الفصل 18 | من 36 فصل

رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
18
كلمة
7,403
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

وصلت لغرفتها وفتحت الباب بكل راحة وطمأنينة، لكنها تسمرت بأرضها عندما سقط نظرها على عمران الجالس فوق الفراش ينتظرها، وهو ينظر باتجاه الباب، عليها تحديدًا بعين قذفت الرعب في أوصالها. ابتلعت ريقها بتوتر وعيناها المضطربة استقرت عليه، وهي تفكر بحجة أو كذبة جيدة يمكنه تصديقها. قررت بدء الحديث بسؤال عشوائي، ولكن ليتها لم تسأل. "أنت جيت ميت؟ فرك أصابعه ببعضهم واستقام واقفًا وقال وهو يتقدم نحوها بخطوات متريثة:

"آه طبعًا أنتي كان في نيتك تطلعي وترجعي بسرعة قبل ما أنا أرجع البيت عشان تغطسيني زين ومعرفش حاجة وابقى كيف راجل السرير اللي كنت قاعد عليه." هزت رأسها له بالنفي في خوف حقيقي من نظراته وتقدمه البطيء نحوها وكأنه أسد يستعد للانقضاض على فريسته. فقدت القدرة على النطق وهربت الكلمات كلها من عقلها، ولم تعد تجد ما تقوله وتبرر موقفها أمامه، فالتزمت الصمت. بينما هو وقف مباشرة أمام جسدها وعينيه الثاقبة يصوبها نحو خاصتها، وراح

يصرخ بها بصوت جهوري نفضها: "إحنا لسه مكملناش كام ساعة على موضوع طلوعك من غير إذني ده، ويدوب أنا طلعت من البيت بس وأنتي طلعتي تاني من ورايا، لا وكمان طلعتي كيف الحرامية بتتسحبي ومحدش شافك ولا لمحك واصل في البيت." تحدثت أخيرًا بصدق وهي تحاول إنقاذ نفسها من ذلك المأزق: "أنا روحت لفريال يا عمران والله." ابتسم متهكمًا وبدا وكأنه لم يصدقها، حيث هتف بانفعال أشد:

"لما أنتي روحتي لفريال مقولتيش ليه وكنتي طالعة بتتسحبي من البيت؟ ازدادت ريقها بارتباك ملحوظ، فقد حاصرها بسؤال لن تستطيع الإجابة عليه، وإلا ستكشف أمر عمها ودخول شقيقها السجن وبلاغ فريال عن منصور. بينما عمران، فصمتها أثار جنونه أكثر وزاد الشك داخله. فراح يصرخ بها بصوت مرعب: "ما تنتطقي ولا القط أكل لسانك، كنتي فين يا آسيا وإياكي تفكري تكذبي عليا تاني." قالت بصوت مهزوز وعينان متعجبة من شك به وعدم تصديقه لها:

"أنا مكذبتش عليك يا عمران، أنا كنت عند فريال فعلًا، حتى اتصل وأسألها لو مش مصدقني." طالت نظرته المريبة لها ثم قال بنبرة قاسية: "أنا هصدقك يا آسيا ومش هتصل بحد، أو هعمل روحي مصدقك، بس خلي في علمك دي المرة التانية يعني التالتة مفيهاش رجعة." اتسعت عيني آسيا ورفعت حاجبها باستغراب لتسأله بقوة: "قصدك إيه يعني؟! عمران بحدة وجفاء: "أنتي فاهمة قصدي زين، أنا لو مش عاوز المواضيع تكبر فده عشان ولدي اللي في بطنك."

ابتسمت آسيا بسخرية ثم تقدمت نحوه خطوة لتقترب منه أكثر وهتفت بعصبية: "عشان ولدك بس يعني، لا وجاي على روحك كده ليه يا معلم خليها تكبر وتخلص خالص." استشاط غيظًا من انفعالها عليه ونبرتها المرتفعة، فهتف منذرًا إياها بلهجة آمرة: "وطي حسك، صوتك ميعلاش عليا فاهمة ولا لا." آسيا باستهزاء ونظرة نارية كلها شر وغل:

"إيه رأيك تطلقني مدام معدتش بتثقي وبتشك فيا وتخلي الست إخلاص تجوزك مني اللي كانت بتلف وتدور كيف الحية حواليك وهتموت عليك، أصلها هي الوحيدة اللي معندهاش كرامة وهتستحمل أنك متثقش فيها، وتستحمل راجل ميقفش في ظهرها ولا يجيب لها حقها ولا ينصفها، لا وكمان فوق ده كله بيسمع لأمه اللي بتبخ سمها في ودنه." هاج وثار ودون وعي قبض على ذراعها بقوة يصيح بها بصوت أرعبها: "لمي لسانك ده بدل ما أقصهولك وأكتم حسك على الآخر."

ثارت هي الأخرى وكانت على وشك أن تنفجر به صارخة، لكن صوت رنين هاتفها خلق شحنة من الفضول لديه وجعلها تصمت وتخرج الهاتف لتنظر لشاشته وتقرأ اسم المتصل "علي". فترفع رأسها لعمران وتنظر لتعبيرات وجهه التي تحولت وأصبحت أشبه بجهنم الحمراء، وهتف يسألها بهدوء ما قبل العاصفة: "بيتصل بيكي ليه 'علي'؟ مالت بوجهها للجانب وهي تتأفف وتزفر، تستغفر ربها بنفاذ صبر، ثم عادت له بنظرها وقالت في برود محاولة الإجابة برد يخفف من حدة الشجار

بينهم لأنها انزعجت بشدة: "معرفش، ممكن يكون بيتصل يسأل عادي." صرخ بصوت جهوري جعل جسدها ينتفض فزعًا: "ميتصلش وأنتي مترديش، قال بيسأل؟! صرت آسيا على أسنانها بغيظ، ووسط محاولاتها القوية للحفاظ على ثباتها وهدوئها المزيف، إلا أنها كانت تشتعل من الداخل ولم تتمكن من منع نفسها لقول آخر كلماتها التي كانت بمثابة النقطة الفاصلة في علاقتهم:

"عمران أنا معرفش أمك ملت راسك وودانك بإيه، بس صدقني لو الوضع ده استمر على كده كتير وأنت متغيرتش هتخسرني. أنا سكت على كل حاجة بس مش هسكت على شكك فيا، فاهمني ولا لا. حط عقلك في راسك لو مش عاوز تنهي اللي بينا، وخليك فاكر زين مين آسيا بنت خليل صفوان، ومتقولش إني مش هقدر أهملك ولا أبعد عنك عشان بحبك. سبق وعملت اللي محدش كان يتخيل إني أقدر أعمله، وحاجة كيف كده مش صعبة عليا أعملها طالما حسيت إني في مكان محدش فيه بيحترمني ويقدرني ومع راجل ميعرفش قيمتي. أظن أنت فاهم قصدي كويس قوي!

