الفصل 27 | من 36 فصل

رواية و بالعشق اهتدي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
25
كلمة
6,350
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

وصل عمران بسيارته أمام مخزن السمك الخاص بعائلة الصاوي، وخرج من السيارة ثم سار بخطواته مسرعًا للداخل، يضرب الأرض بقدمه في كل قوة وثقة. وفور دخوله وجد جميع العمال ومساعديه الشباب يجلسون على الأرض وحولهم صناديق السمك الممتلئة. وقف مكانه وراح ينقل نظره بين الصناديق يتفحص السمك بعينه فوجده في حالة جيدة، ثم رفع نظره للشباب وصاح بهم بصوت جهوري نفضهم في الأرض: "ما هو كل حاجة زين، امال جايبني على ملا وشي ليه منك له؟

استقام أحد الشباب واقفًا وقال بخوف شديد: "يا معلم السمك كله مدسوس جوه بطنه كياس بودرة." اتسعت عينا عمران بصدمة واحتدمت نظراته في لحظة واشتعلت بنيران الغضب المرعبة وصاح وهو يندفع تجاه الصناديق: "بودرة إيه انتوا اتجننتوا؟ نافخوكم جاية منين البودرة دي؟ انتوا عاوزين تلبسونا تهمة! نفس الشاب بتوتر وارتعاش:

"منعرفش يا معلم، احنا الطلبية وصلت لينا كده ولما جينا نحسبها ونعد الصناديق ونطمن أن السمك طازة ومش بايظ لقيناه كله بودرة." جلس عمران أمام الصناديق على الأرض القرفصاء وراح يمسك بالأسماك بين يديه ويفتح بطن كل واحدة تلو الأخرى فيجد داخلها أكياس صغيرة من المخدرات. فصرخ بهم بصوت جهوري وانفعال: "وانتوا كيف تعدي عليكم حاجة كيف كده؟ انا منبه أن البضاعة تتشيك عليها زين قبل ما التجار يمشوا ولو فيها أي حاجة ترجع معاهم تاني."

رد أحد الشباب بنظرة نارية ومحتقنة بالغيظ: "يا معلم ده باين له ملعوب وحد قاصد يعمل كده ويلبسك تهمة." التفت عمران برأسه تجاه الشاب يتطلعها مطولًا يفكر في استنتاجه الذي غاب عن عقله، وأنه على حق فبالتأكيد أن "صابر" هو الذي فعل هذا. ولم يلبث لدقيقة حتى سمع صوت رنين هاتفه، فأخرجه وأحال على رقم مجهول ليأتيه صوت صابر الضاحك وهو يقول بشيطانية: "إيه رأيك يا معلم في السمك؟

الحج إبراهيم الله يرحمه كان دائمًا توصله الطلبية كده مني ومعاها الحلاوة في الدار كان يوزعها على حبايبه ويستفاد منها بس انت عاد ملكش في الطيب نصيب والحلاوة دي مبصص فيها عشان كده مش ليك وهتروح للحكومة اللي زمانها على وصول دلوقتي واعتبر ده بداية تصفية حسابي طالما انت مش عاوز تصفيه برضاك، هتصفيه بطريقتي أنا عاد."

عصر عمران على أسنانه محاولًا تمالك انفعالاته رغم أن عينيه أظلمت وتلونت بالأحمر من فرط الغضب، ثم خرج صوته الرجولي الخافت الأشبه بصوت فحيح الأفعى وهو يتوعد لصابر بكل شر وغل: "بتلعب بالنار وانت مش فاهمها وهتطولك وتحرقك. لو فاكر إنك كده كسرت دراعي وهتخليني أهبط لك تبقى متعرفنيش واصل. اللي عملته ده مش هيعدي على خير يا صابر وهدفعك تمنه غالي قوي وخليك فاكر الكلام ده زين، عشان قريب هعرفك على المعلم عمران الصاوي على حق."

لم ينتظر عمران أن يسمع منه ردًا حيث أنهى كلماته وأنزل الهاتف ثم أنهى الاتصال وتحدث للعمال بعصبية صارخًا: "لموا الصناديق دي يلا بسرعة واطلعوا بيها من الباب الوراني على المخزن التاني من غير ما حد ياخد باله منكم، يلا اتحركوا الحكومة ممكن تقع علينا في أي لحظة."

هرولوا مفزوعين عند ذكره الشرطة وبدأ كل منهم يحمل صندوق بين يديه ويهرول به تجاه الباب الخلفي لينقله إلى المخزن الثاني. وعمران يتتبعهم ويراقبهم بنظراته، ورغم ثباته الظاهر إلا أنه كان مضطربًا أن يتم الإمساك بهم، فلن يكون وحده هو الضحية بل حتى هؤلاء الشباب الأبرياء. بينما كانوا على وشك نقل آخر صندوق، دخل أحد الشباب من الخارج وهو يركض ويلهث هاتفًا: "الحكومة وصلت يا معلم." التفت عمران حوله ونقل نظره بين العمال ثم صرخ

بهم بصوت أفزعهم في أرضهم: "محدش منكم يفضل واقف، كله يطلع من الباب الوراني يلا، هموا كله يطلع يلا." رد أحدهم بخوف وقلق عليه: "طيب والصندوق اللي قاعد ده يا معلم؟ عمران بغضب: "ملكمش صالح، قلت اطلعوا يلا."

