في غرفة المكتب التي كانت تضمهم بعد الانتهاء من مناقشة عدد من الموضوعات الهامة والمطلوبة لشراكتهم، ترك كل شيء ليجلس في الركن الخاص من المكتب كي يحتسي مشروبًا باردًا، بذهن شارد، يستجيب بردود مقتضبة على أسئلة كارم التي لا تنتهي، حتى مل الآخر ليعبر عن اعتراضه: -في أي يا عدي؟ ما تركز معايا يا اخي، احنا بنتناقش يا بني، يعني تاخد وتدي معايا، دي صفقات بملايين. زفر الآخر بقوة قائلًا بسأم:
-ملايين ولا ملاليم، ما تتصرف يا كارم بالسلطة اللي في إيدك، انا واثق فيك يا سيدي. -حتى لو واثق فيا، انا برضوا عايز رأيك وخبرتك في العمل مع مصطفى أخوك، دا جينيس يا بني، بيتكسح في أي موضوع يدخله. بابتسامة غير مبالي: -يا عم ما يكتسح زي ما هو عايز، طالما بعيد عن مجالنا، إحنا مالنا. -مالنا بيه ازاي؟ هتف بها كارم ليتابع وهو ينهض عن مكتبه لينضم معه في الركن الخاص:
-إنت ناسي إنه مشارك جاسر الريان والمجموعة بتاعتهم في المعمار بننافس أكبر الشركات في البلد، ولا أكمن إحنا لسة صغيرين مش حاسبها دي. قلب عينيه عدي قائلًا بعدم احتمال وقد فاض به: -يادي جاسر الريان، يا كارم اهدى شوية إحنا مش صغيرين يا حبيبي، بالنسبة للوقت القليل اللي اشتغلنا فيه، والصفقات اللي خدناها، إحنا مش قليلين على الإطلاق، بس مش في يوم وليلة يعني هنوصل للمنافسة قدامهم، مجموعة الريان سابقانا بزمن.
رد كارم بقنوط وهو يدفع القلم من يده ليعود بظهره على الكرسي: -عارف ياسيدي عارف، أنا بس الحماس هو اللي واخدني، وعايز أحصلهم بقى. -هتحصلهم وتسبقهم كمان يا حبيبي اطمن. قالها عدي وهو يعود لمشروبه بشرود، مما جعل كارم الذي انتبه عليه، أن يسأله بفضول: -شكل دماغك مش رايقة خالص النهاردة، أنا مش فاهم يا بني، هو إنت إيه اللي شاغلك بس؟ تطلع إليه بنظرة فهمها كارم ليتابع بفراسة: -البنت أياها صح؟
يا بني إرسالك على حل معاها بقى، انجز عشان تفوقلي، النسوان بتروح وتيجي، أهم حاجة الشغل. سمع منه عدي وتغيرت ملامحه بنظرة مبهمة، وكأن الكلمات لا يتقبلها، أو هي عكس ما يريده! قالت ميرنا وهي تدفع الباب الزجاجي للمطعم الذي حجزت به مسبقًا للاحتفال بعيد ميلادها المزمع، بصحبة الفتيات مودة وصبا التي ترافقهن على مضض: -ادخلوا يا بنات ادخلوا، خلونا نلحق ترابيزتنا. عقبت مودة بالإنبهار كعادتها:
-يا لهوي يا ميرنا، دا المكان باين عليه غالي أوي هندفع تمنه منين؟ بابتسامة واثقة ردت ميرنا: -يا حبيبتي متشليش هم فيها دي، أنا متكلفة بكل الفلوس، انتو بس عليكم تنبسطوا وتروقوا نفسكم. صبا والتي كانت تتفقد المكان حولها بتفحص أثناء السير، سألتها بتوجس: -وإنتي هتجيبي منين؟ أنا أعرف إن الأماكن دي، بتبقى الأسعار فيها خيالية، وإنتي بتقولي حاجة. -أيوة حاجة ودافعة كمان، دي هي ليلة، شالله محد حوش. قالتها ميرنا لتهلل مودة بمرح:
-أيوة بقى خلينا نهيص كده ونفرفش يا قمر. برد سريع من ميرنا، وهي تضمها من كتفيها: -فرفشي انبسطي على كيفك يا قلبي إنتي، أنا بعتبركم زي خواتي يا بنات، ربنا يخليكم ليا. اغتصب صبا نحوهن ابتسامة بصعوبة لتعلق بنصح: -حلو جو الأخوة ده، بس يا ريت نقلل العواطف شوية واحنا داخلين، الناس عيونهم علينا. أجفلت ميرنا لفعل صبا الصارم رغم ابتسامتها، لتذعن مضطرة تاركة مودة التي قالت متفكهة:
-اه صحيح يا ميرنا، خلي بالك، العسكري صبا معندهاش الكلام ده. بابتسامة جانبية رمقتها الأخيرة، لتغمغم ميرنا داخلها نحو الأعين المصوبة نحوهن، بتركيز نحو صبا: -عسكري! وهو في عسكري بيخطف عيون الناس كده! -❈❈
أمام باب المنزل وقف متأففًا ليزفر بضيق وهو يضغط على الجرس، بعد أن أخبرته والدته بضرورة الدواء، رافضة كل الحلول المقدمة لأن يأتي به أحد غيره، إن كان عسكري الخدمة في سيارته، أو حتى حارس البناية هنا، وفي كل مرة لا تغلب في حجة حتى اضطرته للمجيء بنفسه. وصل لأسماعه الصوت المألوف من داخل المنزل وهي تهتف من قريب: -خلاص يا ماما هشوف أنا من الباب حاضر.
