الفصل 5 | من 43 فصل

رواية و بها متيم انا الفصل الخامس 5 - بقلم امل نصر

المشاهدات
44
كلمة
6,585
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

في منزل شهد وقد كانت غائبة منذ الأمس عنه، لتثير القلق داخل أفراد العائلة، وأولهم كانت رؤى التي هتفت بغضب نحو والدتها وشقيقتها: -عاجبكم كدة الفضايح اللي اتحطينا فيها؟ ولا شهد اللي غايبة من امبارح وما حد عارف مطرحها فين؟ ناظرتها أمنية بامتعاض تلوي فمها وتغمغم بالكلمات الحانقة، ردت والدتها بصوت باكي كعادتها حينما تؤنب أو تلقى التوبيخ على خطأ ما تفعله: -طب وأنا ذنبي إيه بس يا بنتي؟

هو انتي مشوفتيش بنفسك واتخضيتي زيي على شكل الدم اللي كان مغرق الدنيا، اتصرفت بطبيعتي وصرخت من خوفي، هي دي حاجة أتحاسب عليها يا ناس؟ همت أن تبكي ولكن رؤى صرخت بوجهها توقفها من البداية: -كفاية الله يخليكي يا ماما أنا فيا اللي مكفيني، ثم مين قالك إني بحاسبك على خوفك على بنتك؟ أنا بتكلم ع الفضايح يا ماما، هي بعملتها السودة، وانتي بصريخك.... قاطعتها أمنية بحدة قائلة:

-لمي نفسك يا ست رؤى واعرفي إنك بتكلمي أختك الكبيرة، يعني تحترمي نفسك...... -احترميها انتي الأول وبعدين أبقى أحترمها أنا. هتفت بها رؤى هي الأخرى تقاطعها بتحدي، لم تفهم الأخرى لتسألها بعدم فهم: -انتي قصدك على مين؟ تبسمت رؤى تجيبها ساخرة: -على نفسك يا حلوة، انتي شايفة إنك محترمة نفسك؟ استشاطت أمنية من الغضب، وقد قصدت رؤى بتلاعبها بالألفاظ لأن تحرجها، فضربت بكف يــ دها السليمة على ذراع المقعد بغضب هادرة بتوعد:

-أقسم بالله يا رؤى، لو ما قفلتي بقك الزفر ولميتي لسانك، لأكون جيباكي من شعرك وو.. قاطعتها رؤى للمرة الثانية وقد وقفت تقابلها بتحفز: -وإيه يا أختي؟ سمعيني واطربيني، ولا أقولك تعالي، تعالي، وأنا بقى هلم الناس وأعمل فضيحة زي بتاعة امبارح، عشان أعرف الجيران إنك زي العفريتة أهو بصحتك، وإن كل اللي اتعمل امبارح، كان تمثيلية رخيصة أوي منك.

ردها العنيف كان بمثابة مطرقة ضربت على رأس أمنية حتى صارت كالمشلولة تناظرها وتناظر والدتها بأعين جاحظة بشدة، وفك متدلي بغباء، تبحث بداخل عقلها ولا تجد من الكلمات ما ترد به على هذه اللئيمة التي لم تتعد الخامسة عشر، وحينما يأست عادت للمسكنة وادعاء المظلومية بالبكاء الذي كانت تستحضره بشكل مفضوح: -شايفة يا ماما..... شايفة يا ماما بتعايرني وبتذلني إزاي؟ يارب كنت موت وريحتكم مني، يارب أموووت أهيء أهيء.

