تسمرت بمكانها عندما رأت مروان أمامها وهو يسألها بقلق فور رؤيته لها: "خلود أنتي كنتي فين؟ أنا كنت قالب الدنيا عليكي.. اوعى يكون سمير عملك حاجة؟! اضطربت خلود بشدة وتجمدت بمكانها ثم التفتت برأسها لـ "علي" الذي كان خلفها وازدردت ريقها بارتباك شديد وملحوظ. ظلت تدعي ربها في نفسها أن ينقذها ويمر الموقف بسلام، فقد تخسر ثقة أخيها بها ثانية ويتركها، وربما يكون هو جلادها بدلًا من سمير إذا شك بأنها على علاقة بمروان فعلًا.
تلاقت أعين كل من مروان و"علي" مع بعضهما البعض في نظرات حادة، وهي تقف بينهما بالمنتصف ولا تدري كيف تتصرف وتقنع شقيقها أن الأمر ليس كما يبدو أمامه. انتفضت على أثر صوت "علي" الغليظ وهو يوجه سؤاله لها بنظرة مميتة: "مين ده؟! التفتت إليه وهي تتطلع له بنظرة مضطربة وخائفة، ولم تلبث لتجيبه حتى وصلها صوت مروان وهو يسأل "علي" بغضب وكأنه على استعداد أن يدخل في شجار عنيف معه: "أنت اللي مين وبتعمل معاها إيه؟!
أظلمت عين "علي" وأثر الفعل في هذه اللحظة بدلًا من الكلام. فلقد كان نصيب مروان أن يشهد على طوفان "علي" الذي يتحكم به منذ ذهابه لمنزل سمير، وتمالكه لأعصابه حتى لا يقتله بين يديه. والآن سيندلع الطوفان. انقض عليه "علي" يكلمه في وجهه بغل وهو يصرخ به: "أنت ابن عم الـ**** سمير ده مش إكده؟ لم يكترث مروان لسؤاله أو عباراته أكثر من اللكمة التي تلقاها وضربه له، فراح مروان يرد له اللكمات بقوة أشد، وبالفعل نشب شجار عنيف بينهم.
انتفضت خلود زعرًا وهرولت بسرعة لتفرق بين مروان وأخيها، ثم صرخت بمروان الذي كان على وشك أن يلكم أخيها بضربة مرعبة: "مروان ده أخويا بتعمل إيه.. كفاية!! ثم التفتت لأخيها وامسكت بذراع "علي" لتقف أمامه حائلًا بينهم وهي تتوسله بخوف وعينان دامعة: "علي أبوس يدك اهدى ياخوي، وتعالي معايا في الأوضة هفهمك كل حاجة." صرخ علي بصوت رجولي مهيب نفضها في أرضها: "ده بيعمل إيه إهنه ياخلود، متخلنيش أنا اللي ادفنك في أرضك بدل سمير."
انهارت خلود باكية أمامه بعجز وهي تترجاه بصدق: "والله العظيم مفيش حاجة، تعالي بس أنا هحكيلك كل حاجة وبعدين أنت احكم ولو عاوز تقتلني أنا مش همنعك، تعالي أبوس يدك."
ألقى "علي" نظرة قاتلة وحاقدة على مروان الذي كان يطالعه بدهشة بعدما اكتشف أنه شقيقها. لكن بالنهاية سار مع خلود التي قبضت على يده وجذبته معها تجاه غرفتها. وأثناء سيرها التفتت برأسها للخلف إلى مروان وأرسلت له نظرة أسف وحزن وأنها ستعاود الاتصال به، وهو بدوره تفهم الوضع وهز رأسه لها بتفهم في ابتسامة باهتة. عندما لاحظ "علي" أنها تنظر لمروان بالخلف فصرخ بها في صوت جهوري أرعبها: "امشي قصادي واعدلي راسك دي بدل ما أكسرهالك."
امتثلت لأوامره فورًا دون جدال وأصبحت هي التي تسير أمامه وهو خلفها مباشرة، حتى وصلوا لغرفتها ففتحت الباب ودخلت وهو بعدها. توقفت والتفتت لأخيها وهي تطرق رأسها أرضًا بضعف وأسى. أما "علي" فكان الشك يأكل رأسه وصدره ملتهب بنيران الغيظ، ولم يجد من نفسه سوى أنه غار على خلود وراح يجذبها من ذراعها بقسوة صارخًا بها: "اللي قاله سمير صُح.. وأنتي ماشية على حل شعرك مع الراجل ده.. انطقي؟!
انتفضت خلود زعرًا على أثر صرخته بها وقبضته على ذراعها وراحت تبكي بحرقة وتقسم له بالصدق وسط بكائها: "والله ما في حاجة بيني وبينه مروان كان بيساعدني بس.. وسمير كذاب." "مروان منفعلًا صائحًا:" "بيساعدك كيف يعني وهو إيه علاقته بيكي ويعرفك كيف؟! "خل بصوت ضعيف وهي تترجاه في أسى:" "أنا هحكيلك كل حاجة بس اهدى واسمعني وتعالى نقعد يا 'علي' أبوس يدك اديني فرصة ادافع عن نفسي وافهمك كل حاجة حصلت معايا في غيابكم."
