الفصل 17 | من 36 فصل

رواية و بالعشق اهتدي الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
19
كلمة
5,237
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

منذ أن اكتشف حيلتها وهو يقود السيارة بطريق منزلها دون محادثتها بكلمة واحدة. وهي محاولاتها مستمرة في الاعتذار ونيل السماح منه، لكنه يجيب على كل محاولاتها بالامبالاة والصمت، وتعبيراته تظهر الغضب الحقيقي الذي يستحوذ عليه. زمت حور شفتيها بيأس وقالت: هتفضل متردش عليا لغاية ما نوصل يعني ولا إيه؟! تجاهل سؤالها والتزم الصمت، فهتفت مغتاظة بضيق حقيقي:

بلال خلاص بقى، قولتلك أنا آسفة مليون مرة، أعمل إيه تاني. وبعدين أنت اللي اضطرتني إني أعمل كدا. بعد عبارتها الأخيرة، وجدت ملامحه تبدلت. رمقها بنظرة نارية أرعبتها. وباللحظة التالية فورًا كان يقف بالسيارة على جانب الرصيف في قوة جعلتها ترتد للأمام، وانفجر بها صائحًا: متعلقيش شماعة أخطائك عليا. ارتجف جسدها فزعًا من صيحته بها، وثواني بالضبط حتى اختفت تعبيرات الدهشة وتبدلت الغيظ وهي تصيح مثله:

أنا ليا يومين بحاول أكلمك وأنت مش بترد عليا، ولو رديت بتقولي أنا في شغل مش فاضي. ومش عارفة حتى أعتذر منك وأصالحك. ملقتش حل عشان اخليكم تجيني ونعرف نتكلم غير ده. وكمان أنت اللي مضايق أني فارق معايا زعلك وعايزة اصالحك وبحاول بكل الطرق. بلال جازًا على أسنانه وهو يحاول التحكم في انفعالاته: كل طرقك دي اللي هي تجيبيني على ملى وشي مفزوع وملهوف عليكي بعد ما تقوليلي أن واحد سرقك وخبطك بالموتوسيكل! التفت بوجهها للجانب الآخر

وقالت بصوت مبحوح معتذرة: أنا آسفة يا بلال. المرة الجاية لو حاولت اصالحك ابقي اضربني بالجزمة عشان أنا أستاهل. مسح على وجهه مستغفرًا ربه، ثم طال النظر بها بأعين ثاقبة تحمل الثقة التامة في شكوكه وهو يسألها بنظرة حادة: دي مش دماغك اللي تفكر في الأفكار دي، مين اللي اقترح عليكي الفكرة دي ياحور، ومن غير لف ودوران مفهوم.

عادت بوجهها نحوه ببطء وأخذت تحدق في ملامحه بارتباك وصمت. تخشى أن تخبره أنها فكرة شقيقتها الصغرى فينفجر بها أكثر. بينما هو فكان يتمعنها بنظراته القوية ويحثها على التحدث بسرعة. وبسبابته يشير لها أن تسرع في إفراغ جوفها لها وأخباره بالحقيقة. تنحنحت حور بخوف بسيط وقالت في صوت يكاد لا يُسمع: نور. هتف وهو يميل بإذنه لها ليسمع ما قالته بوضوح أكثر: مين؟ حور بقلق ملحوظ وصوت واضح قليلًا: احم، نــور. هز رأسه مغتاظًا وهو يتمتم:

نور اختك الصغيرة.. اممم ما أنا كنت متوقع أصل الأفكار دي متجيش من واحدة عاقلة ومسؤولة واصل. لمعت عين حور بلهفة طفولية وهي تقول مبتسمة في حب: بس تقدر تنكر أن خطتها جابتك على ملى وشك زي ما بتقول ولا لا ونجحت. لولا أني بس مبعرفش أكدب وفاشلة كنت مش هتكتشف حاجة. رمقها بغضب وقال متوعدًا لشقيقتها الصغيرة:

أنا لما أشوفها اختك المفعوصة دي هعلقها في السقف، وأنتي يارب تسمعي كلامها تاني وتعملي كل حاجة أي حد يقولها عليها كيف العيل الصغير اللي مش عارف الصح من الغلط. تلت أساريرها وامسكت بكف يده الكبير في نعومة وهي تنظر لعينيه بفرحة وتقول: يعني خلاص مش زعلان مني، صافي يا لبن؟ طال النظر في عينيها بهيام وهو يحاول الصمود أمامها ويقول بنظرة لعوب: ماشي صافي يا لبن بس بشرط. قالت بلهفة وحماس طفولي: إيه هو الشرط؟ رسم الجدية