وصلت إليه العبارة قبل فتح الباب مباشرةً ليجدها أمامه بهيئتها اللعينة الجميلة، رافعة شعر رأسها لأعلى بفوضوية، لتظهر طول عنقها وملامحها الأوروبية الفاتنة بملابس بيتية راقية، تبًا لها، لقد كانت تتحداه بوقفتها صامتة حتى على باب منزلها: -أهلًا. قالتها باقتضاب ليناظرها من تحت أجفانه من علو مرددًا خلفها: -أهلًا. -اتفضل يا حضرة الظابط. قالتها بتمهل تتكئ على أحرف الكلمات بشكل لم يعجبه، ليرد عليها بنفس الوتيرة:
-شكرًا.. يا آنسة. -هو أمين اللي وصل عندك يا لينا؟ صدرت بصوت والدته من الداخل، ليسبق الأخرى بالرد: -أنا جبتلك الدوا يا ماما تعالي خديه. -كدة ع الباب! ميصحش يا حضرة الظابط، اتفضل.
قالتها لينا وهي تتزحزح من أمامه لتُعطيه المساحة كي يدلف، خطا خطوتين بعجرفة دون النظر إليها، ليُخفي حرجه، حتى إذا وقعت عينيه على والدته التي كانت جالسة بوسط الردهة لوح لها بالكيس البلاستيكي الذي يحتوي على علب الدواء، لتهتف إليه بصوت واضح وهي تترك طبق المسليات من يدها على ذراع الأريكة: -عايزني أجي عندك، طب استنى دقيقة على ما أقدر أقوم. قالتها لتهم بالنهوض ولكن أنيسة التي كانت خارجة من المطبخ، تحمل بيدها طبقًا كبيرًا
من الطعام أوقفتها: -تقومي فين يا ست مجيد؟ ما تقدم يا بني برجلك شوية هو إنت غريب؟ اتفضل يا حضرة الظابط. تطلع نحو المرأة الشقراء ليستنتج مع هذا الشبه القوي بدون تفكير صفتها، تحمحم يقول بحرج: -يزيد فضلك يا هانم، بس معلش خليها مرة تانية. اقتربت أنيسة باعتراض تجادله: -لا طبعًا مرة تانية دا إيه؟ اتفضل يا بني حتى ولو دقيقة، أنا أنيسة والدة لينا. قالت الأخيرة وقد امتدت يدها لتصافحه، على الفور بادلها المصافحة بابتسامة قائلًا:
-أنا عرفتك أساسًا من الشبه، تشرفنا يا هانم. -الشرف لينا يا حضرة الظابط، اتفضل بقى مينفعش التعارف ع الواقف. ود تكرار اعتراضه وقد انتقلت أنظاره نحو والدته التي كانت جالسة بأدب، تدعي البراءة، ليضطر ويستجيب لإلحاح المرأة. عقبت لينا من خلفه بلهجة متهكمة: -البيت نور يا حضرة الظابط. رمقها بنظرة حانقة قبل أن ينتبه على شهد التي كانت جالسة بالقرب ليسألها بمودة صادقة: -عاملة إيه النهاردة يا شهد؟ برقة أجابته مبتسمة:
-الحمد لله كويسة، ألف شكر على سؤالك. -لا العفو يا ستي، هو السؤال محتاج شكر؟ قالت أنيسة وهي تأتي بإناء زجاجي يحتوي على الماء، وفي اليد الأخرى الكوب الذي أعطته لمجيدة لتتناول علاجها: -بسم الله ما شاء الله، مؤدب وسمح، متفرقش عن أخوك المهندس، ربنا يفرح والدتكم بيكم يارب. رددت مجيدة خلفها سريعًا: -يارب يا حبيبتي يارب. تبسم لها أمين ببشاشة قائلًا: -كل شيء بأوان إن شاء الله...... طب أقوم أنا. -أقوم فين يا بني؟
هو انت لحقت تقعد؟ دا حنا لسة بنتعرف عليك يا حضرة الظابط. قالتها أنيسة لتتضامن معها مجيدة بخبث: -هو كده، أصله بيتكسف بقى. رددت خلفها لينا ساخرة وقد اتخذت مكانها على مائدة السفرة: -بيتكسف! وهو في ظابط بيتكسف يا طنط؟ كبتت مجيدة ابتسامة ملحة وهي تراقب وجه ابنها الذي تلون بالأحمرار غيظًا من لينا، مع تحفظه في الرد عليها بوجود والدتها والتي تابعت بزوق:
-بقولك إيه يا بني، إنت هتاكل لقمة سريعة معانا، الأكل بيحب اللمة، وزي ما إنت شايف، كل حاجة جاهزة قدامك. اعترض سريعًا بتشنج: -لا لا أكل فين؟ أنا مستعجل ورايح شغلي أساسًا، دا غير إني أكلت في البيت عن أذن... -بلاش طيب دووق الحلويات. هتفت بها مجيدة بمقاطعة أجفلته لتتابع نحو أنيسة: -هو أصلًا أكلته سفيفة وبيشبع بسرعة، لكن بقى في الحلويات، ما يشبعش منها أبدًا، دا أستاذ في التذوق. -أستاذ في التذوق!