ارتخت قبضة يده على ذراعها وبدأ ثورانه المخيف يهدأ قليلًا، ثم ترك ذراعه وأشار لها بعينه أن تتجه إلى المقعد لتجلس وتبدأ بسرد تفاصيل الحكاية كاملة. ففعلت على الفور وراحت تجلس على المقعد وهو جلس أمامها على طرف الفراش وراح يستمع لحديثها، وهي تبدأ بالكلام من البداية قائلة:
"من وقت ما اتجوزته وهو بيضربني كل يوم ووصل لدرجة أنه بيجيب الحريم بليل البيت وأنا قاعدة وبيدخل معاها الأوضة اللي جار أوضتي وأنا ببقى سامعة صوتهم طول الليل. وكنت مستحملة ومش بتكلم لأني عارفة أني مليش حد ومقدرش أرجع لكم ولا أشكي لكم بعد اللي عملته، لكن العذاب الجسدي والنفسي اللي كان بيعذبوني مكنتش قادرة استحمله. وفي يوم قررت أهرب بس ملحقتش ومسكني قبل ما أطلع من العمارة وبعدها ضربني وحبسني في أوضة من غير أكل ولا شرب
لمدة يومين، فلما دخل في اليوم التالت بالوكل ليا أنا ضربته على راسه وهربت من البيت واصل. وكان الكلام ده بليل، فضلت ألف في الشوارع وأنا مش عارفة أروح وين ولا معايا فلوس ولا إيه حاجة ولا حتى تلفون. وفي الشارع قابلت مروان وعرض عليا يساعدني لما حس إني في مشكلة، بس أنا رفضت وخوفت منه ومشيت وفضلت ألف لغاية ما دخلت عمارة واستخبيت فيها عشان أنام شوية لغاية ما النهار يطلع. خوفت من البلطجية اللي بيبقوا في الشوارع بليل أحسن حد
منهم ياذيني. والحمدلله محدش حس بيا في العمارة دي ونمت لغاية النهار. ولما صحيت لقيت مروان في وشي وطلع هو ساكن في العمارة دي. وقتها رفض يسيبني وأصر أنه يساعدني وفضل يحاول يقنعني أنه مش هيأذيني وعاوز يساعدني، بس وأنا قبلت في الآخر مجبورة تكمن مكنش في يدي حل تاني. بعدين هو عرض عليا أقعد في شقة بتاعته هو مش قاعد فيها ومحدش بيروح فيها ولا يعرفها. رفضت بس هو حلفلي مية يمين أنه مش في نيته حاجة وحشة وأنا برضوا كنت مصممة على
الرفض لغاية ما وافقت لما...
قاطعها علي بعصبية وصوت رجولي مهيب: "وافقتي كيف تقعدي في شقته؟! أجابت على شقيقها بسرعة لتوضح له الوضع باستفاضة أكثر:
"يا 'علي' أنا كنت هقعد في الشوارع لو موافقتش أقعد في شقته وكان سمير هيوصل لي ولو كان وصلي كان هيقتلني. ومروان والله العظيم راجل ومحترم وأبدًا ما حاول يقرب لي ولا حتى يضايقني بكلمة واحدة عفشة، وكان مقعدني في بيته كأني في بيتي بالضبط وحتى كان بيساعدني وجاب لي محامية عشان أرفع قضية خلع وأطلق من سمير وكنا ماشيين في الإجراءات لغاية ما اللي حصل ده ومروان اكتشف أن سمير ابن عمه."
شعر "علي" بالخزي من نفسه والألم أن شقيقته عانت كل هذه المعاناة وهم لا يدرون بها حتى. رغم ذنبها وأخطائها، لكن الذي فعله معها سمير لا يمكن لرجل سوى أن يتقبله أبدًا. ليته سمع توسلات آسيا وهي ترجوه أن ينسى الماضي مؤقتًا وما فعلته أخته ويساعدها في التخلص من ذلك الوحش قبل أن يقتلها، لكنه لم يهتم! وجد خلود تنظر في عينيه بعجز وتقول في صوت مهموم ودموعها تنهمر بصمت:
"علي أنا أقسم بالله ندمت على غلطي وتبت لربنا ومستحيل أكرر الذنب تاني. ولولا أني عارفة أن محدش منكم هيتقبلني ولا عاوز يشوف وشي كنت جريت عليكم طوالي واحتميت في ناسي منه، بس عجزي وقلة حيلتي هي اللي خلتني أقبل مساعدة مروان وأقعد في بيته، بس والله العظيم ما كان في أي حاجة بينا، كل اللي كان بينا أنه كان بيقدم لي المساعدة وبيحميني من سمير." ثم شجعت نفسها وراحت تمسك بيده وهي تبكي وتترجاه بوجع:
"سامحني يا 'علي' سامحني ياخوي وخليك جاري أنا مليش غيرك دلوقت." سحب علي يده من قبضتها ببطء وهو يتنهد الصعداء بخنق، ثم استقام واقفًا وقال له بلهجة حازمة: "لمي حاجتك يلا عشان آخدك أوديكي مكان ميحوش عنه الـ**** جوزك ده لغاية ما أشوف هعمل معاه إيه." كانت تلك الكلمات بمثابة بريق الأمل لها وجعلتها تبتسم باتساع وفرحة أن شقيقها سيكون بصفها وسيُحميها. فهزت رأسها له بالموافقة وهبت واقفة مهرولة وبدأت تلملم أشياءها بحماس وفرحة.
