيه بالظبط يابت خليل؟ مش شايفة الوضع اللي أنا فيه. قهقهت عاليًا بأنوثة ثم قالت متصنعة البراءة: _متفهمنيش غلط، أنا قصدي نسهر الليلة دي مع بعض ونحكي ونتفرج سوا على حاجة حلوة، إحنا من زمان مقعدناش القعدة دي مع بعض. هز رأسه بتفهم وهو يبتسم بخبث ثم قال بوقاحة: _تمام، نقضي الليلة دي محترمين لغاية ما أستعيد صحتي بس وأربيكي كيف ما اتفقنا.
لمست على صدره بدلع وقالت في لؤم: _أنا من إيدك دي ليدك دي يا عمران. انطلقت ضحكته الرجولية على تدللها المختلف وعاد يقبلها مجددًا ثم يضمها لصدره بعشق. *** بينما كان كل من فريال وجلال بطريق عودتهم للمنزل كان هو يقود السيارة وهي تلقي نظرها خارج زجاج السيارة تراقب الطريق بشرود، فجأة وجدته توقف بجانب الرصيف بأحدى المناطق الهادئة المطلة على مياه البحر فالتفتت له وضيقت عيناها باستغراب وراحت تسأله: _وقفت ليه؟ جلال مبتسمًا
بحنو: _انزلي هنقعد شوية قصاد البحر. بادلته الابتسامة ثم امتثلت لطلبه وفتحت باب السيارة ونزلت، التف هو حول السيارة واحتضن كفها بين كفه الكبير ثم سار معها باتجاه إحدى المقاعد الخشبية العريضة أمام البحر وجلسوا بجوار بعضهم، دام صمتهم لثواني معدودة حتى قطع صمتهم صوتها وهي تقول برقة وعيناها عالقة على المياه أمامها: _إحنا مرينا بحاجات كتير قوي مع بعض يا جلال. تنهد الصعداء بحنق بسيط وقال في جدية:
_ليه بتجيبي في سيرة الماضي بس دلوقتي يا فريال؟ ابتسمت له بحب وقالت في ثبات تام: _متقلقش أنا مش بفكرك بيه عشان نزعل ونتخانق، أنا بس أدركت قد إيه حبنا لبعض كان أقوى من أي حاجة، لأن برغم كل ده إحنا لسه مع بعض. أجابها بوجه عابس وصوت يحمل الندم: _أنا مبحبش أفتكره، لأن بفتكر غلطي وقد إيه أنا كنت أعمى ومغفل وازاي أنا ظلمتك وكنت هخسرك بغبائي، مش بفتكره لأني في كل مرة بفتكر الماضي إحساس الندم بيقتلني.
التفتت له وحدقها بدفء وعينان مفعمة بمشاعر العشق ثم وضعت يدها فوق كفه واحتضنته بقوة هامسة في شعور صادق: _صحيح أنت غلطت بس مفيش حد مبغلطش يا جلال وأنا مسامحاك ياحبيبي ونسيت كل ده، كفاية حبك ليا ووجودك جنبي أنت والعيال. أمسك هو بكفها ورفعه لفمه واخذ يأثم ظاهره بعدة قبلات دافئة ثم تمتم بعينان تفيض عشقًا: _ربنا ما يحرمني منك واصل يا فريال. تأملته بهيام ثم عادت بنظرها للمياه تتأمل ذلك المنظر الهادئ أمامها، حتى
سمعته يضحك وهو يقول لها: _قعدتنا دي مفكرتكيش بحاجة؟ التفتت له وحدقته بحيرة وعدم فهم. ثم دققت النظرة بتركيز في نظراته لها محاولة فهم مقصده وإذا بها تنفجر ضاحكة فور تذكرها لذلك اليوم الذي يقصده وقالت بين ضحكها: _فكرتني ليه حرام عليك ده كان يوم ميتنسيش من كتر المصايب اللي حُصلت فيهجلال بنظرة تحمل من الهوى ما يكفي لانتشاء روحها: _بس كان يوم چميل قوي كفاية أنه كان في شهر عسلنا هزت رأسها بالإيجار مبتسمة
ثم نظرت له بنعومة وهمست: _طيب مش يلا بينا الچو برد وكمان عاوزة نروح البيت ونرتاحغمز لها بخبث وقال متحمسًا:
_صُح عندك حق نروح البيت امال احنا سايبين العيال في بيت أبوي ليههبت واقفة وهي تقهقه بخفة ثم قادت خطواتها إلى السيارة وهو لحق بها، بعدما استقلوا بمقاعدهم وقبل أن ينطلق بالسيارة التقط كفها ورفعه لفمه ليقبله مجددًا. ***فتح بلال باب المنزل ودخل هو أولًا ثم لحقت به حور التي انتابتها موجة ضحكة هستيري، اغلق الباب فور دخولها ونظر لها بحزم لطيف وقال: _وبعدين عاد ياحور!!
