صاحبها عندك بتعملي ايه دلوقتي؟ سألها مجفلاً بعد أن أيقظته برودة الفراش بجواره وقد خلا منها، ليجدها الآن هنا، في شرفتها جالسة بشرود، وكأنها غابت لعالم آخر، حتى أنها لم تشعر بوجوده، سوى بعد أن بادرها بالحديث. التفتت إليه مغتصبة ابتسامة لتخفي اضطرابها قائلة: معرفش يا قلبي، بس لقيت نفسي صحيت وبتقلب كتير، خوفت لازعجك، قلت اجي هنا اشم هوا نضيف واستنى الصبح يطلع. قطب مضيقًا حاجبيه ليجلس جوارها يقول باستغراب:
آه بس انتي مش شايفة إن الوقت بدري أوي ع الصبح، دا الفجر لسه مأدنش يا نور، والضلمة مالية الدنيا؟ –عادي يا حبيبي، ما هو الفجر مش باقي عليه كتير، دا غير إن الجو هنا برضوا جميل، دا كفاية الهدوء. تكتف بذراعيه ينقل بنظره نحوها ونحو الحديقة التي مازالت مصابيح أنوارها مضيئة حتى الآن. مع شعوره ببرودة قاسية بعض الشيء تجعله يتساءل داخله عن وقت مجلسها بعد هذا الشرود الذي وجدها عليه، فقال:
أنا حاسس إن الجو هنا ساقع، هو انتي مش حاسة بكدة؟ وكأنه قال ليذكرها، مرت بكفيها على ذراعيها، توافقه: آه تصدق صح، هي فعلًا في الوقت ده بتبرد. قطب بزيادة من حيرته ليعود للداخل، يتناول لها شيئًا ما تضعه على كتفيها. ردت بامتنان: متشكرة أوي يا حبيبي، متحرمش منك، بس انت هتفضل رابط نفسك هنا جمبي، ما تدخل كمل نوم. مسح بسبابته على طرف أنفه يجيبها: لا ما أنا كمان خلاص النوم طار مني، هقعد جمبك شوية على ما يجي الفجر واصليه.
أومأت بهز رأسها لتعود للنظر للأمام مرة أخرى فتابع سائلًا لها: إيه أخبارك مع الدكتورة يا نور. التفت إليه بنظرة مفهومة إليه، فاستطرد بحماس: جاسر بيشكر فيها أوي، وبيقول إنها لها فضل كبير عليه بشفا زهرة من خوفها. تنهدت بتفكير، متيقنة من عقم الجدال معه في هذا الأمر الثقيل على قلبها، فقالت بابتسامة خاوية: كويسة وجميلة كمان، كل كلامها ذوق واكنها بتراضي عيلة صغيرة، مش واحدة كبيرة فاهمة أعيبها. –وايه هي أعيبها؟
قصدي يعني إنها خبيثة، تسأل السؤال في ناحية، وهي بتجرجرني لناحية تانية خالص. –وانتي مش عايزة تتكلمي صح؟ أجفلها بسؤاله، فقالت بارتباك: لأ يعني…..،بس….. اصل انا هتكلم في ايه مثلا؟ يبدو أنها لم تحسن الرد مع انتباهها لهذه النظرة التي يرمقها بها الآن، وكأنها تغوص بداخلها، تستكشف ما يدور بعقلها، لتزيدها توترًا وخوف. أشاحت بوجهها عنه، علّه يمل ويبتعد بنظره هو الآخر، ولكنه فاجأها بقوله:
حاولي تستجيبي مع الدكتورة يا نور، عشان خاطري على الأقل. قالها وانتفض ناهضًا أمام عينيها يردف: أنا رايح أراجع على بعض الملفات، اهو استغل الوقت بدل القعدة. ابتلعت ريقها تتابع خروجه بأسف وتأثر لحالته، يؤلمها الحزن في عينيه، يؤلمها أن يظل متوقفًا عن تقدمه في انتظارها، وهي لا رجاء منها، تعلم بذلك، بل تكاد تكون متأكدة. ***
عاد أمين صباحًا بعد أن انتهى من ورديته الليلية في القسم، ليفاجأ بشبح أحد الأشخاص جالسًا بالشرفة التي تتوسط الصالة. تقدم بخطواته وقد عرفه من ظهره: صباح الخير يا أبو علي. رفع رأسه الأخير يجيبه بجمود: صباح الخير. استند أمين على إطار مدخل الشرفة يخاطبه: مش بعادة يعني تصحى بدري. بصوت مختنق: أنا منمتش أساسًا، حاولت كتير لكن مفيش فايدة.
زفر أمين ليترك محله متناولا الكرسي الآخر كي يجلس بجوار شقيقه وأمامهما أصايص الزهور التي تزرعها والدتهم. عبقت الأجواء بالروائح الزكية، كما ساهمت الألوان المختلفة لها مع الخضرة لتخلق مشهدًا يسر العين ويشرح القلب، ولكن هذا في وقت آخر، ليس الآن والرأس مشغولة بما يقلقها. تطلع أمين نحوهم ونحو شقيقه الواجم ليربت بكفه الكبيرة على ركبته بدعم قائلًا:
بتحصل كتير يا أبو علي، بتحصل كتير، دا أنا أحياانًا بقعد باليومين مطبق، حتى ولو كنت كان طالعان عيني في الشغل. –ليه بتفكر انتي كمان؟ سأله حسن بقصد، تبسم له شقيقه قائلًا بمشاكسة: قصدك يعني بحب زيك؟ برقت عيني حسن بحدة، ليقول بانفعال: أنا قولت إني بحب، أنا بقول تفكير، هو انت دماغك دي دايمًا تحدف شمال. أطلق أمين ضحكة مدوية ليقول بمرح:
يا عم الحج بقولك حب، إيه جاب الحب الطاهر اللي هو فطرة ربنا للشمال، إيه يا أبو علي ما تركز كدة. عبس الأخير ليُشيح بوجهه عنه بضيق صامتًا، ليتأمله أمين قليلًا باستمتاع. هذه أول مرة يجده على هذه الحالة، حالة الشرود المحببة للعشق. حسن الواقعي المحافظ بمعنى أصح، كان لا يعترف بالمشاعر ولا التأثر حتى بالأفلام الرومانسية. حسن الغاضب الآن ذو القلب الأخضر، يقع أخيرًا وتحرقه نار اللوعة على المحبوب.