غمغم بها بداخله مستهجنًا أفعال والدته الغير مفهومة، ليفاجأ بأنيسة تخاطبه بحماس: -خلاص مدام مش هياكل، يبقى يقول رأيه في الكيك ده. قالتها وهي ترفع له طبقًا يحتوي على عدة أنواع لقطع الكيك بأشكال مختلفة، لتقدمه إليه. بحرج شديد هم أن يرفض ولكن المرأة تابعت بأدب جم: -متكسفش الزاد، حتى عشان تقولي رأيك في اللي بعمله. باستسلام للألحاح ورقة المرأة في الحديث، امتدت يده للطبق قائلًا:
-يا خبر أبيض، أخجلتيني بزوقك والله، أنا هاخد واحدة عشان خاطرك، لأني فعلاً عايز أمشي. قالها ليقضم من القطعة وفي باله يهم بالنهوض ولكنه أجفل بالطعم الرائع، ليقول بتلذذ: -دي مش جميلة وبس، دي تجنن تسلم إيدك. عقبت شهد من مكانها بجوار لينا المنتظرة بدء الطعام على مضض: -طنط أنيسة تاخد الجايزة الذهبية في الحلويات، أنا باجي وأطلب بنفسي منها. ناظرها أمين يهز رأسه موافقًا، لتقول أنيسة بحماس لهواية تعشقها:
-خلاص يبقى تدوق من النوع التاني كمان وتقول رأيك برضوا. هذه المرة لم يعترض، وامتدت يده على الفور متناولًا القطعة في قضمتين بنهم للطعم الرائع، ووالدته تتطالعه بانتشاء، مغمغمة داخلها: -أيوة كده، الحلو يجيبه الحلو. -❈❈
-على الطاولة التي تم الحجز عليها مسبقًا، قالب من الحلوى الشيكولاتة توسطها والذي تم التوصية عليه أيضًا مع الطلب، مغروز به عدد من الشموع التي كانت تطفئها في هذا الوقت ميرنا بالنفخ من فمها، لتنطلق ضاحكة بعد ذلك، تشاركها مودة التي هللت بفرح طفلة صغيرة: -هاااي، كل سنة وإنتي طيبة يا أحلى ميرنا. قبلتها الأخيرة بوجنتيها لتحتضنها مرددة: -وإنتي بألف خير وصحة يا حبيبتي، تسلميلي يا مودة.
بابتسامة رزينة أخرجت صبا هدية مغلفة من حقيبتها لتضعها أمام صاحبة الاحتفال قائلة: -كل سنة وإنتي طيبة، دي حاجة بسيطة مني. شهقت ميرنا متفاجئة وهي تتناول العلبة قائلة بفرحة حقيقية: -إيه ده؟ إزاي طيب؟ توقفت لتشهق بعدم تصديق: -وسلسلة فضة كمان؟ دي شكلها غالي أوي دي، إمتى جبتيها؟ -جيبتها أون لاين يا ستي، والطلب وصلني قبل ما أخلص الشفت بتاعي. قالتها صبا لتتذكر رد فعل شادي حينما تفاجأ برجل الأمن قائلًا:
-آنسة صبا، في واحد عايزك؟ -واحد مين؟ مين اللي عايز صبا؟ خرج السؤال من شادي بحدة يسبق ردها، ليصحح له الرجل: -دا مندوب شركة للشحن، بيقول إن صاحبة الاسم طلبته على هنا...... -آه يا عبد الرحمن، خليه يدخل هنا. قالتها صبا ليخرج رجل الأمن على الفور، ويدلف خلفه رجل الشحن والذي بدا من هيبته أنه شابًا في بداية العشرينات من عمره: -السلام عليكم. -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضل.
قالتها صبا وقد نهضت عن مقعدها لاستقباله، ليتوقف الشاب فجأة مرددًا بأعين توسعت بإعجاب واضح: -إنتي الآنسة صبا؟ انتبه شادي ليقف هو الآخر تاركًا ما يعمل به ليرد بالنيابة عنها: -أيوة هي الآنسة صبا، إنت بقى فين بطاقتك عشان نتأكد إن إنت مندوب الشحن؟ أجفل الشاب من حدته ليخرج له البطاقة من محفظته على الفور بارتباك، أمام صبا الذي استغربت هذه الهيئة منه، وتدخله أيضًا ولكنها انتظرت حتى تأكد ليعود إليها قائلًا بعصبية:
-هو إنتي كنتي طالبة إيه؟ باضطراب ردت وعينيها تتنقل منه وإلى الشاب بحرج: -طلبت سلسلة فضة. -وأنا جبتها أهو، أكيد ذوقها يجنن زيك. خرجت من الشاب المتحمس ببلاهة جعلت شادي يخرج عن شعوره، ليحط بكفه الكبيرة على طرف قماش القميص الذي يرتديه الشاب، يردد له بشراسة: -هي إيه اللي ذوقها يجنن زيها؟ هو إنت جاي توصل ولا جاي تشعر في صاحبة الطلب؟ بخوف شديد ردد الشاب: -يا عم أنا مش قصدي حاجة والله، دي دعابة عادية. -هي إيه اللي عادية؟
-هو أكيد مش قصده حاجة وحشة. صاحت بها صبا خشية على الشاب، لينقل بغضبه إليها: -وإنتي إش عرفك قصده ولا مش قصده، اقعدي مطرحك يا صبا. بزعر تملكها جلست مزعنة حتى انتهى من الشاب الذي سلمها طلب الشحن بعد ذلك بالأدب، دون التفوه بكلمة زائدة عن التعامل برسمية تحت مراقبة مشددة من شادي، الذي لم يتمالك فضوله في السؤال فور ذهاب الفتى: -ولما إنتي عايزة تشتري سلسلة، ما رحتيش ليه مع رحمة أو والدتك ع المحلات في السوق عشان تنقي براحتك؟