***
بتمام الساعة السابعة مساءً.. داخل المستشفى تحديدًا بغرفة فريال النائمة منذ أن أخذت الحقن المهدئة، وكان جلال قد عاد إليها ليطمئن عليها ومن ثم يعود ليكمل الإجراءات الأخيرة لخروج جثة ابنته الصغيرة ويدفنها. جلس على طرف الفراش بجوارها ورفع أنامله لشعرها يمسح عليه بحنو ويتأملها في وجه مهموم وعينان دامعة. ربما هو الآن في أمس الحاجة إليها، لكنها قررت الانفصال عن العالم تمامًا منذ أن تلقت خبر وفاة صغيرتهم لتتركه يتخبط ويتعذر
بمفرده. قد يبدو أمام الجميع أنه ثابت وشامخ كالجبال، ولكن الحقيقة أنه منهار من داخله. لا يدري على أيهم يحزن.. على موت ابنته ولا حالة زوجته ولا على نفسه ولا على أولادهم الذين ذهبوا منذ صباح اليوم لمنزل جدهم ولا يعرفون شيئًا حتى الآن عن موت شقيقتهم ووضع أمهم.
انحنى على فريال وراح يلثم رأسها وقد سقطت دموعه من عينيه فوق شعرها وهو يهمس لها بصوت مبحوح: "متعمليش فيا كده يا فريال، متقلقنيش عليكي أنا مش حمل أشوف فيكي أي مكروه زيادة اللي أنا فيه.. لو فاكرة أني مش موجوع كيفك على بتي تبقي غلطانة.. أنا قلبي بيتقطع بس مش بتكلم ومتحمل، فوقي وخليكي قوية واقفي جاري متهملنيش لحالي أبوس يدك." ثم فجأة انهار في البكاء كالطفل الصغير وراح يكمل همسه لها وسط بكائه وهو مازال
يضع جبينه على خاصتها: "ربنا هيعوضنا خير والحمدلله معانا عمار ومعاذ ربنا يحفظهم لينا ويبارك لنا فيهم. عيالنا محتاجين نقف صامدين جاري.. مش عاوزك تنهاري.. كده هتعذبينا كلنا معاكي." لم يكن ليكمل حديثه معها حتى سمع صوت طرق الباب فراح يمسح دموعه فورًا وعندما التفت وجد عمران يدخل وخلفه إخلاص التي ركضت تجاه ابنتها النائمة وهي تبكي وتنظر لجلال وتسأله بحرقة: "إيه اللي حصل والبت جرالها إيه يا جلال، هي مش كانت كويسة في الحضانة؟!
رد بصوت ضعيف يكاد لا يخرج من فرط الأسى: "الحمدلله يا حاجة إخلاص قضاء الله وقدره، هي كانت تعبانة من وقت ما دخلت الحضانة والدكاترة حاولوا يعملوا اللي قدروا عليه." نظر عمران لشقيقته النائمة وسأله بقلق: "وفريال مالها؟! التفت جلال للريال ونظر لها بنظرة بائسة ثم أجابه: "أول ما عرفت الخبر الصبح انهارت والدكاترة ادوها مهدئات ونايمة من وقتها." انحنت إخلاص على ابنتها وراحت تلثم شعرها وجبهتها ووجهها وهي تبكي وتردد بوجع:
"يا بتي يا حبيبتي." أما عمران فراح يربت على كتف جلال الذي وقف ثم راح يعانقه وهو يربت على ظهره برفق ويهمس له في حزن شديد وألم: "البقاء لله.. ربنا يعوضكم خير يا جلال، لله ما أخذ وله ما أعطى." ردد جلال بصوت مهموم بعدما ابتعد عن عمران: "ونعمة بالله." التفت برأسه ونظرته المتحسرة على زوجته النائمة، وكان عمران بالمثل ينظر لشقيقته في أسى وحزن. ***
بعد مرور ثلاث ساعات بتوقيت الساعة العاشرة مساءً داخل سيارة "علي" كانت خلود تجلس على المقعد المجاور لمقعده في السيارة وتتابع الطريق بشرود، وراحة نفسية واطمئنان تشعر به لأول مرة منذ وقت طويل. ووسط انشغالها بالطريق وانتظارها أن يصل بها أخاها إلى المكان الذي أخبرها بأنه سيبقيها فيه مؤقتًا حتى يتسنى له التفكير والتأهيل فيما سيفعله بزوجها وكيف سيطلقها منه.. وجدت السيارة تشق الطرق الضيقة التي بمنطقة منزل والدها ويسير بها "علي" متجهًا إلى منزل خليل صفوان. اتسعت عيناها وتسارعت دقات قلبها خوفًا وقلقًا والتفتت بسرعة إلى "علي"
تسأله بارتباك: "علي أنت جايبني بيت أبوي ليه؟! .. مش قولت هتوديني مكان بعيد وآمن لغاية ما تتصرف مع سمير." رد عليه بصوت رجولي غليظ دون أن يحيد بنظره عن الطريق أمامه: "وهو في مكان آمن أكتر من بيت أبوكي؟!