رفع عمران حاجبه وقال بنظرة رجولية كلها وقار وشموخ دون أن يعي لما يتفوه به وأنه قد يصنع شرخ بعلاقتهم لن يصلحه أي شيء ويكون نقطة النهاية:

"انتي بتهدديني يعني وبتلوي دراعي أني لو مغيرتش من نفسي هتهمليني. انتي لو كنتي تقدري تسبيني كنتي عملتيها من زمان بس متقدريش عشان عارفة أنك ملكيش غيري ومفيش حد هيفضل جارك ولا في ضهرك ويحميكي غيري، ولا حتى ناسك اللي رموكي ليا ومسألوش عليكي وأنا اللي حميتك منهم وسترتك وسترتك وخليتك هنا فوق الكل ومحدش بيقدر يقول كلمة عنك ولا يقلل منك. انتي لو عارفة أن ليكي ضهر هيحميكي أحسن مني كنتي عملتيها من أول ما اتجوزنا. أنا مش من الرجالة اللي بيضعفوا وينخوا تحت رجلين حريمهم عشان بيحبوهم ولا بيتلوى دراعهم يا بت خليل، وسبق وقولتلك أنا لو بشك فيكي مكنتش خليتك على ذمتي يوم واحد، وقرار أنك تهمليني ولا لا ده مش بمزاجك.. أنا اللي أقرره ويا سمحتلك بده ولا لأ."

كانت تستمع لما يتفوه به ويخرج من فمه وهي لا تستوعب أنه هو الذي يتحدث. كانت في حالة ذهول وصدمة حتى أن عيناها امتلأت بعبرات الخزي والحسرة. لكنها لملمت شتات قلبها المبعثر وردت بصوت مبحوح وابتسامة مريرة وباهتة لكن بعينان كلها وعيد:

"عندك حق يا معلم عمران، أنا مقدرش أهملك عشان مليش غيرك ضهر وسند يا راجلـي، وشكرًا أنك فكرتني أني مليش حد أتسند عليه غيرك وأني لو أهملتك ناسي هيرموني في الشارع كيف ما عملوا قبل سابق وأنت اللي سترتني وداريت على فضيحتي وكان ليك الفضل عليا يا تاج راسي."

توقفت على الكلام واكتفت بهذا القدر عندما شعرت بأنها ستنهار باكية أمامه وتفقد صمودها، وهذا آخر شيء يمكنها السماح به بالأخص بعد كلامه المسمم. تركته وعبرت من جانبه بقوة حتى أنها اصطدمت بكتفه بقوة وهي تعبر لتبعده عن طريقها واتجهت للحمام وأغلقت الباب عليها لتنهار باكية بحرقة. ورغم كل هذا كانت تكتم صوت بكائها حتى لا يصل لأذنيه وتظهر أمامه ضعيفة وهشة. بينما هو وقف يحدق على أثرها تجاه الحمام وعقله مشتت لا يمكنه التفكير بشكل سليم، لكن غضبه ازداد ضعفًا واندفع لخارج الغرفة ثائرًا.

*** فور دخوله سمع صوت فريال التي هرولت من الداخل راكضة عندما سمعت صوت الباب ينفتح وتأكدت أن زوجها عاد: "جلال أنت رجعت؟ وجدها تقف على مسافة بعيدة منه بعدما وصلت وهي تحدقه بعينان مشتاقة وممتلئة بالدموع. ثم أسرعت نحوه وألقت بجسدها عليه تعانقه بحميمية وحرارة وهي تردد بصوت يغلبه البكاء: "الحمد لله أنك بخير، أنا كانت هتجرالي حاجة من الخوف عليك والقلق."

كان ساكنًا وجامدًا كالصنم لا يتحرك، ولم يلف ذراعيه حولها حتى. فابتعدت هي عنه ببطء بعدما اختفت ابتسامة، ورمقته باضطراب بسيط وهي تسأله بتعجب: "مالك يا جلال؟ خرج صوته غليظ يسألها: "العيال فين؟ بدأ التوتر يتمكن منها أكثر وأصبحت شبه متأكدة أنه اكتشف أنها هي من قدمت البلاغ للشرطة. أجابته بخفوت: "نايمين ليه؟!

لم يجيب عليها وقبض على ذراعها فجأة ثم جذبها معه عنوة باتجاه أقرب غرفة من باب المنزل بحيث يكونوا بعاد عن أذن أولادهم وأغلق الباب خلفهم. ثم التفت لها ونظر في عينيها المرتعدة بغضب مرعب ليقول مبتسمًا بتهكم: "بلغتي عني يا فريال عشان حق أبوكي؟! هزت رأسها بالنفي مسرعة وقالت بصدق تحاول تبرير موقفها له: "لا لا أنا مبلقش عنك والله." صرخ بصوت جهوري مرعب جعلها تتقهقر للخلف لا إراديًا خوفًا منه:

"متكذبيش، انتي اللي بلغتِ الحكومة على المكان، وكذبتي عليا يومها إنك رايحة تشتري طلبات من عند الحاج حامد و انتي طلعتي ورايا تراقبيني عشان تعرفي المكان." ظلت تهز رأسها بالنفي وقد انهمرت دموعها فوق وجنتيها بغزارة وراحت تهمس بصوت متقطع من حدة البكاء: "أنا بلغت على عمك والله عشان كنت خايفة عليك." جلال بانفعال شديد: "عمي مكنش قاعد في الشقة، أنا اللي كنت فيها وكنا بنتقابل هناك عشان محدش يشك فيه."