جميعهم انتقلوا لأوامره وخرجوا فارين زارعين من الشرطة باستثناء واحد الذي قرر أن يأخذ الصندوق معه ويضعه مع بقية الصناديق، حتى لا يترك عمران طعمًا وتأخذه الشرطة. وبينما كان على وشك أن يحمل الصندوق، انفتح الباب واقتحمت الشرطة المخزن. تجمد ذلك الشاب مكانه بارتعاش ونقل نظره بين الضابط وعمران الذي رماه بعتاب أنه لم يسمع كلامه وغادر. اقترب منه الضابط وسأله مبتسمًا بسخرية: "واخد الصندوق ده ورايح بيه على فين؟

وقف عمران بكل وقار وهيبة وقال للضابط يجيب بدلًا من الشاب الصغير الذي يرتجف: "خير يا باشا، إيه سبب الزيارة؟ التفت له الضابط وقال مبتسمًا بثقة: "خير إن شاء الله." ثم التفت برأسه للخلف إلى العساكر وهتف بحزم: "تعالوا يا ابني شوفوا لي السمك ده كويس وفتشوا المخزن كله."

كان عمران يقف بكل ثبات انفعالي ونظراته الثاقبة تثبت براءته وعدم احترامه بأي شيء سيجدوه. فور تفتيشهم لصندوق السمك، أخرجوا أكياس المخدرات الصغيرة من داخله. فأمسك بأحدهم الضابط ورفعه أمام عمران يسأله باستهزاء وحدة: "بودرة مرة واحدة يا معلم.. وياترى بقية الصناديق فين؟ نظر عمران نظرة الاستهزاء وقال بكل برود: "اهي الصناديق قدامك يا باشا." استشاط الضابط غيظًا منه وصرخ على العساكر: "لقيتوا حاجة يا ابني انت وهو؟

خرج أحد العساكر من إحدى الغرف الصغيرة بالمخزن وقال للضابط نافيًا: "لا يا باشا مفيش حاجة، المخزن كله نضيف." التفت الضابط إلى عمران بحقد وصاح بعصبية: "بقية الشحنة والصناديق فين يا معلم عمران؟ كده أنت هتلبس نفسك في تهمة أكبر." ابتسم عمران بكل ثقة وقال بنظرة مميتة وصوت رجولي مهيب: "هو ده كل اللي وصل قصادك يا حضرة الظابط، أنت عايز إيه تاني أكتر من كده؟ صر الضابط على أسنانه محاولًا تمالك انفعالاته ثم قال لعمران متوعدًا:

"هتعرف في القسم إن شاء الله." ثم التفت العساكر وأشار لهم بعينه أن يأخذوه هو وذلك الشاب الذي معه على سيارة الشرطة. وقف عمران ثابتًا وبسط ذراعيه أمامه للعسكري الذي قيد يديه وجذبه للسيارة، وهو يسير بكل برود وثقة على الرغم من النيران الملتهبة في صدره وهو يتوعد لصابر بأنه سيذيقه من العذاب ألوانًا. التفتت حور برأسها تجاه زوجها بعد سؤال "عمرو" المحرج وكأنها تراقب تعبيرات وجه بلال بعد ذلك السؤال. فوجدت نظراته مشتعلة ومغتاظة

ثم يجيب على عمرو بحدة: "آه، كنا وحدينا في حاجة ولا إيه؟ التفت عمرو لحور وقال بحزم: "هي حور عارفة في إيه كويس، وإن مهما كان مينفعش تقعد معاك في شقة وحدكم ولسا الفرح متم." شُغلت بشدة من جرأة ابن عمتها في الحديث عنها هكذا أمام زوجها وأمامه، وراحت تميل بوجهها للجهة الأخرى تتفادى النظر لكلاهما. أما بلال فقد طفح كيله واندفع إلى عمرو يهتف بصوت رجولي مرتفع وهو على وشك الانقضاض عليه: "وانت مالك وبصفتك إيه تقولها ينفع ومينفعش؟

وهي معايا.. مع جوزها.. سامع جوزها دي حطها في عقلك زين ومتنسهاش لمصلحتك." ابتسم عمرو ساخرًا ورد يجيب على بلال بغضب: "الأصول متزعلش.. ولا إيه يا ابن الأصول؟ ومينفعش تطلع وتدخل معاك الشقة كده ولسا الفرح متم." استشاط بلال غيظًا وغار عليه يجذبه من ياقة ملابسه صارخًا به: "انت هتعلمني الأصول يعني؟ ولا إيه؟

دي مرتي واللي يفكر يدخل بينا ولا يقولي أعمل إيه ومعملش إيه ولا يحاسبها قصادي يبقى يقول على نفسه يا رحمن يا رحيم، فاهم ولا لا؟ ارتعدت حور وخشيت أن يزداد الجدال والشجار بينهم أكثر ويصبح خطرًا وعنيفًا، فأسرعت تفرق بينهم وتبعد زوجها عن ابن عمتها هاتفة لبلال: "خلاص يا بلال عشان خاطري بلاش مشاكل، اهدى هو مش قاصده أكيد زي ما فهمت." التفت لها بلال ورمقها بنظرة قاتلة أرعبتها: "قصده أنا فاهمه زين قوي."