غضنت حاجبيها باستغراب وحيرة من أمر شقيقها وراحت تتمعنه وتدقق النظر في وجهه محاولة اختراق عقله وفهم ما يدور بداخله، وبين كل لحظة والأخرى تتلفتت حولها وتشاهد شوارع منطقتهم بعيون مضطربة، حتى توقفت السيارة أمام المنزل أخيرًا. بتلك اللحظة شعرت خلود وكأن قلبها سيقفز من موقعه لفرط خوفها من القادم، وتذكرت كل شيء في ثواني كيف خرجت من منزل والدها وماذا فعلوا بها وكيف تزوجت ذلك الوغد سمير، فارتجفت في مقعدها وانكمشت بارتياع
ثم نظرت لأخيها وتوسلته: "رجعني الفندق حتى يا 'علي' مش عايزة أدخل بيت أبوي أنا مش هقدر أبص في وشهم." التفت علي لها ورمقها بنظرة مميتة وقال بحدة: "هتبصي كيف ما بصيتي في وشي، وطالما أنتي توبتي وندمتي كيف ما بتقولي يبقى خلاص تدخلي وتحبي على راس أمك وراس جدك وتطلبي منهم السماح." امتلأت عيناها بالدموع وقالت بصوت مبحوح: "أبوي وجدي وجلال محدش فيهم هيقبل يدخلني البيت وهتقوم القيامة، رجعني أبوس يدك وبلاش مشاكل أنا خايفة منهم."
تأفف "علي" بنفاد صبر ثم فتح باب السيارة ونزل وراح يلتف حتى وصل لباب مقعدها هي ففتحه بقوة وصاح بها منفعلًا: "انزلي يا خلود من غير حدت كتير.. طالما أنا اللي جيبتك بنفسي متهابيش حد، مفيش مكان ينفع تقعدي فيه غير هنا مينفعش تقعد في شقة لوحدك." امتثلت لأوامر أخيها بعد لحظات من التفكير والصمت الممتزج بخوفها من القادم. خرجت من السيارة وإذا به يجدها تتشبث بذراعه وهي تنظر له بضعف وتقول: "جدي وأبوي هيخربوا الدنيا لو شافوني."
رد بصوت مقتضب: "معدش في رجالة في البيت غيري أنا وجدك." رغم أنها تعجبت من رده لكنها لم تعقب كثيرًا وحمدت ربها أن جدها فقط موجود ليخف حدة الصراع الذي سيقوم الآن بسببها بين جدها وأخيها.
سارت مع "علي" وهي تتعلق بذراعه تحتمي به، رغم أنها تشعر بانزعاجه البسيط لكنها كانت تريد أن تذكره أنها الآن ليس لديها غيره ليحميها. تعلم أنه لم يسامحها حتى لو يساعدها ولا يرضى بظلمها ولكن مازال غضبه منها لم ينتهي وبالتأكيد لن يسامحها بسهولة. ***
داخل المستشفى بغرفة فريال، جالسة فوق الفراش وتستند بظهرها على ظهر الفراش وعيناها عالقة على الفراغ أمامها بسكون مريب. تتذكر اللحظة التي أخذها فيها جلال بعد استيقاظها لترى ابنتها للمرة الأخيرة قبل أن يأخذوها للدفن. إن سألوها الآن كيف كان حالك وبماذا شعرتي لن تستطيع الإجابة، فهي لا تتذكر أي شيء وكأن ما حدث كان كابوس ولا تريد تذكره. نظرت لطفلتها واعتبرتها نائمة في سباتها العميق. رفضت في عقلها الباطن تصديق أنها فارقت الحياة ولم تعد موجودة بينهم، أن روحها الصغيرة صعدت لربها وخالقها. روحها تتألم على فراق تلك الصغيرة التي لم تشبع من ضمها أو رائحتها.. هي لم تحفظ ملامحها جيدًا حتى.
بينما تلك الأفكار كانت في مخيلتها وعقلها كانت عيناها تذرف الدموع دون توقف بصمت، وقد كانت إخلاص في تلك الأثناء ذهبت لتجلب لها طعامًا وعصيرًا ودواءها. وفريال أصبحت بعالم آخر لدرجة أنها لم تشعر بالباب الذي انفتح ولا خطوات جلال الذي دخل واقترب منها ثم جلس على طرف الفراش بجوارها وراح يمد يده يمسح على شعرها بحنو متمتمًا: "فريال أنتي بخير يا حبيبتي؟ التفتت له بوجهها الذابل وعيناها المنتفخة ثم سألته بروح ضائعة: "دفنتوها؟!
انكمش وجهه واحتل العبوس قسماته ليأخذ نفسًا عميقًا في أسى ويهز رأسه لها بالإيجاب ثم ينحنى عليها ويضمها لصدره ويلثم رأسها وجبهتها بقبلات متتالية في دفء. أما هي فابتسمت بمرارة وقالت بوجع: "كانت كيف الملاك يا جلال، كانت نايمة أنا ملحقتش آخدها في حضني ولا أشبع منها." شدد من ضمه لها واستمر في قبلاته محاولًا التخفيف عنها ويجيبها بابتسامة حزينة:
"هي ملاك فعلًا يا فريال.. ملاك صغير وطلعت للسما. قولي الحمدلله وربنا إن شاء الله هيعوضنا قريب تاني، هي مكنتش لينا ورجعت للي خلقها ومتغلاش عليه.. اللهم لك الحمد والشكر." رددت خلف زوجها "الحمدلله" وهي تبكي بحرقة وصوت مرتفع، وهو يمسح على شعرها وظهرها ويقبلها بحنو هامسًا لها: "ابكي لو البكاء هيريحك، متكتميش في روحك."
