الفصل 41 | من 43 فصل

رواية و بها متيم انا الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم امل نصر

المشاهدات
28
كلمة
7,643
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

يعني كدة الموضوع اتحل؟ تساءلت مجيدة بعد انتهاء وجبة الطعام، وسرد حسن وشهد لسبب تأخرهما، وذلك في الجلسة العائلية التي ضمت الجميع. جاء الرد من الأخيرة: تقدري تقولي الدنيا هديت شوية، بعد ما انكشفت الحقيقة قدامهم. عم أبو ليلة وولاده كانوا مصممين يرجعوا بيها ع الصعيد، وطبعًا محدش يقدر يلومهم، دي ناس طبعها حامي ولا يمكن يتحملوا حد يجيب سيرة بنتهم. عقب حسن بابتسامة ماكرة وبيده يعطيها طبقها من الحلوى:

لا بس صبا لقت اللي يدافع عنها بشراسة. الجدع جارهم دا ما بيتحملش عليها كلمة، جايب صاحبتها تشهد باللي سمعته وعمال يدقق ويفند في الدلائل، وكأنه بيحاضر في قضية حياته. دي أول مرة أشوفه، بس بصراحة عجبني. تبسمت شهد وقد فهمت ما يقصده، وقد وصلها هي أيضًا نفس الشعور، فتدخلت أنيسة قائلة: عشان بنت ناس وطيبة، ربنا وقف لها ولاد الحلال. هي دي برضوا حد يصدق عليها كلام زي ده؟!

عقبت نرجس لتظهر شخصيتها بينهم، بينما فمها ممتلئ بقطع الحلوى التي كانت تأكل منها: بيصدقوا يا أختي وبيقولوا أكتر من كده. طول ما الصورة تنزل على النت، لازم البت يمسكوا سيرتها ويعيدوا ويزيدوا عليها. بس هي برضوا غلطانة، مكنتش اتصورت مع الراجل ده من الأول، أهي جابت لنفسها المشاكل. قالتها ببساطة أزعجت شهد، حتى تقلصت ملامحها وبدا عليها حرج ممتزج بحنقها. فقال حسن مصححًا بحلم: يا ست نرجس، هو انتي ما خدتيش بالك ولا إيه؟

ما إحنا شرحنا وقلنا إن الموضوع كله كان لعبة من واحدة عايزة تأذي البنت. ولا انتي ما خدتيش بالك من بداية الكلام؟ ناظرته بعدم تركيز تجيبه بتلجلج: هاا، يمكن أكون ما خدتش بالي صح. قالتها وعادت لطبقها وكأن شيئًا لم يكن، لتزيد من استياء الأخرى، بالإضافة إلى الحرج الذي اكتنف ابنتيها، حتى أمنية شعرت به. فردت رؤى:

الحاجات دي بتحصل كتير يا ماما. دا أنا عرفت واحدة كانت زميلتي في المدرسة، رقصت في فرح ابن خالتها عادي يعني، تاني يوم لقت الفيديو بتاعها متشير ع النت وفضيحة بجلاجل. يا ساتر يا رب، ربنا يكفينا شر ولاد الحرام. دمدمت بها مجيدة والآخرون. فعادت شهد للموضوع الأصلي موضحة: عندك حق طبعًا يا رؤى، بس على فكرة بقى لو مكنتش صبا على حق، مكنش عدي عزام بجلالة قدره راح لها البيت بنفسه عشان ياخد بخاطرها. بتقولي مين؟

قالها أمين بإجفال حتى إن الطبق اهتز من يده بشكل لفت الأنظار إليه، وبالأخص لينا التي رمقته باندهاش، وهو يتابع سؤال الأخرى بفضول يشوبه الاستنكار: انتي متأكدة إنه عدي عزام نفسه يا شهد؟ طب إزاي؟ هو لدرجادي متواضع كدة عشان يروح بنفسه لبيت موظفة ويراضيها؟ قالها بحدة زادت من ارتياب الأخرى. وأجاب على أسئلته، رد شقيقه بتخمين:

مش لازم يكون عشانها، يمكن بص لسمعته هو مثلًا. عموماً، إحنا سيبناه ومشينا، وأكيد أبو ليلة هيبقى عنده تفسير لما نسأله. تكلمت مجيدة لتنهي الجدال: خلاص يا جماعة سيبونا من السيرة دي وخلونا في القعدة الحلوة. ولا الحلو اللي عمل الحلو، تسلم إيدك يا أنيسة. انتي بتعملي الحاجات دي إزاي يا ولية انتي؟

قالتها وانطلقت كلمات الإستحسان من الجميع نحو المرأة وما صنعته من أطباق رائعة المذاق، وهي تبادلهم الرد بذوق. حتى انتبهت على انشغال أكبر مشجعيها عنها، فقالت بمشاكسة: آه بس ظاهر كده قصرت في حاجة ومش كل الناس عجبها الحلو. إيه يا حضرة الظابط دي مش عوايدك يعني؟ انتبه من شروده لينفي بحرج قائلًا: لا إزاي بس؟ يا نهار أبيض، دا انتي حلوياتك تجنن ولا يعلى عليها. أنا بس دماغي لفت في حاجة كده شغلتني لحظات.

سلامة دماغك يا حضرة الظابط. صدرت من لينا بتهكم لا يخفي حنقها، وبهيئة لفتت الأنظار حولها، لتغزو محياه ابتسامة مشاكسة في الرد عليها: الله يسلمك يا رب يا حنينة. ردت بضحكة سخيفة رافعة طرف شفتها بامتعاض جعله يبادلها مقهقهاً.