جلست على أقرب مقعد وراحت تشهق وتبكي بحرقة وتقول بصدق: "والله ما كنت أعرف أنه مش موجود هناك ومكنتش أعرف أنك هتروح عنده، أنت قولتلي رايح الشغل." تقدم جلال منها وجلس القرفصاء أمامها ثم قال بنظرة غاضبة وحادة: "فريال لو لسه ليا غلاوة عندك قولي الحقيقة، انتي كنتي قاصدة تبلغي عني؟ رفعت رأسها له ورمقته بدهشة ثم صاحت بعدم استيعاب لما يتفوه به: "أنت بتقول إيه؟ أبلغ عنك كيف؟ ده أنا عملت كده عشانك وعشان أحميك."

أجابها بخشونة واستنكار: "عشاني أنا ولا عشان حق أبوكي؟! بكت عاجزة عن الرد، فقد كانت تظنه لن يشك بها وسيتفهم موقفها حتى لو ثار وهاج عليها بالبداية. لكن اتضح أنها أخطأت الظن به. بينما هو فاستقام واقفًا مجددًا وقال بنظرة عتاب وغضب: "لسه بتفكري غير في نفسك، ورغم أنك عارفة أن اللي عملتيه ده ممكن يأذيني وهو بالفعل حصل، بس برضه عملتيه عشان تطفي نارك وتاخدي حق أبوكي."

ألقى عليها نظرة أخيرة كلها خزي وحنق ثم استدار وتحرك باتجاه الباب. فهبت هي واقفة وركضت خلفه لتمسك بذراعه ترغمه على الوقوف وهي تهتف له بشجن ويأس: "جلال أبوس يدك ما تعمل كده معايا، معقول أنت مش مصدقني.. معقول تصدق أني ممكن أفكر أذيك وأعمل حاجة أنا عارفة أنها ممكن تأذيك." صاح بها منفعلًا باستياء شديد وقسوة:

"مصدق أو مش مصدق مش هتفرق، انتي اللي عملتيه ميتغفرش يا فريال.. خططتي ونفذتي من دون علمي وخرجتي عن طوعي وكسرتي كلمتي لما نبهت عليكي وقولتلك ملكيش صالح بالموضوع واصل وإياكي تدخلي فيه." رمقته بعين متوسلة وهمست بندم حقيقي: "أنا آسفة، حقك عليا، سامحني يا سيد الرجال."

لم تلين نظراته لها وظل يطالعها بنفس الجفاء ثم جذب ذراعه من قبضتها بسخط وابتعد عنها وانصرف ليتركها تنخرط في نوبة بكاء من جديد وهي تائهة لا تعرف كيف تصلح خطأها وكيف تجعله يغفر لها ذلتها. فمهما فعل ومهما ثار وهاج عليها تعرف جيدًا أنه على حق وهي المذنبة، حتى لو كان فعل بنية صافية وبدافع حبها وخوفها عليه. *** داخل المستشفى......

كالعادة كان الوحيد الذي يمكث أغلب الوقت بجانب "مريم" هو بشار. إن غاب عنها لا يغيب أكثر من بضع ساعات، أما خلاص ساعات العمل المهمة أو آخر الليل عندما يرهقه طول اليوم ويظهر على جسده الخمول ويبدأ عقله يلح طالبًا أخذ استراحته من النوم فيضطر أن يلبي النداء ويذهب للمنزل لينام ويعود لها بالصباح الباكر من اليوم التالي.

تلك الليلة كان يجلس معها بنفس الغرفة، وهذه المرة لم يكن ملزمًا بعدد دقائق محدد للزيارة أو حتى ارتداء الأقنعة وأخذ الاحتياطات اللازمة من تعقيم وغيره قبل الدخول لغرفة العناية المشددة، بل كان يجلس على المقعد بجوار فراشها ويراقبها بكل حرية ويتشاركون الأنفاس بين الأربع حوائط دون حائل بينهم. وبيده كان يمسك بكتاب الله (المصحف الكريم)

ويقرأ آيات متفرقة من القرآن سائلًا الله الشفاء العاجل لها. وبعد انتهائه وضع المصحف فوق المنضدة الصغيرة بجواره، ثم مال عليها بجذعه للأمام ليتأملها بشرود وحزن. لكن فجأة ظهر شبح ابتسامته الباهتة على ثغره وراح يتحدث معها ويهتف وكأنها تسمعه: "بيني وبينك يا مريم أنا الصراحة مكنتش أعرف أنك غالية عندي كده ومكنتش أتخيل واصل أن ده ممكن يكون حالي لو جالك حاجة." أخذ نفسًا عميقًا ثم تابع بمشاعر صادقة ونابعة من أعماق فؤاده:

"أحيانًا بتيجي عليا لحظة غريبة وبفكر هل القرار اللي أنا أخدته صح ولا غلط، حاسس أني تايه وضليت طريقي، خايف أختارها وأندم إني سبتك.. وخايف أسيبها وأندم إني ضيعت مني حب سنين كنت بتمناه." ابتلع ريقه واردف بسرعة يدافع عن نفسه وكأنها مدركة لكل شيء يقوله:

"أنا مفيش في نيتي واصل أني أخونك والله وعشان كده أخدت قرار أننا ننفصل.. عشان مظلمكيش معايا وعشان أنا خائف أكمل معاكي ومعرفش أحبك ولا أنسى رحاب. أنا عارف أنك ممكن تقولي عليا خسيس وأنانِي وراجل متديلوش الأمان وأنه أول ما خطيبته اللي بيحبها فسخت قرر يتخلى عني ويروح لها، وأنه كان واخدني احتياطي مش أكتر، بس أقسم بالله أنا مش كده يا مريم، صدقيني أنا لما قررت أدخل البيت من بيتكم وأطلب يدك كان نيتي العمار وأنك تكوني مرتي وأن

عيالي في المستقبل وأحبك وقولت يمكن تكوني إنتي العوض اللي ربنا يعوضني بيه، وكنت خلاص شبه نسيت رحاب وبحاول أكمل حياتي معاكي، معرفش إيه اللي حصل فجأة وموضوع فسخ خطوبتها ده غير الموازين كلها، بقيت حاسس أن الفرصة جاتلي لغاية عندي إني أكون مع اللي كنت بحبها وكمان أسيبك إنتي تكملي حياتك ومظلمكيش معايا يمكن تلاقي الشخص اللي يحبك صح ويسعدك لأنك تستاهلي أكتر من كده كمان."