ارتفعت صوت نحيبها بين ذراعيها وأصبحت تعتريها رجفة مع شهقاتها العالية. رغم أن حالتها كانت تمزق قلبها أكثر، لكنه تركها حتى تفرغ طاقتها المشحونة ولا تتعبها أكثر إذا كتمتها في صدرها. بعد وقت طويل نسبيًا توقفت عن البكاء ودخلت بتلك اللحظة إخلاص بعدما اشترت لها ما تحتاجه، فأسرعت إليه مفزوعة عندما رأتها تبكي هكذا تسألها: "مالك يا فريال؟ رد عليها جلال بنظرة خيمة وصوت رزين: "ملهاش يا حاجة، كانت بتفرغ عن نفسها شوية."
هدأت نفسها المرتعدة ثم اقتربت من ابنتها وجلست بجوارها من الجانب الآخر من الفراش وراحت تسألها باهتمام: "أنتي زينة يا بتي؟ هزت فريال رأسها بالإيجاب ووجهها غارق بدموعها. دخل عمران من باب الغرفة ووقف على مسافة بعيدة نسبيًا يراقب تعبيرات وجه شقيقته التي نظرت له بحسرة وعجز جعلاه يقترب منها فورًا ويجلس مكان إخلاص ويضمها لصدره مقبلًا رأسها بحنان أخوي جميل ويهمس لها:
"دموعك دي غالية قوي عندي يا بت أبوي، وقلبي بيتقطع عليكي وأنا شايفك بالمنظر ده، متعمليش في روحك كده. وادعي وقولي اللهم اجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها، عيالك محتاجينك وحتى جوزك مش متحمل يشوفك كده." انهارت بين ذراعين أخيها وراحت تقول وسط بكائها بقلة حيلة: "غصب عني والله يا عمران غصب عني مش قادرة أتحمل وجع قلبي عليها." أجابها عمران بصوت رجولي دافئ: "ربنا يصبرك يا غالية."
استقام جلال واقفًا بعدما شعر بأنه أنفاسه ضاقت عليه ثانية كما كان بالصباح وقال موجهًا حديثه لزوجته: "يلا يا فريال قومي البسي طرحتك عشان نمشي ونرجع البيت يا حبيبتي." هزت رأسها له بالموافقة ثم ابتعدت عن أحضان أخيها الذي ابتسم لها بحب ومسح على ظهرها بلطف. هبت إخلاص واقفة وراحت تساعدها في الوقوف على قدميها لترتدي حجابها وتنهدم من ملابسها وتغسل وجهها قبل أن تذهب. *** داخل منزل خليل صفوان........
فتح "علي" باب المنزل ودخل أولًا قبلها خلود التي بقيت واقفة عند باب المنزل بخوف لم تدخل إلا عندما رأته يلتفت لها برأسه ويشير بنظراته الصارمة أن تدخل ففعلت بخطوات متعثرة ومترددة، وكان بصالة المنزل بالأسفل يجلس كل من غزل وإنصاف التي وقع نظرها على ابنتها واتسعت عيناها وفغرت شفتيها بصدمة لا تستوعب ولا تصدق ما تراه عيناها. أما غزل فقد أصابها الذهول واضطرب قلبها وللحظة اشتعلت نيران الغيظ في صدرها وهي تراه يدخل المنزل مع فتاة لا تعرفها وظنتها حبيبته.
وقفت خلود خلف أخيها تحتمي به دون أن ترفع رأسها أو نظرها وتتطلع للجالسين أمامها. وثبتت إنصاف واقفة تنقل نظرها بذهول بين ابنها وابنتها بعدم فهم. أما "علي" فقد تصرف بطبيعية وبرود مع صدمة أمه ونظراتها وراح يسأل غزل بصوت غليظ: "جدي وين يا غزل؟ ألقت غزل نظرة متفحصة على خلود في غيظ تتفحصها من أعلاها لأسفلها وهي ملتصقة بظهر "علي" تحتمي به، ثم ردت عليه باقتضاب وخنق: "جوا في أوضة الجلوس."
فجأة ارتفع وصدح صوت "علي" الرجولي المرتفع وهو يصيح مناديًا على جده بكل ثقة: "جــــدي.. جــــدي." المشاعر بين كل من غزل وإنصاف مختلفة، لواحدة تنظر لخلود بكل خنق وكره، والأخرى تتفحص في ملامح ابنتها الذابلة ومنظرها المزري وكأنها أصبحت واحدة أخرى وللحظة شعرت بأنها لا تعرفها بسبب ما تعرضت له من ظلم وخسرانها بوزنها وبريق وجهها وانطفاء نظراتها وكسرتها، فهذه ليست خلود التي كانت تقف بكل شموخ وقوة أمام الجميع. أين ذهبت ابنتها!