التفتت حور إلى عمرو وصاحت به بارتباك شديد وخوف: "امشي يا عمرو أنت لسا واقف ليه؟ امشي بالله عليك.. امشي بقى بلاش مشاكل." تنهد الصعداء بخنق ثم امتثل لطلبها وألقى نظرة ملتهبة على بلال قبل أن يستدير ويقترب من دراجته النارية ويركب فوق مقعدها ثم يرحل. التفت بلال لحور فور انصرافه وهتف بانفعال: "شافنا كيف وامتى ده.. وهو إيه دخله بينا؟ لا وواقف قصادي يحاسبك؟ ردت حور محاولة تهدأته بلطف:

"يا بلال عمرو مش قاصده، هو بس بيعزني وخاف الناس تفهم غلط عشان كده بيعاتبني ويقولي ده غلط." بلال بعصبية صائحًا: "ما اللي يفهم يفهم، ملناش صالح. احنا مش بنعمل حاجة غلط وانتِ مرتي. أقسم بالله لو كان كتر في الكلام كلمة زيادة معايا لكنت قطعت لسانه في إيدي وخليته يطلع على المستشفى طوالي." اقتربت منه أكثر وامسكت بكفه في نعومة وضغطت عليه برقة وهي تنظر لعينيه وتترجاه بحب:

"خلاص بقى حصل خير يا بلال عشان خاطري اهدى ومتعصبش نفسك، وخلينا نروح يلا." ضعف أمام نظراتها وخبرتها فهدأت نفسها الثائرة ورفع يده يمسح على وجهه متأففًا ثم أجابها باستسلام وهدوء محذرًا إياها: "ماشي يا حور، هعديها عشان خاطرك، بس الواد ده ميبقاش ليكي حديث معاه واصل وياويلك لو اديتيله وش واتكلمتي معاه، مفهوم؟ هزت رأسها له بالموافقة في خنوع تام وقالت بنبرة مطيعة: "حاضر زي ما أنت عايز.. يلا بقى."

ابتسم بحب على إطاعتها له دون أي جدال ثم مد يده واحتضن كفها الناعم بين كفه الكبير ثم جذبها معه باتجاه السيارة وفتح لها باب المقعد المجاور له فاستقلت به وهي تنظر له مبتسمة بغرام. أغلق الباب بعدم جلست في المقعد والتف من الجهة الأخرى ليستقل هو بمقعده وينطلق بالسيارة عائدًا إلى منزلها. داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة خلود.

فتحت إنصاف باب الغرفة لابنتها التي بقيت متسمرة أمام الباب دون حركة وهي تستعيد كل الذكريات التي مرت بها داخل تلك الغرفة بعدما اكتشفت عائلتها علاقتها بزوجها. امتلأت عيناها بعبرات الندم والكسرة، ليتها لم تخن ثقة عائلتها وتغضب ربها فقد خسرت نفسها من أجل ذلك الوغد الذي لا يستحق حتى حبها له.

تنحت إنصاف جانبًا تفسح الطريق لخلود لكي تعبر وتدخل، لكنها وجدتها ثابتة في أرضها لا تتحرك وتنظر للغرفة بأسى ودموعها تسيل فوق وجنتيها بغزارة دون توقف، فخرج صوت إنصاف الحازم: "ادخلي."

رفعت خلود نظرها لأمها وطالعتها بحسرة وعجز ثم امتثلت لأمرها ودخلت الغرفة بخطوات متعثرة وفور دخولها ارتفع صوت نحيبها وبكائها، ثم استدارت إلى أمها ونظرت لها بكل ندم وأسف وإذا بها تسرع عليها وتجلس على الأرض بجوار قدمها وتهم بالانحناء لتقبيل قدمها وهي تبكي بحرقة تطلب العفو والسماح من أمها هاتفة: "سامحيني يا ماما.. بتك غلطت وعرفت غلطها وندمانة والله العظيم.. سامحيني."

سحبت إنصاف قدمها للخلف بسرعة قبل أن تطولها خلود وتقبلها، رغم غضبها الشديد وانزعاجها منها إلا أنها تعلم أن شوقها وحبها لابنتها سيغلبها. استقامت خلود واقفة بعدما سحبت أمها قدمها وانحنت على يدها تمسكها وتقبلها وهي تشهق بصوت مرتفع وتهتف:

"اتوحشتك قوي يا ماما.. واتبهدلت قوي من بعدكم، أنا ربنا عاقبني وتوبت وندمت، لو تعرفي الـ ***** سمير ده كان بيعمل فيا إيه، بصي على وشي وانتي تعرفي العذاب اللي كان بيعذبه ليا، أنا محتاجة قوي سامحيني يا ماما ومتدينيش انتي كمان ضهرك أنا معدش ليا حد خلاص."