وسقطت على المقعد خلفها لتدخل نوبة البكاء والشهقات بصوت عالي ومزعج، جعل رؤى تتركها وتذهب لغرفتها بازدراء وقرف، ووالدتها تضرب كفاً على الآخر بقلة حيلة. على الطاولة التي جمعت مجيدة وابنيها الاثنان لتناول وجبة العشاء، كانت المرأة لا تتوقف عن التحدث وفتح مواضيع شتى، بحالة من الحماس تنتابها كل ما جلس ولديها معها ليشاركنها الطعام، بسبب المشاغل الدائمة للاثنين:

-بس بقى ورحت أنا مزعقة في كل الستات اللي كانوا معايا وقولت محدش يشتري، وقد كان، كلهم سابوا اللي في إيدهم وكانوا هيخرجوا معايا من المحل ونسيبهالوا مخضرة. -ومشيتوا يا ماما؟ سألها أمين بانتباه، لتُجيبه مجيدة بزهو: -ما هو ده اللي كان هيحصل يا حبيبي، لولا بس إنه اتحايل عليا ونزل للسعر اللي ماشي في السوق، وربنا ما كنت هقبل أدخل محله من تاني. هلل حسن مرددًا: -يا جامد، هي دي الست الناظرة يا جدعان، مترضاش أبداً بالحال المايل.

ازداد التحفز لدى مجيدة لتقول بعصبية: -مش حكاية أبلة ولا أستاذة يا ابني، بس أنا مقدرش أسكت على حاجة زي دي، يعني مش كفاية الغلا اللي إحنا عايشين فيه؟ عشان يستغلونا هما كمان التجار، ويبقى كل واحد من دماغهم يزود، وكل واحد على كيفه، دا إحنا على كدة ربنا يرحمنا. -أمين يارب.

أمم بها حسن وخلفه رمزي الذي كان يأكل بصمت، وهو يقلب في الهاتف، يتابع الأخبار والمنشورات على وسائل التواصل، فظهر له بوست الصفحة التي ينتظرها، تظهر بطلتها الصباحية، بملابس رياضية متحررة كعادتها تلقي التحية على المتابعين، وتتهافت التعليقات في الأسفل لرد الصباح والثناء على جمالها الفتان، بعد أن غيرت هيئتها بالكامل تقريباً، لتصبح واحدة أخرى، ليس تلك الرقيقة الهشة من رآها أول مرة في الفرح المشؤوم لشقيقتها، قبل أن تحل هي محلها وتتزوج بالعريس.

-سرحان في إيه يا أمين؟ رفع أنظاره نحو والدته يحرك رأسه باستفهام، لتردد له: -يا حبيبي بسألك عشان لقيتك اتلهيت في التليفون. تبسم لها ليرد وهو يغلق الهاتف سريعاً: -أنا معاكي يا ست الكل أهو ومركز، ها كنتي بتقولي إيه بقى؟ تدخل حسن يجيبه: -كانت بتتكلم على نفس الموضوع يا عم آمين، نفسها تفرح بحد فينا ونملى عليها البيت عيال. توقف الأخير يناظرها بابتسامة زادت من غيظها لتهتف بسخط: -بتضحك يا أمين؟ انتي هتشلني يا ولد؟

جلجل مقهقاً حتى كانت رأسه تميل للخلف معه، مستمتعاً بمنكافتها كالعادة، ومعه كان حسن يخفي ابتسامته بصعوبة، حتى تحول لون وجهها واتخذ شكل البؤس بترقرق الدموع في عينيها، على الفور نهض يسترضيها ويقبل رأسها: -خلاص يا قلبي بقى، بهزر والله، انتي دايمُا كدة حماقية وطبعك حامي. رددت مجيدة بدفاعية وهي تحاول بنزع كفيه عن رأسها وكتفيها: -أنا برضوا اللي حماقية ولا انت اللي بارد ومستفز؟ ردد خلفها وهو يزيد بتقبيل كفها ووجنتها:

-فعلًا أنا اللي بارد ومستفز، وانتي ماجي القمر، حني علينا يا قمر. تبسمت أخيراً ليهلل بمرح مع شقيقه: -يا سلام، و أخيراً ظهر صف السنان الأول يا أبو علي. أضاف عليه الآخر غامزاً: -لا وكمان يا حضرت الظابط لو تاخد بالك، الوش المربرب الحلو نور. على الفور لوحت بكفيها تخمس بوجههما مرددة: -الله أكبر، في عيونكم المدورة انتو الجوز، في إيه؟ قهقه ثلاثتهم معاً قبل أن يختم أمين بقبلة أخيرة أعلى حجابها يقول:

-ربنا يخليكي لينا يارب، وتفضلي حلوة كدة دايمًا. ناظرته مجيدة بامتنان وتأثر، وتابع لها وهو يعود لمقعده: -مش عايزك تزعلي، بس أنا بجد مش رافض الفكرة، بس كمان مقدرش ألف صالونات زي صاحبنا دا. قالها بالإشارة نحو أخيه، الذي رد يدعي البؤس: -ربنا يسامحك. كتم أمين ضحكته ثم استطرد: -سبيها على الله يا أمي، وإن شاء الله ربنا يرزقني ببنت الحلال. ردت مجيدة بنهيدة وصوت متأثر: -ونعم بالله.

ردد خلفها مع أخيه بالدعاء ثم استأذن كي يذهب ليستحم قبل أن يشاركهم الجلسة، فنظرت لأثره تمصمص بشفتيها لتردف بضيق: -جميل وطيب والله ويستاهل أحلى البنات، بس هيلاقيها فين دي؟ وهو طول الوقت في القسم، ومبيشوفش غير الأشكال اللي مش كويسة، وبنفس الوقت مش عايز ياخدها صالونات زي ما بيقول، يبقى هيتجوز إزاي بقى؟ ضحك حسن قبل أن تباغته بسؤالها: -متعرفش واحدة يا ولد إنت عندك في الشغل، تكون زميلتك ولا صاحبتك ولا.... قاطعها حسن مردداً

بدهشة: -حيلك حيلك يا ست الكل، صاحبة مين؟ هو أنا أعرف أصاحب أساساً؟ ثم مين قالك إن شغلنا فيه زمايل بنات؟ لو مهندسات بيروحوا هما كمان مواقعهم، لكن إحنا بنشتغل تحت الشمس وبينا خناشير، مفيش يا روح قلبي الكلام اللي في دماغك ده. -مفيش خالص.

قالتها مجيدة بدراما قانطة، لتعتلي ابتسامة متسلية وجه الآخر قبل يستدرك ويتذكر، من تركها بالأمس بعد أن غفت بجواره داخل السيارة، وقد غابت اليوم عن عملها، ولم يتسنى له الاتصال أو السؤال عنها، رغم فضوله الشديد لرؤيتها، أم هو التعود الذي جعله يذهب للموقع مرتين يسأل ويبحث بعينيه عنها بعد قضائها الفترة الماضية في الجدال والشجار معه يومياً، لا يعلم لماذا؟ ولكنه يشعر أنه افتقدها. قالت مجيدة تخرجه من شروده:

-سرحت في إيه يا منيل انت كمان؟ عاد حسن للضحك يجيبها بشقاوة: -طب تصدقي بالله يا أمي، أنا شفت واحدة امبارح بنت كدة قمر زي ما بيقولوا، شعر أصفر وعيون ملونة، ومواصفات تانية إيه تبهر، على طول جه على بالي أمين، واتمنيتها تبقى مراته. قطبت مجيدة لتسأله باستغراب: -يا سلام، ولما هي عجبتك أوي كدة، متمنيتهاش لنفسك ليه؟ افتر فاهه أمامها وتوقف قليلاً بتفكير قبل أن يجيبها وكتفيه اهتزت بعدم معرفة:

-بصراحة معرفش، رغم إن لو شوفتيها هتعجبك بجد والله، بشكلها وطريقة كلامها كمان، حتى اسمها كمان، لينا باين ولا إيه؟ تبسمت مجيدة وتوقفت عن الطعام تناظره بنظرة مبهمة قبل أن تقول: -طب حيث كدة بقى، احكيلي شفتها فين بالظبط؟ وتبقى بنت مين هي؟ ضحك حسن يردد بمرح: -إيه يا أمي؟ هو انتي حطيتها في مخك بجد ولا إيه؟ أنا معرفهاش ولا أعرف بنت مين؟ دي مجرد واحدة صاحبة المقاول اللي شغال معايا...... -نهار أسود، صاحبة المقاول؟

صاحت بها مجيدة مقاطعة لتجعل حسن يردد بصعوبة ما بين ضحكاته: -يا ستي مش اللي في دماغك، المقاول اللي أنا شغال معاه دلوقتي، تبقى بنت والله واسمها شهد كمان. -شغال مع مقاول بنت واسمها شهد كمان! يا راجل! قالتها مجيدة بعدم تصديق، لتكمل بخبث: -يعني معاك بنات في اهو، امال بتنكر ليه يا ولد؟ ضغط على عينيه يردد ضاحكاً بيأس: -مفيش فايدة، مفيش فايدة معاكي، أنا عارف إني غلطت من الأول أساساً لما اتكلمت.