للمرة الثانية يتدخل وهي تتقبل غير معترضة، لتجيبه: -أنا مكنش عندي وقت، دا حاجة جات كده فجأة، عيد ميلاد واحدة معرفة، وعزمتني عليه النهاردة، بصراحة اتكسفت أحضر وإيدي فاضية. سألها باستفسار: -مين صاحبة عيد الميلاد؟ مودة؟ -لأ مش مودة، دي ميرنا. قالتها لتتبدل ملامحه على الفور بعبوس جعله يشيح بوجهه في البداية قبل أن يعود إليها محتدًا:
-هو إنتي تعرفي ميرنا منين عشان تحضري عيد ميلادها، أنا مش عايز أتدخل، بس إنتي بتجيبلها هدايا ليه؟ -كل ده ومش عايز تدخل؟ غمغمت بها داخلها، قبل أن تجيبه بتروي: -مش صاحبتي ولا حتى معرفة شخصية، بس كلمتني مع مودة وأحرجتني، عشان ما هي يعني واحدة وحدانية، ومعندهاش حد يحتفل معاها في اليوم ده. -ميرنا وحدانية، إزاي يعني؟ معندهاش أصحاب ولا أهل؟ نفت بهز رأسها:
-لأ معندهاش أهل غير خالها، أبوها وأمها متوفين واتجوزت مرتين وفشلت، لا خلفت ولا عندها أصحاب، دا حسب كلامها، دا غير إنها بتقول إن الناس فاهماها غلط عشان ما هي منفتحة في اللبس حبتين ونفسها تلاقي حد يصاحبها بجد. سألها بتجهم: -وإنتي صدقتيها، مش يمكن تكون بتكدب؟ فكرت قليلًا قبل أن تجيبه بصدق:
-مش عارفة، بس بصراحة هي صعبت عليا لما بكت على حالها، فلقيت نفسي بهاودها، رغم إني رفضت أروح بيتها واتحججت بغضب أبويا لو غيبت لبعد المغرب، بس هي سهلتها وجالت إنها عزمانا في مطعم قريب من هنا. صمت يطالعها بإعجاب متزايد لصراحتها في الرد لترتخي ملامحه؛ في سؤاله لها بهدوء مع تركيزه في كل لفظ يخرج بلهجتها الجنوبية المحببة: -أبوكي عارف بالمشوار؟ أومأت بهز رأسها، ليتابع بأمر:
-طب اكتبيلي اسم المطعم بالكامل وعنوانه، وابقى اتصلي بيا أوصلك لو حسيتي إنك مش مرتاحة أو لقيتي أي حاجة معجبتكيش. -سرحتي في إيه يا صبا؟ ما تقولي رأيك. استفاقت على صوت ميرنا التي هتفت بها، لتتحمحم قائلة باضطراب: -لا عادي يعني، مش لدرجة السرحان، بس هو يعني... إنتي كنتي عايزة رأيي في إيه؟ قلبت عينيها ميرنا لتقول بسأم:
-يا ستي بقولك كلمي صاحبتك، اللي عملاها حكاية، وفاكراني زعلانة عشان مجبتليش هدية زيك، أنا بقولها مش مهم، وهي بتقول إنها لازم تردها لما تقبض. سمعت منها لتنقل بعينيها نحو الأخرى قائلة برقة: -لو هامك قوي، اشتري بعد ما تقبضي، بس أنا من رأيي إن الموضوع مش مستاهل، أنا سديت عنك وعني، والأكيد يعني، هو إن الجيات أكتر من الريحات، ماشي يا ست مودة.
باقتناع رددت خلفها الأخرى، شاعرة برفع هم سوف يثقل ظهرها، وينقص من مرتب أول قبض لها. -ماشي. عقبت ميرنا ضاحكة: -يا سلام، كده من مجرد كلمتين، هو إنتوا مين فيكم الصغيرة؟ ردت مودة بابتسامة: -بصراحة أنا، فرق بيني وبين صبا أكتر من سنة تقريبًا، بس أعملها إيه بقى؟ بتعرف تقنعني، وعقلها أكبر مني، بنت أبو ليلة بجد. -يا دي أبو ليلة وبنت أبو ليلة. غمغمت بها ميرنا داخلها بحنق قبل أن ترتفع أنظارها لتُجفل الفتيات بشهقة
تدعي المفاجأة بقولها: -يا نهار أبيض، عدي باشا، وهنا معانا في المطعم؟ التفتت صبا بانتباه لتجد المذكور يقف أمامها بالقرب منهم، لا تدري متى جاء وكيف وصل إليهم، لتهلل ميرنا باستقباله، وهو يجيبها بعجرفته المعتادة: -أهلًا يا ميرنا، إنتوا عاملين عزومة هنا ولا إيه؟ ردت مودة بلهفة وعدم تصديق: -أصل النهاردة عيد ميلاد ميرنا واحنا بنحتفل معاها كده ع الضيق. أومأ برأسه ليلتفت نحو صبا التي أُذهلت بحضوره، وقال يخاطبها:
-عاملة إيه يا صبا؟ أومأت برأسها وهي ما زالت بجلستها ولم تنهض كالأخريات: -الحمد لله، كويسة. قالت ميرنا: -شكلك كده متعود ع المطعم يا باشا، ما تجبر بخاطري، وتدوق من التورتة بتاعتي. نقل بأنظاره نحو ما تقصد ليفاجئ الفتيات بسحب كرسي يجلس عليه قائلًا بموافقة: -تمام يا ميرنا، كل سنة وإنتي طيبة. -وإنت بألف صحة وسلامة يا باشا، ربنا يجبر بخاطرك يارب.