خرج حمزة من غرفة الجلوس على أثر صوت صياح "علي" وندائه عليه، كان يتحرك وبيده عصاه الغليظة يتكأ عليها في سيره ويجيب على "علي" قبل أن يرفع رأسه له: "جرا إيه بتزعق كده ليه يا 'علي'؟ رفع رأسه بعدما غلق الباب ونظر لهم فرأى خلود تقف خلف أخيها وترتجف من الخوف، فاتسعت عين حمزة بصدمة وسرعان ما أظلمت نظراته واحتقن وجهه بدماء الغضب والحقد وراح يصيح بـ "علي" في صوت جهوري:
"إيه اللي جايبها معاك دي، سبق وقلنا رجلها متعتبش عتبة البيت تاني واصل مش مكفياها الفضايح والعار اللي جابتهولنا، وأنها حطت راسنا في الطين." التصقت خلود بظهر "علي" أكثر وبدأت دموعها في الإنهمار على وجنتيها، حتى سمعت صوت أخيها الخشن وهو يجيب على جده: "خلود هتقعد هنا يا جدي، ولا عاوزني أسيبها في الشوارع وكلاب الطرق تنهش فيها." ابتسم حمزة ساخرًا وقال بقسوة: "شوارع!!
.. وسيد الرجال الـ*** اللي لطخت شرفها بسببه راح فين، ولا بعد ما خد غايته منها رماها عضم للكلاب." رد علي بغضب: "اديك قولت عليه ال*** وهو اللي عامل فيها كل ده، لو سبتها ليه هيخلص عليها واصل." نظر حمزة لخلود بتفحص يدقق النظر في وجهها المتورم من أثر الضرب والاعتداءات الجسدية عليها ورغم ذلك لم يشفق عليها وصاح بانفعال ورفض قاطع: "خليها ترجع له ويخلص عليها، الفاجرة دي مش هتدخل البيت ولا تقعد فيه."
انتفضت خلود على أثر صياح جدها وانهارت باكية ثم استدارت وهمت بأن ترحل من المنزل لكن أوقفها صوت "علي" المرعب: "أنا مقولتش تتحركي اقفي عندك يا خلود." وقفت مجبرة امتثالًا لأمر أخيها بينما حمزة فنظر لـ "علي" باستياء شديد وصاح به: "أنت هتكسر كلمتي يا 'علي'؟! رد "علي" بثبات ووقار زاده رجولة وقوة:
"استغفر الله يا حج حمزة مقدرش، بس كمان مقدرش أهملها تطلع في الشوارع دلوقتي، مهما عملت هتفضل بتنا للأسف وعيبة في رجولتي لما أسيبها للـ *** يعذب فيها كل يوم لغاية ما هيخلص عليها." ضرب حمزة بعصاه الأرض بقوة وصرخ يلقي كلمته القاطعة التي لا رجعة فيها: "وأنا قولت كلمتي يا ولد منصور ملهاش قعاد هنا، وبنات معندناش غير آسيا وغزل.. دي لا بتنا ولا نعرفها."
بدأ صوت نحيب خلود يرتفع وشهقاتها تظهر، حتى وجدت "علي" يتجه إلى جدها ويطلب منه التحدث معه بالداخل بمفردهما، وبعد محاولات كثيرة لإقناعه وافق أن يدخل ويتحدث مع "علي". أما غزل فتحولت نظراتها من الخنق للدهشة والشفقة على خلود التي اكتشفت أنها شقيقته التي حكت لها عنها آسيا. ***
داخل منزل عمران، كانت آسيا تقف بالشرفة تتابع الطريق تنتظر وصول عمران بفارغ الصبر وسط قلقها على فريال وحزنها على ابنة أخيها الصغيرة. كانت تعاني من نوبات الفزع على زوجها من ذلك الرجل الذي مترصد له أسفل المنزل وقد عزمت النية أن تخبره تلك الليلة ليتخذ احتياطاته.
انتظرت لدقائق طويلة حتى رأت سيارة عمران تصطف أمام بوابة البناية وكانت عين تثبتها على عمران والأخرى على ذلك الرجل خوفًا من أن يخطو أي خطوة باتجاه ويأذيه، لكن مرت تلك اللحظات بسلام ودخل عمران البناية، إذا بها ترى ذلك الرجل يرفع رأسه وينظر لها مبتسمًا بشيطانية. رغم ارتباطها البسيط إلا أنها كعادتها أظهرت عن أنيابها وراحت ترمقه بنظرة ثاقبة ومتجبرة توعد له من خلالها، ثم دخلت واسرعت لتفتح الباب لزوجها.
انتظرت وصول عمران أمام باب المنزل وفتحت هي فورًا فوجدته بيده مفتاح المنزل ويرفع يده كان على وشك أن يضعه بالقفل ليفتح. مال ثغره للجانب بتعجب ودهشة بسيطة منها ثم دخل وأغلق الباب وهو يقول بلطف: "إنني لسا صاحية، أنا قولت هلاقيكي نايمة أنتي وسليم! آسيا بوجه عابس وحزين: "أنام كيف يعني يا عمران بعد اللي حصل، ده أنا زعلانة وشايلة منك إنك مأخدتنيش معاك." لف ذراعه حول كتفيها وضمها لصدره وقال بحنو وهو يسير معها لغرفتهم:
"آخدك كيف بس يا غزال أنتي مش شايفة الجو ساقعة كيف أنا خفت عليكي تتعبي وأنتي لسه تعبانة من الولادة، وكمان الولد كنتي هتسبيه مع مين مينفعش تطلعي بيه بالليل كده." نظرت له آسيا باستنكار وقالت في انزعاج: "يا عمران ده أخويا ودي بت أخويا وأنت عارف زين معزة أختك عندي، كيف أسيبها في الحالة دي." انحنى عليها ولثم شعرها بقبلة محبة وتمتم: "حاضر بكرا الصبح هاخدك وتروحي تشوفيها وتطمني عليها، هي بخير وروحت بيتها مع جوزها."