-كويس ومدام عرفت غلطتك يبقى كمل يا حبيبي للآخر. قالتها مجيدة بتصميم ليهتف حسن بقلة حيلة: -اكمل إيه يا ستي؟ هو انتي خلاص خلتيها حكاية؟ بنظرة الأم الحازمة وناظرة المدرسة المسيطرة قالت مجيدة: -أه يا حبيبي خليتها حكاية، وانت بقى هتحكيها، هتقولي على المقاول البنت اللي شغالة معاك، والبنت صاحبتها اللي اتمنيتها لأخوك ماشي يا بشمهندس؟

فركت بكفيها على عينيها وهي تستعيد وعيها بعد غيبوبة من النوم قضتها على سرير صديقتها، لتعتدل بجذعها بصعوبة ورأس ثقيل، تفرد بذراعيها بتأوه، وكأنها نامت لألف سنة، الغرفة كانت مظلمة، وهدوء شديد يعم المكان، وكأن المنزل خالي إلا منها، نزلت بقدميها من السرير إلى الأرض، ثم كادت أن تقع وهي تستقيم واقفة، قبل أن تتماسك جيداً وتذهب نحو باب الغرفة لتخرج.

وجدت أنيسة في صالة المنزل مندمجة بنظارتها في مشاهدة المسلسل الأجنبي وصوت التلفاز يكاد أن مكتوم، وعلى أريكة وحدها كانت لينا تتلاعب في الهاتف، والتي انتبهت عليها تتلقاها بمشاكسة: -يا أهلًا يا شهد، توك ما صاحية يا ست هانم؟ تبسمت لها الأخيرة بأعين منتفخة من أثر النوم، وقالت أنيسة هي الأخرى: -تعالي اقعدي جمبي وحسسيني إنك عايشة كدة، دا أنا خوفت عليكي وربنا يا بنتي. ضحكت لها شهد وخطت لتجلس بجوار الأخرى، قبل أن ترد:

-ليه يعني؟ هو أنا لدرجادي، نمت كتير المرة دي؟ صاحت لينا تلوح بكفيها في الهواء أمامها: -نمتي كتير؟! دا إحنا دلوقتي العصر يا نور عيني، انتي داخلة على عشرين ساعة يا بت، دا انتي لو راقدة على بيض كان فقس. ضحكت شهد من قلبها وقد استطاعت لينا بعفويتها المعتادة أن تعيد إليها المرح، فعقبت أنيسة بارتياح: -أيوة كدة يا شوشو اضحكي، والله ما حد واخد منها حاجة. أسعد شهد مناداتها باسم الدلال المحبب لها، فقالت متسائلة بدهشة:

-طب يا جماعة انتوا سيبيني ليه دا كله طيب؟ ما كنتوا صحوني. ضربت لينا بكفيها تردف ذهول: -نصحي مين يا ماما؟ دا إحنا تعبنا من الروحة والجية عليكي، أنا أحاول وأمي تحاول، وانتي مفيش فايدة فيكي خالص، تردي علينا وتقولي آه، وبعدها تروحي مع الأموات، أنا هموت وأعرف، هو انتي عضمك ده، موجعكيش بالأمانة. ضحكت لها شهد باسترخاء مرددة: -هو بصراحة فعلاً بقى عضمي كله واجعني، وبطني دي حاساها فاضية أوي وكأني مأكلتش من أيام.