نهض فجأة يبتاغته بقبلة فوق رأسه قائلًا: اطمن، إن شاء الله هتكون بخير. انتفض حسن يسأله: مين دي اللي هتكون بخير؟ انت بتتكلم عن مين؟ أطلق أمين ضحكة رنانة أخرى ليقول ساخرًا وهو يترك الشرفة: قطة الجيران، قصدي على قطة الجيران يا بشمهندس يا حيران. أكمل ضاحكًا وهو يغادر ليغمغم حسن خلفه بالكلمات الحانقة، قبل أن تفاجئه مجيدة بظهورها أمامه فجأة، بحجاب الصلاة الكبير، ونظارة القراءة على عينيها بعد أن أنهت وردها من قراءة القرآن،
لتخاطبه بابتسامة: غلس عليك الواد ده زي عادته، عامل فيها جامد الباشا، لكن اطمن يا حبيبي، قريب أوي هتفرح فيه. فكر قليلًا في العبارة، قبل أن يرد بإنكار واضح ليدعي عدم الفهم: أفرح فيه ليه؟ هو انتي كمان هتتكلمي بالالغاز يا ماما؟ فجأة تبدلت ملامحها من ابتسامة شاردة، لشراسة بغضب، وعقبت بغيظ ضارب بكفها فوق الأخرى المستندة على بطنها: إحنا برضو اللي بنتكلم بالالغاز، ولا انت البعيد اللي عامل لي فيها من بنها وانت أساسًا مفضوح.
تمتم مجفلا بأعين توسعت بذهول: أنا مفضوح يا ماما! –آه مفضوح، واتنيل على عينك بقى واسكت عشان أنا اتعصبت منك ومن خلقتك اللي اصطبحت بيها دي على أول الصبح، جاتك القرف، ماشية وسايبهالك، وانت بقى خليك في استهبالك ده. بصقت كلماتها وما أن همت لتستدير إلا وقد وجدته يوقفها، ممسكًا بمرفقها يستجديها بعينيه قائلًا: مش هستهبل يا ماما، بس أنا قلقان عليها ونفسي أطمن. تبسمت بحنان الأم تضمه إليها، لتقبل وجنته قائلة:
إن شاء الله ربنا هيطمن قلبك عليها، كلنا بتيجي علينا أوقات بنضعف فيها ونقع كمان، ورغم إن مش كل الناس بتقدر تقف من تاني، لكن أنا بقولهالك اهو، شهد قوية وهتقوم. ***
تسير هائمة، تسير واجمة، لا تعرف إلى أين وجهتها، تخطو بقدميها داخل شوارع ومناطق لا تعرفها ولكنها ليست بغريبة عنها، أو دخلتها قبل ذلك ولا تتذكر. تابعت في السير حتى توقفت أمام المبنى غير المكتمل ولكنه كان كخلية نحل بالبشر التي تعمل على إكماله. وقعت عينيها عليه، لقد عرفته من ظهره، واقفًا بطوله المهيب، يشرف على العمال كعادته، بجلبابه البلدي الذي يظهر بقوة عرض منكبيه. إنه هو المثال الأوحد للرجولة الكاملة في نظرها. أسرعت بخطواتها حتى تصل إليه، فاجأها بأن التف إليها بابتسامة أنارت وجهه الخشن الأسمر الجميل ليبدو كالقمر بضيائه. لقد اشتاقت إليه بشدة، اشتاقت إليه بألم، ألم قبض على قلبها بلوعة
وهي تتمتم بعدم تصديق: أبويا، انت جيت يا بويا؟ ظل بابتسامته الساحرة حتى اقتربت منه وهي على وشك البكاء لاهثة تردد: يعني انت عايش مامتش، إنت عايش وشغال اهو، طب كنت فين، ومبتسألش ليه يعني؟ ليه يا بويا؟ دا انت واحشني أوي، وأنا محتاجالك أوي، أكتر من أي وقت، انت ساكت ليه؟ ما ترد عليا وكلمني. لم يجيبها بل أشار بعيناه نحو ما يزين رسغها. نظرت إلى ما يشير إليه، لترفع يدها قائلة بلهفة:
دا الإنسيال بتاعك، عمري ما قلعته من إيدي، دا اللي جيبتهولي في أول يوم دخلت فيه الجامعة لما كنت فرحان إني بحقق حلمك، أنا دلوقتي بلمسه وقت الخوف عشان استمد منه الأمان في غيابك عني، دا هديتك اللي أحافظ عليها بعمري. فاجأها بأن تناول كفها وقام بلف واحد آخر. تطلعت إلى الجديد بلمعته الزاهية تقول بابتهاج يغمرها وهي تتفحصه باهتمام: دي هديتك الجديدة ليا يا بابا، وفيه قلب هو كمان زي القديم، لكن…. أمال فين الكلمة اللي معاها؟
فين أبوها عشان تبقى قلب أبوها؟ قالت الأخيرة لترفع عينيها إليه، فوجدته تبدل لشخص آخر، ولكن بنفس ابتسامة أبيها. شهقت بهلع مرددة اسمه: حسن! انتفضت مستيقظة بإجفال. جعلها تفتح عينيها بتوسع، لتطالع المكان حولها، في الغرفة التي ليست غرفتها، ولكنها ليست بغريبة عنها. تتأرجح مقلتيها يمينًا ويسارًا في طريق استعادة وعيها. وكأنها عادت إلى الحياة مرة أخرى، هتفت رؤى بفرح وهي تلقي بنفسها عليها: أخيرًا صحيتي حبيبتي؟
حمد الله ع السلامة يا قمر. تلقت شهد قبلات شقيقتها بحالة من التيه، لتتمتم سائلة: يعني أنا كنت نايمة؟ –كنتي نايمة؟! دا أنت بقالك يومين يا شهد موقعة قلوبنا من الخوف عليكي، قومي الله يخليكي، قومي عشان مترجعيش للنوم تاني. قالت الأخيرة وهي تنهضها عن الفراش لتجلس بجذعها، غمغمت شهد بضيق وقد بدأت تدرك بما تعلمه مسبقًا عن حالتها: براحة شوية يا رؤى أنا راسي لسة تقيلة…… دا غير إنها خلاص فوقت مش محتاجة مساعدتك يعني.