على ملامحه وقال بحزم: بس قبل ما أقول الشرط لازم تكوني قد كلمتك يعني تنفذيه وإلا الخصام هيطول قوي، متفقين؟ حور بنفاذ صبر وفضول لمعرفة شرطه: ماشي متفقين يابلال يلا بقى قول. طال تتمعنه الخبيث بها وهو يبتسم للحظات قبل أن يهمس وهو يغمز بلؤم: عاوز البوسة بتاعت يوم كتب الكتاب. فغرت شفتيها وعينيها بصدمة وفورًا انتشلت يدها من قبضته بقوة ووجنتيها تلونتا بالأحمر القاتم من فرط الخجل وصاحت به:

أنت مش هتبطل سفالة، أنا غلطانة إني عايزة أصلحك، اقولك على حاجة روحني البيت وخلينا متخاصمين. لعبه برجولية مميزة وقال متلذذًا: بس أنا عاد طبت في نافوخي وعاوز اتصالح دلوقتي. أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وهتفت في استحياء شديد تتوسله: بلال بس بقى أبوس إيدك، روحني بدل ما أصرخ وألم عليك الناس. استمر في ضحكه القوي عليها وقال في النهاية رافعًا راية الاستسلام مؤقتًا:

ماشي هروحك البيت دلوقتي واسيبك تفكري كده على رواق تصالحيني انتي برضاكي ولا أنا أصالح نفسي بنفسي عاد. التفتت له ورمقته بذهول وعدم استيعاب لما يتفوه به وتلميحاته الوقحة أنه سيفعلها رغمًا عنها إن لم تفعلها هي بكامل رغبتها. وجدته يحدقها بطرف عينه في خبث مبتسمًا وقد بدأ يحرك محرك السيارة لينطلق بها عائدًا لمنزلها. *** داخل قسم الشرطة.....

توقفت سيارة أجرة أمام القسم وخرجت منها فريال وهرولت للداخل وهي تسرع في خطتها التي كانت أشبه بالركض وعيناها حمراء من فرط البكاء الشديد على زوجها. لم تكترث للمجرمين والضباط من حولها الذين ينظرون لها بتفحص وكان همها الوحيد هو العثور على زوجها، وكانت تتلفت حولها كالمجنونة. حتى رأت حمزة وعلي يتجهون نحوها بخطوات سريعة ويصيح بها حمزة غاضبًا: بتعملي إيه هنا في القسم؟ فريال بعينان دامعة: فين جلال؟

أنا عاوزة أشوفه يا عمي، إيه اللي حصل معاه؟ حمزة بعصبية ونظرة خازية: يعني انتي مش عارفة إيه اللي حصل يابت إبراهيم، هو مش أنتي برضك اللي بلغتِ على جوزك جاية تبكي عليه ليه دلوقتي قصادنا. اتسعت عيني فريال بصدمة وأشارت على نفسها بسبابتها وهي تبكي بحرقة وتقول: أنا!! .. أنا أبلغ على جوزي كيف، ده أنا عملت كده عشانه هو. ابتسم حمزة بسخرية وقال بعدم تصديق: آه بلغتي عنه هو ومنصور عشان خاطره صح! صاحت فريال بغضب ونظرة حادة وقد

أظهرت عن أنيابها الشرسة: لا أنا مبلغتش عن جوزي، أنا بلغت على منصور اللي أذنب ولازم يتحاكم ومكنتش هفضل حاطة رجل على رجل مستنية لحد ما الحكومة تعرف مكانه وجوزي يتمسك معاه، عشان كده بلغت عنه. حمزة بنظرة نارية وهو يحاول حجب روحه الثائرة عنها: ودلوقتي جوزك مراحش في الرجلين بسببك يعني واتمسك أهو. تدخل "علي" أخيرًا وربت على كتف جده بلطف ليهدأ من روعه متمتمًا:

خلاص يا جدي اهدى مش وقته الكلام ده دلوقتي، إحنا في القسم، وأنتي يافريال تعالي معايا يلا. ظلت فريال ثابتة بأرضها ترفض الحركة، فتابع "علي" بلهجة رجولية آمرة ونظرة مخيفة: فريال بقولك اتحركي يلا، هتفضلي قاعدة هنا في القسم ولا إيه وسط الحشاشين والـ**** دول. فمها بحنق وتحركت مع "علي" مجبرة وهي تمسح دموعها بظهر يدها حتى وصلوا لخارج القسم وقال له بصرامة: هوقفلك تاكسي وترجعي بيتك لعيالك ومتجيش هنا تاني. قالت

بعناد ووجه غارق بالدموع: لا أنا مش هتحرك من هنا غير لما أطمن على جلال. مسح "علي" على وجهه متأففًا بنفاذ صبر وقال بغضب بسيط: فريال اسمعي الكلام الله يهديكي، جلال كويس اطمني كلها كام ساعة ويطلع ولو طول بالكتير هياخد الليلة بستة. تقدمت خطوة من "علي" ونظرت في عينه بتوسل وهي تهتف بألم: أبوس إيدك يا علي قولي الحقيقة متكدبش عليا. علي بحدة:

هي دي الحقيقة يافريال، أنا هكدب عليكي ليه، يلا بس اتحركي يابت الناس مينفعش وقفتك هنا بالمنظر ده. فريال باهتمام وقلق: هو ازاي اتمسك عليه؟ علي بغضب: الحكومة راحت على المكان اللي بلغتي عنه طبعًا وأبويا مكنش هناك واللي كان قاعد جلال واتمسك.

وضعت كفها على فمها تكتم صوتها بكائها القوي، بينما "علي" فأوقف سيارة أجرة بإشارة من يده والتفت لفريال يحثها على الركوب بعدما فتح لها باب المقعد الخلفي. فتحركت مغلوبة على أمرها واستقلت بالمقعد لكن قبل أن يغلق الباب قالت برجاء: اتصل بيا وطمني يا "علي" أبوس إيدك. لم يجيبها وتجاهل عبارتها ثم أغلق الباب وأشار للسائق بأن يتحرك. *** داخل منزل مروان،

عادت خلود من المطبخ وهي تحمل فوق يديها أكواب العصير الطازج وقدمته لكل من مروان وريهام. ثم جلست على أقرب مقعد بجوارهم وراحت تصغي لحديثهم باهتمام حتى وجدت ريهام تسألها بجدية: أنتي حابة تبلغي جوزك يا خلود أنك هترفعي عليه قضية خلع ولا لأ؟ علت علامات الاستفهام على وجه خلود ثم سألتها بعدم فهم: هو أنا ينفع أرفعها من غير ما أقوله أصلًا؟ تنهدت ريهام بقوة وقالت في حزم:

ينفع وفي حالتك دي الأفضل أنك متبلغيهوش دلوقتي لأن ممكن يعمل أي حاجة ويقلب الطرابيزة علينا أو حتى يأذيكي. بعد ما نكسب القضية وقتها بلغيه بحيث أنه وقتها هتكوني اتطلقتي منه ولو حاول أن يستخدم معاكي أي عنف أو يأذيكي وقتها فورًا هنرفع محضر تعدي وهيتحبس. كانت عين خلود متسعة وهي تستمع لريهام وعلامات الاندهاش تظهر بوضوح على وجهها. ثم التفتت تجاه مروان ورمقته بعين لامعة بالفرحة والطمأنينة وهزت رأسها بالموافقة وقالت:

تمام أنا موافقة المهم أخلص منه ومشوفش خلقته دي تاني واصل. ضحكت ريهام بلطف وهتفت متوعدة: هتخلصي منه متقلقيش، وكمان أنتي معاكي مروان أهو يعني مش هيقدر يقرب منك ولا يأذيكي إطلاقًا. تفوهت بكلماتها الأخيرة وهي ترمق مروان بنظرة ماكرة تلقي بتلميحاتها الذي يفهمها جيدًا، فحدقها بغيظ متوعدًا لها بينما خلود فأطرقت رأسها أرضًا خجلًا دون أن تقوى على رفع نظرها بنظر مروان. هبت ريهام واقفة وهي تضحك بعدما أدركت الوضع المحرج الذي