اتجهت إلى أقرب مقعد أمامها وجلست فوقه وهي مازالت تضحك بقوة وتقول: _مش قادرة انسى منظرك لما كنت هتتخانق مع الراجل تقدم نحوها وجلس على أقرب مقعد لها ثم قال بغضب حقيقي: _أنا قومت من چمبك بس روحت الحمام رچعت لقيت واحدة بتتعرف عليكي عاوزاكي لأخوها اللي قاعد بيتفرج عليكي من الطرابيزة اللي چمبنا المفروض كنت اخده بالحضن يعنيحور برقة وهو تحاول تمالك ضحكاتها:
_سوء تفاهم يابلال هي البنت دي أنا اعرفها على فكرة وهي كانت فكراني متجوزتش لسابلال بعصبية وحنق شديد: _فكراكي مش فكراكي ميخصنيش انا غلطان أني طلعتك أصلًازمت شفتيها للأمام بعبوس طفولي ثم استقامت من مقعدها واقتربت منها لتجلس فوق قدميه كطفلة صغيرة تجلس بين احضان أبيها، ولفت ذراعيها حول رقبته ثم نظرت له بذلك المنظر البرئ تستعطفه وتثير عواطفه بهمسها الناعم:
_اخص عليك يابلال اهون عليك كنت تكسر بخاطري، أنا أيه عرفني أن الطلعة هتبوظ ويتنكد علينا كدا أخفض نظره بجرأة يتفحص ما تفعله وكيف تجلس بين ذراعيه وفوق قدميه بدلال ثم قال متصنعًا الضيق: _أنا قولتلك بلاش وخلينا في بيتنا وهنتبسط اكتر ابتسمت بدلع أنثوي ثم دنت منه وطبعت قبلة حميمية على وجنته وتمتمت بنظرة ساحرة:
_ولا تزعل ياحبيبي أنا هعوضك، ميهنش عليا اشوفك متعصب ومضايق كدا، قولي بس أنت إيه اللي يبسطك وأنا فورًا انفذحاول منع ابتسامته لكنه فشل فحدقها بطرف عينها في مكر وهمس: _كلك نظر ياحوريةفهمت ما يلمح إليه فقهقهت برقة ثم قالت بغنج بعدما نهضت من فوق قدميه:
_عيوني اروح بس اغير هدومي الأولراقبها وهي تبتعد باتجاه غرفتهم ثم ارسل لها غمزة وقحة فانفجرت ضاحكة على أثرها، غابت داخل الغرفة لدقائق طويلة حتى انتابه الفضول حول سبب تأخرها فاستقام واقفًا واتجه إلى الغرفة، فتح الباب ودخل فوجدها تقف في الشرفة ، غضن حاجبيه بتعجب ثم اقترب منها ووقف بجوارها وراح يلف ذراعه حول خصرها ويجذبها إليه مردفًا ببسمة سخرية: _امال فين اللي هبسطك وادلعك سيباني وواقفة في البلكونة!! ابتسمت
له بحب ثم همست بصوت هائم: _الجو جميل أوي قولت اقف شوية في الهوا دهمال على رأسها وطبع قبلة حانية ادفأت جسدها ثم هتف بصوته الرجولي المهتم: _لا ادخلي احسن تتعبي ياحبيبتيأغلقت عيناها واخذت نفسًا عميقًا بوجه صافي والسكينة والطمأنينة تنبعث من ملامحها الجميلة، ثم نظرت له بتمعن وغرام ومالت برأسها على صدره وتمتمت في لوعة:
_مبسوطة أوي يابلال أنك معايا وان ربنا رزقني بيك، ومش مصدقة أننا في بيتنا واني واقفة في حضنك، لغاية دلوقتي بفضل افكر كل ده حصل ازاي وامتى، أنا فاكرة لُقانا اول مرة كأنه امبارح، معقول كل ده عدى بالسرعة دي واتجوزنالف ذراعه حولها بحميمية وضمها إليه أكثر وعلى ثغره ابتسامة عاشقة ثم أجابها بعين تلمع بوميض جميل: _الشال بتاعك لغاية دلوك محتفظ بيهرفعت رأسها عن صدره ونظرت إليه بدهشة وقالت: _بجد لسا موجود معاك! بلال
بتأكيد وبسمة رجولية جذابة: _طبعًا لساته معايا ده غالي عليا قوي وكيف ما صاحبته غالية عندي ومقدرش أفرط فيها مقدرش أفرط فيه هو كمانرفعت جسدها ووقفت على أطراف أصابعها لتصل لطول جسده العريض والطويل وطبعت قبلة قوية بجانب ثغره ثم همست له بنعومة تذهب العقل: _أنا بحبك أويحدثنا مبتسمًا بغرام ثم مال بجزعه للأمام ووضع ذراع أسفل قدميها والأخرى في منتصف ظهرها وحملها بين ذراعيه ليدخل بها إلى غرفتهم هاتفًا بنظرة لعوب:
_دوري عاد ارد عليكي واثبتلك حبي بالأفعال ***بعد مرور أسبوع تحديدًا بليلة زفاف بشار ومريم....... انتهى حفل الزفاف وانتهت بداية ليلتهم مع العائلة وبقاعة الزفاف وسط الفرحة التي تملأ قلوب الجميع وترسم البسمة على وجوههم والزغاريد والرقص والتهنئات من جميع المدعوين للعروسين وهم يتمنون لهم حياة زوجية سعيدة.كانت تقف مريم خلف بشار الذي يفتح باب منزلهم وهو يلقي عليها مزاحاته التي
لا تتوقف منذ بداية اليوم: _الباب معصلق هي من أولها إكده، شكل عين حد رشقت في ليللتناضحكت مريم بقوة وأخذت تراقبه وهو يحاول مع الباب حتى نجح في فتحه أخيرًا فتنهد الصعداء بابتسامة عريضة وافسح لها الطريق لتدخل هي أولًا ثم دخل خلفها واغلق الباب، وقف خلفها ملتصق بها وهمس لها بحب:
_مالك متصنمة في أرضك إكده ليه ياعروسةأطرقت مريم رأسها خجلًا وتلك الابتسامة الساحرة تزين ثغرها الناعم فمال عليها من الخلف ولف ذراعيه حول خصرها ثم دفع وجهه بين ثنايا رقبتها هامسًا: _أخيرًا يامريم اتقفل علينا باب واحد ده أنتي عذبتني لغاية ما رضيتي عنيلمساته العشوائية جعلت القشعريرة تسير في أطراف جسدها كله وتلك الفراشات تحلق في معدتها بقسوة، فازدردت ريقها بتوتر وابعدت ذراعيه عنها ثم استدارت له لتصبح
مقابلة له وقالت في ثقة: _كان لازم تعرف قيمتي واتأكد من حبك لياأجابها بغمزة لعوب: _ودلوك اتأكدتي يعني؟! مطت شفتيها للأمام بتردد مزيف وقالت: _على حسبمال بوجهه عليها وقال في نظرات جريئة: _وماله العمر طويل قصادنا وهثبتلك بطرقي الخاصة مالت هي لا إراديًا للخلف كردة فعل مرتبكة على دنوه منها فتجده يضحك ثم يفتح لها ذراعيه كاملة ويقترب منها ليلفهم حول ظهرها ويضمها لحضنه وسط قبلاته التي يوزعها على رأسها ووجهها وهمساته الحانية:
_ربنا يقدرني واعوضك عن كل اللي مرينا بيه ياحبيبتي، من إهنه ورايح سعادتك وراحتك هتبقى هي أهم حاچة عنديابتعدت عنه ببطء ثم نظرت لوجهه بهيام وعيون تفيض عشقًا: _وأنا اهم حاجة عندي هي أنت رفع كفيه واحتضن وجهها ثم دنى منها وراح يلثم وجنتيها بقبلاته الساخنة ثم ابتعد بشفتيه سنتي مترات عن بشرتها الناعمة وهمس بنظرة تشتعل بالرغبة والحب:
_مش يلا ولا إيه، هو احنا هنقضيها رومانسيات وكلام وبساجفلت نظرها عنه أرضًا باستحياء شديد وقد تلونت وجنتيها بحمرة شديدة وظهر الارتباك الحقيقي علي محياها ليضحك هو برجولية ثم يميل بجزعه ويحملها بين ذراعيه متجهًا بها إلى غرفتهم. ***على الجانب الآخر داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة " علي " خرج من الحمام واتجه إلى فراشه ليتلقط هاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين منذ وقت طويل، وعندما قرأ اسم المتصل التي كانت زوجته ضيق عينيه باستغراب من اتصالها به وهي بنفس المنزل معه.أجاب
عليها بحنو: _نعم ياحبيبتيهتفت غزل برقة تليق بصوتها الأنثوي: _تعالى عندي في الأوضة يا " علي " مستنياك رفع حاجبه مندهشًا وقال مازحًا بضحكة لئيمة: _وه في الأوضة مرة واحدة، ده احنا اتطورنا عاد! كتمت ضحكتها المغلوبة منه وقالت بجدية: _بلاش وقاحة انا مجهزالك مفاجأة هتعجبك أوي يلا تعالى" علي " بخبث وحماسة:
_اكيد هتعجبني طالما بتقوليلي تعالى الأوضة، جايلك ياغندورةأغلقت الاتصال والقت بالهاتف على الفراش وهي تتنهد بقلة حيلة وتضحك عليه، ثم جلست على الفراش تنتظره حتى سمعت طرقة خفيفة منه على الباب ولم ينتظر وكان سيهم بفتح الباب لكنها صاحت عليه بسرعة: _لحظة متدخلشقرب شفتيه من الباب وهتف بصوت منخفض قليلًا في جرأة:
_انا چوزك وستر وغطا عليكي ياحبيبتي هتتكسفي منيضربت على وجهها وهي تضحك بنفاذ صبر منه ثم اقتربت من الباب ووقفت خلفه وفتحت له الباب ببطء ثم قالت بلهجة حازمة: _ادخل وأنت مغمض عينك عشان المفأجاة، اوعى يا " علي " تفتح عينك okayاغلق عينيه كما طلبت ودخل وهو يردد خلفها ويقلدها بمزح: _اوكييييفور دخوله اغلق الباب ووقفت أمامه ثم أخذت نفسيًا عميق بحماس شديد وتشويق لردة فعله، وراحت تهتف له بفرحة:
_Open your eyesفتح عينيه ببطء وهو يضحك ويهز رأسه بطريقة كوميدية ظنًا منه أنها ستكون مفاجأة عادية، لكن تجمدت تعبيرات وجهه فجأة واختفت ابتسامته من أثر الصدمة حتى أنه أخذ يتمعنها فاغرًا شفتيه كالأبله، كانت تقف أمامه ترتدي ثوب فضفاض وساتر لا يظهر من جسدها سنتي واحد وترتدي حجابًا كبيرًا يغطي شعرها وينزل إلى منطقة الصدر يخفيها أيضًا.دام ذهوله للحظات طويلة حتى سألها بعدم استيعاب:
_ده انتي بتچربيه بس وبتورهوني ولا هتلبسيه واتحچبتي صُحهزت رأسها بالنفي في ابتسامة عريضة وقالت في ترقب لردة فعله الحقيقية: _لا هلبسه خلاص هتحجب، إيه رأيك في شكلي بقى؟
قالت عبارتها الأخيرة وهي تدور أمامه بجسدها لتمكنه من رؤية مظهرها الجديد بوضوح أكثر، فكان هو يتأملها بعينان لامعة بوميض مختلف لأول مرة تراه في عيناه، وعندما توقفت وجدت الرد منه بأنه فتح ذراعيه لها يحثها على الدخول إلى قوقعتها الآمنة، فلبت دعوته بصدر رحب وسعادة ليأخذها هو بين ذراعيه ويضمها بقوة وشفتيه تتنقل على رأسها وجبهتها ووجهها، حتى سمع سؤالها المتعجب: _أنت ساكت ليه يا عليأجابها مبتسمًا بغرام والذهول مازال يستحوذه:
_مش عارف ارد اقول إيه من الصدمة ياغزل، الصراحة مكنتش اتوقع ده أبدًا انا كنت لساتني بفكر كيف هقنعك عشان تلبسي الحچابابتعدت عن حضنه ونظرت له بخجل بسيط وقال في وجه صافي وهاديء: _الصراحة خلود فضلت تتكلم معايا كتير واقنعتني أن لبسي حرام وممكن ادخل النار بسبب لبسي وفي الآخر حبيت الحجاب واقتنعت بيهرفع حاجبه مندهشًا وقال مبتسمًا بعد تصديق: _معقول خلود !! هزت رأسها بالإيجاب له ثم تابعت بعينان تلمع بوميض الحب:
_وكمان أنا عارفة أنك بتغير عليا ومش بتحب لبسي ولا أني اطلع قدام حد غريب باللبس بتاعي اللي بيبين جسمي، فحبيت اخليك مبسوط وراضي عنياتسعت عينيه بدهشة مختلفة هذه المرة فمازالت تدهشه بكلماتها ومن فرط سعادته مال عليها وخطف قبلة سريعة منها وهو يقول: _الله اكبر على مرتي وحبيبتي اللي مهتمة براحة چوزها وعارفة أنه بيغير عليها وعاوزة تريحيهلكزته في صدره بخجل بعد قبلته وقالت معاتبة إيه بغيظ:
_بلاش وقاحة بقى وقلة أدبدنى منها مجددًا واحتضن وجهها بين كفيه وراح يلثم وجنتيها من الجانبين بقبلات قوية وهو يهمس: _مش قادر من كتر فرحتي بيكي، أنتي مش هتتخيلي أنا مبسوط كيف دلوكاتسعت ابتسامتها بسعادة على فرحته بها وردة فعله الجميلة وتشجيعها لها ثم راحت تلقي بجسدها عليه وتتعلق في رقبته هاتفة بتلقائية:
_أنا بحبك أوي ياعليلا يعرف كم عدد المرات التي أصابته فيها بالدهشة منذ دخوله الغرفة وكانت هذه الأخيرة غالبًا باعترافها بحبها له، فابعدها عنه ونظر في وجهها بعدم تصديق وقال: _يابركة دعاكي ياما، أخيرًا وداني سمعتها قوليها تاني إكدهابتسمت بخجل وراحت تهز كتفها بغنج أنثوي وتهمس في نعومة: _بحبكغار عليها من فرط فرحته وصدمته وراح يوزع قبلاته على وجهها في كل مكان تطوله شفتيه فدفعته بعيدًا عنها برفق في خجل شديد وقالت
بوجنتين تلونوا بالأحمر : _"علي " الله في إيه براحة، بعدين راعي أني بتكسف. أجابها وهو يحاول التحكم في رغباته ومشاعره الجيَّاشة تجاهها: _أنا فعلاً لازم أراعي أننا لسه ما عملناش الفرح، ولازم أمشي لأني لو فضلت هنا دقيقة كمان مش ضامن روحي ممكن أعمل إيه. فُغرت غزل شفتيها وعيناها بصدمة، بينما هو فابتعد وفتح باب الغرفة، ثم التفت لها قبل رحيله وغمز بعينيه في وقاحة وهمس:
_أنا عاوز اللبس اللي كنتي بتلبسيه لما أجيبك تكوني لبساه، كان بيعجبني قوي. التقطت الوسادة من على الفراش وألقتها عليه بغيظ وهاتفة بضحكة خجلة: _اطلع برا ياقليل الأدب. تفادى هو اصطدام الوسادة به بذكاء وسط ضحكاته، ثم انصرف وأغلق الباب ليتركها تبتسم بهيام وهي تتذكر قبلاته وكلماته المعسولة. *** بعد مرور سنتين.
داخل إحدى شركات الديكور والأثاث المشهورة والضخمة، كانت خلود تجلس فوق مقعدها داخل غرفة مكتبها الخاص تباشر أعمالها الغير منتهية، وترتدي بنطال فضفاض يعلوه بالطو رسمي من اللون الأخضر ويزينه حجابها الرقيق. فقد حققت مبتغاها منذ سنتين عندما حصلت على تلك الوظيفة وعملت بكل جهدها حتى ترقت إلى أن أصبحت نائب مدير عام. حققت ذاتها والآن هي حرة سيدة نفسها، لا يمكن لأحد أن يكسرها أو يحاول تحطيمها، ومن كان لديه الجرأة ليفعل، فليحاول ويلقى عقابه.
رفعت رأسها عن الأوراق عندما دخلت مساعدتها الخاصة وقالت: _في ضيوف مهمين من طرف مستر أدهم يا أستاذة خلود، وهو قالي أوصلهم لحضرتك وتشوفي هما محتاجين إيه. ردت خلود بثبات تام ووجه جامد: _تمام يانورهان، خليهم يتفضلوا، وابقي بلغي مستر أدهم ينتظرني لغاية ما أخلص لأني عاوز أتكلم معاه. هزت رأسها بالموافقة وخرجت من الغرفة تاركة الباب مفتوح. وكانت خلود قد أعادت رأسها تنظر وأوراقها مجددًا إلى حين دخول هؤلاء الضيوف. بعد
لحظات سمعت صوت أنثوي يقول: _أستاذة خلود. استقامت خلود واقفة لترحب بالضيوف وهي على ثغرها ابتسامة صادقة، لكن سرعان ما تلاشت تدريجيًا عندما سقط نظرها على مروان وهو بجواره تلك المرأة. لم تكن أبدًا تتوقع رؤيته مجددًا، وبالأخص بتلك الطريقة. تبادلوا هم الاثنين نظرات الصدمة للحظات، فلاحظت حتى لاحظت تلك المرأة، فقالت له بتعجب: _مالك يامروان واقف كده ليه!