تبسمت رؤى بفرح لعودة شقيقتها إليها بغضبها وحنقها، انفاعلها وعصبيتها. المهم أنها قد عادت، عادت إليها. نهضت فجأة تقول بلهفة: أنا هروح أفرح لينا وطنت أنيسة، دول على أعصابهم والله. أومأت لها شهد برأسها بتفهم، وقد استعادت ذاكرتها كل ما سبق غفوة نومها الثقيل، ورغبتها أن تبتعد عن المنزل ومصدر الضغط عليها، ثم هذا الحلم الغريب الآن، برؤية والدها، ثم هذا المدعو حسن، كيف لوالدها الذي أوجع قلبها بالاشتياق إليه، أن يتبدل بحسن؟
كيف؟ *** سألتها الطبيبة وقد أتت إليها اليوم وحدها بدون رفقة تعاونها كالمرتين السابقتين: يعني مفيش زهرة ولا كاميليا المرة دي، جاية باختيارك النهاردة يا نور، ولا برضوا تحت ضغط من جوزك؟ –مش فارقة، سواء برضايا أو بضغط من جوزي مش فارقة، المهم إنني جيتلك يا دكتورة. قالتها نور لتتكتف بذراعيها، تبدي عدم الاكتراث. طالعتها الطبيبة بابتسامة قائلة:
زي ما تحبي يا نجمة، أنا المهم عندي إني شوفتك النهاردة، وكفاية أوي إنك ادتيني جزء من وقتك. بادلتها نور بابتسامة باهتة، تقول: مش لدرجادي يعني، أنا أخري ممثلة لكن انت دكتورة وأفيد مني للبشرية. –طيب مدام معترفة إني دكتورة، ممكن بقى تهاوديني المرة دي، وتطلعي تريحي ع الشيزلونج. تطلعت نور نحو ما تشير إليه الطبيبة، باضطراب وتوتر تردف: بس أنا مش مجنونة أو عندي حالة نفسية أشتكي منها عشان أرغي وأحكي، قدامك اهو، شايفاني إيه؟
–لأ يا نور، انتي مفكيش أي حاجة من اللي انتي بتقوليها دي، ودا موضوع محسوم، بس ممكن بقى تطاوعيني، واعتبرها فضفضة، ولا انتي لسه مش مرتحالي؟ نفت بهز رأسها بحرج، لتخرج تنهيدة مثقلة وطويلة، قبل أن تحسم وتستلقي بتحفز، فنية الاسترخاء وإفراغ ما بقلبها هي آخر شيء قد تقدم عليه. حينما جلست الطبيبة بجوارها وسألتها في البداية عدة أسئلة بسيطة، فالتُمست عصبيتها في الردود. تابعت بتريث معها علّها تفصح ولو بجزء هين إليها:
يعني انتي شايفة إن جوزك يستحق الخلف بالجواز عليكي، ومستعدة تضحي بالقبول بالضرة عشانه. ابتلعت بتوتر تدعي التماسك في قولها: آيوة طبعًا متقبلة، أنا مستعدة أقبل بأي حاجة في سبيل إسعاده، حتى لو جه الحل على حساب سعادتي وحبي ليه. –بس هو مش موافق يا نور، وشايف إن اقتراحك مبالغ في مثاليته لدرجة الغباء، خصوصًا وهو متأكد إن العيب مش منك. –لأ مني. –إزاي يا نور؟ –من غير إزاي؟ أنا واثقة من اللي بقوله.
–إيه اللي يخليكي واثقة أوي كدة؟ –عشان كنت متجوزة قبله وحملت من غيره. قالت الأخيرة بعصبية وكأنه خرجت على غير إرادتها، ليسود الصمت لعدة لحظات من الوقت ثم تابعت الطبيبة بسؤالها: حملتي قبل كده ومع ذلك بتنكري إنك تخلفي؟! اعتدلت بجزعها تقول بعصبية: آيوة عشان حصل مع كمال مرتين ومحصلش مع مصطفى، حصل في جواز مكملش ٣ سنين، ومع جوازي بمصطفى أكتر من سبع سنين وبرضوا مفيش، حصل مع اللي كنت بكرهه، لكن مع اللي بحبه لأ….