وضعتهم به وقالت مبتسمة: أنا همشي عشان معايا شغل ولو احتجتي أي حاجة اتصلي بيا، رقمي معاكي طبعًا وبالذات لو البشمهندس ضايقك قوليلي بس واحنا نرفع عليه قضية علطول. مروان بنظرة ملتهبة ومتوعدة لها: يلا ياريهام عشان متتأخريش على شغلك يلا. انفجرت ضاحكة بقوة بعدما تأكدت من أنها نجحت في إشعال فتيل غيظه، بينما خلود فودعتها بلطف ورقة ومراقبتها وهي تتجه أولًا إلى باب المنزل وكان مروان خلفها وأثناء مروره من جانبها

انحنى على خلود وهتف بحزم: لسه حسابنا مخلصش، لما أرجع هتبقى نتكلم على موضوع خروجك وانك مش حابة تتابعني وتشتري الحاجة بنفسك وانتي عارفة أكتر مني أن الـ**** ده ممكن يشوفك في أي مكان. ابتسمت بحياء وعينان لامعة بوميض مختلف ثم قالت له في نعومة متجاهلة كل كلماته الحادة: شكرًا يامروان. ارتخت عضلات وجهه لا إراديًا وحدقها بنظرة دافئة ثم همس بصوت رجولي يذهب العقل: مبقاش في شكر بينا خلاص بقى يا خلود.

أجفلت نظرها أرضًا خجلًا واكتفت بالصمت فرمقها بأعين تحمل معاني مميزة ثم تحرك وأكمل طريقه ليلحق بصديقته. *** داخل منزل إبراهيم الصاوي..... خرجت آسيا من الحمام بعدما انتهت من حمامها الدافئ واتجهت نحو هاتفها الذي لا يتوقف عن الرنين منذ عشر دقائق. التقطته من فوق الفراش وأجابت على أمها هاتفة: أيوة يا ماما عاملة إيه؟ هتفت جليلة باكية وهي تصيح بصوت أشبه بالعويل:

شفتي اللي جرى لأخوكي يا آسيا، أخوكي اتمسك الحكومة مسكته وفي القسم دلوقتي والله أعلم هيطلع ولا لا منها. ضربت آسيا على صدرها مندهشة وصاحت بزعر وعدم استيعاب: إيه اللي بتقوليه ده يا ماما، اتمسك كيف وليه؟!! هتفت جليلة بغل وحقد وهي تبكي وتشهق بقوة: مراته الحرباية اللي انتي كنتي بتحوشيني عنها، بلغت عن عمك وعن أخوكي. آسيا هزت رأسها بالرفض وقالت بعدم تصديق: لا يا ماما فريال متعملش كده. صاحت جليلة مستاءة من دفاع ابنتها عنها:

أنت بقولك عملت وهي بنفسها قالت لجَدك وواد عمك كده. مسحت آسيا على وجهها وهي تتأفف بقوة وقلق على أخيها ثم قالت لأمها بجدية: طيب اقفلي يا ماما دلوقتي وهبقى أتصل بيكي تاني.

أنهت الاتصال مع أمها وشرعت فورًا في ارتداء ملابسها واستغلت فرصة خروج عمران، فهي لا تريد إخباره بأن شقيقته عرفت مكان منصور وإلا لن تكون النتائج مرضية. دقائق معدودة وانتهت من ارتداء ملابسها وخرجت من الغرفة وهي تتلفت حولها حتى لا تقع فريسة أمام أعين إخلاص التي حتماً ستفشي بها لزوجها. سارت بحرص شديد دون أن يلاحظها أحد حتى غادرت المنزل بسلام واستقلت بسيارة أجرة لتأخذها إلى منزل أخيها.

نصف ساعة بالضبط وتوقفت السيارة أمام البناية، نزلت آسيا من السيارة بعدما دفعت الأجرة للسائق، وقادت خطواتها لداخل البناية واستقلت بالمصعد الكهربائي وبعد لحظات توقف بها أمام الطابق المطلوب، خرجت وتحركت حتى أصبحت أمام باب المنزل وطرقت عدة طرقات متتالية. فتحت فريال الباب متلهفة ظنًا منها أن زوجها عاد لكن خاب أملها عندما رأت آسيا أمامها ولا إراديًا أدمعت عيناها وسالت دموعها وهي تهتف لها باكية:

أنا بلغت على عمك والله عشان خايفة على جلال يا آسيا متوقعتش أن ده يحصل. دخلت آسيا من باب المنزل واغلقته ثم هتفت لها بغضب: وأنتي عرفتي مكان عمي كيف يافريال أصلًا. هتفت فريال وهي تبكي بحرقة وصوت متقطع: راقبت جلال وعرفت المكان. تحركت آسيا للداخل وجلست فوق الأريكة وهي تتأفف بقلة حيلة وتتمتم: وادي جوزك هو اللي وقع في الرجلين، حاجة كيف كده بتتصرفي فيها من نفسك ليه يافريال. جلست فريال على المقعد المقابل لها وانخرطا في

نوبة بكاء قوية وهي تهتف: معرفش أن ده هيحصل يا آسيا، أنا كنت خايفة على جلال وبلغت على عمك عشانه هو مش عشان تار أبويا، أنا كل اللي كان فارق معايا جوزي أنه ميتخدش في الرجلين مع عمه وهو ملوش ذنب. مسحت آسيا على وجهها وتنهدت مغلوبة ثم اقتربت من فريال ورتبت على كتفها بحنو متمتمة: طيب خلاص اهدى وجلال هيطلع منها إن شاء الله أكيد متقلقيش. نظرت فريال لوجه آسيا وتطلعتها بعينان عاجزة وهمست:

تفتكري جلال لما يطلع ويعرف أني اللي بلغت هيسامحني؟!! مسحت آسيا على كتفها وظهرها بلطف وهتفت بجدية: متفكريش دلوقتي في الكلام ده، يطلع هو الأول وبعد كده كل المشاكل تتحل بإذن الله، وأنتي اتعلمتي الدرس زين إنك متتصرفيش من دماغك تاني. رتمت فريال بين ذراعي آسيا وانفجرت في البكاء بحرقة فأخذت آسيا تربت على ظهرها بدفء لتهدأها ولكنها كانت في حالة مزرية. *** في تمام الساعة الثامنة مساءًا.......

وصل علي للمنزل أخيرًا بعد انتهاء ذلك اليوم الشاق والصعب وكان بطريقه لداخل المنزل لكنه توقف واصطدم بغزل قبل أن يتخطى عتبة الباب. اخفض نظره لملابسها واستشاط غضبًا.. كانت ترتدي تنورة قصيرة تظهر ساقيها كلها تقريبًا وبالأعلى بلوزة بحمالات رفيعة وتنحدر للأسفل بفتحة مثلثية عند الصدر تكاد تظهر داخلها وتترك العنان لشعرها يتطاير فوق كتفيها وظهرها بحرية ويقدمها ترتدي حذاء ذو كعب عالي.

كانت تقف أمامه بكل ثبات وتنظر في عينيه بتحدي مما أثار جنونه أكثر وجعله يسألها منفعلًا: إيه اللي لبساه ده وإيه اللي مطلعك برا كده. قالت غزل بكل برود متعمدة إشعال نيران غيظه أكثر: هو أنت متعرفش ولا إيه I think أن أنت كنت موجود الصبح لما قولت لجدو أني عايزة أروح أستقبل my friend من المطار وهو accepted.

رسم على ابتسامة صفراء على ثغره محاولًا التحكم بانفعالاته فهو قضى يوم طويل ومليء بالأحداث الموترة الأعصاب ولا يريد الآن أن يكون نصيب من ذلك اليوم العصيب: آه بس أنا مأكسبتش ياغندورة! لم تفهم كلمته التي بالمنتصف وهتفت بعدم فهم: what؟!! علي بلهجة آمرة ونظرة مرعبة: يعني ادخلي جوه ورجلك دي متعتبش برا عتبة البيت فاهمة ولا لأ. غزل بغيظ من تحكماته بها والأوامر التي يلقيها عليها باستمرار:

No مش هدخل يا علي وأنت مش هتتحكم فيا وهروح المطار. أنهت عباراتها وتحركت خطوة بالضبط بعدما دفعته من أمامها تنوي عدم الانصياع لأوامره والذهاب عنادًا به، فوجدته يقبض على ذراعها بقسوة غريبة وينظر لها محذرًا إياها: غزل متخلنيش أستخدم معاكي أسلوب مش هيعجبك يابت الناس، ادخلي وغيري الخلجات اللي كيف قلتها دي قبل ما حد يلمحك، عشان لو حد لمحك بيها هتشوفي مني النجوم في عز الظهر. صاحت به منفعلة بعناد شديد وعدم اكتراث لتحذيراته:

قلتلك مش هدخل وأنا مش خايفة منك. ودت الفرار من قبضته وتنفيذ رغبتها رغمًا عنه، فمال بوجهه للجانب بعدما مصمص شفتيه بنفاذ صبر وقد طفح كيله منها ولم يتبقى سوى حل واحد مع تلك المتمردة، بحركة احترافية منه لفها فأصبح ظهرها مقابل لظهره ولف ذراعيها خلف ظهرها وأمسك بهم بإحكام وباليد الأخرى كتم بها على فمها وهتف له بصرامة: اتحركي يلا على جوه قصادي.