سمعت أنيسة وانتفضت عن مقعدها فجأة تقول بلهفة: -يا حبيبة قلبي، أكيد طبعاً لازم تجوعي بعد الوقت ده كله، دقايق وأسخنلك الأكل وأرجع. قالتها وتحركت على الفور، ف اعتدلت شهد تناديها بحرج: -استني يا طنط متتعبيش نفسك، أنا مكنتش أقصد والله. أوقفتها لينا قائلة بسأم: -خلاص يا شهد، متخنقنيش والنبي، هو إحنا هنعطف عليكي يا بنتي؟ دا إيه النيلة دي؟ عوجت بفمها الأخرى تجيب لمناكفتها في الرد: -نيلة في عينك قليلة الأدب.

-الله يسامحك يا ستي. قالتها لينا بابتسامة وقد غمرها الارتياح لعودة صديقتها لقوتها المعهودة، ولكنها تساءلت بفضول: -مش عايزة أبقى غلسة، بس أنا بصراحة بقى نفسي أعرف هتعملي إيه في موضوع الزفتة أمنية؟ تذكرت شهد همها الثقيل وتغضنت ملامحها، لتتنهد بقنوط تناظرها بصمت وملامح مبهمة.

من شرفة غرفتها العلوية، كانت تشاهد طفلها الصغير وهو يلعب مع مربيته في الحديقة، وبنفس الوقت تتابع التفاعل على منشوراتها والتعليقات المدونة، إن كانت بالإعجاب والإطراء تزداد انتشاءً، وإن كانت بالنقد والتحليل، كما يحدث الآن وهي تقرأ سطور طويلة كتبها أحد الأشخاص ينتقد ملابسها وهذا الجانب الذي تتعمد إظهاره من الترف المبالغ فيه، كشخصية سطحية تحاول التخفي خلف المظاهر، حتى تشبع جانب النقص منها، زفرت تنفث دخان من أنفها، فهذا

التعليق قد حاز على عدد كبير من التفاعل فاق الألف، بالإضافة إلى الردود التي كانت متفاوتة ما بين الرفض والتأييد، همت أن تصفعه برد قاس أو حتى حذف التعليق نفسه، ولكنها استدركت بأنها ستكون حركة مكشوفة أمامه وأمام متابعيها وتثبت صحة قوله، رفعت كفيها تود قرقرة أظافرها ولكنها تعلم أنه سوف سيفسد جمالهم، ولكن حجم غيظها وغليلها، سوف يقتلها إن لم ترد، ولذلك لم تجد بدًا من الضغط زر المراسلة وكتبت "السطحي هو من يعلق على منشوراتي

من أجل التفاعل وإثارة الجدل".

همت أن تترك الهاتف، ولكن تنبهت أنها بهذا الفعل قد أعطته قيمة، عادت سريعاً لتمسح الرسالة ولكن، كان قد سبق السيف العزل، ورأى الرسالة هذا الشخص الذي يسمي نفسه النسر الجارح، وقد أرسل إليها هو الآخر بالرد سريعاً: "أهلاً بالنجمة" لم أكن أعلم بأهميتي قبل أن تراسليني".

كشرت بوجهها، حتى همت أن ترد ولكن صوت بوق السيارة التي دلفت مع فتح البوابة الخارجية للمنزل، جعلها تنتفض لتغلق الهاتف على الفور، وابتلعت ريقها الذي جف لمجرد رؤيته بداخل السيارة، والحرس الذي يحاوطه.

رغم مرور هذا العديد من السنوات منذ زواجها به، وهذا الإنكار التي تدعيه أمامه، إلا أنها تموت من الرعب بداخلها، قبل أن ترد أو تتكلم مع أي رجل غيره، حتى لو بأي حديث عادي، فهي الأعلم بطبعه وقد اختبرت بنفسها حجم شره في هذا الشأن في بداية زواجهم. قبل عدة سنوات