توقفت شاهقة بملامح متغضنة، تطالع الطبيبة برعب قبل أن تخفي ملامح وجهها، وكأنها نادمة على زلة لسانها. قالت الطبيبة باستفهام: كمال دا اللي هو جوزك الأولاني واللي كنتي بتكرهيه، طب و….. –أنا قايمة…. قاطعتها تنهض بعنف متناولة حقيبتها، لتخرج، ولكن الطبيبة أوقفتها: ياريت تحضري الجلسة اللي جاية، وأوعدك إني مش هضغط عليكي في الأسئلة. ***
بنسخة أخرى من المفاتيح غير التي يمتلكها زوجها، فتحت باب الشقة السرية، لتدلف بقرف، تتأمل الأثاث العصري المختلف بكل قطعة عن الأخرى، بفوضوية لا تمثل شخصيته الظاهرة للعيان على الإطلاق. تتلاعب بسلسلة المفاتيح وخطواتها تسير بتأني وتفحص دقيق. الشقة نظيفة ومعطرة ومرتبة. زوجها العزيز يواظب على دفع الخدم في رعايتها. الخائن يرعى المكان الذي يخون به، أكثر ما يرعى ابنه، الذي يرسله لوالدته، ويحرمها هي من حق الاعتراض في استحواز المرأة على الحفيد.
تنهدت بحريق بما يعتمل بصدرها، لتواصل الضغط على جرحها، بتقدمها والدخول لغرفة النوم، هذه الغرفة التي شهدت على مغامراته وجوالاته قبل الزواج بها وبعده. على هذا التخت كان يخونها مع جيرمين، وهي وضعت له الكاميرا لتسجل ما يفعله، ثم أخذتها حجة لتبعد المرأة عنه، وظنت بعدها أن الصفحة قد طويت، مع مراقبتها له لمدة طويلة من الوقت، وقد شغلته الشراكة مع عدي عزام عن أي شيء آخر. ثم ها هو الآن وقد عاد إلى عادته القديمة مرة أخرى. ترى هذه المرأة كانت إليه ليلة وانتهت أم أنها قد تكون مثل جيرمين، ولابد من اقتلاعها بالتهديد بفضيحة هي الأخرى، ولكن هذه أجنبية، وأمر الفضيحة لن يعنيها بأكثر من فض الشراكة.
تصاعد سعير النيران برأسها، فقد فاض بها ومن ملاحقته وملاحقة عشيقاته، فاض بها أن يهين أنوثتها بالنظر إلى غيرها، فاض بها أن يستكثر عليها وفاءه، وهي التي دفعت من أجله الكثير، وخسرت أقرب الناس إليها بسببه. اهتز هاتفها فجأة بيدها، لتجده رقم غير مسجل، فتحت بتوجس: ألوو.. مين معايا؟ –داخلة برجليكي الشقة اللي خانك فيها؟ طب ما كنتي استني لما تظبطيه متلبس. –إنت مين؟ هتفت بالسؤال غاضبة نحو المتحدث من الجهة الأخرى،
والذي رد بهدوء يجيبها: أنا المعجب المتيم، أنا اللي ببعتلك الرسايل كل يوم. انتفضت هاتفة به بغضب: إنت اللي بتستفزني وبتستفز الفانز بتوعي بتعليقاتك السخيفة والمنتقدة ليا ولطريقة حياتي ولبسي؟ انت اللي قارفتي برسايلك؟ جيبت نمرتي منين؟ ازاي تتجرأ وتتصل بيا؟ على نفس النبرة الهادئة، وصلها رده بعدم اكتراث:
ما أنا قولتلك إني معجب، وزيدي عليها إني خايف عليكي، وزعلان لزعلك، ما هو حرام الجمال دا كله، ما ياخدش التقدير اللي يستحقه، حرام عليه يخونك يا رباب. أغمضت عينيها تقبض على ألم كرامتها، لترد كازة على أسنانها: وانت مالك؟ يخوني ولا ميخونيش، وانت مين أساسًا؟ –ما قولتلك أنا معجب، لا مش معجب، أنا الولهان بمعنى أصح، سلام دلوقتي يا جميلة الجميلات. أنهى المكالمة ليزيد من حيرتها وتعب رأسها، وكأنه كان ينقصها هذا المعتوه وأفعاله.
*** –هو أنا للدرجادي قلقتكم عليا؟ قالتها شهد بجلستها في وسط الصالة بين لينا وشقيقتها، وأنيسة التي تحاوطها بالرعاية منذ استيقاظها والتي ردت: يا حبيبتي ربنا ما يعيدها، إحنا بس كنا خايفين عليكي، أصلها أول مرة تطولي كدة. أضافت رؤى: ومتنسيش كمان انتي حالتك كانت إزاي قبلها، انتي تقريبًا كنتي منهارة، وبصراحة عندك حق، البت أمنية وخطيبها الزفت زودوها أوي المرة دي.