ابتعدت عنها ثم جلس هو على الفراش وبدأ ينزع عنه عباءته وهو يطلق زفيرًا حارًا في إرهاق وحزن، فجلست آسيا بجواره ونظرت له بأسى ثم سألته في حسرة: "دفنتوها؟ هز رأسه بالإيجاب في تعبيرات وجه بائسة، فتنهدت آسيا بوجه وقالت في صوت مبحوح: "قلبي موجوع عليها قوي البت، كتر خير فريال." "العمران بعبوس شديد:" "ادعيلها ربنا يصبرها."
رددت آسيا من أعماق صدرها "يارب". أما هو فقد استقام واقفًا بعدما سمع صوت حركة ابنه في فراشه الصغير، اقترب منها بكل شوق ولهفة وانحنى عليه يحمله بين ذراعيه ثم يقبله من رأسه هامسًا له: "أنت مش ناوي تكبر عاد ولا إيه وتنزل مع أبوك الوكالة والشغل وتقف جاري وتساعدني." وقفت آسيا واقتربت منهم لتقف بجوار عمران وتنظر لابنها الذي ينظر لأبيه بتركيز وكأنه يدرك كل كلمة يقولها، فابتسمت بخفة وقالت له في نعومة:
"متستعجلش عليه ليه يا معلم، مسيره يكبر ويسندك ويقف في ضهرك، وتفرح بيه وبشهادته وتجوزه وتشوف عياله كمان." نظر لها مبتسمًا وقال مازحًا: "ربنا يدينا الصحة وأشوف عيال عيالي، عاد أنت شايفة الصحة بقت على قدها يا غزال والواحد ممكن يودع في أي لحظة." انقبض قلبها على أثر عباراته وهتفت تعنفه برفق وتعاتبه في ضيق: "متقولش كده ربنا يبارك في عمرك وميحرمناش منك، بعدين صحة إيه اللي على قدها يا معلم ده أنت الله أكبر لسه في عز شبابك."
نظر لابنه وقال مبتسمًا في مرارة وحزن: "الهم بيكبر ويهد يا آسيا وأنا شايل هم تقيل قوي فوق كتافي، وأبويا الله يسامحه مشيلني الهم حتى بعد مماته." انحنت عليه واستندت برأسها على ذراعه وهي تتعلق به كأنه طوق نجاتها الوحيد وتقول بحزن وشفقة عليه: "بعد الشر عليك من الهم، ارمي حمولك عليا وفضفض ومتحملش على روحك، أنا وولدك منقدرش نتحمل لو جرى لك حاجة لا قدر الله."
كان بذراع يحمل ابنه الصغير والذراع الآخر راح يلفه حولها ويضمها إليه متمتمًا في غرام جميل: "ربنا ما يحرمني منك يا أم الغالي يا حبيبة قلبي." ثم سكت للحظة وقال مبتسمًا يتصنع الحزن: "رغم كل ده وهونت عليكي وزودتي عليا الهم بزعلك مني وبعدك عني." ابتعدت عن حضنه فورًا ورفعت قدميها لتصل لوجهه وطبعت قبلة عاشقة على وجنته ولحيته هاتفة:
"مليش حق يا معلم، بعدين أنت عمرك ما تهون عليا ده أنا كنت بدلع عليك بس، ودلوقتي اعتبرني خلاص من يدك دي ليدك دي." يضحك بخفة على تدللها عليه وكلماتها الحلوة التي استقرت في قلبه وأسعدته، ثم مال عليها ولثم وجنتيها وجانب ثغرها بقبلات حميمية وعاطفية، فابتسمت هي بحب وسكينة، لكن سرعان ما اختفت تلك السكينة عندما تذكرت الخطر الذي يحاوطه وأنها قررت أن تخبره ولا تخفي عنه، فتنهدت الصعداء بقلق بعدما تبدلت تعبيراتها للجدية وقالت له:
"عمران عاوزة أقولك على حاجة." نظر لها باستغراب وقلق وهتف: "حاجة إيه دي؟ قبل أن تتحدث قطعها صوت رنين هاتفها المرتفع، فخاف أن يستيقظ ابنه الذي نام بين ذراعيها، فاعطاها إياه بسرعة وراح يجيب على هاتفه. كانت تراقبه وهو يتحدث في الهاتف فوجدت الغضب بدأ يحتل تعبيراته وهو يجيب على المتصل بعصبية ويخبره بأنه قادم الآن. سألته بقلق بعدما انتهى من مكالمته ووجدته يجذب هاتفه ومفاتيحه على عجالة ويهم بالرحيل: "في إيه يا عمران؟!
رد عليها بإيجاز وهو يتجه إلى خارج الغرفة: "مشكلة في الشغل ولازم أروح دلوقتي، خدي بالك من روحك انتي والواد وأنا مش هتأخر إن شاء الله."