مجيدة والتي كانت تراقب بصمت وبقلب يخفق بالفرح، تشعر بقرب ما تتمناه دون جهد منها، فضلت عدم التدخل والانتباه لباقي ضيوفها حتى وقعت عينيها على أمنية والتي كانت هادئة ساكنة، على عكس الفكرة التي أخذتها عنها سابقاً. فاقتربت لتجلس بجوارها، وتقدم لها طبقاً آخر قائلة: إيه يا قمر مبتاكليش ليه زيهم؟ ولا انتي كمان مش عاجبك الحلويات. تبسمت تجيبها بامتنان: لا طبعاً إزاي بس؟

أنا أخدت حتة صغيرة، عشان بس مش عايزة أزود السكر، وأزيد أكتر ما أنا زايدة. لكزتها بخفة لتعطيها الطبق قائلة بغمزة بطرف عينيها وبتباسط يقرب المسافات: يا عبيطة خدي وأجلي الرجيم بعدين، القعدة الحلوة بين الحبايب ما بتتعوضش. دوقي واتمتعي بعمايل خالتك أنيسة، هو إحنا كل يوم بنلاقي حاجة كده. خدي بقى ومتبقيش عبيطة. لم تقوى على الرفض، فتناولت منها، مستجيبة لعرضها المغري، تتذوق بشهية واستمتاع قائلة: حلو قوي.

والنبي انتي اللي حلوة. تفوهت بها وهي تباغتها بقبلة على وجنتها بعفوية، وكأنها شيء عادي بالنسبة لها، ولا تعلم بتأثير فعلتها البسيطة على الأخرى، فقد كانت في أشد الحاجة للفتة اهتمام بصدق، تشعرها أنها محبوبة بحق، بعيداً عن محيطها العائلي من والدتها وشقيقاتها. *** بابتسامة تعلو ثغرها ورأسها تتحرك بعدم تصديق، تطالع بمرح شقيقها الذي كان في حالة من الشرود اللذيذ بالنسبة لها، فتعيد عليه السؤال للمرة الثانية بإلحاح:

انت بتتكلم بجد، أوى تكون بتضحك عليا يا شادي، أزعل وربنا. نظر إليها وافتر ثغره بضحكة مقهقهة، ضاربًا كفاً بالآخر، ليرد: يا بنتي انتي مجنونة؟ أحلفلك يعني عشان تصدقي؟ ما هو دا اللي حصل بالفعل والله. إيه بس اللي يخليني أكذب؟ فردت كفيها أمامه بإشارة مفهومة لتقول: ما انت لازم تعذرني برضوا، كون صبا قالتها بالجرأة دي دا معناه...... توقفت لتزيل دمعة من طرف عينيها، صدرت مع نبرتها المشبعة بالفرح:

معناه إنها حبتك يا شادي، أنا خلاص بقيت متأكدة منها دي. بس المشكلة دلوقتي بقت في أبو ليلة، تفتكر هيوافق؟

اهتزت كتفاه أمامها مع مط شفتيه بعدم معرفة بسكوت قلق، قبل أن تستعيد النفس سكينتها بتذكر ما حدث منذ قليل حينما غادر عدي عزام، لتخلو الجلسة على أربعتهم في مواجهتها وشادي الذي كان في حالة من الذهول الشديد لدرجة جمدته على كرسيه كالتمثال بأعين ثابتة لم تحيد عنها مطلقاً، من وقت أن ألقت قنبلتها بوجه الجميع. ليأتي الآن وقت الحساب من والدها وشقيقيها بعد التزامهم أقصى درجات ضبط النفس حتى انصراف الآخر، وكان فراج هو المبادر

بسؤاله بلهجة متهكمة: نفهم من كده يا أستاذ شادي إنك خاطب المحروسة واحنا مش دريانين؟ ها. تمتم بها بتركيز منعدم، وتكلفت هي بالرد: متكلموش هو، خلي كلامك معايا، أنا اللي جولت، الراجل مذنبوش حاجة. خرج حجازي عن حكمته ليعقب بغضب: نعم يا عين أخويا؟ انت اتخبلتي ولا اتجنيتي يا بت؟ ليه وأنا عملت إيه لدا كله؟ قالتها بتساهل جعل والدها يهدر عليها بحزم يوقفها:

اتعدلي يا صبا، واتكلمي عدل مع إخواتك، ولا انتي مش دريانة بالنصيبة اللي عملتيها؟ أضاف عليه حجازي ساخراً: دي كمان بتسأل عملت إيه يا بوي؟ ردت ع الراجل في حضورنا ومن غير ما تعمل لحد منا احترام، وادعت نفسها مخطوبة لواحد غريب عنينا. أنا اللي عايز أعرفه دلوك، الراجل دا اللي جاعد وسطنا وكأنه واحد من العيلة، صفته إيه ما بينا؟ قالها بإشارة نحو شادي الذي بدأ يستعيد توازنه ليرد نافياً بحرج، لهذا الموقف الذي بوغت به:

أنا مليش صفة وسطكم، أنا جاركم وبس والله، والكلام اللي قالته صبا ده أنا متفاجئ بيه زي زيكم. عشان مألفاه من مخي. قالتها بثبات تحسد عليه، وكأنها غير مبالية بعواقب فعلها، فالتفت جميع الرؤوس نحوها، بأعين نارية وأخرى متسائلة. فتابعت بتماسك ينبع من غضب مكتوم بداخلها:

أنا عملت كده عشان أقطع عليه الطريق من أولها، متأخذنيش يا بوي ولا تعتبره تعدي عليك أنت ولا إخوتي، بس الراجل اللي كان هنا ده متجوز ومعاه ولدين، وبيقولك جاي يخطبني بعد الكلام والحديث اللي اتذاع عليا وعليه. يعني الموضوع اللي إحنا بجالنا ساعات بنلت ونعجن فيه، أنا بجى مجبلتهاش لنفسي مع واحد من عيال عمي زي ما كان إخواتي مخططين من شوية، يبجى هجبلها مع ده؟

حديثها كان به شيء من المنطق خفف من حدة التوتر قليلاً، مع بدأ استيعابهم لوجهة نظرها. فجاء الرد هذه المرة من والدتها والتي رمقتها بأعين كاشفة وقد ترستخ الفكرة بداخلها: حتى لو كان يا صبا، برضوا مكنش يصح تدخلي اسم الراجل في حاجة محرجة زي دي، ولا انتي مش واخده بالك من غلطك في حاجة كمان.