تغضنت ملامح شهد بضيق لتطرق برأسها، وقد مر جميع ما حدث أمام عينيها، فتدخلت لينا تقول بمرح: بس إيه يا بت شهد، البت رؤى دي طلعت تربيتك صح، ما سبتكيش ولا دقيقة، فضلت لازقة جمبك في الأوضة وانتي نايمة، حتى مدرسة ولا درس كانت بتروح. عبست شهد لتسأل شقيقتها بتوبيخ: معقول الكلام ده يا رؤى؟ طب ومذاكرتك ومستقبلك، هتحلقي إمتى تلمي اللي فاتك؟ دا انتي ثانوية عامة يا بنتي؟ ردت رؤى بابتسامة تطمئنها:
والله بلم ومسبتش حاجة، كنت بذاكر وكل حاجة وباخدها أون لاين، طمن قلبك يا كبير. بادلتها شهد الابتسامة بارتياح ومزيد من الإعجاب، فرؤى هي الوحيدة من أسرتها من تثلج صدرها بأفعالها معها، رغم الجحود والنكران الذي تجده من الباقي. –طب إحنا كده لازم نتصل بالست مجيدة بقى. قالتها أنيسة لتسألها شهد باستفسار: ست مجيدة مين؟ هو انتي تعرفي الست مجيدة؟ تولت لينا الإجابة عنها:
ست مجيدة أم البشمهندس يا سيادة المقاول، دي جات مرتين تطمن وتسأل عليكي مع ابنها، دا شكله قلقان عليكي أوي. قالتها لينا وهي تطالع بمكر شهد التي تغير لونها، لتشوبه حمرة الخجل مع تذكرها للحلم الذي ساهم في استيقاظها. وقالت أنيسة بمرح: إيه يا ست شهد نتصل نطمن الست وابنها ولا لأ. بحرج خرجت كلماتها: أنا مش همنع طبعًا، بس يعني….. أنا بقول أرجع بيتنا بقى عشان الزيارات اللي من النوع دي. هتفت بها لينا بحزم:
بس يا بت انتي، انتي مش راجعة البيت غير بعد ما أعصابك تهدى خالص. وإن كان ع الزيارات، ف اطمني يا ستي، إحنا مانعين الكل ما عدا الست مجيدة وعبد الرحيم، دا بيجي يوميا دا كمان. ***
بعصبية كانت تعدو بخطواتها ليصدر كعب حذائها صوتًا مألوفًا، يلفت الأنظار إليها بملابسها اللافتة أصلًا، بضيق قميصها في الأعلى وقصر الجيبة في الأسفل. ولكنها اليوم لم تكن مهتمة، بل لا يعنيها الرجال في أي شيء، وهي مهددة في عملها والأهم من ذلك، هو ابتعادها عنه بعد أن لفظها بعنف رابطًا عودتها إليه بالوصول إلى هذه الفتاة. تبًا لها، لقد أصبحت تكرهها أكثر من أي شيء. ألا يكفي صورتها البراقة وحظها المضاعف من الدلال والجمال ورعاية الأسرة المحافظة لها، لتكون بهذا الغرور تناظرها من علو، وكأنها الصفحة البيضاء والتي تخشى على نفسها التلوث بالاقتراب منها.
توقفت فجأة بأعين الصقر، وقد رأت غريمتها من زجاج الكافتيريا، جالسة مع الأخرى صديقتها، يحتسين المشروبات الساخنة. بدون تفكير أو تردد اقتحمت وتقدمت حتى وصلت إليهن تلقي التحية: صباح الخير يا بنات ممكن أقعد. قالتها وجلست دون انتظار الإذن، تقبلت مودة تجيبها بمرح: أهلًا بيكي يا ميرنا طبعًا اقعدي. عقبت صبا متهكمة: تقعد فين تاني؟ ما هي قعدت يا ست مودة؟ –تقعد فين تاني؟ ما هي قعدت يا ست مودة؟
–لدرجادي انتي مضايقة من وجودي يا صبا؟ أنا واحدة ست عادية على فكرة، مش راجل عشان تكشي ولا تخافي منه، وبرضوا لو مضايقك وجودي؟ حالًا هقوم. قالتها وهي تنهض بمسكنة أثرت بصبا مع هذه النظرة المائلة في أعين مودة، فقالت ملطفة: خلاص يا ميرنا، موصلتش لدرجادي، اقعدي بقى. سمعت الأخيرة لتعاود الجلوس بأعين مترقرقة بالدموع. أجفلت صبا ومودة التي قالت بلهفة: ليه البكا يا ميرنا؟ رمقتها بحزن لتنقل بانظارها نحو صبا قائلة:
أصل صبا بتبصلي نفس النظرة اللي بشوفها في عيون ناس كتير، بيفتكروني ساهلة أو واحدة مش كويسة عشان متحررة في لبسي حبتين. قالت مودة بدفاعية: لا يا ميرنا متقوليش على نفسك الكلام ده، صبا أكيد متقصدتش كده والناس أساسًا ما بتسيبش حد في حاله. صمتت صبا تطالعها بريبة وعدم فهم، لتردف ميرنا: اتكلمي عن نفسك يا مودة لأن صبا شكلها بيقول غير اللي انتي بتقوليه خالص. هزت كتفيها الأخيرة بحرج لتجيب وهي تتناول كوبها وتدعي
الانشغال في الارتشاف منه: أنا طبعًا مقصدتش، وحكاية القبول دي من عند ربنا، بس حتى لو كان يعني، من المؤكد إنك بتبكي لسبب يخصك، أنا مليش دخل بيه. إجابتها العفوية كانت من الذكاء لتوقف ميرنا عن تصنع البكاء، لتبحث سريعًا عن رد آخر، والذي لم تغلب فيه.
–انتي عندك حق يا صبا، انتي مش السبب الحقيقي ولا حتى نظرة الناس اللي قولت عليها، دي كلها حاجات ورا السبب الحقيقي، أنا اللي واجعني هو الوحدة، يمكن مودة مقالتلكيش، أنا يتيمة الأب والأم، وخالي اللي رباني في بيته، رفع إيديه عني أول أما اتجوزت، ولما جوازي فشل واطلقت مرديش يرجعني لبيته، دا طردني كمان، وحظي القليل خلاني أطلق حتى في جوازتي التانية، عشان أقعد لوحدي في شقة طويلة عريضة، محدش بيسأل عليا، ولما أتعب محدش يحس بيا، ولما أموت برضوا محدش هيعرف بموتي….