وبعد حفل زفافها الذي كان أسطورياً بمعنى الكلمة بجمع الفنانين الذي غنوا فيه والمناصب العالية من عائلته وأصدقاء والده وأفراد من عائلتها هي أيضاً مع شقيقها مروان رغم غياب أبيها وكاميليا وأخيه الأصغر، كانت تشعر وكأنها ملكة وفرحتها بما نالته وما فعله لها بعد ذلك من تدليل وقضاء شهر عسل في عدد من الدول الأوربية والجزر، وقد أضحت تعيش حياة الرفاهية بكل ألوانها، حتى ظنت أنها ملكت العالم بين يــ ديها قبل أن يحدث ما حدث وترى هذا الجانب المظلم منه، وقد كان ذلك حينما استيقظت في أحد الأيام مبكراً وقبل أن تنتهي أيام العسل،

حاولت أن توقظه: -كارم ، يا كارم، اصحى بقى أنا زهقت من القعدة في الجناح، أوووف.

التف ينقلب بجانبه عنها للناحية الأخرى يزوم برفض، ف حاولت معه مرة أخرى ولكن حينما يأست، فضلت الاعتماد على نفسها، ونهضت لتبدل ملابسها، وارتدت، تيشيرت بدون أكمام، على شورت فوق ركبتيها، وخرجت من الغرفة لتهبط إلى المطعم وتطلب أصناف وجبة الإفطار التي كانت تريدها، كان من الممكن أن تتصل هاتفياً وتطلب ما تريده، ولكن غرور الدلال الذي أغدقها به جعلها تنزل متعمدة بقصد، لتسير بين الرجال الأجانب وحدها، ف ترى نفسها في أعينهم، وقد كانت فكرة لا بأس بها، بل وأسعدتها كلمات الإطراء التي تلقتها من أحد الرجال، ثم نظرات بعض الأشخاص، ومعاملة النادل لها برقة مبالغ فيها، ثم لقاؤها بأحد النزلاء في المصعد والذي عرفها على نفسه على أنه ينزل بجناح بالقرب من جناحها مع كارم.

ورافقها الرجل يسير معها ويتحدث بالمزاح ليضحكها وقد وجدها تستجيب وتقهقه بدون مجهود منه، وتطور الأمر مع الرجل حتى أوقفها قبل أن تصل لغرفتها يخاطبها بلهجته الفرنسية بجرأة أجفلتها: -لا أصدق حتى الآن أن امرأة جميلة مثلك تسير وحدها ويغفل عنها زوجها، كيف ينام هذا الرجل ويتركك؟ ضحكت رباب لتردد بعتب مزيف وهي تتحرك لتذهب: -جون، لا تقل هذا. أمسك بكفها يجفلها، ليقول بنعومة:

-عندي لك فكرة جيدة، إذا شعرت أنكِ وحيدة في أي وقت أنا تحت أمرك، أستطيع أن أريكِ المدينة بأكملها. همت لتعرض ولكنه سبقها: -أستطيع إعطائك رقم هاتفي، لنتبادل الاتصالات بيننا. لهجة الرجل وتصميمه أصابتها بالذعر حقاً، لتدرك خطأها الشنيع وهي التحدث مع الغرباء في جزيرة السمة الأساسية فيها والتي يأتي السياح من أجلها، هو المتعة، ابتعلت ريقها وهي تومئ له برأسها بقلق وتحاول نزع كفها التي أطبق ولكنه زاد بإلحاح،

وقد ظنها تبادله الإعجاب: -أنا هنا في إجازة لشهر قادم، وقد أصبحت وحيداً بعد أن هجرتني صديقتي منذ أيام. كانت تومئ برأسها بمهادنة حتى لا تفتعل الشجار في بلد غريب، رغم الخوف الذي كان يزداد بقلبها منه، ثم وجدت أنه يتركها وقد ذهبت مقلتيه للنظر خلفها، لتتفاجأ بكارم نفسه قد خرج إليها بجزعه العاري على البنطال القطني، وأثر النوم يبدو جلياً على ملامحه. -أهلاً بك سيدي.