كانت تهلل مدعية عدم التصديق، متجاهلة صدمة صبا ومودة التي ظلت على وقفتها ببلاهة، وقد نسيت الجلوس في حضرته، ليخاطبها: -اقعدي يا بنتي هتفضلي، إنتي واقفة؟ -هاا. تفوهت بها بعدم تركيز قبل أن تجفلها صبا بقولها القوي: -اقعدي يا مودة. سمعت منها لتجلس على الفور، وتتابع ميرنا التي كانت تتحدث بحماس:
-ما تستغربوش يا بنات، عدي باشا مفيش أطيب منه، دا أفضاله عليا من ساسي لراسي، أنا صحيح يدوب موظفة عنده، بس هو عمره ما ردني في طلب، ربنا يبارك فيه. -بلاش الكلام ده يا ميرنا. قالها يدعي التواضع، لتتابع الأخرى في المدح بصفاته، حتى هتفت مودة بمبالغة تعقب: -دا على كده إحنا كنا واخدين فكرة غلط عنه، صدق اللي قال صحيح، باشا ابن باشا.
بابتسامة خفيفة لم تصل لعينيه استجاب لها، وقد بدأ ينتابه شعور بالضيق لعدم اندماج صبا معهم، وهي تتململ بجلستها وانظارها متجهة نحو مخرج المطعم، ويدها على حقيبتها وكأنها تنتظر الفرصة للإستئذان، إلى هنا ولم يستطع الإحتمال أكثر من ذلك، توجه لميرنا بنظرة فهمتها للتصرف سريعًا: -يا لهوي ياما الطقم.
هتفت بها مودة وقد تفاجأت بالبقعة الكبيرة التي توسطت الجيبة التي ترتديها في الأسفل لتزيد بتوسع جراء سقوط العصير عليها من الكوب الذي كانت تمسك به ميرنا رفيقتها، والتي شهقت تكمل دورها: -يا نهار أبيض، أنا آسفة يا مودة، دا أنا كنت بمسكه عشان أشرب منه، معرفش إيه اللي خلاه سقط من إيدي. -سقط من إيدك، يبقى ينزل على فستانك إنتي مش فستانها هي. خرجت من صبا بحدة أجفلت الأخرى، لدرجة جعلتها تتعلثم في الرد، قبل أن تسعفها
مودة بسذاجة أذهلتها: -مكنش قصدها يا صبا، هي مسكته وهي سرحانة أساسًا أكيد يعني مخدتش بالها. همت لتقرعها لهذا الرد المستفز ولكن عدي سبقها: -خلاص يا بنات روحوا على حمام المطعم وصلحوه. -لا حمام إيه؟ إحنا ماشيين أساسًا. قالتها صبا بحزم وهي تنهض وتلملم أشياءها بعنف لتضعهم في حقيبتها اليدوية، قبل أن توقفها ميرنا: -لا طبعًا مينفعش الكلام ده، إنتي عايزة الناس تضحك عليها ولا إيه؟
تعالي يا ميرنا معايا ع الحمام وأنا هتصرف وأخليه ينشف بسرعة. قالتها وهي تسحب الأخرى سريعًا وتتحرك بها، وتصعق صبا بقولها: -استنينا هنا مع عدي باشا وخلي بالك من حاجتنا واحنا مش هنعوق عليكي. بأعين متوسعة تابعت عدوهن السريع ليختفين عن أنظارها في لمح البصر، وهي متسمرة محلها بعدم استيعاب: -هتفضلي واقفة كده كتير؟ مينفعش تجري وراهم، وأقعد أنا أرعى حاجتهم، هيبقى شكلي وحش أوي. -وإنت إيه اللي مقعدك؟
ودت أن تبصقها بوجهه ولكن تمالكت لتمسك بزمام أمرها ثم تعود لمقعدها مرة أخرى بجمود ملحوظ جعله يسألها: -مضايقة ولا متوترة يا صبا؟ -لا مضايقة ولا متوترة، أنا بس مستعجلة عشان واعدة أبويا متأخرش عليه، والوقت قرب ع المغربية. قالتها وهي ترفع طرف كمها لتكشف عن الساعة التي ترتديها، وتلقي نظرة عليها، ثم تنهدت بضيق تكتمه، فقال عدي مع نظرة متمعنة بها وهذا ما كان يزيد عليها: -قوليلي يا صبا إنتي مستريحة في الشغل عندنا؟ -نعم! قالتها
كسؤال ليرد بابتسامة: -بسألك عن شغلك، يمكن تفكي شوية لما تتكلمي، أنا عدي عزام يا صبا لو تاخدي بالك، يعني مينفعش الموظفة عندي تنفخ وهي قاعدة قصادي في مطعم أنا أملكه. جحظت عينيها بصدمة ومقلتاها تحركت في الأجواء كرد فعل طبيعي ليستطرد بثقة: -أيوة يا صبا يبقى ملكي، وأنا جاي هنا مخصوص بعد ما شوفتك مع البنات، أنا عايزك يا صبا.... أنا عايزك تشتغلي معايا. -❈❈ -الجيبة خلصت ولا لسة؟