وقفت مكانها متسمرة بعدما رحل، بين ذراعيها صغيرها وهم وحيدين في المنزل من جديد. هي حتى لم تستطع أن تحذره من الخطر الذي يلاحقه وتركها ورحل، فور تذكرها لذلك الرجل، وضعت صغيرها في فراشه برفق وهرولت إلى الشرفة لتطمئن أن زوجها غادر بسلام فلم تجد سيارته وعندما نظرت إلى الجانب الآخر وجدت ذلك الرجل وسيارته أيضًا ليست موجودة، فاستنتجت وتوقعت أن ذلك الرجل لحق بعمران، تسارعت أنفاسها ودقات قلبها فزعًا عليه ودخلت الغرفة تلتقط هاتفها تجري اتصالها بعمران، اتصال خلف اتصال وهو لا يجيبها مما أفقدها قدرتها على الوقوف على قدميها من شدة ارتعادها وتوترها.
*** بمكان آخر داخل منزل بلال وحور...... كانت تجلس بجواره على الأريكة وتتفحص تعبيراته البائسة حزنًا على شقيقته وابنتها الصغيرة. فرفعت يدها ومسحت على ذراعه وكتفه بنعومة هامسة: "ربنا يصبرها يا بلال، هي عاملة إيه دلوقتي فريال؟ رد عليها بعبوس بسيط وهو يتنهد بقوة: "كويسة الحمدلله بس نفسيتها تعبانة قوي، وروحت بيتها مع جوزها بعد ما خلصنا كل حاجة ودفنا البت." تمتمت حور بأسف شديد وحزن: "ربنا يعوضهم خير يا رب."
رفع بلال يده ومسح على وجهه متأففًا بخنق ثم استقام واقفًا وقال لها في نظرة حانية وابتسامة دافئة: "يلا تعالي عشان أوريكي التجديدات وتشوفي لو في حاجة مش عاجباكي وعايزة تغييرها عشان نمشي قبل ما الوقت يتأخر." استقامت هي الأخرى واقفة وتقدمت إليه لتقف أمامه مباشرة وتنظر إليه بدلال متمتمة في حب: "طالما أنت اللي مختارها تبقى هتعجبني أكيد." قهقه بخفة على دلعها وهمس لها مازحًا: "بحبك وأنتي بتاكلي بعقلي حلاوة كده."
ابتسمت ابتسامة في ثقة وغرور زادها جمال وأنوثة، ثم سارت معه للداخل يتفقدوا الغرف ويريها التجديدات الأخيرة الذي فعلها باليومين السابقين. وكمان كانت متوقعة أعجبت بزوقه في اختيار الألوان والأشكال وكل شيء وأبدت عن سعادتها وحماسها الشديد. وقف خلفها يراقب تعبيراتها وهي تتفحص المنزل والغرف وعلى ثغره ابتسامة عاشقة، فانحنى عليها من الخلف وطبع قبلة رقيقة فوق رأسها، فالتفتت له وابتسمت بخجل ثم عاتبته في رقة:
"وبعدين بقى يا بلال قولنا نقعد باحترام لغاية ما نمشي." ضيق عينيه باستغراب وقال مداعبًا وهو يضحك: "هو أنا عملت حاجة؟ دي البوسة دي أنا ببوسها لأمي!!! ضحكت بقوة عليه واكتفت بضحكتها دون أن تجيبه وتابعت تفقدها لمنزلها المستقبلي وهو خلفها يراقبها ينتظر منها أن تملي عليه أي تعديلات بشأن تجديدات المنزل ولكنها أبدت عن إعجابها الشديد بكل شيء نفذه. سألها بحب وصوت دافئ: "إيه رأيك عاجبك؟ التفتت له ورمقته بحب هاتفة في فرحة:
"جميل أوي يا بلال ربنا يبارك لك فيك وميحرمنيش منك يا حبيبي." ضمه لصدره بحنو وتمتم في غرام: "ولا يحرمني منك يا حوريتي، عقبال فرحنا والليلة الكبيرة يا عروسة." رددت خلفه في استحياء من ضمه لها "يارب" ثم ابتعدت عنه وقالت بجدية بسيطة: "يلا نمشي عشان منتأخرش وتوصلني البيت."
هز رأسه لها بالموافقة ثم أخبرها بأن تسبقه للخارج وهو سيلحق بها، ففعلت وبعد دقائق معدودة خرج معها وغادروا المنزل واستقلوا بالمصعد الكهربائي الذي نزل بهم إلى الطابق الأرضي حيث مدخل البناية. وبينما كانوا في طريقهم للسيارة استوقف حور صوت رجولي من خلفها يهتف: "حور! توقفت والتفتت خلفها فإذا بها ترى ابن عمتها أمامها، ابتسمت له بود وقالت بكل عفوية: "عمرو عامل إيه؟
كان بلال يعرفه ولم يعقب أن يصدر أي رد فعل على سلام زوجته عليه وتصرف بطبيعية تمامًا، حتى لاحظ نظراته المحتقنة له وهو يرمقه بغل وقرف ثم هتف لحور يحاسبها وكأنه والدها: "انتوا كنتوا مع بعض في الشقة فوق لوحدكم ولا إيه؟! ............. نهاية الفصل ............
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!