توقف عن الكلام وسكت وهو يفكر، ثم لاحت ابتسامة مريرة على ثغره ورفع عينيه لها يطالعها بود ويتمتم: "رغم كل اللي قولتهولك ده مقدرش أنكر حقيقة أني اشتقتلك واشتقت لصوتك وحديثنا مع بعض وأنك كنتي الركن الدافي اللي دايمًا بشكيله همومي وأحكيله مشاكلي وتخففي عني، انتي مكنتيش خطيبتي بس لا كمان كنتي صديقتي اللي بشاركها أسراري." يتنفس الصعداء بقلة حيلة وحزن وهتف بحيرة:

"أنا تايه ومش عارف أنا عاوز إيه يا مريم صدقيني، بس أنا متأكد زين أن ربنا هينورلي طريقي وينور بصيرتي للطريق الصح اللي فيه الخير ليا، ولو في حاجة أنا عاوزها ومتأكد منها دلوقتي هي أنك تفوقي وترجعيلي وترجع ضحكتك وصوتك يملوا المكان." قطع حديثه الدافئ معها صوت رنين هاتفه فأخرجه وأجاب بعدما قرأ اسم المتصل، وسمعه يهتف برقة في الهاتف: "بشار! رد بلطف وهدوء تام: "نعم يا رحاب! تمتمت بنعومة وحب: "أخبارك إيه؟

تنهد بإرهاق وقال في جدية: "بخير الحمد لله يا رحاب." تلك اللحظة دخلت الممرضة الغرفة، وعندما رأت بشار بجوار فراش مريم ويتحدث في الهاتف ابتسمت له بصفاء. فراقبها وهي تقوم بالفحص الروتيني على مريم، ثم سألها باهتمام: "في أي جديد في حالتها؟ هزت الممرضة رأسها بالنفي في أسف، لكنها ردت عليه بمشاعر صادقة وهي معجبة بحبه وإخلاصه لها:

"للأسف لسه بس إن شاء الله في أقرب وقت تفوقي، وهي محظوظة أن ربنا كرمها بواحد زيك قاعد جنبها طول اليوم، في حالات مرضى كتير نفس الوضع وأهلهم وأولادهم مش بيسألوا عليهم بالأيام لولا إدارة المستشفى ما تتصل بيهم وتبلغهم لو في أي جديد يخص حالة مريضهم، ربنا يخليكم لبعض ويقومها بالسلامة ويشفيها." اكتفى بشار بابتسامة ودودة لتلك الممرضة وشكرها بنظراته فقط، بينما رحاب لسوء الحظ أنها سمعت كل كلمة واستساطت غيظًا وراحت

تهتف لبشار بانزعاج ملحوظ: "بشار أنت لسه قاعد في المستشفى مع مريم دي! رفع حاجبه باستغراب وردد خلفها بلهجة جادة: "دي؟ .. آه قاعد معاها." رحاب بعصبية وغيرة حارقة: "أنت مش ملاحظ أنك مهتم زيادة عن اللزوم بواحدة قبل الحادثة كنت ناوي تفسخ خطوبتكم ومش بتحبها؟ بشار بحدة ولهجة رجولية غريبة:

"مش معنى أني مش بحبها يبقى مهتمش لأمرها يا رحاب، مهما كان دي واحدة كان في بيني وبينها عشرة وخطيبتي، أنا مش ندل للدرجة اللي تخليني أسيبها وهي في الحالة دي." هتفت باستياء شديد تصحح له عبارته لتؤكد له فكرة انفصالهم وتذكره بوعده لها: "كانت خطيبتك يا بشار، أنت في نيتك أن كل حاجة انتهت بينكم وخلاص مش محتاج تستنى لما تفوق عشان تنهيه.. هو بالفعل منتهي من ناحيتك وكل ما في الأمر أنها لما تفوق هبلغها عشان نتجوز إحنا."

أطلق زفيرًا حارًا بخنق وتمتم بعدم مبالاة: "يا مسهل يا رحاب، أنا هقفل عشان تعبان وهروح البيت أرتاح وأنام." لم يمهلها الفرصة لتتحدث حيث أنهى الاتصال فورًا وتركها ثائرة وتتوعد له متمتمة بخبث: "متفتكرش أني ممكن أسيبك تضيع من إيدي تاني، حتى لو كان غصب عنك أنا سبق وغلطت لما اتخطبت للي ما يتسمى ده وسبتك بس دلوقتي مش هتخلى عنك تاني حتى لو كان إيه." ***

داخل منزل إبراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة الجلوس الخاصة بعمران بالطابق الثالث، كان جالسًا بها بعد الشجار العنيف بينه وبين زوجته ويحاول الاسترخاء والهدوء. فإذا ترك نفسه الثائرة تطيح بكل شيء لن يتبقى سوى بقايا مهشمة وسيكون أصدر حكم الإعدام. وجد الباب ينفتح وللحظة ظن آسيا حتى لو كان احتمال مستحيل لكنه أراد في نفسه أن تكون هي.

ظهرت إخلاص من خلف الباب التي ابتسمت له بحنو ثم أغلقت الباب بهدوء وتقدمت إليه بخطوات بطيئة حتى أصبحت بجواره على الأريكة وتنظر له باهتمام تسأله بثقة: "طبعًا كذبت عليك ومقلتش الحقيقة." هتف عمران بغضب يرفض الحديث: "أما أنا شايط لوحدي ومش متحمل أسمع ولا كلمة." لوت إخلاص فمها بحنق وقالت بازدراء وهي تهمس بصوت خافت: "ليك حق يا ولدي هي بنت خليل دي تطفش بلد."