هتفت مودة من داخل الغرفة الصغيرة بالحمام النسائي الكبير، لتجيبها الأخرى بنزق وقد كان تركيزها منصبًا نحو الطاولة التي تركتها لعدي كي ينفرد بهذه المحظوظة، وتنحشر هي على مدخل الطرقة الفاصلة، تصطدم بالنساء التي تدخل وتخرج من الحمام، لتعطل هذه الغبية حتى وهي ممسكة بالجيبة، وقد أتت بها الفتاة العاملة وجففتها منذ لحظات:
-ما تتصلي ع البت الساعية بقى يا ميرنا، أنا زهقت، دا غير إني بدأت أقلق، لتكون البت دي عملت فيها حاجة أو حرقتها كمان، عشان تبقى وقعة. صدر مرة أخرى الصوت المتذمر، لتتجعد ملامح وجهها بسخرية مغمغمة: -تعمل فيها حاجة! دا على أساس إنها محسوبة لبس أساسًا؟ مصمصمت بامتعاض، قبل أن تدارك بتذكرها للهاتف، الذي تناولته لترفعه أمامها، وتبدأ التصوير! -❈❈ -أشتغل معاك فين؟ سألت بحدة تجاوز عنها من أجل الوصول لهدفه، ليتابع بهدوء:
-بغض النظر عن عصبيتك في الرد، بس أنا هعديها عشانك، أنا طالبك تشتغلي عندي في الشركة، دي الشركة الخاصة بيا بعيد عن المجموعة ولا شركاتي مع كارم ابن اللوا حمدي فخر، هتبقي السكرتيرة لمكتبي، هتاخدي مبلغ خيالي، دا غير إنك هتبقي واجهة للشركة بمنصب متحلمش بيه أي واحدة متخرجة جديد زيك. برغم النيران التي اشتعلت برأسها ولكنها استطاعت التحكم في انفعالها لتسأله بفضول: -اشمعنى أنا؟ -نعم!
-بسألك يا فندم، اشمعنا أنا اللي اخترتني دونًا عن كل الكفاءات الموجودة في الفندق وغير الفندق في أملاكك، وأملاك الأسرة الكريمة؟ رغم إني خريجة جديدة زي ما قلت؟ -عشان مش عايز غيرك. ود لو يقولها بصوت واضح لها، أو يدخل في الموضوع مباشرةً، بأنه يريدها، ولو طلبت منه الملايين سوف يعطيها في سبيل الحصول عليها، ولكن لعمله الأكيد لصعوبة الأمر، قال كاذبًا: -أكيد عشان كفاءتك يا صبا، دا غير إنك زي ما قلت من شوية واجهة مشرفة.
-كفاءتي دي اللي اتريقت عليها من مدة لما قلت إن مستر شادي مدلعني، وبييقوم بمعظم الشغل عني؟ فاجئته بفطنتها والذاكرة السريعة التي أسعفتها لتقرعه بشجاعة تزيده إعجابًا بها رغم غضبه منها، بابتسامة حقيقية اعتلت قسمات وجهه قال: -شكلك لسة زعلانة مني، على العموم يا صبا يعني عشان تعرفي، أنا صارم أوي في الشغل ودي طريقتي في الشد على الموظفين، المهم بقى إيه رأيك؟ ناظرته بتحدي لتقول بقوة وغير مبالية:
-في الحقيقة يا فندم أنا قبل ما أتوظف في الفندق، اتعرض عليا نفس المنصب وفي شركة كبيرة برضو، فكان ردي، هو نفس اللي هقوله لك دلوقتي، لأ يا باشا، عشان أنا آخر همي إن أبقى واجهة. تجمد أمامها، وبدا بملامحه التي تعقدت أمامها كتمثال بلا حراك، فتابعت بذكاء:
-أنا شايفة إن البنات اتأخروا، وبما إنك صاحب المطعم، ف أنا بطلب منك يا فندم يعني لو تتكرم، ممكن تبعت حد من العمال يستعجلهم، أبويا لو زودت عن كده في التأخير، مش بعيد يقطع عيشي من الفندق ويرجعني الصعيد عشان يجوزني هناك، يعني دا لو مش هتطردني إنت كمان؟ أفحمته بطريقة لم يتوقعها ليجد نفسه يلتف للناحية الأخرى نحو إحدى العاملات مستشيط من الغضب يهدر باسمها: -سمر.
انتفضت الفتاة مجفلة حتى انتبه بعض الرواد بجوارها، واستطرد عدي بنزق غير آبهٍ وهو ينهض عن طاولة عيد الميلاد: -تعالي شوفي الآنسة عايزة إيه؟ قالها وخطا ذاهبًا بغضبه، تشيعه صبا بنظرها وبقلبها شعور غير مريح على الإطلاق ينتابها نحو هذا الرجل. -❈❈ -كنتي فين يا رباب؟
تفاجأت بها وهي تدلف لداخل غرفتها، لتنتبه عليه، وقد كان واقفًا بتحفز واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله داخل الشرفة، وقد بدا أنه ينتظرها منذ مدة من الوقت، كظمت لتكتم صيحة الغضب بوجهه، حتى يخرج صوتها بنبرة تبدو طبيعية وهي ترفع قبعة من أعلى رأسها، لتلقيها بإهمال، ثم بيدها كانت تفك حزام المعطف الذي كانت ترتديه لتخلعه: -طب استنى على ما أدخل وأخد نفسي حتى يا كارم، كده على طول.... أسئلة!