ذكاء المرأة لا يقل إطلاقاً عن ابنتها، هذا ما استنبطه بعقله، وقد رأى بأم عينيه حجم الارتباك والاضطراب الذي انتاب صبا في بحث عن رد مناسب. ليستغل هو وقد جاء دوره الآن بالتقاط الفرصة الذهبية، والتي أتت على طبق من ذهب بفضل لباقته المدهشة في ضرب عدة عصافير بحجر واحد. أنا مكنش قصدي أورطه طبعًا، بس هي جات كده معايا لما لقيته جدامي. ما هو مش معقول يعني هقول إن مخطوبة لحد من خواتي طبعًا؟

قالتها بطريقة بدت كالمزحة، أثارت امتعاض شقيقيها لتتابع بجدية موجهة الحديث نحوه: أنا آسفة يا مستر شادي. أخفى بصعوبة ابتسامته، رغم إشراق وجهه الذي بدا ظاهراً بوضوح أمامهم، ليرد على قولها: مفيش داعي للاعتذار يا صبا أنا مش زعلان أساساً، بل بالعكس. توقفت ليردف نحو والدها وشقيقها:

أنا عارف إن الوقت ممكن يبقى مش مناسب، بس بصراحة بقى مينفعش أنتظر أكتر من كده. عم مسعود، أنا بطلب منك إيد صبا رسمي وأتمنى من كل قلبي إنكم توافقوا على طلبي، ودا بغض النظر طبعاً عن أي كلام أو شيء حاصل. أنا يبقى ليا الشرف لو ناسبتكم. ***

دلف لداخل جناحه بخطوات وئيدة متثاقلة، حتى وصل لأريكته، فارتمى بجسده عليها بانهزام، ألقى بسلسلة مفاتيحه على المنضدة الصغيرة بجواره، ليتمدد مستلقياً بإحباط، أنفاسه تخرج بخشونة، وقد نال منه شعور التعاسة حتى أفقدته كل معاني الأشياء الجميلة من حوله. هذه الصفعة التي تلقاها منها وأمام الجميع حينما رفضته وبكل ثقة، مفضلة هذا النكرة عنه، هو من يحرك بطرف إصبعه الصغير جيوشاً من الرجال والنساء التي تعمل تحت إمرته، يأتي هذا اليوم فيتساوى بمن هو أقل منه في كل النواحي.

ما الذي يميزه عنه؟ ما الذي جذبها في شخص عادي مثله، حتى يغشى بصرها عمن هو أعظم مكانة، وأوسم خلقة، بل وأصغر سناً، والأهم من كل ذلك؛ نظرة البغض والكره التي كانت تطل من عينيها اليوم، هو ليس بالغبي حتى يغفل عن إشارات العداء في نظرة موجهة نحوه، النبرة المحددة في حديثها إليه... انتفض فجأة متذكراً ما تفوه به هذا الملعون عن ذكر مكالمة سمعتها الملعونة الصغيرة الأخرى من... ميرناااا، يا بت ال.......

دمدم بسبة وقحة مع استدراكه المتأخر، أنها المتسببة في ما حدث بالإضافة إلى هذه الشائعة المغرضة والتي زادت من تضخيم الأمر سوءاً. عاد يغمغم متوعداً: أقسم بالله لاربيكي وأندمك عليها. *** انتي كنتي عارفة إن الواد ده هيتجملك يا بت؟ سألها بنظرة ثاقبة متمعناً في النظر إليها، بشكل كان يثير بقلبها الجزع، ورغم هذا تمكنت من الرد بتماسك مذهل: وأنا كنت هعرف منين يعني؟ ما على يدك يا بوي، كل حاجة جأت على غفلة.

عاد بظهره للخلف وتفحص النظرات بريبة ما زال قائماً، فتدخل حجازي قائلاً: بس دا شكله كان مستنيها يا جلب أخوكي، ما صدج وجاتله الفرصة. عموماً هو كان باين عليه من الأول، ما هي الحمجة اللي كان بيتكلم بيها دي، تبين جوي إنها مش مسألة جيرة ولا شغل وبس. عقبت تنفي التلميح المبطن من خلف كلماته: الكلام ده هو اللي يتسأل عنه، أما أنا بجي عارفة نفسي زين، لا عمري عشمت حد ولا حتى اتلونت بنص كلمة، ولا انتوا مش عارفين بتكم؟

لا عارفينها يا ست صبا، عارفينها زين جوي. قالها والدها بلهجة لم تريحها، وتابع يزيد من توترها: لكن اللي عايزين نعرفه دلوك، إيه رأيك انتي بقى فيه؟ ردت مستهبلة، تدعي عدم الفهم: رأيي في إيه؟ استفزه الرد فقال محتدًا: ردي ع السؤال عدل يا بت، انت عارفة قصدي. ابتلعت ريقها بتوتر غلف ملامحها الجميلة، ممتزجاً بخجل تجاهد لإخفائه، وتعلثمت قليلاً حتى استطاعت إخراج صوتها، متصنعة عدم الاكتراث: أنا مليش رأي طبعاً، الرأي رأيك أنت.