مسح على وجهه وهو يزفر بنفاذ صبر وانزعاج، بينما إخلاص فتابعت بنبرة بدت مهتمة لأمره لكن العكس، فهي لا ترى شيء سوى كرهها لآسيا:

"أنا قولتلك يا عمران مصدقتش كلامي، قولتلك متنفعلكش يا ولدي وهتتعبك وأنها بنت مش سهلة ولا شبهنا. أنا مكنتش موافقة على الجوازة من البداية وقولتلك أنت وأبوك الله يرحمه شوفوا أي حل تاني، بس أنتوا اللي صممتوا على رأيكم ونفذتوا اللي في دماغكم، وأهو ناسها قتلوا أبوك وهي مش بعيد كمان تكون عارفة مكان عمها ومخبية عليك عشان مش عاوزاك تاخد حق أبوك وعمها يتسجن يعني بتداري عليه وبتحميه، هي بس اتحسبت عليك جوازة وحتى ما فرحنا بيك كيف الخلق ولا عملنالك فرح وليلة يشهد بيها الكل، ولما قولتلك طلقها وأجوزك ست ستها كنت بتنهب فيا كيف البابور."

طفح كيله من إصرار أمه على ذلك الكلام المستفز الذي يثير الأعصاب أكثر، فصاح منفعلًا: "وبعدين عاد يا أمي ما بزيادة الكلام اللي يفور الدم ده، همليني إنتي عاوزة مني إيه؟ طالعته بعين دافئة مفعهة بحنان الأم وهي تقول بحزن:

"معوزاش حاجة يا ولدي، أنا عاوزاك تكون مبسوط بس ومرتاح، وأنا شايفة حالك لا يسر عدو ولا حبيب، والله أعلم مراتك دي كمان بتعمل إيه من وراك وبتكذب عليك، ما يمكن تكون اتعرفتلها على حد وبتطلع تقابله، مهو مش بعيد عليها قادرة وتعملها." فارت الدماء في عروقه وعيناه أظلمت بشكل مرعب. تشجنت عضلات وجهه وصاح بأمه في صوت رجولي مهيب:

"احسبي كلامك يا أمي قبل ما تقوليه في وشي، انتي كده مش بتعيبي فيها هي، انتي بتعيبي في رجولتي وشرفي، أنا عارف مراتي زين وواثق فيها، وأنتي حذاري أسمعك بتقولي الكلام ده تاني وإلا هيبقى فيه زعل كبير قوي بينا." كانت ستهم بالرد عليه وتعتذر منه وتكمل ما بدأته، فوجدته يهب واقفًا ويندفع باتجاه الباب، فسألته بتعجب: "رايح فين يا عمران؟

لم يجيبها سوى بصوت صفع الباب الذي اهتزت له أركان الغرفة وانتفضت هي مفزوعة، لكن سرعان ما ارتسمت البسمة الشيطانية على ثغرها وهي تهمس بوعيد: "إما طلعتك من بيتي وخليت ولدي يطلقك مبقاش أنا إخلاص الصاوي يا بنت جليلة، أنا سبق وقولتلك مش هسيبلك ولدي ولا عاوزة انتي وناسك تقتلوا لي أبوكي كيف ما قتلوا أبوك."

ألتقت بنظرها من النافذة على الشارع فرأت ابنها يستقل بسيارته وينطلق بها مسرعًا، فهي ألقت عود الكبريت فوق الغاز وتنتظر اشتعاله. *** صباح اليوم التالي داخل منزل جلال....... كان يجلس على الأريكة بالصالة، عيناه عالقة على التلفاز المغلق وعقله بمكان آخر. خرجت فريال من الغرفة بعدما استيقظت ولم تجده بالغرفة. ليلة أمس لم يشاركها النوم بنفس الغرفة إلا بعد صلاة الفجر ونام على الأريكة بعيدًا عنها.

وجدته جالسًا بالصالة وشارد الذهن وجهه عابس، فتنهدت بحزن وتقدمت نحوه بخطوات بطيئة حتى جلست بجواره وراحت تتمعنه بعينان منطفئة وهو لا ينظر لوجهها حتى. ازدردت مرارة ريقها ومدت يدها تضعها فوق كفها تمسكه بحنو وتهمس: "جلال." أشاح بوجهه بعيدًا عنها وهو يزفر بحنق ثم جذب يده ببطء من قبضتها دون أن يتفوه بحرف واحد، فأمتلأت عيناها بالعبرات وتمتمت بوجع يظهر في صوتها بوضوح: "للدرجة دي مش طايق صوتي ولا لمستي؟

أثر الصمت للمرة الثانية ولم يجيب، فهتفت بأسى: "جلال رد عليا." التفت لها أخيرًا ورمقها بقسوة ثم صاح بعصبية: "عاوزاني أرد أقولك إيه يا فريال، مفيش كلام يتقال بعد اللي عملتيه." حاولت الثبات أمامه وقالت بأسف ورجاء: "أنت ليك حق في كل حاجة تقولها والله وأنا عارفة أني غلطانة إني اتصرفت من دماغي من غير ما أقولك بس أنت اللي وصلتني للمرحلة دي وأنا كنت خايفة عليك." قال مزمجرًا وصوت رجولي قوي:

"لو خوفك عليا بالمنظر ده متخفيش عليا يا فريال، ومتفكريش فيا واصل حتى، أنا في دماغي مليون مصيبة كانت ممكن تحصل بسبب عملتك دي وبحمد ربنا أنه سترها ومكنتش هتأذيني أنا بس دي كانت حتى انتي هتأذيكي، لكن انتي طبعًا مبتفكريش في ده كله.. بتعملي اللي في راسك وفاكرة روحك صح."

طالقت رأسها أرضًا بقلة حيلة وعجز. ورغم كل هذا ما زالت تتحكم في عبراتها بصعوبة وتحاول الصمود لتكمل حديثهم للنهاية وتحاول استمالته ونيل السماح منه. لكن يبدو أنه لن يغفر لها بسهولة وأنه سيعاقبها بقسوة على فعلتها. رفعت رأسها له مجددًا بعد دقيقة وسألته باستسلام وصوت مبحوح: "طيب أعمل إيه عشان أخليك تسامحني؟ هب واقفًا وهو يمسح على وجهه ويزفر بامتعاض ثم نظر لها وقال بحزم ولهجة قاسية قليلًا: "روحي يا فريال على بيت أبوكي."