تمنعت وحاولت التحدث لكن صوتها لا يخرج بسبب يده، ظل تتلوى بين ذراعيه رافضة التحرك فارغمها هو على الحركة وسارت معه مجبرة وهي تتلوى في سيرها تحاول الإفلات من قبضته. أطلق علي تأوهًا بألم عندما شعر بأسنانها الحادة تغرز في باطن كفه ولا إراديًا رفع يده عن فمها متأوهًا بينما هو فاستغلت الفرصة وهرولت راكضة باتجاه الباب لتهرب منه، لكنه ركض خلفه ولحق بها وبظرف لحظة كانت فوق كتفه وتلكمه في ظهره بغضب صائحة به:

نزلني يابربري ياهمجي، هصوت وألم عليك البيت كله. لم يكترث لها لعمله بأن لا يوجد بالمنزل أحد سوى أمه فالجميع خرج ليطمئن على جلال ومازالوا بالخارج. قاد خطواته الأعلى يصعد الدرج بها بكل برود وهي تصرخ بعصبية: "علي" نزلني أنت مجنون إيه اللي بتعمله ده! قال متوعدًا لها بحنق: أنتي لسه مشوفتيش الجنان اللي على حق مني.

أدركت أن لا جدوى من المحاولة معه فلا يوجد أحد لينقذها من بين براثن ذلك البربري فحتى والدته نائمة بغرفتها ولن تسمعها أبدًا، ارتخت عضلاتها واستسلمت له وهي تشتمه باللغة الإنجليزية في كلمات وصلت لأذنه وفهمها جيدًا فقال لها برجولة: لمي لسانك بدل ما اقصهولك. تأففت بصوت عالي منزعجة وانزلها أخيرًا داخل غرفتها ورفع سبابته في وجهها يحذرها بحدة:

غيري اللي لبساه ده وياويلك وسواد ليلك ياغزل لو شفتك لابسة كيف الخلجات دي تاني وطالعة بيهم قصاد حد. تقدمت خطوة إليه ووقفت أمامه مباشرة لعيناه بخبث: ليه هو أنت بتغير عليا!!!! ارتبك بالقوانين الأولى واختار بماذا يجيبها لكنه قال بثبات مزيف: أنا نبهتك وعملت اللي عليا. أنهى كلماتها واستدار ينوي الرحيل بينما هي فعقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بلؤم:

طالما مش بتغير عليا يبقى براحتي بقى وعود نفسك أنك هتشوفني باللبس المخلع ده كتير. ضغطت على كلمة " مخلع " بشدة لتذكره به فالتفت هو لها ثانية ورميها بنارية وعاد يندفع نحوها ثائرًا مجددًا فترتدت هي للخلف خوفًا منه ووجدته يهتف بوعيد حقيقي: طب ابقي البسيه كده واعمليها وخليني أشوف هتقدري تعمليها كيف قصادي. ابتسمت بمكر وعينان تلمع بوميض التحدي والاستمتاع ثم قالت له في برود مستفز:

ممكن تطلع عشان أغير خلجاتي المخلعة أحسن أطلع بيا تاني قدام الناس ويشوفوني يا.... بتقولوه إيه عندكم.. آه.. يا أبو علي. جز على أسنانه مغتاظًا منها لكنه هذه المرة لم يعقب واكتفى بالصمت ونظرات الوعيد والتحذير لها، ثم استدار وغادر الغرفة وتركها تقف مكانها كما هي تعقد ذراعيها أسفل صدرها وتبتسم بلؤم. *** داخل المستشفى....