يعني مرفضتيش على طول يا ست صبا زي ما بتعملي كل ما نجيبلك سيرة أي حد من عيال عمك؟ هتف بها فراج يجفلها، وقد أتى فجأة من الداخل لينضم معهم وبدون سابق، أثار بفعله حنقها. فردت كازة على أسنانها: ويعني شوفتني دلوك وافجت؟ ثم انت عارف من الأول كمان مشكلتي من الجواز في البلد أو لأي فرد من عيال عمي. جادل يصيح غاضباً بها: ومالهم عيال عمك يا بت؟ دا انتي تحمدي ربنا لو لجيتي حد منهم يرضى بيكي؟ قابلت صيحته بأخرى ساخطة،

وقد استفزها بقوله: عن ما حد فيهم رضي، ولا انت فاكرني هتأثر بالحكيوة اياها دي؟ لا يا حبيبي، طول ما أنا واثقة في نفسي زين، ميهمنيش أي حد. وطي صوتك يا بت. هدر بها حجازي وتابع بأمر للآخر كي ينهي الشجار من أوله: وانت كمان يا فراج، جفل على كده خلينا في اللي إحنا فيه. وايه هو اللي إحنا فيه يا واد أبوي؟ دي رفضت عدي عزام، عارف بجى ده يبقى مين؟

ده يبقى أخو مصطفى عزام اللي بإشارة منه يجدر يشتري بلدنا والمحافظة بحالها، ولا انت متسمعش عنه؟ ردد خلفه والده باستنكار ينهي الجدال بحزم: يسمع ولا ما يسمعش، الموضوع ده خلص وانتهى على كده. أنا أساساً كنت هرفض على طول من غير تردد ولا حتى خدت مشورة منيكم، يروح هو لمرته ولا لصاحبة النصيب، وخلونا إحنا في اللي إيدينا.

وايه هو اللي في إيدينا دلوك يا بوي، هتوافق ع المحروس اللي اسمه شادي، ولا نرجع لمرجوعنا الأساسي، ونجوزها لحد من عيال عمنا؟ قالها حجازي بتساؤل، واعترضت هي قائلة: تاني هتجول عيال عمي، ما جولنا فضيناها يا واد أبوي، وانتوا عارفين رأيي من الأول ..... قاطع فراج استرسالها وبصراحته الفجة سألها: يعني عايزة شادي؟ أجفلها حتى تخضب وجهها بحمرة الخجل، ومع ذلك حافظت على واجهتها اللا مبالية، لتنهض عنه بسأم قائلة:

أنا جاية وسايباها لكم خالص، أصل شكل فراج مش عايز يجيبها لبر معايا النهاردة واصل. تركتهم وذهبت لغرفتها، فعاد حجازي لسؤال والده: وبعدين يا بوي رسيت على إيه؟ زفر يطرد كتلة كثيفة من الهواء مشبعاً بحيرته، وظل صامتاً لعدة لحظات بتفكير حتى ارتفعت رأسه نحو زوجته التي تتابع منذ البداية دون تدخل، فقرر توجيه السؤال إليها: وانتي رأيك إيه يا زبيدة؟ رمقته بنظرة يفهمها جيداً، حينما دخل لعقله وتعلم ما يدور بداخله،

لترد بعدها بإجابة مبهمة: الرأي رأيك يا أبو حجازي، ومدام مرفضتش من أولها كعادتك مع أي واحد غريب، يبجى خد وجتك في التفكير زين عاد! ***

على المقعد المجاور للسرير الطبي المستلقية عليه بلا حول لها ولا قوة، كان جالساً بترقب موجع، لا ينفك عن النظر إليها أو السهو عن مراقبتها ولو لحظة. لقد كاد أن يفقدها منذ ساعات قليلة، ولولا حكمة القدر التي جعلته يحضر ويرى بنفسه نتاج الإثم الذي يفعله، ثم يلحق بإنقاذها على آخر لحظة، وإلا كانت ذهبت للعالم الآخر، كي يعيش بذنبها ولتعاسته محرومًا منها. فرق دقائق، لا بل ثواني، ثواني فقط هي التي فصلت بين الحياة أو الموت.

عاد بذاكرته قبل عدة ساعات.

وقد كان مغادراً من مطعم الوجبات السريعة، وفي طريقه إلى العودة، وإذا به يجفل بسيارة غريبة، تقطع الطريق الذي حادت عن مساره الطبيعي وبالسرعة الفائقة متجهة نحو سيارته، لقد ظن في البداية أن قائدها مخمور، أو به شيء ما، ولكن مع استشعاره للخطر، ألقى ما كان يحمله بيده من طعام أو مشروبات ليركض نحوها، وقبل أن يستوعب أو تصدر صرخته، صعق مذهولاً وهو يرى السيارة المعتدية تضرب بقوة جانب السيارة التي داخلها زوجته، بدفعة غاشمة جعلتها

تتدحرج أمامه وكأنه بمشهد سينمائي. جحظت عيناه وقد وقع قلبه بين قدميه متخيلًا نهايتها، ولكن مع صرخات البشر من حوله، والصرخات على قائد السيارة الذي كان يتحرك للهرب وقد أنجز مهمته، استفاق سريعاً ليتناول سلاحه الناري المرخص أسفل سترته من الخلف، والذي يستعين به عادة كحماية في غياب رجال حراسته، ليصوب به سريعاً نحو العجلات في الأسفل حتى استطاع بمهارة أن يوقفها ويترك أمرها للبشر التي التفت حول الجناة من أجل الإمساك بهم. وبقلب

وجل ذهب نحو الأهم، وهو زوجته، وقد اتجهت إليها مجموعة أخرى من أجل إخراجها.