ختمت ببكاء خرج هذه المرة حقيقيًا، فبدون أن تقصد، وجدت نفسها تصف حالتها بالفعل. ظهرت الشفقة على وجه الفتيات، وربتت مودة على كفها بدعم. أما صبا التي طالعتها لأول مرة ببعض التفهم، فهي ليست بحجر حتى لا يؤلمها كلام المرأة، حتى لو كانت بهذه الهيئة التي تصنفها داخلها بالابتذال، فربما هذه الهيئة تعوض النقص بداخلها، نقص الاهتمام بلفت النظر إليها. فقالت برقة:
خلاص يا ميرنا، أنا آسفة لو كنت جرحتك بأسلوبي الناشف، بس دي طبيعتي، تقدري تقولي عليا دبش في كلامي واسألي مودة. سمعت الأخيرة لتهتف بحماس: دا صحيح يا ميرنا والله، البت دي ياما ادتني على دماغي، أصلها صعيدية وطبعها زي السيف قاطع من غير رحمة. عقبت صبا بدهشة: أنا برضو معنديش رحمة؟ الله يسامحك.
ضحكت مودة بعفوية جعلت صبا تتغاضى عن وصفها، أما ميرنا فعلى الرغم من شعور الانتشاء الذي اكتنفها وقت الاعتذار، إلا أنه قد تلاشى سريعًا عقب كلمات مودة، فقالت لتستغل هذه اللحظة سريعًا: طب مدام اتصالحنا واتفاهمنا خلاص، ياريت تجبروا بخاطري وتحتفلوا معايا….. أصل أنا النهاردة عيد ميلادي، وكان نفسي أقضيها ولو مرة واحدة مع حد. هتفت مودة لتهتف بمرح:
ودب فيها كلام، دا إحنا هنحتفل معاكي ونخليها ليلة تحلفي بيها العمر كله، جهزي نفسك انتي بتورتة كبيرة، وزيني البيت بالبلالين…… استني عندك يا مودة، بيت إيه؟ أنا مبروحش بيوت حد. هتفت بها صبا مقاطعة بحزم جعلها تبتلع الباقي من كلماتها. وجاء الرد من الأخرى: انتي مش عايزة تيجي صبا؟ …… براحتك. قالتها لتطرق رأسها بمسكنة، كتمت صبا زفرة الحنق بداخلها، ثم لترد مصححة:
أنا مقولتش إني مش عايزة أحضر، بس أنا مواعيدي بحساب، وخطوتي بحساب، يمكن لو في مكان عام.. –يعني هتحتفلي معانا لو في مكان عام؟ صمتت قليلًا بتفكير وقد أجفلها سرعة الرد، لتومئ بهز رأسها، قائلة: أيوة بس بصراحة لو بعد المغرب يبقى انسي، دا من رابع المستحيلات عندي أبويا الخروج لوحدي في الوقت ده.
عضت ميرنا باطن خدها لتكتم غيظها، وهذه الملعونة لا تكف عن إضافة الشروط التعجيزية لتيأس منها، بعد أن وصلت أخيرًا لنقطة من التفاهم معها، وهي أبداً لن تتراجع للخلف: خلاص يا صبا، نخليها بعد الشغل وفي مطعم قريب من هنا، واهو يبقى احتفال وخلاص، المهم الذكرى. ***
عادت أخيرًا للحارة التي تقطن بها، عادت بعد أن اطمئنت، لتلج بداخل المبنى، تتلقي تحية الجيران وأسئلتهم عن شقيقتها، فغياب يومين أثار الشكوك والقلق على صحتها، مع هذا الصمت والردود المبهمة من والدتها وأمنية أيضًا. ببشاشة وتسامح كانت تجيب الجميع وتطمئنهم، حتى وصلت إلى المنزل، لتفاجأ به.
بوسط المنزل كان جالسًا بحرية واضعًا قدم فوق الأخرى، وقد أتى اليوم قاصدًا بتحدي للجميع، مواجهًا نظرات الاستنكار والغمز واللمزات من الجيران خلف ظهره، مستغلًا لهفة الأخرى لزيارته، وضعف خالته في الاعتراض: –انت بتعمل إيه هنا؟ سالته بشجاعة غير آبهة بالنظرة النارية التي رمقها بها فور دخولها المنزل، وجاء الرد من أمنية: –طب ارمي السلام الأول، بدل ما انتي داخلة أفش كده، تتحفينا بالدبش بتاعك، وانتي غايبة ليلتين عن البيت.