تملكت الصدمة من خلود، وللحظة شعرت بأن كل ما بنته بالسنتين دمرهم هو بلحظة واحدة. كانت نظراتها له تحكي ألف كلمة، لكن سرعان ما تمالكت مشاعرها ونجحت في إظهار ثباتها وقوتها التي اكتسبتها من نجاحها العملي وتحقيق ذاتها، ووقفت أمامهم بكل ثقة وابتسامة خفيفة، رغم أنه هو كان مازال يتأمل مظهرها المختلف كليًا بذهول. لولا أنه يحفظ شكلها جيدًا، كان ربما لن يعرفها. نقلت المرأة التي بجوارها نظراتها بينهم بحيرة،
ثم سألتهم بابتسامة هادئة: _انتوا تعرفوا بعض ولا إيه؟ سبقته خلود بالرد في ثبات وقوة شخصية طاغية وهي تمد يدها لتصافح المرأة: _لا خالص، أهلاً وسهلاً بيكم، اتفضلوا. مدت يدها وصافحت خلود ببشاشة، ثم جلست على المقعد، وجلس بعدها مروان وهو بعالم آخر من أثر الصدمة. أما تلك المرأة فتحدثت وهي تشير إليه بيدها: _أنا ريم ساهر، وده جوزي البشمهندس مروان. التفتت خلود برأسها تنظر لمروان بابتسامة حكت الكثير، وقالت مرحبة به:
_أهلاً بخضرتك يابشمهندس. ثم عادت بنظرها إلى زوجته وسألتها بلطافة: _أقدر أساعدكم إزاي؟ ردت زوجته وهي تمدح خلود بود: _والله إحنا مستر أدهم شكر في حضرتك كتير أوي، ولأنه معاه اجتماع ضروري قال لمروان هو صديق مروان جوزي نيجي عند حضرتك، وانتي هتساعدينا. إحنا كنا عايشين في إيطاليا وهننقل دلوقتي هنا وعايزين نجهز شقتنا من كل حاجة.
رفع مروان يده ومسح على وجهه وهو يتنفس الصعداء بحنق ويحاول تفادي النظر لخلود التي تتصرف كأنها لا تعرفه. وأجابت على زوجته بكل رسمية: _تحت أمرك، هفرجك دلوقتي حالاً على التصاميم اللي موجودة عندنا في الشركة وتقدروا تختاروا منها اللي يعجبكم. ثم رفعت هاتفها المتصل بمساعدتها، التي أجابت عليها فورًا، وقالت لها خلود برسمية: _ابعتيلي التصميمات الجديدة اللي وصلت يانورهان بسرعة.
أنهت خلود اتصالها ونظرت لمروان الذي يحدقها بتمعن، ثم عادت بنظرها لزوجته وقالت بابتسامة تحمل خلفها الكثير: _دي مجموعة جديدة لسه مطلعتش لأي حد حتى، بس عشان حضرتكم ضيوف مستر أدهم وهو غالي عندي، طلبت ليكم الأفضل. ردت زوجته بامتنان شديد: _متشكرين جدًا ليكي.
وصلت المساعدة بالتصميمات التي طلبتها منها خلود، ثم عرضتها عليهم، ودام نقاشهم لنصف ساعة تقريبًا، وأغلب الوقت كان مروان يلتزم الصمت ولا يتحدث إلا عندما تطرح زوجته عليه سؤالًا. ولخيرًا بعد انتهائهم والاتفاق على كل شيء، استقاموا، وودعت تلك المرأة خلود بعذوبة شديدة. وعندما نظرت لمروان قالت له بابتسامة ساخرة لم يفهمها سواهم، وكأنها تخبره أنها سعيدة أنهم انفصلوا: _اتشرفت بحضرتك يا بشمهندس مروان. على النقيض، رمقها هو
بنظرة اعتذار وندم وأجاب: _أنا أكتر، عن إذنك. أشارت لهم بكفها باتجاه الباب في ابتسامة صافية. ليلقي هو عليها وعلى مظهرها نظرة أخيرة قبل أن يلحق بزوجته وينصرف. بينما هي فجلست على مقعدها وهي تتنفس الصعداء بحنق ووجع لمجرد تذكرها ذلك الماضي الأليم. *** بمكان آخر، داخل منزل عمران الصاوي.