صدقت إنصاف النظر في وجه ابنتها وقرأت علامات التعذيب الجسدي التي كانت تتعرض له، ورأت نظرات الندم والشوق في عينيها، فلم تتمكن من حجب نفسها عنها وتمثيل القسوة أكثر، فقلبها يحترق شوقًا وخوفًا عليها كل ليلة وهي تفكر وتتساءل كيف حال ابنتي الآن وماذا تفعل مع ذلك الرجل وكيف يعاملها، والآن كيف تصمد أمامها وهي بهذه الحالة بينما هي كانت تتمنى رؤيتها وضمها لصدرها. ضمّتها إنصاف لحضنها وراحت تشاركها البكاء الشديد

متمتمة وسط صوتها المتقطع: "بتي.. بتي." انهارت خلود قواها بين ذراعين أمها وارتفع صوتها أكثر وأكثر ومستمرة في ترديد كلمات الاعتذار والندم، أما إنصاف فكانت مكتفية بالبكاء وضمها فقط. وبعد دقائق أبعدتها عنها واحتضنت وجهها بين كفيها وهي تنظر له بدقة وتقول في ألم: "كان بيعمل فيكي إيه يا بتي، ليه بس عملتي في روحك كده وضيعتي نفسك وضيعتينا معاك؟ ردت خلود بأسف وصوت مبحوح يكاد لا يسمع من فرط بكائها:

"حقكم عليا يا ماما، أنا حطيت راسكم في الطين وخنت ثقتكم فيا، وليكم حق تعملوا فيا اللي تعملوه، بس أنا دلوقتي ندمت ومش طالبة منكم غير أنكم بس تحموني منه، أنا لو رجعت له تاني هيقتلني ويخلص عليا واصل." رفعت إنصاف يده تمسح دموعها بنظرة قوية وترد على ابنتها بحدة وجبروت: "بعد الشر متقوليش كده.. يقتل مين؟ هي سايبة ولا إيه؟

ده أنا آخد روحه بيدي مش كفاية اللي عمله فيكي وإنه ضحك عليكي، متخافيش أخوكي جارك ومحدش يقدر يقربلك وأنا معاكي وهتفضلي هنا في بيت أبوكي وجدك في الحما والصون." ابتسمت خلود بفرحة واطمئنان ثم انحنت على يد أمها تقبلها ثانية وهي تقول بشكر وامتنان وحب صادق: "ربنا ما يحرمني منكم يا ماما انتي و"علي" واصل." مسحت إنصاف على ذراع خلود بلطف ثم قالت لها بهدوء: "يلا غيري هدومك وارتاحي وأنا هنزل أشوف أخوكي عمل إيه مع جدك."

هزت خلود رأسها بالموافقة وهي ترسم على ثغرها ابتسامة منطفئة، أما إنصاف فقد استدارت وغادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها لتتركها بمفردها وحيدة وهي تفكر بألف سؤال، وأولهم كان مروان.. ماذا فعل مع سمير وكيف تتواصل معه وتطمئنه عليها. داخل منزل جلال.

كانت فريال بغرفتها تجلس فوق الفراش وساكنة تحدق في الفراغ بوجه عابس وشارد بعدما تركوها أولادها وذهبوا للنوم. بقيت هي بمفردها لدقائق طويلة نسبيًا حتى دخل الغرفة جلال وهو يحمل فوق يديه صينية فوقها صحون من الطعام المختلف. اقترب منها وجلس بجوارها ثم وضع الصينية أمامها على الفراش وتمتم في حب: "يلا يا فريال أنا جبتلك الوكل لغاية عندك أهو اتعشى عاد وكُلي." هزت رأسها بالرفض وأشارت بيدها بالنفي قائلة:

"معوزاش آكل يا جلال مليش نفس." لوى فمه بضيق ثم أجاب بنبرة حازمة قليلًا نابعة من اهتمامه وقلقه عليها: "مفيش حاجة اسمها مليش نفس، لازم تاكلي وأنا هاكل معاكي كمان." نظرت للطعام بانعدام شهية ثم أشاحت بوجهها بعيدًا وقال بصوت ضعيف ووجه ذابل: "لا مش قادرة شيله من قصادي." تنهد الصعداء بحنق من عنادها ورفضها الطعام، لكنه رسم البسمة المحبة على ثغره وراح يفرد ذراعه ويلفه حول كتفيها ثم يضمها إلى صدره متمتمًا بحنو مقبلًا رأسها:

"طب حتى كلي عشان خاطري ده أنا عامله بإيدي ليكي، أهون عليكي تضيعي تعبي كده عشانك ومتكليش لقمة حتى؟! التفتت له بدفء لكن تلألأت العبرات في عينها وقالت له بأسى: "مليش نفس لأي حاجة يا جلال! زم شفتيه بعبوس ثم أخذ نفسًا عميقًا وانحنى عليها بقبل شعرها ووجهها بقبلات دافئة وهو يهمس لها بصوت رخيم ويبعث الطمأنينة والراحة في القلب:

"معلش يا حبيبتي لازم تاكلي عشان تقدري تسندي طولك وتقفي، لو فاكرة إني ليا نفس تبقي غلطانة أنا هاكل عشان خاطرك وعشان خاطر العيال، انتي شوفتيهم كيف زعلانين عليكي وعلى اختهم، شدي حيلك عاد ومتعمليش في روحك كده." مالت برأسها على صدره وارتاحت عليها ثم لفت ذراعيها حوله تعانقه بقوة وتقول بنبرة احتياج: "أنت مش عاوز أكل، عاوزاك جاري يا جلال." ابتسم لها بعاطفة وراح يلثم رأسها بعدة قبلات متتالية ويهمس بخفوت جميل:

"أنا جارك أهو يا فريالي، متقلقيش طول ما انتي محتاجاني أنا هكون جنبك." أغلقت عيناها داخل أحضانه وهي تستنشق رائحته وتتشبث به بقوة كأنها تستمد القوة منه. ورغم أن عيناها تذرف الدموع لا إراديًا لكنها مطمئنة وساكنة بين ذراعيه، وهو لم يضغط عليه أكثر في الطعام، وتركها تنعم بشعور الراحة بين ذراعيه وبحضنه حتى تهدأ ومن ثم يعيد إلحاحه عليها ثانية من أجل الطعام. داخل قسم الشرطة تحديدًا بغرفة أحد ضباط القسم.

كان عمران يجلس على المقعد المقابل لمكتب الضابط ويتعرض للأسئلة المختلفة والمتكررة من الضابط وهو يجيب عليه بنفس الردود بذكاء دون أن يعطيه الإجابة التي يريدها. فهتف الضابط بالنهاية في غضب: "يا عمران ردودك دي مش هتفيدك كده، الأفضل أنك تعترف على نفسك وتقول وديت بقية الصناديق فين ومين مشترك معاك وبيمولك ويبعتلك المخدرات دي في السمك، ومن امتى كلها دي إجابات هتدعم موقفك." رد عمران مبتسمًا بثبات ووقار:

"يا باشا أجوب وأعترف على حاجة أنا عملتها لكن حاجة مليش يد فيها أقول إيه، ولا أنت عاد عاوز تسمع مني رد معين؟ تأفف الضابط بنفاذ صبر وقال بحدة: "أنت عايز تفهمني إن الشحنة اللي وصلتك كانت الصندوق ده بس ومفيش صناديق تاني أنت مخبيها؟ أخذ عمران نفسًا طويلًا بكل ثقة ثم اعتدل في جلسته وهندم من عبائته قائلًا بهدوء مثير للأعصاب: "هو أنا لو وصلت ليا صناديق تاني هداريها ليه؟

ما أنا كده أو كده اتمسكت فخلاص عاد كل المستخبي انكشف، ثم أن أنا قولتلك أنا لو بتاجر صح في المخدرات مكنتش هغلط الغلطة دي واصل اللي تخلي الحكومة تكشفني واتمسك." رد الضابط بنظرة دقيقة واهتمام: "قصدك يعني إن كل ده متلفق لك وحد عايز يلبسك تهمة ويأذيك؟ ابتسم عمران ساخرًا وقال بنظرة كلها دهاء ووقار: "هتفرق إيه لو قولتلك إنه متلفق صح.. طول ما أنا معيش دليل أبقى متهم قصاد القانون مش كده ولا إيه! نظر الضابط الابتسامة

وقال باستغراب ونفاذ صبر: "عليك نور أهو أنت فاهم كويس أوي كده.. مع أني مش فاهم أنت بتبرأ نفسك ولا بتتهمها مرة تقول مش بتاعتي ومرة تقول معيش دليل كلامك متناقض." أخذ عمران نفسًا طويلًا وأخرجه زفيرًا متهملًا ثم أجاب على الضابط بكل ثقة ورزانة: "مصير الحق يظهر يا حضرة الظابط وأنا مش هطول هنا كتير متقلقش، اللي عمل كده هيكشف نفسه بنفسه، هو محسبهاش صح لما لفقلي تهمة كده."

راقب الضابط تعبيرات وجه عمران الغريبة ودقق النظر في وجهه بحنق ثم نظر الرجل الذي بجواره وطلب منه أن يكتب في الدفتر أنه سيتم سجن عمران ثلاث أيام إلى أن يتم نقله إلى المحكمة ويتم الحكم عليه في تهمته المتوجهة إليه في الإتجار بالمواد الممنوعة.

كان عمران يستمع إلى كلام الضابط بكل ثبات ونظرات ثاقبة وطبيعية وكان الأمور كلها تسير على ما يرام. ثم استقام واقفًا عندما طلب الضابط من العسكري أن يأخذ عمران إلى زنزانة الحجز. فهب واقفًا ومد يده العسكري الذي قيدها وجذبه معه للخارج. فور خروجه قابل كل من بشار وبلال الذي أسرع إلى أخيه وسأله بقلق: "إيه اللي حصل؟ رد عمران بوجه خالي من التعبيرات: "تلات أيام سجن لغاية ما أتعرض على المحكمة." هتف بشار بغضب

وغل من صابر وهو يتوعد له: "متقلقش يا ولد عمي هتطلع من هنا، وسابر الـ ***** ده ليه حساب تقيل قوي معانا." ابتسم عمران بنظرة شيطانية كلها خبث وشر ثم رد على كل من أخيه وابن عمه: "تقيل معايا أنا لما أطلع وأنا مش هطول هنا."