وقعت الكلمات على أذنها كوقع الصاعقة واتسعت عينيها بذهول وعدم استيعاب لما خرج من فمه للتو، فوثبت واقفة وتمتمت بصدمة: "إيه؟! أخذ نفسًا عميقًا واكمل بنبرة بدت أكثر رزانة وحكمة عن السابق: "يعني روحي ارتاحي يا فريال وريحي راسك شوية وأنا كمان أكون هديت من ناحيتك." فريال بعدم تصديق وقد تغرغرت الدموع في عينيها وهي تقول: "جلال أنت بتتكلم جد، عاوزني أمشي من البيت؟! راح يستغفر ربه مرارًا وتكرارًا وقال لها بهدوء وصوت رخيم

رغم أن نظراته كانت حازمة: "أيوة بتكلم جد.. وأنا مش بقولك امشي ومترجعيش بيتك تاني أنا بقولك الأفضل نبعد كام يوم عن بعض لغاية ما أهدى لأني مش عاوز الموضوع يكبر بينا ولا أقول كلام يجرحك وأندم بعدين، يعني اللي بقوله في صالحنا." انهمرت دموعها بغزارة على وجنتيها في حرقة وقهر، وقلبها ينزف الدماء ألمًا وهي تستصعب فكرة أنه يريد أن يبتعد عنها ولا يريد رؤيتها حتى لو كان لبضع أيام. هل ما فعلته استحق كل هذه القسوة والعتاب منه؟!

أجابته بصوت حاولت إخراجه طبيعيًا وسط دموعها: "لا ده في صالحك أنت مش في صالحي، أنت اللي غضبك مني وصلك لمرحلة أنك مش طايق تشوفني، متقلقش أنا مش هخليك تشوفني أصلًا لغاية ما تهدى كيف ما بتقول." أنهت عباراتها واندفعت لداخل غرفتها لكي تترك العنان بروحها المتألمة أن تبكي وتفرغ شحنتها المكتظة. *** بمنزل إبراهيم الصاوي داخل غرفة عمران.... كانت آسيا تقف في الشرفة تتحدث في الهاتف مع "علي" وتتناقش معه حول أمر شقيقته. مازالت

تحاول إقناعه وهي تهتف: "يا علي بزيادة عاد اللي بتعمله ده، أنا ليا فترة بيكلمها ومش عارفة أوصلها أصلًا وخايفة يكون المجنون ده عمل فيها حاجة وأنا مقدرش أروح لها في بيته هناك." علي بانفعال ونفاذ صبر من إلحاحها: "وبعدين معاكي أنتي يا آسيا بتعيدي وتزيدي في موضوع منتهي وأنا قولتلك مليش أخوات بنات." تأففت بانزعاج منه وقالت:

"أنت الكلام معاك ملوش فايدة صح، أنا بحاول ألين قلبك على أختك ليا قد إيه وأنت مفيش فايدة معاك، أنا عملت اللي عليا وريحت ضميري خلاص." توقفت عن الكلام عندما سمعت صوت الباب ينفتح، فالتفتت برأسها للخلف ورأت عمران يدخل، فأنهت الاتصال مع علي وظلت بمكانها لم تتحرك ولا حتى غادرت الغرفة. بينما هو فتقدم نحوها ووقف خلفها يسألها بصوت غليظ: "كنتي بتكلمي مين؟! التفتت له ورمقته ببغض لأول مرة يراه في عينيها وأجابت بكل ثبات وشجاعة:

"بكلم 'علي'." رأت عينيه أظلمت وعضلات وجهه تشجنت بشكل مرعب، ثم هتف بهدوء ما قبل العاصفة: "وبتكلميه ليه؟ تقدمت خطوة إليه بنظرات كلها قوة تليق بها، وكأنها عادت تلك الساحرة الشريرة التي كانت تحاول قتله والتخلص منه، وقالت بجرأة: "عشان بخونك، مش أنت بتشك فيا وبتفكر كده ولا أنا غلطانة؟ ثار عليها وصرخ بها بصوت جهوري وهو يقبض على ذراعها بقسوة:

"أقسم برب العزة لو ما لميتي لسانك ده وقفلتي خشمك لتكوني شايفة اللي عمرك ما شفتيه مني." رغم الألم الذي اجتاح ذراعها إلا أنها ابتسمت بكل برود وهتفت بنظرة ملتهبة كلها نقم وتهكم: "ليه هو أنا هشوف وأسمع منك إيه أكتر من اللي سمعته امبارح؟ هو أنت لسه ناوي تثبتلي وشك الحقيقي أكتر من كده ولا إيه.. يا مـعــلــم وسيد المعلمين كلها اللي عارف الأصول والصح والغلط وبتعاير مرتك بفضلك عليها."

ارتخت عضلات وجهه وكذلك قبضته على ذراعها وبدا على ملامحه وكأن كلماتها ذكرته بخطأه المعترف به، فترك يدها والتزم الصمت. لكنها تابعت، فهي تكلمت بالأمس وهي استمعت والآن حان دوره:

"العيب مش عليك، العيب عليا أنا إني اللي رخصت روحي ورجعتلك بعد اللي عملته أمك معايا وأنت مخدتليش حقي ولا نصفتني، فافتكرت أني كل مرة هعدي وأسكت على حقي. العيب عليا يا معلم عمران إني حبيت ولد إبراهيم الصاوي اللي قتل أبويا وغدر بيه وقولت أنك غيرهم ومختلف عن العيلة دي كلها بس شكلي اتخدعت فيك وطلعت شبه أبوك. أنا اللي غلطانة إني وافقت اتجوزك واستسلمت لناسي اللي أنت كنت بتعايرني بيهم امبارح أنهم رموني ليك كيف الزبالة وانت

اللي سترتني واتفضلت عليا وأني مليش حد غيرك وأني خلاص فات الأوان لو حبيت أهملك وأمشي يعني مش هقدر للأسف لأن طبعًا أنت راجلي وأبو ولدي وسندي وضهري ومليش غيرك، صدقني يا عمران أنت مش غلطان في حاجة أنت فكرتني بس باللي نسيته وفوقتني، وعرفتني أني أنا اللي غلطانة من البداية."

التزمت الصمت للحظة وراقبت تعابير وجهه التي تبدلت تمامًا لأخرى نادمة وتابعت مبتسمة بمرارة: "تعرف أنت امبارح خليتني ندمت إني سمحتلك يكون ليك فضل عليا، خليتني أقول ياريتني سبت ناسي قتلوني على الأقل كان أكرم لي، أنا حتى حسيت بالندم إني هجيب عيل منك." أنهت كلماتها وتحركت بخطواتها تنوي الرحيل وتركه، لكنه قبض على ذراعها يوقفه وهو يقول بصوت رجولي يحمل نبرة الصدق: "آسيا أنا مكنش في نيتي أعايرك ولا كان قصدي كده أنا ااااا......