كان عمران جالسًا بشرفة غرفته وبيده كأس الشاي المفضل لديه يحتسيه بتلذذ. فقطع تلك الخلوة الهادئة مع نفسه صوت ابنه الصغير وهو يسير بخطواته الغير متوازنة إليه ويصرخ باكيًا: _بابا. التفت له عمران بفزع وفتح له ذراعيه ليستقبله ويحمله فوق ذراعيه بحنو وقلق وهو يسأله: _مالك مين اللي زعلك ياحبيبي أبوك؟ نظر له سليم بعينان طفولية دامعة وأشار بأصابعه الصغيرة إلى الخارج حيث توجد أمه وهتف: _مامي!
وصلت آسيا في تلك اللحظة إليهم وهي غاضبة من ابنها الصغير، أما عمران فنظر لها وراح يبخها مغتاظ: _عاجبك هتضيعيلي الواد وتخليه كيف العيال الفرافير، مية مرة أقولك متخليهوش يقعد مع بت علي ومراته غزل دي، ده بيقولي مامي. ثم التفت ونظر لابنه بغضب وقال في حدة وهو يوجه تعليماته الصارمة له: _اوعاك أسمعك بتقول مامي دي تاني ياد، قول أمي، أبويا.. فاهم؟
رغم أنه لا يفهم الكلام جيدًا، لكنه فهم غضب والده وأدرك أنه يوجه له تعليمات من حركة سبابته، فهز رأسه بالموافقة في خوف. ليعيد عمران ويسأله بحدة وهو يشير إلى آسيا: _دي اسمها إيه؟ رد الصغير بطفولية وبراءة: _مامي! انفجرت آسيا في تلك اللحظة ضاحكة عاليًا، بينما هو فمرقها بغيظ وحمل ابنه وأعطاها إياه وهو يقول متوعدًا: _أنا حسابي مع واد عمك "علي" ده، كمان الواد اللي حيلتي هيضيعوه. نظر لابنه وهتف بغضب يحذره:
_مش عاوز أشوفك قاعد مع بت "علي" دي تاني ياسليم. هتفت آسيا بين ضحكها القوي: _ياعمران ده عيل صغير إيه اللي بتعمله ده، هو مش هيفهم الكلام ده دلوقتي. طالعها بنارية واستياء حقيقي، فانزل ابنه الصغير من فوق ذراعيه، وقالت له بحنو: _روح ياسليم ياحبيبي هات تليفوني من بره. أسرع بخطواتها المضحكة وهي يتمايل لينفذ طلب أمه، بينما هي فاقتربت من عمران ولفت ذراعيها حول رقبته هامسة بغرام:
_أنا زعلانة منك يامعلم، ليك فترة مش مهتم بيا وطول الوقت في الشغل، ياما قاعد مع ولدك. ابتسم لها بحب، ثم دنا منها وطبع قبلة حارة على وجنتها وهمس: _وأنا ميهونش عليا زعلك ياغزال، بكرة أنا اليوم كله معاكي وهدلعك بس ياحبيبتي. همت بأن تقترب منه وتقبله، لكن دخل سليم وهو يركض إلى أمه ممسكًا بهاتفها ويقول: _مامي خد!
عندما انتبه لنظرة أبيه المشتعلة، قهقه بطفولية واختبأ خلف ظهر أمه ليثبت لأبيه أنه قالها عمدًا ليثير غضبه. انطلقت ضحكات آسيا على أفعاله، بينما عمران فبرغم غيظه منه، إلا أنه ضحك على ضحكاته التي تأثر قلبه وانقض عليه ليحمله وهو يقبله بحنو أبوي. ثم فتح ذراعه الآخر يدعو آسيا لتنضم إليهم، ففعلت ودخلت في حضنه هي أيضًا، ليرسموا صورة عائلية دافئة وجميلة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!