بغضب تملكه خطا ليقترب منها قائلًا بتحذير مشددًا على أحرف الكلمات: -أنا بسألك يا رباب، كنتي فين؟ مشيتي الحارس وخرجتي بعربيتك من غير السواق، عشان ترجعيلي دلوقتي الساعة ٧ الليل! زفرت لتسقط بجسدها على طرف التخت قائلة بضيق: -يعني هكون روحت فين يعني؟ اتسوقت شوية مع واحدة صاحبتي، وأنا لابسة الكاب عشان آخد حريتي وأقضي وقت حلو معاها، وناكل كمان وننبسط. بتهكم ساخر:
-تاخدي حريتك طبعًا عشان المعجبين، دا على أساس إن إنتي نجمة مشهورة وصورك محتلة الشاشات، مش كده يا بيبي؟ احتقنت لترد بتمالك تحسد عليه رغم الحريق الذي شب بداخلها: -مش لازم أكون نجمة تمثيل ولا غنا، أنا بلوجر مشهورة برضو ولا إنت مش عارف عدد متابعيني؟ احتدت عينيه بشراسة يرمقها ورأسه تميل نحوها ليبث بقلبها الرعب بقوله:
-عارف ولا مش عارف، ميت مرة أقولك ما تتحركيش خطوة من غير ما تبلغيني، وحركة إنك تمشي الحارس والسواق دي، عشان تمشي لوحدك، متتكررش تاني. بشجاعة زائفة خرج صوتها تقارعه: -ما إنت بتقول إني مش مشهورة، إيه لازوم الحارس بقى؟ -عشان حراستك. -لا دا مش عشان حراستي، دا عشان تفضل مراقبني ومغيبش عن عينك. دنا حتى أصبح وجهه لا يفصل عن وجهها سوى سنتيمترات قليلة، بأعين مشتعلة، تلفح أنفاسه الحارة بشرتها، ليزيد على جزعها بتهديده:
-دا حقيقي، وتاني مرة لو اتكرر منك الفعل ده، ما تلوميش إلا نفسك. بصق كلماته واستقام بجسده يتركها مغادرًا الغرفة، ليدخل الأكسجين أخيرًا صدرها، وقهر يشل أطرافها عن الحركة، بإحساس بالعجز، وقيوده الحريرية باتت تخنقها. دوى صوت الهاتف لتتناول وتجيب بدون تركيز: -الوو... -ألوو يا ملكة الجمال عاملة إيه؟ سمعت الصوت الذي عرفته مع التكرار، لتتحفز كل خلاياها في الرد عليه بحدة: -إنت تاني؟
هو أنا مش حظرت رقمك وعملتلك بلوك ع الصفحة كمان، بتجيب رقمي منين عشان تكلمني كل شوية من رقم شكل؟ تجاهل عنفها ليجيب بهدوء: -يا قلبي بلاش تتعصبي وإنتي أساسًا جاية تعبانة، بعد ما انهارتي جمب قبر والدك ووالدتك، واتفلقِتي من العياط جمبهم. -يخرب بيتك، دا إنت بتراقبني بجد بقى. صاحت بها وهي تنتفض واقفة بغضب، فما كان منه إلا أن أجابها بهدوء: -مش مراقبة، سميها مراعية لحبيبة قلبي، ملكة الجمال وحبيبة الملايين.
ختم بصوت قبلة وصلتها قبل أن ينهي المكالمة، وتسقط هي بانهيار لا تدري ما الذي يحدث معها. -قاعدة لوحدك هنا في الضلمة ليه يا ميسون؟ قالتها نور وهي تخطو نحو مدخل المنزل عائدة من عملها، وقد تفاجأت بالأخيرة، جالسة بركن مظلم في الحديقة، بعيدًا عن الإضاءة وأعين الحراس والعمال، وباقي أسرتها، رمقتها المذكورة بهدوء لتجيب بلهجته العربية الغير متقنة: -ولا حاجة، عادي. -ولا حاجة عادي!
رددتها نور من خلفها لتغير مسارها، متجهة نحوها، لتتناول كرسي وتقربه لتجلس جوارها، فقالت ميسون بفظاظة: -بتقعدي جمبي ليه؟ أنا قولتلك اقعدي. تقبلت نور لتخفي حرجها بابتسامة قائلة: -لا يا ستي ما قولتيش، بس أنا عزمت نفسي أقعد معاكي، ينفع؟ بتجهم اعتادت عليه، حتى أصبح من السمات الرئيسية بشخصيتها، طالعت نور للحظات صامتة ثم تمتمت بغمغمة وهي تشيح بوجهها: -خلاص بقى مدام قعدتي.
في وضع آخر كانت ستضطر نور إلى الإنسحاب بحرج لتتلافاها وتتلافى الجلوس معها، ولكنها لم تقوى على التحرك، ولم يطاوعها قلبها على تركها، وقد تسرب إليها شعور غريب بالإشفاق عليها، رغم هذا الجمود الذي تدعيه، والصلف المعتاد منها دائمًا في التعامل مع الجميع سوى بهيرة شوكت التي تدللها على الدوام، فقالت تخاطبها: -ميسون هو إنتي حد زعلك في حاجة؟ اعتدلت لتواجها بحدة قائلة: -وإنتي بتسألي ليه؟ يهمك أوي تعرفي باللي مزعلني؟
-طبعًا يهمني يا ميسون، هو إنتي فاكراني جبلة مبحسش؟ أو مش هتأثر لزعلك مثلا؟ ليه بقى هو أنا عدوتك؟ قالتها بصدق وصل للأخرى لتتمتم بالرد: -لا يا نور إنتي مش عدوتي، بس كمان مش صاحبتي ولا عمرك هتحسي بيا، عشان مش في مكاني. طالعتها باستفهام سائلة: -يعني إيه؟ وضحي يا ميسون. ردت بصراحة أجفلتها:
-يعني إنتي معاكي جوزك اللي بيحبك وبييعشقك، دا غير جمهورك اللي بيعمل مهرجان في أي مكان تروحي، لكن أنا واحدة مسكينة، سيبت بلدي وأهلي عشان اتجوز هنا وأخلف من واحد ما بيحبنيش، وفي الآخر سايبني كده، وحدي أربي الولاد، كل يوم أضحك وأهزر معاهم عشان أشحت نظرة حب في عيونهم، مش بلاقيها بصدق غير منهم.