أوقفته عن استرسال حديثه بصرختها الغريبة التي ذكرته بتلك الفتاة التي كانت قبل زواجهم بالضبط وهي لا تكن له سوى مشاعر الكره. وجذبت يدها من قبضته بعنف: "يدك دي متلمسنيش واصل فاهم ولا لا، بقيت بقرف منها." ضيق عينيه بدهشة من عبارتها الأخيرة، بينما هي فابتعدت واكملت طريقها لخارج الغرفة بأكملها لتتركه متسمرًا بأرضه وهو مشتت الذهن. *** بمساء ذلك اليوم داخل منزل خليل صفوان.....

كانت غزل تقف بالمطبخ تقوم بمساعدة إنصاف في بعض أعمال المطبخ وتحضير الطعام، وشاردة الذهن تفكر في حيلة ذكية تثير بها جنون "علي" مجددًا. ولم تجد سوى أن تكمل في حيلة الملابس المتحررة والمكشوفة. سمعت صوت إنصاف وهي تسألها ضاحكة: "إيه اللي واخد عقلك يا حلوة؟ التفتت لها غزل وسألتها بعفوية تامة وفضول: "طنط إنصاف هو علي قالك حاجة عني؟ ابتسمت إنصاف بخبث وردت غامزة بدفء: "حاجة كيف إيه يعني؟! غزل بتلقائية ورقة تليق بها:

"يعني قصدي أنه بيكرهني أو مش حابب وجودي كده يعني." قهقهت إنصاف بخفة وأجابتها بنظرة ماكرة: "أنتي إيه رأيك، شايفة أنه بيكرهك؟!

سكتت وشردت تتذكر مواقفه معها وتحذيراته الدائمة لها من ارتداء الملابس غير المحتشمة. ربما هي لا تفهم بعاداتهم وتقاليدهم كثيرًا وأن فسرت هذه التصرفات كما اعتادت في أمريكا ستقول أنه إنسان رجعي ومتخلف، لكن في هذه البيئة ومع رجل شرقي بالطبع ستختلف. وتذكرت أيضًا عندما أصلح لها إطار صورتها وأهداها واحد جديد. لا إراديًا ارتفعت البسمة لثغرها الوردي ونظرت لإنصاف تهز كتفيها لأعلى بجهل وهي تبتسم، لتجدها تكمل ضحك وتجيبها بجدية بسيطة وكأنها تعطيها

بعض النصائح عن ابنها:

"علي دمه حامي وممكن تحسيه قاسي شوية بس الحقيقة أنه طيب وحنين قوي كمان، هو مبيعرفش يبين ده بس للأسف، وكمان بيحب يحس أنك مقدراه وفارق معاكي وأنك واثقة فيه وفي كلامه وتصرفاته عشان كده مبيحبش اللي يعانده، طيب استنى هحكيلك حكاية عنه كان لسه في الثانوي وكان في بنت معاه في المدرسة عاجباه قوي، وإحنا هنا عندنا البنات بتلبس الحجاب بدري ومفيش بنت بتقعد بشعرها طالما دخلت الثانوي وكبرت وبقت عروسة، بس البنت دي كانت بشعرها وناسها

كانوا مدلعينها قوي وسايبنها على راحتها وكان لبسها كمان ضيق قوي غير بقية البنات، بس كانت عاجباه، من كتر غيرته عليها كان كل يوم بيرجع متعارك مع العيال في المدرسة، بسبب أن مرة واحد كلمها أو ضايقها أو وقف معاها وهزر في الكلام، ومكنش عاجبه واصل لبسها وشعرها وأنها غير البنات وأكمنها كده كان الكل في المدرسة عينه عليها والولاد وراها كيف ضلها وعينهم مش بتتشال من عليها."

سألت غزل السؤال الأهم بالنسبة لها والذي سيرضي فضولها: "وهي البنت دي فين دلوقتي؟ ردت إنصاف مبتسمة بمرح: "لا فين إيه عاد دي اتجوزت ومعاها عيال دلوقتي." سألت للمرة الثانية حتى تطمئن: "طيب هو لسه بيحبها؟ ضيقت إنصاف عينيها باستغراب من سؤالها الساذج واجابتها بجدية: "بقولك متجوزة ومعاها عيال يا غزل تقوليلي بيحبها؟ بعدين دي حكاية قديمة كان لسه عيل صغير هو مش بعيد يكون ناسي الكلام ده من أساسه."

هزت رأسها بتفهم مبتسمة وهي تتنفس الصعداء براحة ثم تقول بنعومة: "OKay معلش بقى يا طنط أنا هطلع أكلم بابا لإنني بكلمه كل يوم في الوقت ده وأكيد هو مستنيني دلوقتي." هزت إنصاف رأسها بالموافقة وودعتها بنظراتها الدافئة وابتسامتها العذبة، بينما هي فغادرت وهي تفكر في الحكاية التي سردتها لها عنه وربطت بين الماضي والحاضر وطرحت سؤال بحيرة في عقلها "هل هذا يعني أنه يحبني أيضًا؟

". نفرت عن رأسها تلك الأفكار وابتسمت بخجل واكملت طريقها بسرعة للأعلى لكي تتحدث مع والدها. بعد مرور نصف ساعة تقريبًا انتهت من حديثها الطويل مع والدها وهو يسرد لها عن مشاكل عمله الصعب وهي كذلك شاركته تفاصيل يومها. استقامت واقفة واتجهت للشرفة تنظر للشارع بالصدفة فرأته وهو يدخل المنزل فسكنت للحظات واشتعلت في ذهنها فكرة إثارة غيرته مجددًا. فهي لن تستسلم حتى تتأكد من شكوكها حوله.