كيف له أن يصف شعوره وقتها؟

وقد كاد أن يموت من الرعب والخوف عليها، وحين رآها سالمة بصورة ظاهرية حينما أخرجها الرجال وهو معهم من نافذة السيارة المقلوبة، لم يصدق نفسه وهو يحتضنها بجنون وذهول أنها بخير، وقد اقتنع أن حزام الأمان كان له الفضل في حمايتها من هذا الحادث الغاشم، ليتفاجأ بعد ذلك بغيابها عن الوعي وإصابات أخرى غفل عنها في غمرة الوهم بنجاتها. لقد أوشك أن يفقد عقله في الصراخ ومحاولاته الحثيثة لنجدتها، حتى تبرع أحد الأشخاص ليقلهما داخل

سيارته، الأمر الأهم الذي كان يشغله في هذا الوقت هو نجاتها وفقط، حتى أنه لم يشغل نفسه بأمر المجرمتين بعد أن قبض عليهما الرجال، جيرمين والأخرى التي كان يبحث عنها؛ سوزي، ترك أمر تسليمهما للشرطة وظل هو محتضناً زوجته داخل سيارة الرجل الغريب، يترجاها لتستفيق حتى وصل بها إلى المشفى، ليتولى أمرها الأطباء.

كارم. عاد من ذكراه المؤلمة على صوت والدته والتي ولجت إليه داخل الجناح الذي يضم زوجته في المشفى، نهض يستقبل عناقها كالغريق الذي وجد أحد ما يشجعه على المقاومة للنجاة. شدت عليه بذراعيها تمرر كفها على ظهره بحنان، وتربت بالأخرى على كتفه، حتى انسلت عنه بصعوبة، غير قادر على الكلام. ألقت بنظرها نحوها بتمعن قبل أن تعود إليه سائلة: هي عاملة إيه دلوقتي؟ أومأ برأسه يجيب بصوت كالهمس: أحسن من الأول. عادت بتأملها

مرة أخرى لتضيف بتقليل: أنا شايفاها كويسة، هي راسها بس اللي متعورة، وباينها حاجة بسيطة كمان، ليه انت بقى الخوف ده كله؟ مش لدرجادي يعني؟ حدجها بنظرة حادة وقد تغيرت ملامح التعب لأخرى غاضبة، فتحرك يشير لها لتتبعه إلى خارج الجناح. وفي الخارج وقف لها متحفزاً بتجهم يعلو قسماته، ليثير بقلبها الريبة في سؤاله: إيه مالك؟ بتبصلي كده ليه؟ أجاب على سؤالها بسؤال: ماما هو انتي مش متأثرة لحادثة رباب ولا باللي جرالها؟ تغير وجه المرأة

لترد على قوله باستهجان: إيه اللي انت بتقوله ده؟ هو انت شايفني قلبي حجر؟ أكيد طبعاً متأثرة، أنا بس صعبان عليا حالتك. إنت مش شايف نفسك إزاي؟ وشك أصفر زي اللمونة، وهيئتك بعفارك وترابك. طب على الأقل استحمي وغير هدومك على ما فاقت. كل اللي هامك منظري؟ هدر بها منفعلًا ولكن بصوت مكتوم حتى لا يلفت إليهما الأنظار، ليتابع مفرغاً شحنة غضبه: مراتي أهم من أي شكل وأي حاجة في الدنيا، لو جرالها أنااااا.....

لا منصب ولا أي شيء له لازمة من غيرها. توقفت تطالع هذا الجانب المفاجئ منه، وكأنها تكتشف ابنها من جديد، ليخرج صوتها بعدها بلحظات بابتسامة جانبية ضعيفة: يااااه، أنا ما كنتش أعرف إنك بتحبها أوي كده. يالا بقى ربنا يقومهالك بالسلامة، وتبقى هي قد الحب ده. عاد بانفعاله غير قادر عن التغاضي عن تلميحها: ومتبقاش قد الحب ليه؟

انت شايفاها متتساهلش عشان طول الوقت بتقارني بينها وبين كاميليا أختها، واللي ما زالتي لحد الآن شايفاها فرصة عمري اللي ضيعتها من إيدي بغبائي، صح يا أمي؟ رغم غضبها من الهجوم الغير مبرر منه في هذا الوقت الحساس، وفي مكان عام كالمشفى، ولكن سؤاله المباشر جعلها تجيب على الفور غير قادرة على الصمت:

بصراحة بقى أه، أنا عارفة إن مش وقته، بس انت اللي أجبرتني. الفرق بينها وبين كاميليا فرق السما والأرض، وأنا هنا مش بتكلم عن الجمال، لأن مراتك ما شاء الله عليها، بس أنا بتكلم عن الشخصية، فين دي من دي؟ ... لكن ابنك مش ملاك. هتفت مقاطعة لها بحدة، واستطرد:

عارفة عيوبي وأنا عارف عيوبها، استوعبتها واستوعبتني. إحنا عيشنا مع بعض أكتر من خمس سنين، هي الوحيدة اللي حبتني وهي الوحيدة برضو اللي خلتني أحبها بجد ومقدرش أستغنى عنها..... توقف بأنفاس هادرة ووالدته تتابعه بتأثر، ليفاجئها متابعاً: وعشان تبقي عارفة، كل اللي بيجرالها ده بسببي، الحادثة دي والحادثة اللي قبلها بسبب خيانتي ليها. أنا المجرم في الحالتين، يبقى أنا أستاهل العقاب..... مش هي.

أنهى كلماته ليسقط بجسده على مقعد الانتظار من خلفه، وجلست خلفه على المقعد المجاور، لتربت على ذراعه قائلة بدعم لا يخلو من ندم: خلاص يا حبيبي ولا يهمك، إن شاء الله ربنا هيقومها بالسلامة عشان خاطرك. أنت أكيد ربنا بيحبك مدام نجاها في الحالتين. بس انت مقولتش، هي عندها إيه بالظبط؟ مسح بكفه الكبيرة على صفحة وجهه يجيبها مغتماً: عندها ارتجاج في المخ، ورضوض شديدة في كل أعضاء جسمها.