كان بشار يجلس فوق المقاعد الحديدية وعلى وجهه علامات الراحة بعدما أخبره الطبيب أن " مريم " أصبحت حالتها الصحية مستقرة وسيتم نقلها لغرفة خاصة بناءًا على رغبة بشار وستظل تحت المراقبة الطبية والمتابعة إلى حين استيقاظها من غيبوبتها، وبث الطمأنينة في صدره موضحًا له أنها ربما تفوق خلال أيام قليلة ولن تستمر الغيبوبة لفترة طويلة.

استقام واقفًا بعد وقت طويل من التفكير والشرود عندما أخبرته الممرضة أنه تم نقلها للغرفة الخاصة ويستطيع رؤيتها إذا أراد، فأسرع متلهفًا وكان على وشك دخول الغرفة لكن أوقفه وصول والدها وشقيقها وهم متلهفون ويسأله والدها بقلق: إيه يابشار طلعت من العناية؟ بشار رأسه بالإيجاب وهتف: آه نقلوها وهي كويسة الدكتور طمني متقلقش، ادخل يا عمي شوفها واطمن عليها. نظر شقيقها لوالده وقال بلهجة جادة:

ادخلها أنت يا بابا وأنا هروح أتكلم مع الدكتور واسأله عن كام حاجة وبعدين هاجيلك.

أماء له أبيه بالموافقة واستدار ليتجه نحو الغرفة ويدخل وأشار لبشار بأن يدخل معه ويطمئن عليها. جلس والدها على مقعد جانب فراشها وأمسك كفها الناعم وراح يتمعن في ملامحها وهي نائمة وحولها الأجهزة وعيناه امتلأت بالدموع رغمًا عنه، بينما بشار فبقى واقفًا يتأملها في حزن وحسرة، فالندم مازال يأكله من الداخل ويلوم نفسه أنه كان سببًا فيما أصابها. قذف بعقله مشهدًا لطيفًا لهم معًا وسرح يتذكره بكل تفاصيله.

كانوا بمكان مفتوح وتحاوطهم المياه من الأربع جهات، وكانت هي بانتظاره تحدق في المياه بفراغ تنتظر انتهائه من مكالمته الهاتفية، حيث كان يقف على مسافة بعيدة نسبيًا عن طاولتهم ويتحدث في الهاتف وهي تنقل نظرها بينه وبين المياه كل لحظة والأخرى لكنها كانت تتأمله وعلى ثغرها ابتسامة مغرمة وهائمة، وما هي إلا دقائق معدودة وانتهى أخيرًا من مكالمته وعندما التفت له ورآه يتمعنه بنظرة ذائبة ابتسم لا إراديًا وتقدم نحوها ثم جلس على مقعده أمامها هامسًا

بمداعبة: كده أنا هتغار في نفسي. أشاحت بوجهها عنه وهي تبتسم بخجل بسيط دون أن تجيبه ثم همست بعد ثواني: يمكن أول مرة أقولك الكلام ده يابشار بس أنا حقيقي لما بشوفك أو بسمع صوتك برتاح وبنبسط أوي. طالت نظرته الدافئة لها رغم أنها لم تكن مفعمة بالمشاعر كخاصتها لكنها كانت كلها ود وحنو وتمتم له بصوت رجولي هاديء: ربنا يقدرني وأبسطك دايمًا ياست البنات. لاحت ابتسامة أنثوية ناعمة على ثغرها وهي تردد برقة تليق بها:

وربنا يديمك ليا وميحرمنيش منك. دام صمتهم لدقائق وهي يتمعنها بلطف وهي تحاول تفادي نظراته استحياء منه، لكن قررت الخروج من فقاعة الصمت والكشف عن مفاجأتها له فقالت له بحماس طفولي جميل: هو أنت نسيت ولا إيه أن النهاردة عيد ميلادك؟ اتسعت عينيه وقال بعد تفكير بسيط وقد شكر أن يوم يوم مولده بالفعل: أنا نسيت فعلًا، انتي عارفة أنا مش بفتكر الحاجات دي ولا يهتم بيها. رفعت مريم حاجبيها وابتسمت له هاتفة بدهشة:

يعني قصدك أن يوم عيد ميلادي مش هتهتم بيا؟ قهقه بخفة عليها ورد عليه مغازلًا: لا ياست البنات هو أنا أقدر، انتي غير بردوا. مال ثغرها للجانب بابتسامة دافئة وعاشقة ثم أخرجت من حقيبتها علبة صغيرة مستطيلة وملونة ومدتها له وهي تهمس بحب: كل سنة وأنت طيب ومعايا. اتسعت عيني بشار مندهشًا وظهرت بسمته العريضة ثم مد يده وجذب العلبة من يدها ليفتحها ويجد ساعة رجالية فاخرة وجميلة فلمعت عينه بفرحة وامتنان واضح ولم يلبث للحظة حتى