ثم انحنى على بشار وراح يعانقه متصنعًا الشوق والحزن على الفراق ولكنه في الواقع كان عناقه له لغرض آخر حيث مسك يده ودس بها ورقة وأشار له بعينه في حدة أن يغلق قبضته ولا يظهر شيء. ففعل بشار وابتسم لعمران الذي ابتعد عنه وقال لبلال بجدية وقلق:

"روح لآسيا البيت يا بلال وخدها ووديها بيت أبوي تقعد جاركم ومعاكم وخلوا بالكم عليها وعلى الواد لغاية ما أطلع، وأن قاوت معاك وقالت لأ قولها إن اللي أمرت، ومتخليهاش تروح بين خليل هناك مش أمان." ربت بلال على كتف أخيه بحكمة وقال بصوت غليظ ورجولي: "متقلقش مراتك وولدك هيبقوا في الحفظ والصون يا خوي لغاية ما تطلع بالسلامة إن شاء الله، خد بالك من روحك أنت بس والمحامي على وصول دلوقتي وكل حاجة هتتحل."

هز رأسه لهم بالإيجاب والإيجاب ثم أرسل له بعينه مودعًا إياهم قبل أن يستدير ويغادر مع العسكري. وكان يسير مع العسكري وهو يتذكر اللحظة التي غادر بها الضابط الغرفة وتركها لدقائق بمفردها في الداخل فاستغل عمران الفرصة وأخذ ورقة من فوق مكتب الضابط والتقط القلم وكتب تلك الرسالة التي أعطاها لبشار. وفور مغادرته نظر بشار للورقة التي وضعها عمران في يده فرأى بلال ينظر له باستغراب واستفهام فقال له بحزم:

"تعالى برا القسم مش هينفع هنا! قادوا خطواتهم إلى الخارج وعند مغادرتهم فتح بشار الورقة ليقرأ ما دونه بها عمران. وبعد انتهائهم من القراءة تبادلوا هم الاثنين النظرات مع بعضهم بابتسامة واسعة التي تحولت لضحكة شيطانية وخبيثة ثم هتف بلال متوعدًا: "محدش قاله يلعب مع المعلم، يستحمل عاد اللي هيحصل فيه." قال بشار ضاحكًا وهو يتحرك باتجاه السيارة ويسير بجواره بلال: "كنسل المحامي يا بلال بعد تخطيط عمران مش هنحتاجه."

فتح بلال باب السيارة بعد وصولهم وقال وهو يستقل بها يكمل المزاح مع بشار: "عندك حق." عودة لمنزل خليل صفوان. كانت غزل تنتظر خروج "علي" من غرفة الجلوس بعد انتهاء حديثه مع جده، وهي تبتسم كلما تتذكر حديث آسيا عندما سردت لها قصة خلود كاملة. مشاعرها الآن اختلفت تمامًا وربما يراودها شعور الحماس الشديد للتعرف على خلود بعدما رأتها، فقد اشتقت عليها وعلى حالها وشعرت بأنها مغلوبة الحال وليست سيئة كما كانت تظنها.

أخيرًا خرج "علي" من الغرفة رغم أن إنصاف ظلت بالداخل مع حمزة. كان "علي" لا يرى أمامه من انزعاجه وضيقه لدرجة أنه لم يراها واندفع إلى الدرج يقصد غرفته بالأعلى بعدما نجح في إقناع جده بصعوبة في إبقاء شقيقته معهم بالمنزل. هرولت غزل خلفه تصعد الدرج ثم أوقفته عند الطابق الثاني بالقرب من غرفته بعدما صاحت منادية عليه: "علي!

توقف على أثر صوتها الناعم والتفت لها بجسده كاملًا فوجدها تطالعه بابتسامة ساحرة تسلب العقل ثم تقدمت إليها حتى وقفت أمامه مباشرة وسألته برقة واهتمام: "جدو قال إيه وافق أن خلود تفضل هنا؟ ضيق "علي" نظراته من سؤالها ثم هتف بجدية: "وانتي عرفتي موضوع خلود وقصتها كيف؟ تنحنت غزل بإحراج بسيط وقالت في خفوت: "آسيا حكتلي قبل كده من فترة." هز "علي" رأسه بتفهم ثم تمتم متنهدًا: "اممم." نظرت له مطولًا بعين لامعة

ثم قالت بابتسامة جذابة: "تعرف أنت كبرت أوي في نظري النهارده." رفع حاجبه بتعجب ثم مال ثغره للجانب بابتسامة إعجاب من مدحها له وقال: "وياترى إيه السبب عاد يا ست البنات؟ ضحكت بخفة وقالت في نظرة ناعمة ومعجبة: "هو اللي أنت عملته مع أختك ده مش كفاية يعني إنك تكبر في نظري؟ مال بوجهه للجهة الأخرى وهو يضحك عليها ثم التفت لها مجددًا وقال مبتسمًا في نظرة مريبة بعض الشيء:

"اللي عملته بس عشان رجولتي مسمحتش إني أسيبها تتعذب كده ومتربتش على كده، لكن لو فاكرة إني سامحتها تبقى غلطانة، اللي عملته خلود ميتغفرش في عرفنا." أنهى كلماته واستدار ثم قاد خطواته إلى غرفته فقالت غول بصوت منخفض وثقة تامة: "هتسامحها." ثم صاحت منادية عليه قبل أن يدخل غرفته فتوقف هو والتفت له يقول مازحًا وهو يتصنع الحنق منها: "وبعدين معاكي عاد أنا تعبان وعاوز أرتاح." زم شفتيها بعبوس بعدما ظنت أن منزعج منها حقًا

وقالت بتراجع: "كنت هقولك على حاجة مهمة على فكرة." قهقه بخفة وتمتم في لطف: "قولي يا غندورة أنا كنت بهزر معاكي." تقدمت إليها حتى أصبحت لا يفصلها عنه سوى سنتيمترات وقالت مبتسمة في خجل وهي تتفادى النظر لوجهه: "أنا معنديش boyfriend، اللي كنت بكلمه ده كان صديقي بس مش أكتر." رفع حاجبه ومال ثغره في ابتسامة ماكرة ثم تمتم بإعجاب: "وأنتي بتقوليلي الكلام ده دلوقتي ليه؟ غزل باستحياء بسيط:

"عشان أنت كنت مضايق من الموضوع وبتتخانق معايا بسببه." تجاهل الرسالة التي أوصلتها له من خلال اعترافها بأنها ليست في علاقة مع ذلك الشاب أنها مهتمة بانزعاجه منه ولا تريده أن يغضب وتحاول إرضائه وقال غامزًا لها بضحكة رجولية ساحرة: "طب ما أنا عارف إنه مش boyfriend." اتسعت عيني غول بصدمة وسألته بفضول وعدم فهم: "what, عارف ازاي يعني؟! طالعها بطرف عينه وهو يستدير ليكمل طريقه لغرفته وقال بعبث مفضلًا الاحتفاظ بالإجابة لنفسه:

"تصبحي على خير يا غندورة." بقت متسمرة مكانها تراقبه وهو يتجه لغرفته حتى توارى عن انتظارها داخل الغرفة، وهي تتساءل بفضول وحيرة شديدة.. كيف عرف ومتى ولماذا لم يخبرها؟!

كانت آسيا داخل المنزل تجوب الصالة إيابًا وذهابًا وتحمل بين ذراعيها طفلها الصغير الذي يبكي وتحاول إسكاته بهزها له وضمه لصدرها. وبين كل هذا كان قلبها يرتجف خوفًا عن زوجها الذي لم تحصل على خبر منه حتى الآن وهاتفه مغلق. تلك الوساوس الشيطانية لا تغادر عقلها وهي لا تريد الاستماع إليها وتصديقها، وتحاول تهدأ روعها مرددة أنه بخير وسيعود سالمًا لها ولابنه. وسط الضغط وتفكيرها بعمران وخوفها عليه واهتمامها بابنه انهارت باكية بعجز وراحت تنظر لابنها تحدثه كأنها

ناضج ويسمعها ويفهمها: "أبوك بخير يا سليم مش كده.. أنا خايفة قوي عليه ومش عارفة أعمل إيه.. أتصل بمين طيب ولا أطمن عليه إزاي.. بس هو أبوك كويس أنا متأكدة وكمان شوية هيرجع البيت ولما يرجع أنا هزعل وهاخد منه موقف شديد على القلق اللي هو سايبني فيه، بس أنا كمان غلطانة إني مقولتهوش على الراجل اللي بيراقب البيت وبيراقبه، أنا السبب يا سليم." سمعت صوت طرق الباب فتهللت أساريرها واتسعت عيناها بفرحة وقالت

لابنها بحماس شديد وسعادة: "أهو أبوك جه أنا مش قولتك هيرجع." وضعت ابنها في سريره الهزاز برفق وهرولت مسرعة تجاه الباب في شوق وحماس وفتحت الباب وهي تضحك باتساع ووجه مشرق مستعدة لاستقبال زوجها، لكنها صدمت برؤية بلال أمامها فتلاشت ابتسامتها تدريجيًا وتجمدت تعبيراتها واحتل محلها الارتعاش والقلق فراحت تسأل بلال بصوت مرتجف: "عمران بخير صح، طمني وقولي إنه كويس يا بلال أبوس إيدك." هتف بلال فورًا مبتسمًا

ليهدأ من روعها ويطمئنها: "عمران زي الفل والله اهدى متخافيش." ارتخت عضلاتها المتشنجة وسألته باستغراب وعدم فهم: "امال هو فين مرجعش البيت ليه؟! قبل أن يجيبها سمع صوت بكاء ابن أخيه الصغير فقال له بحنو: "روحي شوفي الواد وهقولك كل حاجة جوه وأفهمك."