يا حبيب قلبي برضوا إحنا نحمد ربنا إن موصلش لكسور ولا حاجة أصعب من كده، وإن شاء الله تكون بخير. قالتها تزيد من ضمها له، وقد وصلها الآن حجم ما يشعر به من خوف. انتبهت على اهتزاز الهاتف بجيب سترته، فتناولته لتطلع على الشاشة قبل أن تخاطبه: دي كاميليا أختها هي اللي بترن، هترد عليها. ردي انتي، أنا مش قادر أتكلم أساساً. *** في اليوم التالي. دَلفت كاميليا بخطوات مسرعة تقطع الرواق الطويل في المشفى بمرافقة زوجها طارق، وفمها

يغمغم بالتوعد والسباب: يوم كامل بليلته وأنا هموت من الرعب على أختي، ولما أتصل بالباشا ميكلفش نفسه حتى بالرد عليا، عشان أعرف في آخر الليل من والدته عن حادثة أختي، إن ما كنت أربيك يا كارم مبقاش أنا، وديني لو طلع له يد في اللي حصل لها ما هرحمه. دمدم طارق بجوارها مهدئاً: بلاش الظن السوء يا كاميليا، إحنا لسة مش عارفين إيه بالظبط اللي حصل، أهم حاجة دلوقتي نطمن عليها. أكيد، أكيد يا طارق.

تفوهت بها وتابعت الطريق نحو شقيقتها، وفمها يردد بالدعاء، حتى إذا وصلت لرقم الجناح المذكور، فتحت على الفور ودون استئذان، لتصعق بآخر شيء تتوقع حصوله، كارم كان جالساً بوسط السرير الطبي يضم شقيقتها إليه من الخلف حيث كانت مستريحة برأسها المتعب على صدره العضلي، وبيده يطعمها بروّية وصبر وكأنها طفلته. اقترب طارق برأسه مستغرباً تسمرها الغريب دون حراك، ولكن مع النظر نحو ما تنظر إليه، مال برأسه نحوها بنظرة

ذات مغزى ولسان حاله يقول: صدقتي كلامي. *** استيقظت على صوت الهاتف بجوارها أسفل الوسادة كما تضعه دائماً حينما يغشاها النعاس ليلاً، تناولته لتجيب المتصل، فتفاجأت بصوته الدافئ ولأول مرة تسمعه صباحاً وعلى بداية اليوم: الو، صباح الخير. تلجلجت تعتدل جالسة لتبادله رد التحية: ألو، صباح النور، أهلًا يااا مستر شادي. تاني مستر برضوا؟ دمدم بالجملة بشيء من السخرية ثم أردف:

أنا كنت بتصل عشان أطمن عليكي، حد من إخواتك ولا والدك، زعلك مرة تانية بخصوص الموضوع اياه. هزت براسها تنفي وكأنه أمامها، ثم استدركت سريعاً لتجيبه: لا الحمد لله، الليلة مرت على خير، هي بس كانت شوية مناوشات ومشادات بسيطة مع فراج أخويا، أصله عصبي ودي طبيعتنا أساساً مع بعض، عشان ما أنا نازلة فوق راسه يعني ودا شيء طبيعي. إيه يا صبا؟ يعني إيه؟

وصلها صوت ضحكاته الرجولية النادرة، على قدر ما أسعدها البحة الجميلة بها، على قدر أشعرها بالحرج لتضيف بنوع من التصحيح: أنا قصدي إن آخر نمرة بعده. عارف يا صبا والله فهمت من غير ما تقولي. قالها ثم توقف ليسألها باهتمام: طيب أنا كنت عايز أعرف لو رايحة الشغل النهاردة، ولا مكملة في استقالتك؟ ردت بثقة وبنية تامة على عدم التراجع:

لا طبعاً أنا مصممة ع الاستقالة، المكان ده لا يمكن أرجعله تاني غير عشان أنهي الإجراءات والم متعلقات. وصلها صوته، يشوبه لمحة من رضا، ليعقب قائلاً: برافو يا صبا، وأنا كمان هستقيل، وأجري على الله. سألته بجزع، محتجة على قراره: ليه طيب تقطع عيشك انت كمان؟ إيه ذنبك؟ مفيش ذنب يا صبا، بس أنا كمان كرهت الشغل هناك، دا غير إني بصراحة يعني، مش هتحمل أقعد في مكان انتي مش فيه. هل هذا غزل؟

أم هو شيء أجمل من الكلمات، لفتة صغيرة منه، جعلت ابتسامة رائعة تغزو قسماتها، لتنثر بذور الفرح بداخلها، صمتت ولم تجد من الردود ما يناسب رِقته، فتابع لها: طب أنا هقفل دلوقتي، بس كان نفسي أطمن يعني لو في أي معلومة بخصوص الطلب اللي طلبته امبارح من السيد الوالد. ردت بابتسامة متوسعة: للأسف ياريت كنت أعرف، أبو ليلة محدش يقدر يعرف اللي في رأسه. إجابة ماكرة تعلقه بالأمل ولا تروي عطشه، ولكنه استمرار في محاولاته بسؤالها مباشرةً:

طيب وإجابتك انتي بقى؟ انتظرها لحظات حتى جاءه ردها على نفس النمط السابق: لا طبعاً أنا مليش رد، ردي هيكون مع أبويا. ضحك بصوت مكتوم يهزهز رأسه بقلة حيلة، وقد فقد حكمته، وعجز بتفكيره السليم عن الدخول لعقلها الماكر، ليخرج صوته أخيراً: اممم ماشي يا صبا، نستنى ونصبر إن شاء الله العمر كله حتى، بس بقى ربنا يقرب البعيد. يارب. تمتمت بها بصوت خفيض كالهمس مع نفسها، والابتسامة مازالت تزين ثغرها. ***