تفاجأت، لا بل هي صعقت لقسوة ما تحمله الكلمات التي اردفت بها الأخرى، ابتعلت نور ريقها الذي جف بحرج، لا تعلم بما ترد، تهون عليها أو تلوم صراحتها الفجة بأن تحسدها في الشيء الوحيد المتبقي لها، وهو حب زوجها والجمهور، وقد حرمت من نعمة الأطفال التي تتنعم بها هي. خرج صوتها أخيرًا بعد تنهيدة مثقلة:
-سامحيني يا ميسون لو مقصرة معاكي، إنتي عارفة بقى الشغل أخد كل وقتي، بس كنت عايزة أقولك على حاجة، أنا الدنيا مش حلوة معايا كده زي ما إنتي شايفاها، بس كمان هعذرك..... صمتت برهة ثم تابعت: -أنا متأكدة إن في نقطة وصل بينك وبين عدي، أكيد لو حاولتوا إنتوا الاتنين هتلاقوها، وترجع المية لمجاريها، يعني ما تنتظريش إنه ييجي لوحده، لازم إنتي كمان تحاولي..... ، عن إذنك.
قالتها ونهضت لتذهب دون انتظار رد؛ تعلم بقرارة نفسها أنه لن يعجبها، لعلمها الأكيد بشخصية ميسون المتعالية عن النصيحة.
على مدخل غرفة نومه، كانت واقفة لمدة من الوقت تراقب شروده بابتسامة حالمة، تعلم أنه يفكر بها، هو ابنها الذي تفهمه أكثر من نفسه، وتحفظ خطوط وجهه والتعابير التي ترمز بها لكل انفعالاته، إن كان بالفرح أو بالحزن أو العشق، كما تراها الآن وبكل وضوح، طرقت بخفة على الباب ليشعر بها أخيرًا ويعتدل بجلسته على الفراش منتبهًا لها وهي تتقدم بخطواتها حتى جلست بجواره قائلة: -عامل إيه يا بشمهندس؟
تناول الطبق الذي كانت تحمله بيدها وقد سهت عن تقديمه في غمرة شرودها به، ليقول بابتهاج: -زي الفل يا ست الكل، بس إيه الجمال ده. قالها ليتناول بالملعقة منه قائلًا بتلذذ: -الله يا ماما، حلو أوي الرز باللبن ده، عملتيه إزاي؟ تبسمت بمرح تجيبه: -دا طريقة جديدة، عملتها بوصفة من الست أنيسة، مش معقولة بجد الست دي، أستاذة حقيقي في الحلويات. -لا دي تستاهل جايزة بقى، مدام عرفتِك تعملي بالطريقة اللي تجنن دي.
قالها حسن وهو مندمج في إسقاط ملاعق الحلو داخل فمه بنهم، لتغزوا ابتسامة سعيدة وجه مجيدة قائلة: -شهد برضو قالت حاجة زي كده، دا باين القلوب عند بعضها. توقف ليردد خلفها باستفسار سائلًا: -شهد قالت كده؟ إزاي يعني؟ طالعته بمكر قائلة: -وإنت لازم تعرف باللي قالته بالظبط؟ أهي قالت زي ما قالت حاجات كتير معايا، ما إنت عارف أنا قضيت معاهم نص النهار، والست أنيسة الله يبارك لها، مكنتش عايزة تسيبني.
لوك بفمه ليعود للطبق بعدم تركيز يتلاعب بالملعقة، فقالت تلاعبه: -تحب أعرفك قالت إيه؟ -إيه؟ -مش هقولك. قالتها لتطلق ضحكة مدوية، بتسلية لهيئته الحانقة بغيظ من فعلها، وتابعت بمناكفته: -ما إنت لو تطلع اللي في قلبك وتقول الصراحة، أنا كمان هقول حكاوي. هذه المرة لم ينفعل أو يغضب، بل طالعها صامتًا لعدة لحظات بتفكير قبل أن يجيبها: -طب لو قولتلك إني موافق على عرضك، هتعرفي تتصرفي؟ -عرض إيه؟ سألته متناسية، ليقول على الفور:
-أنا فعلاً عايز أتزوج شهد، بس بصراحة مش عارف أدخلها إزاي؟ هللت بفرح مرددة: -يا صلاة النبي أحسن، يا صلاة النبي، أيوة كده خليني أفرح. هتف بها حازمًا يوقفها: -يا ماما بقولك مش عارف أدخلها إزاي؟ يعني لازم أعرف مشاعرها ناحيتي الأول، وإنها ممكن توافق ع الارتباط ولا لا؟ ولا إنتي نسيتي ظروفها واللي بتمر بيه مع أخواتها وعيلتها؟ باستدراك متأخر فهمت مجيدة قصده، لتخبو ابتسامتها، مرددة بحيرة: -آه صحيح دا إنت عندك حق.......
مكدبش عليك أنا كان كل همي عليك إنت والحلوف التاني أخوك...... نسيت أمر البنات نفسهم...... دا كده عايزة تخطيط من أول وجديد ..... يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!