وكأنه الهواء مر بجوار أذنها ولم تشعر به، تابعت رؤى للآخر، بتجاهل تام لشقيقتها: –أنا بسألك، جاي بيتنا ليه؟ لسه لك عين بعد الفضيحة تدخل البيت ومن غير صحابه كمان؟ إلى هنا وانتفض هاتفًا بغضب نحوها: –صحابه مين يا بت؟ هي أمك ولا أختك دي مش من صحابه؟ ولا هي المحروسة عملالك غسيل مخ، ومفهماكي إنكم ضيوف؟ طبعًا ما انتو هبل وتستاهلوا الضحك عليكم. بغضب عاصف صاحت أمنية: –مين هما اللي يضحك عليهم؟ إيه اللي انت بتقوله دا يا إبراهيم؟
وانتي يا بت انتي لمي نفسك أحسن لك. ردت هذه المرة رؤى لتواجهها بندية غير متكافئة على الإطلاق بهذا الفرق الشاسع بين الجسدين، في الطول والوزن: –والم نفسي ليه؟ مش لما تلميها انتي الأول، بقى بعد الفضايح وكل اللي حصل لأختك، توصل بيكي البجاحة، تدخليه البيت وتحطيله الكيك والساقع كمان، طب كنتي اسألي عن اختك التعبانة أولى، ولا هو غاب القط العب يا فار. –فار في عينك قليلة الأدب. صرخت بها إمنيه لتخرج والدتها إليهم سريعًا
تقول بلهفة وارتباك: –إيه اللي بتقوليه دا بس يا رؤى؟ ابن خالتك جه يسأل ويطمن، ودول مخطوبين ومش لوحدهم، أنا قاعدة في المطبخ جوا بحضر الغدا. ردت رؤى باستهجان وقنوط: –يعني انتي كمان بتحضري له الغدا، أنا خلاص معدتش أستغربك يا ماما، بس كان عندي أمل إنك تراعي حتى نظرة الناس ولا كلامهم بعد اللي حصل. –واللي حصل دا كان بسبب مين؟ مش بسببك. هتف بها إبراهيم ليتابع كازًا على أسنانه:
–لو في فضايح يبقى انتي السبب فيها، أنا كنت بدافع عن سمعتكم، وحقكم من اللي أكلوه منكم، لكن انتي اللي لميتي الجيران بصويتك. قالت رؤى بنظرة كاشفة وبسخرية صريحة: –وانت بقى يا عم إبراهيم اللي هتدافع عن حقنا ولا سمعتنا، إنت يا إبراهيم؟
استشاط الأخير غضبًا، ليخرج دخان حارق من أذنيه ومن فتحتي منخاره يود القفز بكفيه على رقبة هذه الصغيرة أو تلقينها بالضرب درسها لن تنساه عقابًا للاستهزاء منه، وهي الصورة المصغرة من غريمته. فتدخلت أمنية بحمائية عنه تدافع: –إبراهيم مكدبش لما قال عنك قليلة التربية، انتي فعلًا عايزة تربية من أول وجديد، ولو ما لميتي نفسك دلوقتي حالا، لعملها واكسب ثواب تربيتك.
قالت الأخيرة وهي تشمر أكمام ذراعيها الغليظان بتهديد أثار ابتسامة متسلية على ثغر رؤى، برد فعل غير مبالي، حتى صاحت والدتها بتوبيخ: –عيب عليكم يا بنات، إحنا مش ناقصين فضايح أكتر من كده، لموها بقى. بعدم اكتراث لتزيد من غيظهم بفعل طفولي، تحركت رؤى متمتمة: –أنا داخلة أوضتي أجيب لي هدمتين عشان أرجع تاني عند أختي حبيبتي، عند لينا العسل ووالدتها، دا كفاية الحلويات اللي بتعملها طنت أنيسة يا ناس.
ب سلبية اعتادت عليها، نفضت نرجس كفيها يسأم، قبل أن تذهب نحو المطبخ، لتراعي إعداد الطعام تاركة أمنية، وقد اشتدت ملامحها وتعقدت بخطوط طويلة لغضب حارق تتابع أثر شقيقتها. فعقب إبراهيم ليزيد عليها بفحيح: –شايفة الفُجر، بتتكلم كده عشان ضامنة نفسها، حبيبة أختها دي، مش زيك، أهي دقني اهي إن ما طلعتي من المولد بلا حمص. ***
لا تقوى على النظر في عينيه، تخجل من نظراته المصوبة نحوها دون تحفظ كعادته. هذه المرة غير كل مرة، هذه المرة أكثر جرأة أكثر فرحًا بعودتها، وجلوسها أمامه. هذه المرة ترى كلامًا على صفحة وجهه غير منطوق، ولا تعلم تفسيره، وكأنه اتفق مع حلمها اليوم ليزيدها حرجًا، ويزيدها ارتباكًا. ما بالها؟ وما هذا الذي يحدث معها؟ وما صفة هذا الرجل ليأخذ كل هذه المساحة من التفكير بعقلها؟ –شهد. سمعت بإسمها لتلتف برأسها وتجيب صاحبة الصوت:
–أيوة، أيوة يا لينا. ردت الأخيرة: –يا حبيبتي أنا بسألك، لو تحبي تشربي شاي زي الجماعة؟ أجابتها بارتباك: –لأ يا لينا، بس لو هتعبك، ياريت خليها قهوة. عقبت مجيدة: –قهوة! قهوة ليه يا بنتي؟ اشربي عصير ولا حاجة مفيدة لصحتك. خرج صوتها بضعف: –لأ ما أنا اتعودت عليها، بحبها وبتعدل مزاجي. –دي بتدور على مزاجها يا ماما، محدش يلوم المقاول على مزاجه.