بداخل المكتب الذي أصبح مكانها منذ أيام، حيث كانت تعمل بجد واجتهاد على مجموعة من الملفات التي وضعتها أمامها شقيقتها لتحسب ميزانيتها والمصروفات التي تحتاجها، باندماج شديد حتى أنها لم تنتبه على من دلف إليها متبخترًا بخطواته، حتى وقف يتابعها بصمت وحينما طال انتظاره خرج صوته بإلقاء التحية نحوها: صباح الخير يا أمنية. رفعت رأسها إليه مجفلة، لتجيبه بنبرة فاترة عادية: صباح النور، أهلًا يا ابراهيم.

لم يعجبه ردها فاقترب ليجلس أمامها دون استئذان مردداً خلفها باستنكار: أهلًا يا ابراهيم، إيه يا بت السلام البارد ده؟ خلاص يا ختي نفسك مسدودة حتى عن رد عدل؟ أغلقت الملف بيدها، واضعة كفها بعنف عليه تقول: وعايزني أرد بنفس إزاي؟ أرقص مثلاً وأنا بنطقها؟ فيه إيه يا ابراهيم؟ انت جاي تتخانق معايا ع الصبح؟

ضغط يكبح لجام لسانه عن الرد بسبة وقحة أو شتيمة قاسية تعيد هذه المعتوهة لصوابها، وتذكرها بمن هو إبراهيم، ولكنه تراجع حتى لا يزيد الأمر سوءاً، فقال ملطفاً بعتب: كده برضوا يا أمنية؟ وأنا اللي جايلك مخصوص عشان أصالحك، وجايب عربية الواد حوكشة عشان أفسحك بيها، هي دي معاملتك ليا؟ انت قلبك أسود أوي. حبست بصعوبة دمعة حارقة مع تذكيره لضربها واهدار كرامتها بالطرد المهين والمذل، ليخرج صوتها بارتجاف مع احتداد أنفاسها:

اعذرني يا بن خالتي، ما أنا فعلاً جاحدة وقلبي أسود، وبيني أستاهل الضرب صح؟ ضرب بكفه على سطح المكتب بسأم، وزفر حانقاً يقول مشدداً على كلماته: وايه لزوم تلقيح الكلام ما أنا جاي أصالحك أهو، مستلف عربية صاحبي وعامل حسابي بمبلغ حلو، أفسحك وأشتري حاجة حلوة. قابلت عصبيته ببرود أدهشه، لتفاجئه بردها:

كتر خيرك والله وتشكر، بس المشكلة بقى إن الوقت غير مناسب، أختي اتصلت بيا من شوية، وعايزيني أروح أسد مكانها، عشان في لجنة جاية تعاين الموقع الجديد اللي هي شغالة فيه. ولما تروحي انتي تسدي مكانها؟ ست الحسن والجمال هتروح فين؟ قالها بتهكم لا يخفي حقده، فردت بما جعل حمم الدماء تغلي بأوردته: أختي وراها مشوار مهم مع خطيبها، تبع المصلحة اللي شغالة فيها، الله يكرمه، بيعمل المستحيل عشان يكبرها ويكبر شغلها، ابن أصول. ابن أصووول.

نطق بها وغليل صدره يدفعه لخنقها وتكسير عظامها، أو قطع لسانها الغبي حتى يخرسها للأبد، وقد تأكد الآن من ظنه بهذه الحمقاء التي تردف حديثها عن قصد أمامه، وكأنه تكيده أو توضح الفرق الهائل بينه وبين الآخر، ثم هذه النظرة التي تطل من عينيها بتحدي في انتظار انفعاله واستشكاف المزيد عنه. نهضت فجأة تلملم الملفات لتضعها داخل درج المكتب، لتقول بعملية تنهي الجلسة: أنا مضطرة أسيبك دلوقتي يا ابراهيم، يدوبك ألحق مشواري في الشغل.

نهض هو الآخر وبحنق يسألها: والخروجة بتاعتنا يا أمنية؟ ردت ببساطة وهي تبحث في حقيبتها عن سلسلة المفاتيح: أجلها يا ابن خالتي، أو براحتك عادي يعني. قالتها وتحركت نحو الباب ذاهبة، ومن خلفها قبض على كفه بعنف حتى ابيضت مفاصله، ولكنه استدرك فجأة ليسألها: وهاتروحي إن شاء الله لوحدك بقى؟ أكيد طبعاً بالمواصلات العادية، بس دا لحد أول الطريق هناك، وبعدها هتصل بشهد تيجي تاخدني بعربيتها توصلني ع الموقع ما قبل تروح هي مشوارها. اها.

أومأ برأسه يدعي التفهم قبل أن يصدر قراره بحسم: خلاص بقى يبقى أوصلك في طريقي، وأهو يبقى العربية عملت لها فايدة وخلاص. بعد قليل. كانا الاثنان يستقلان السيارة المذكورة بقيادته، يخترق بها الطريق الخالي في المناطق السكنية الجديدة، أبنية غير مكتملة وأبنية اكتمل بناؤها، ولكنها ما زالت لم تسكن بعد، فخرج صوته متسائلاً بفضول: أمال أختك وعمالها بيشتغلوا فين؟ ردت وعيناها منشغلة في مراقبة الطريق:

أختي في المنطقة اللي بعد دي، ما هي مدينة متكاملة وأخدها المصلحة، وبينتهوا منها جزء جزء قبل التسليم والتشطيب. الهدوء الشديد وخلاء المنطقة المريب إلا من أعداد قليلة جداً تمر سريعاً وتختفي في طريقها نحو الوجهات التي تقصدها، جعل عقله يومض بفكرة شيطانية، اكتملت ونضجت معالمها حتى توقف فجأة وبدون سابق إنذار أمام إحدى الأبنية النصف مكتملة، فخرج صوتها بتساؤل: وقفت هنا ليه؟

التف إليها برأسه وملامح مبهمة يغلفها الغموض، يرمقها بصمت أثار بقلبها الارتياب لتعود إليه سائلة مرة أخرى: وقفت ليه يا ابراهيم؟ *** وفي مكان آخر. وقد انتظرها اليوم في سيارته بناءً على طلبها، حينما اتصلت كي تخبره عن رغبتها في استرداد الشيء المفقود منها، كان بجوار المبنى الذي تعمل به على الميعاد، وصلت لتصطف سيارتها في المكان المخصص، قبل أن تترجل منها بخطواتها الرشيقة حتى وصلت إليه لتنضم في المقعد الأمامي بجواره، مبادرة

بإلقاء التحية على عجالة: صباح الخير يا حضرة الظابط، عامل إيه؟ صباح النور يا ست لينا، عاملة إيه انتي كمان؟ بما إننا بندخل على طول ع الأسئلة. قالها بلمحة ساخرة لم تستجب لها حتى ولو بنصف ابتسامة وردت بجفاء: كويسة أوي، ممكن بقى تديني القلب اللي ما بين حاجبيه مستغرباً طريقتها المتعجرفة، ليرد بتساؤل: على طول كده، طب خدي نفسك الأول، هو انتي زعلانة من حاجة يا لينا؟ برقت فيروزيتيها كحجر ناري، تردف بانفعال

يخفي من خلفه غضب مكتوم: وأيه اللي يخليني زعلانة؟ ومين دا اللي يقدر يزعلني أصلاً؟ طالعها مشدوهاً بعدم فهم، فهذه المجنونة المتقلبة على الرغم من استمتاعه بشراستها، إلا أنها تثير حيرته في البحث عن السبب. بتؤدة شديدة أشار بكفه يخاطبها بهدوء: طيب ممكن بس تهدي شوية وانتي بتكلميني؟ انتي جامدة أكيد ومحدش يقدر يزعلك. أخفت بصعوبة ابتسامة لاحت على ملامحها بشكل واضح لتردف:

ما تحاولش تاخذني على قد عقلي يا أمين، أنا مش مجنونة، وهات القلب بتاعي ياللا، ياللا هاتوه. ضحك مجلجلاً بصوته ليتناول العلبة المغلقة من جيب سترته، ثم قدمها لها قائلاً: اهو، اهو القلب يا ست العاقلين، انتي مش مجنونة، دا أنا اللي ستين مجنون كمان، وحياتك عندي يا شيخة. ظلت زامة شفتيها حتى وهي تتناولها باستغراب ازداد أكثر حينما فتحت العلبة، لتفاجأ بسلسال كامل من الذهب، يتدلى القلب منه، رفعته أمام عينيه متسائلة:

إيه ده يا أمين؟ إنت حطيته في سلسلة تانية ليه؟ توقف عن الضحك يجيبها: عشان دا مكانها الصح، غلط يتحط وسط مجموعة ويبقى مهمل وسطهم وكأنه شيء عادي، قلبك ده غالي أوي، مينفعش معاه شريك. رفعت عينيها عن تأمل السلسال وقد وصلها المغزى الصريح، فقالت بتوجس: هو أنا ليه حاسة إن ورا كلامك ده، فيه معنى مبطن. رد معترفاً ببساطة أذهلتها:

ما هي دي الحقيقة يا زكية، ولا انتي فاكراني يعني برمي فلوسي في الأرض، وهجيب دهب كده لأي واحد تعدي في حياتي. شهقة عالية صدرت منها، أعقبها التساؤل بانفعال: قصدك إيه يا سعادة الظابط؟ لتكون نيتك رايحة لحاجة غلط؟ أشار بسبابته نحوها بثقة: انتي عارفة كويس قصدي إيه؟ فبلاش تلفي وتحوري عليا، قولي بقى رأيك؟ تسائلت تدعي عدم الفهم: في إيه؟ الله، اتعدلي يا لينا.

قالها بانفعال أثار ضحكاتها الشقية، رغم مسحة الخجل بها، وظل هو يراقبها باستمتاع حتى انقلبت فجأة ثائرة به: آه بس دا مكنش باين امبارح، لما اتغيرت خلقتك فجأة أول أما سمعت باللي عمله عدي عزام عشان يراضي صبا بنت عم أبو ليلة، كنت غيران عليها بقى ولا إيه؟ ضرب كفاً بالآخر رادداً بعدم تصديق، وقد فهم الآن سبب ثورتها: يخربيت دماغك، بقى كل القلبة دي عشان السبب ده، ومطلعاني أنا كمان اللي بغير.؟ قال الأخيرة بضحكة زادت من حنقها،

ولكنه تابع بجدية: افهمي بقى، مشكلة صبا والفخ اللي كان منصوب لها، أنا عارف بيه من فترة، دي حكاية طويلة وقضية كنت ماسكها أنا وزميلي. عقبت بما يشبه الأمر: خلاص يبقى احكيها. تبسم بمكر يفرض شروطه: تمام أوي، ومستعد أحكيها بالتفاصيل كمان، بس الأول أسمع رأيك وآخد منك ميعاد نزوركم فيه أنا والست الوالدة. نننعم كل ده عشان تحكيلي؟ مش انتي عايزاني أعرف الحقيقة، يبقى لازم بقى يبقالك عندي صفة رسمية عشان أحكيلك بيها، ولا إيه؟ ...

يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...