سمعها تسأله باهتمام وحماس: إيه رأيك؟ تمتم بشار بحب ونظرة دافئة: طالما أنتي اللي جايباها تبقى حلوة زيك ياغالية. قالت بسعادة: طيب يلا البسهالك بقى. أعطاها له ومد رسغه لها لتلبسه الساعة بيدها وهو يراقبها بعينان تفيضان ودًا. فاق من شروده وعاد لواقعه وهو ينظر ليده والساعة التي يرتديها وابتسم بنظرة مريرة وراح ينقل نظره بينها وبين الساعة، وكأنها أهدته إياها ليحسب الساعات والأيام لحين عودتها له. ***

عادت آسيا للمنزل ودخلت وهي تتمنى أن لا تقابل أحد لكنها اصطدمت بإخلاص أمامها وهي تبتسم لها بشيطانية وهتف: حمدلله على السلامة يامرت الغالي. رمقتها آسيا مطولًا بحنق وحدة ولم تجيبها ثم تحركت باتجاه الدرج تصعد ببطء وهي تلتفت خلفها كل لحظة والأخرى إلى إخلاص فترى نفس نظرة الشماتة في عينيها، ضيقت عيناها باستغراب ولكنها تجاهلت الأمر وكانت في قرارة نفسها تقول " لا يهم أي شيء طالما عمران ليس بالمنزل ".

وصلت لغرفتها وفتحت الباب بكل راحة وطمأنينة لكنها تسمرت بأرضها عندما سقط نظرها على عمران الجالس فوق الفراش ينتظرها وهو ينظر باتجاه الباب.. عليها تحديدًا بعين قذفت الرعب في أوصالها. *** على الجهة الأخرى كان جلال في طريق عودته للمنزل بعدما أثبتت براءته، وعقله مازال لا يصدق حقيقة أن زوجته هي التي قدمت بلاغ عنه للشرطة، ويستمر في طرح الأسئلة أهمها كيف عرفت بمكان عمه ولماذا فعلت؟!

توقف بجوار المحل الكبير الذي بالقرب من منزله ونزل ثم اتجه نحوه وهو ينوي التأكد من شكوكه لينتهي أسئلته ويتأكد بنفسه. رحب به صاحب المحل بحفاوة وهو يهتف: أهلًا وسهلًا يا معلم جلال المحل نور والله. ابتسم له جلال بصفاء وهتف: بنورك يا عم حامد. ثم راح يلتفت حوله يتفحص محتويات المحل وبضاعته ثم قال بأعين مترقبة لسماع الإجابة: اديني يا عم حامد من نوع المكرونة اللي أخدت منها أم معاذ امبارح. ضيق الرجل عينيه باستغراب وقال بحيرة:

بس أم معاذ مجتش اشترت حاجة من عندي من حوالي أسبوع. آخر مرة جات لما كنتوا لسه ناقلين جديد. لم تظهر معالم الدهشة على تعبيرات جلال فتلك الإجابة كان يتوقع سماعها، والآن تأكد من شكوكه كلها ووجدت الإجابة على كل أسئلته. ابتسم للرجل وقال له بهدوء: يمكن أنا سمعت غلطت منها عاد، اديني تلات كياس طيب. _أجيبلك نوع إيه؟ أجابه جلال بعدم اهتمام: أي حاجة.

أعطاه طلبه وحاسبه جلال ثم غادر المحل واستقل بسيارته لينطلق بها حتى وصل أمام بنايته ونزل ثم دخل واستقل بالمصعد الكهربائي. وقف أمام طابقه وخرج ثم اقترب من باب منزل وأخرج المفتاح من جيبه ليفتح الباب وتعبيرات وجهه لا تبشر بالخير أبدًا فعيناه كانت حمراء كالدم من فرط الغضب ويقسم بالعقاب العسير لزوجته على أفعالها. فور دخوله سمع صوت فريال التي هرولت من الداخل راكضة عندما سمعت صوت الباب ينفتح وتأكدت أن زوجها عاد:

جلال أنت رجعت...........

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...