قالها حسن بتفكه جعل الجميع يضحكون، لتبتسم هي بخجل أصبح يزداد في حضوره، واستغراب من نفسها بدأت تشعره داخله، حتى أصابها التوتر، وقالت في محاولة لتغير دفة الحديث نحو الجهة الآمنة لها وهي العمل: –أنا كلمت عبد الرحيم وقالى إن اللي فاضل على استكمال الموقع يدوب أسبوع بكتيره، وتستلمه انت بعدها. أن يرد ولكن أنيسة سبقتها: –خلاص يا شهد مش قادرة تصبري ع الشغل، يا بنتي ريحي دماغك شوية، خدي بريك على رأي لينا. سمعت الأخيرة
لتدلي بقولها هي الأخرى: –دي مفيش فايدة منها يا ماما، مخها اتبرمج ع الشغل وبس. أضاف على قولها حسن: –عندك حق يا لينا، دي أكيد بتحلم بالأرقام والمساحات وأجور العمال. على ذكر الحلم برقت عينيها فجأة باستدراك، والصور تتوالى برأسها، لتبتلع ريقها بتوتر، وكأنها في عالم موازي، تتبادل ضحكاتهم ومُزاحهم المتواصل بالابتسام دون تركيز، حتى سألتها مجيدة: –يعني النهاردة مش شايفة البت رؤى، هي راحت فين؟ ردت تجيبها:
–راحت البيت عندنا، تجيب لي وتجيبلها كام غيار من الهدوم، الظاهر كده إن قعدتنا مطولة. قالت الأخيرة بمشاكسة جعلت لينا تناظرها بابتسامة مفهومة، فضحكت مجيدة قائلة: –أقول الحق يا شهد، بصراحة أنا من ساعة ما دخلت هنا وأنا حاسة البيت ده انتي جزء منه، واكنهم عيلتك بالدم، مش مجرد صحاب. –دا حقيقي والله، أنا بحس كده فعلًا. قالتها شهد لتضيف على قولها أنيسة:
–شهد اتربت هنا مع لينا، يوم بيوم وسنة بسنة بتكبر قدامي، دي كانت هتبقى مرات ابني، ورمزي كان بيموت فيها. –رمزي مين؟ خرجت من حسن الذي اشتعلت الدماء برأسه واحتدت عينيه بشكل ظاهر. ردت لينا بعفوية: –رمزي ده يبقى أخويا. أضافت على قولها أنيسة بتسلية تشير على الإطار المعلق على الحائط: –شايف صورة الواد الحليوة أبو عيون فيروزي وشبه لينا ده، اهو ده بقى رمزي.
بوجه شاحب تطلع لصاحب الصورة الوسيم بحقد، وقبل أن يتابع أسئلته سبقته مجيدة التي انتابها القلق هي الأخرى: –طب وإيه اللي حصل؟ ليه مكملتش الجوازة يعني؟ –اتوفى. قالتها أنيسة بابتسامة باهتة أجفلت حسن ومجيدة التي أصبحت تردد بالكلمات الروتينية الداعمة والمترحمة بتأثر، قبل أن تنتبه على الوقت لتنهض باستئذان: –طب إحنا نقوم بقى يا جماعة كفاية كده. قالت أنيسة بمودة حقيقية للمرأة: –وتمشي ليه يا ست مجيدة؟
ما تخليكي قاعدة ومونسانا، دا انتي عشرية وأنا ارتحتلك بجد والله. كلمات المرأة أثلجت قلب مجيدة لتبتسم لها بابتهاج قائلة: –مش أكتر مني يا ست أنيسة، أنا بقيت حاسة إني أعرفكم بقالي سنين. تدخل حسن الذي نهض على غير إرادته لكن مضطر: –ربنا يديم الود ما بينكم، بس إحنا لازم نمشي مدام اطمنا على شهد. نطق اسمها لتلتقي عينيها بخاصتيه بعناق سريع، قبل أن يتابع بتنهيدة من العمق: –أنا عندي اجتماع مهم في المصلحة ولازم أحضره.
–مكشوف مكشوف مكشوف. غمغمت بها مجيدة داخلها وعينيها تتابع ملامح أنيسة المبتسمة بمكر، قبل أن تجفل على قول لينا: –طب هو وراه المصلحة، انتي وراكي إيه طنت مجيدة؟ خليكي معانا اتغدي دي ماما أكلها يجنن وتموت في اللمة، واهو يا ستي نردلك العزومة بتاعتك ولا انتي نسيتي؟ المجنونة، المتقلبة المزاج، من يراها في الشجار مع ابنها كالقطة الشرسة، لا يصدق هذه الرقة والوجه الصبوح الآن. كان هذا الحديث الدائر داخل مجيدة، بعد
أن استجابت لطلبهم قائلة: –لأ يا حبيبتي ولا عمري أنسى، خلاص يا حسن روح انت. ذهب الأخير ليترك والدتها مع هذه الثلاث نساء، لينا وشهد وأنيسة التي لم تكف عن الترحيب بها وإدهاشها بكم الحلويات التي تجيدها، لتقضي معهن وقتًا لا يستهان به من المرح، وعقلها الدائر بالأفكار يتساءل كالمنبه يذكرها: –ماذا بعد؟ ماذا بعد؟ تدراكت فجأة لتقول بمكر: –يا لهوي صحيح، أنا قاعدة معاكم وناسية نفسي، عندي دوا لازم أخده قبل الغدا.
تطوعت أنيسة تجيبها: –قولي اسمه يا ست مجيدة وأنا أتصلك بالصيدلية تجيبه. باعتراض سريع ردت مجيدة: –وأجيب غيره ليه، ما أنا أتصل بابني يجيبه معاه في طريقه وهو رايح على شغله، حكم دا ميعاده، تقبلي يا لينا بحضرة الظابط يجيب لي الدوا؟ أجفلتها بالسؤال كما فاجأت أنيسة أيضًا لتجيبها باستسلام وهي ترتب الطاولة مع شهد: –اتصلي بيه يا طنت، أكيد طبعًا مينفعش تأخري الدوا بتاعك. بابتسامة النصر، تناولت مجيدة الهاتف على الفور تتصل بابنها:
–ألوو يا حضرة الظابط ممكن خدمة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!