اتجهت لخزانتها وبسرعة في ظرف دقيقتين كانت ترتدي تنورة قصيرة لا تكاد تصل لركبتها من الأساس وبالأعلى قميص قطني بحمالات رفيعة ومجسم بالضبط على انحناءات جسدها العلوية، واسرعت لتقف خلف الباب وتضع أذنها عليه تنتظر سماع صوت خطواته وهو يتجه لغرفته التي فور سماعها فتحت الباب وهي تضع الهاتف على أذنها متصنعة التحدث في الهاتف باللغة الإنجليزية، وتصرفت كأنها لا تراه حيث اتجهت نحوه دون أن تنظر لوجهه وهي تتصنع الانشغال بالحديث الهاتفي. ولم يغفل عنها طبعًا نظراته النارية لملابسها وعندما وصلت له وعبرت من جانبه وجدته يقبض على ذراعها ويهتف غاضبًا:

"إيه اللي طالعة بيه ده؟! رمقته شزرًا ومثلت الغضب بعدما انهت الاتصال المزيف وتحدثت إليه: "سبق وقولتلك this is none of your business." جز على أسنانه محاولًا التحكم بانفعالاته وهتف: "طيب ادخلي أوضتك وغيري اللي لبساه ده بدل ما أوريكي بنفسي يخصني ولا ميخصني." عقدت ذراعيها أمام صدرها ووقفت بكل غنج وهي تقول بعناد مبتسمة بتحدي: "ولو مدخلتش هتعمل إيه؟

شعرت بقبضته العنيفة فوق ذراعها وهو يجذبها معه تجاه غرفتها عنوة ويدفعها للداخل بغيظ ثم يدخل خلفها ويغلق الباب حتى لا يسمعهم أحد وينفجر بها منفعلًا: "أنا مش نبهت عليكي وحذرتك يا غزل امبارح متلبسيش اللبس ده تاني! بدت باردة المشاعر بشكل مستفز وهي تجيبه بتلذذ بغيرته: "أه قولتلي بس أنت not my dad or my brother يعني هسمع كلامك وانفذه بصفتك إيه؟

تثيره جنونه أكثر وتستفزه لدرجة أن النتائج لن تكون في صالحهم أبدًا. دون أن يعي اندفع نحوها ثائرًا، فارتدت هي للخلف فزعة منه والتصقت بالحائط خلفها لتجده يشرف عليها بـجسده الضخم الذي يفوقها طولًا وحجمًا ويهتف لها بنظرة ثاقبة كالصقر: "وهي الهانم عاوزاني أكون بالنسبالها إيه عشان تسمع الكلام؟ اضطربت بشدة من اقترابه وتسارعت نبضات قلبها حتى أن لسانها انعقد ولا تتمكن من الرد عليه، لكن طرق الباب المصحوب بصوت حمزة وهو يهتف:

"غزل أنتي جوا يا بتي! انتفضت بفزع وصاحت لعلي بخوف: "Oh my god my grandpa! كتم على فمها فورًا بحدة هامسًا لها بحدة: "وطي حسك دي فيها قطع رقاب! التفت حوله يبحث عن أي مكان يمكن الاختباء فيه، بينما هي فسألته بارتياع شديد: "هنعمل إيه؟ سمعوا صوت طرق حمزة مجددًا وهو يهتف باسمها بصوت أعلى، فوجدت نفسها تجيب على جدها بصوت خائف: "حاضر يا جدو ثانية هلبس هدومي." رأت "علي" ينظر لها بعينان متسعة من الدهشة على ردها، فهتفت بحيرة:

"إيه؟ عايزني أقوله إيه؟! .. مش أحسن ما يدخل ويشوفك." علي ساخرًا بنفاذ صبر: "عشان لو دخل وشافني يبقى اتمسكنا بالجرم المشهود وأنتي بتقوليله بلبس هدومي." كانت على وشك البكاء من فرط الخوف والتوتر وصاحت به مغتاظة: "أنت إيه اللي دخلك أوضتي، أنت أصلًا مش محترم! رفع كفه في الهواء وهو يضغط على قبضة يده مغتاظًا منها ويهتف متوعدًا لها:

"ما انتي لو تبطلي نشفان الراس ده وتسمعي الكلام مكنش ده حصل، بس ماشي يا غزل أنا هربيكي نطلعوا بس من المصيبة اللي ورطتينا فيها دي." قالت له بارتباك شديد وغضب: "اخلص هتستخبى فين كده جدو هيشك." على عصبية: "مش عارف هو في مكان عدل أتنيل فيه، اطلع على السقف يعني ولا إيه؟

أمسكت بيده وجذبته معها بسرعة شبه ركضًا حتى وصلوا للحمام الصغير الملحق بالغرفة ودفعته بداخله ثم أغلقت الباب عليه، لتتركه وهو يستشيط بنيران الغيظ ويتوعد لها هامسًا باحتدام وهو يجوب الحمام يمينًا ويسارًا: "على آخر الزمن أستخبى في حمامات الأوض، ماشي يا غزل حسابك معايا بعدين أنا هربيكي من أول وجديد." ***

وصل عمران للمنزل بعد يوم طويل في العمل حاول فيه نسيان مشاكله وهمومه لكنه فشل. صعد الدرج يقصد غرفته بالأعلى دون أن يلقي التحية حتى على أمه وبعدما وقف أمام غرفته ومسك بمقبض الباب، تردد في الدخول كأنه سيدخل غرفة ليست له والمرأة التي بالداخل غريبة عنه. تنهد الصعداء وحسم قراره ثم فتح الباب ودخل ولكنه لم يجدها بالغرفة، فغضن حاجبيه باستغراب وأغلق الباب خلفه ثم تلتفت حوله في أرجاء الغرفة بحثًا عنها وصاح مناديًا عليها:

"آســيا." اتجه إلى الحمام وفتح الباب وكانت ليست بالداخل، للحظة أنها خرجت مجددًا دون علمه، لكن سقطت عينيه على طرف الخزانة المفتوح وبدت له من بعيد وكأنها فارغة، فاندفع مسرعًا له وفتحها ولم يكن يخيل إليه بل كانت بالفعل فارغة. راح يفتش في بقية الغرفة عن أغراضها عله يجد لها أي شيء يطمئنه أنها لم تترك المنزل، لكن الغرفة كلها كانت فارغة ولا يوجد أثر لها ولا لأي شيء منها. وبتلك اللحظة دخلت إخلاص الغرفة ونظرت لابنها

بعبوس متصنع وهي تقول: "مراتك هملت البيت ولمت خلجاتها وحاجاتها ومشيت يا عمران."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...