دخلت إلى الصالة لتحمل طفلها بين ذراعيها من جديد وهي مازال القلق والخوف مستحوذ على قلبها طالما لم تر زوجها بعينها حتى الآن. راحت تنظر لبلال بترقب منتظرة منه أن يبدأ في أخبارها بكل شيء وأين زوجها، فتنهد هو الصعداء مطولًا وقال بهدوء ليجعلها تشعر أن الأمر ليس بالخطورة التي ستظنها:

"فيه راجل بينه وبين عمران مشاكل وبيكرهه وعاوز يأذيه، فعمله كمين ولفقله تهمة بودرة ومخدرات في السمك اللي وصل امبارح، وبلغ عليه والحكومة أخدت عمران... لم تتركه آسيا يكمل سرده لها وراحت تضرب فوق صدرها وتصيح بصدمة وخوف: "ياترى حكومة إيه اللي أخدته ومخدرات كيف؟ بلال بجدية: "عمران كويس يا آسيا قولتلك، وهيطلع منها كلها يومين بالكتير ويكون طلع مش هيلحق يتعرض على النيابة." امتلأت عيناها بالعبرات وقالت مولولة: "نيابة!!

.. ياريتني قلت له وحذرته مكنش ده هيحصل، أنا عاوزة أشوفه يا بلال." "مينفعش دلوقتي يا آسيا وأنا بقولك يومين ويرجعلك متقلقيش." انهارت باكية وهتفت بارتعاش حقيقي: "مقلقش كيف وانت بتقولي اتقبض عليه ومتلفق ليه تهمة كبيرة؟ بلال بثقة ونبرة رجولية: "فكرك إني هسيب أخويا يتسجن عشان اتلفق ليه تهمة وهو مظلوم، اطمني عليه هو بس طلب مني آجي وأخدك ونروح بيت أبوي عشان هنا مش أمان ليكي انتي والواد تقعدوا وحدكم." هزت رأسها بالنفي وقالت

بصوت مبحوح بسبب بكائها: "لا أنا مش هروح مكان ولو اتحركت من بيتي هروح بيت أبويا مش هروح بيت الصاوي وأقعد فيه من غير جوزي." بلال بحزم محاولًا إقناعه بحكمة: "يا آسيا عمران اللي منبه كده عليا، وهو عنده حق دلوقتي ليكي أكتر في بيت أبويا، اسمعي الكلام عاد وروحي يلا لمي هدومك انتي والواد عشان نمشي." لم تكن في حال لتجادل كثيرًا معه فهمها يكفيها وكل تفكيرها منصب على زوجها وقلبها منفطر عليه من الخوف والحزن، فنظرت

لبلال وقالت له برجاء: "قولي الحقيقة يا بلال اوعاك تداري عليا، عمران هيطلع منها صح؟ أجابها بلال بإيجاب: "هيطلع إن شاء الله اطمني." رفعت أناملها لوجهها وجففت دموعها ثم استقامت واقفة واتجهت لغرفتها لكي ترتب ملابسها وتجمع ملابسها هي وابنها في الحقيبة وتذهب مع بلال امتثالًا لأوامر زوجها، وبينما كانت ترتدي ملابسها انهارت على الأرض تبكي بشدة مرددة اسمه من بين بكائها، وشعور الخوف يأكلها من الداخل أن لا يعود لها ثانية.

صباح اليوم التالي داخل منزل حور.

خرجت من غرفتها بعدما استيقظت من نومها وغسلت وجهها وكانت بطريقها للصالون فسمعت صوت رجولي غريب قادم من الخارج وعندما دَققت في ذلك الصوت تعرفت عليه أنه كان لابن عمتها عمرو، فغضنت حاجبيها باستغراب من قدومه بذلك الوقت وتحديدًا بعد حادثة الأمس وارتعدت بشدة من أن يكون قد أخبر والدها بشيء، فأسرعت إليهم وعند وصولها وقفت عند بداية الصالة تنقل نظرها بين أبيها وعمرو بارتباك شديد ورعب. وما زادها اضطرابها نظرة والدها الغريبة

لها وهو يقول بجدية: "تعالي يا حور اقعدي! منزل خليل بغرفة غزل. خرجت من الحمام على صوت طرق الباب وعندما سألت من الطارق جاءها الصوت من إنصاف فسمحت لها بالدخول. دخلت إنصاف وهي مبتسمة بإشراقة وجه كبيرة ثم قالت لغزل: "صباح الخير يا حلوة." ابتسمت غزل على طريقتها المختلفة والغريبة وردت عليها برقة: "صباح النور يا طنط اتفضلي."

دخلت إنصاف وجلست على الفراش ثم أشارت إلى غزل أن تجلس بجوارها، فضيقت غزل عيناها باستغراب لكنها امتثلت وفعلت بصمت دون اعتراض أو حتى سؤال وراحت تجلس بجوارها وهي مازالت تحتفظ بابتسامتها، فوجدت إنصاف تقول لها في حماس: "أنا جايه اتكلم معاكي في موضوع كده؟ سألت غزل بحيرة: "موضوع إيه؟ تنحنت إنصاف وهي تبتسم بخبث وتقول لها غامزة: "خير إن شاء الله.. عريس؟ غضنت حاجبيها بعدم فهم وتمتمت ببساطة تحاول الفهم: "عريس إيه ولمين؟

إنصاف بضحكة قوية وهي ترد عليها ساخرة: "ليكي يا بت هيكون لمين يعني." غزل بدهشة وهي تضحك بازدراء: "what, ليا أنا!! .. وياترى مين بقى ده يا طنط؟ إنصاف بثقة في فخر وهي تمدح ابنها بلؤم: "سيد الرجال كلهم.. "علي" ولدي." نهاية الفصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...