قالها الرجل على عجالة كتحية لكارم الذي كان واقفاً محله ولم يجيب، بل إنه خطف نظرة جانبية سريعة نحوها قبل أن يعود لداخل جناحه، وتبعته تصفق الباب خلفها وتردف بدلال: -أخيراً صحيت يا كارم؟ دا أنا كنت هموت من الجوع، ولم أقدر أستنى....... قطعت شاهقة برعب بعد أن باغتها بإحكام قبضته على عنقها ليلصقها في الحائط هادراً: -خرجتي من غير ما تقولي ليه؟ ردت بصوت باكي مخنوق: -ما أنا قولتلك كنت جعانة.... قاطعها يضغط على عنقها أكثر،

يهدر بملامح مخيفة: -بطلي استعباط وردي، يا هدفنك هنا، يا إما أخليكي ترجعي البلد في صندوق...... الراجل ده تعرفيه من إمتى؟ بصوت مخنوق يخرج بصعوبة وبتقطع، ودموع تهطل منها بغزارة، للألم الموجع لضغطه بدون رحمة، وبدء انسحاب الهواء منها: -والله العظيم... كنت نازلة عشان..... أطلب الفطار.... أسفة إني غلطت..... لكن والله ولا أعرف الراجل المجنون ده، دي أول مرة أشوفه كانت من شوية بس في المصعد.....

ختمت ببكاء حارق وضغطه يزداد ولا يخف حتى أنها كانت تعافر بيديهــا، وقد أيقنت أنها على وشك الموت، تبكي وتناظره بتوسل، وهو كالجماد بأعين ضيقة صقرية لا يرف جفنها. -أبوس أيــ دك..... أبوس..... إيــ دك يا كارم، هموت، هموت...

أردفت بالكلمات بصعوبة بالغة وقد تحول لونها للأزرق، مع النقص الشديد للأكسجين في جســ دها، تراخت ذراعيها وسملت بأنها النهاية قبل أن يتركها فجأة لتقع على الأرض بعنف، تسعل بقوة عدة مرات، حتى تستطيع التنفس، وهو يناظرها من علو بصمت مهيب، حتى ارتفعت رأسها إليه تردد بوجع: -ليييه؟ ليه دا كله؟ نزل على عقبيه فجأة ليجذبها إليه من قماش التيشرت الذي ترتديه في الأعلى، ليهدر من تحت أسنانه بفحيح:

-عشان تحرمي تاني ما تلفي براسك حتى للناحية التانية من غير ما تستأذني، وأي راجل تتكلمي بس معاه من ورا ضهري أديكي عرفتي نهايتك، أنا أفسحك وأصرف عليكي زي ما انتي عايزة، أديكي حرية اللبس زي ما تحبي، لكن حد غيري ياكل من الطبق اللي أنا باكل فيه، يبقى أكسره أحسن...... فاهمة ولا لأ. هدر بالأخيرة بغضب جعلها تردد على الفور بزعر: -فاهمة والله، والله فاهمة، والله فاهمة. -إنتي بتتكلمي جد؟ هتفت صبا سائلة بعدم تصديق، نحو رحمة

التي كانت تردد لها ضاحكة: -والله يا بنتي زي ما بقولك كدة، شادي مبلغني أقولك، خلاص يا صبا مشكلتك انحلت يا قمر. -هزهزت رأسها ورفرفت أهدابها بعدم استيعاب، أن يتم حل مشكلتها في العثور على العمل أخيراً؛ بواسطة هذا المدعو شادي؟ كيف؟! ضحكت رحمة مقهقهة على هيئتها لتخاطب هذه المرة زبيدة والدة صبا، والتي كانت جالسة هي الأخرى بجوارهن في صالة المنزل: -ما تقوليليها حاجة يا خالتي، طب أعمل إيه عشان تصدق؟

تبسمت زبيدة صامتة، ف بداخلها شجار بين شعورين أحدهما كان الارتياح لجارهم شادي، نظراً لما لمسته ورأته بنفسها من أخلاق عليا يتمتع بها بالإضافة لرعايتها الدائمة نحو والدته المريضة، ورغبة أخرى في الرفض للعمل من الأساس، نظراً لخوفها الكبير على أصغر أبنائها، والتي تود أن تزوجها وتطمئن عليها كباقي أشقائها. هتفت رحمة نحو الأخرى التي ما زالت مذهولة بعدم استيعاب: -يا بت ردي واتكلمي بقى، مبلمة كدة ليه؟ انتفضت تجيبها بانفعال:

-ما أنا كمان مش قادرة أصدق يا بنت الناس، إزاي يعني؟ عبست رحمة بوجهها تدعي الضيق، رغم تسليتها فقالت: -ومش قادرة تصدقي ليه بقى؟ مش انتي خريجة تجارة إنجلش وواخدة كورسات كتير؟ هو بقى هيشغلك معاه في القسم بتاعه، يعني وظيفة كويسة، وفي فندق مشهور ومعروف، مش دا اللي انتي كنتي عايزاه يا ماما؟ أومأت صبا تهز رأسها باضطراب، فتابعت لها رحمة بحزم: -خلاص يبقى بقى مستنية إيه؟ يالا قومي هاتي ورقك. -ورق إيه؟

سألتها صبا بدون تركيز، لتجفلها رحمة بضحكتها الرنانة مرددة: -ورق شهادتك يا مجنونة، ولا انتي هتشتغلي بطولك كدة؟ ختمت لتستمر بضحكاتها، ونهضت صبا بحرج رغم ابتسامتها حتى تأتي بورق يعينها، وقد وجدت أخيراً فرصتها في العمل وعلى نفس القواعد التي حددها والدها، والعجيب أن من أتى بالفرصة هو جارها الغريب شادي! -ادخلي يا صبا هو انتي هتتكسفي ولا إيه؟

هتفت رحمة وهي تدعوها للدخول خلفها داخل الشقة، وتقدمت صبا تخطو على حرج بتردد؛ ازداد فور أن وقعت عينيها عليه وقد كان جالساً بوسط الصالة مربعاً قدميه والحاسوب أمامه ويعمل به، انتبه على دخولها وارتفعت أنظاره الحادة دوماً نحوها، ابتلعت لتردف التحية بصوت يبدو كالهمس: -مساء الخير. انتفض ينزل أقدامه للأرض مردداً بصوت خشن بطبيعته: -أهلاً أهلاً، مساء الخير، اتفضل يا آنسة..... قطع يدعي عدم المعرفة، فقالت

رحمة تذكره بمرح كعادتها: -اسمها صبا يا عم شادي، في حد برضو ميعرفش صبا؟ تحمحم بحرج قبل أن يرمق شقيقته بنظرة محذرة قبل أن يخاطب صبا: -اتفضلي يا آنسة صبا، هو انتي جبتي الأوراق المطلوبة؟ أومأت بهز رأسها صامتة قبل أن تقترب بالملف إليه على خجل: -أهو الملف كامل وفيه كل حاجة.

نهض سريعاً يتناوله منها، ليرى لأول مرة وجهها الخمري عن قرب، وهذه العينان التي تختلف بألوانها المميزة فتجعلها قبلة للنظر، تحمحم يجلي حلقه ويتمتم بالاستغفار كعادته، لينكفيء على الأوراق ويراجعهم، وكانت الصدمة حينما رأى تاريخ الميلاد، وارتفعت رأسه إليها يسألها بدون تفكير: -انتي عندك ثلاثة وعشرين سنة بس؟! أجابته صبا مندهشة لسؤاله: -أيوة ما أنا خريجة السنة دي.

كتم تنهيدة محبطة بداخله وهو يعود للأوراق، ولا يركز بحرف واحد منها، كان يعلم أنها تصغره بكثير، حتى شك أن تكون في الدراسة، ولكن قول شقيقته بالأمس عن أنها خريجة وتبحث عن العمل، جعله يصنع بداخله بعض الأمل، أن تكون في السابعة والعشرين، أو حتى خمس وعشرين لكن الآن وبعد اكتشافه بالفرق الكبير. -اتناشر سنة. غمغم بها بصوت خفيض، جعل رحمة تسأله: -بتقول حاجة يا شادي؟

رفع عينيه نحو شقيقته ينفي برأسهِ قبل أن يذهب نحو تلك الحسناء الواقفة بخجل يقتله، ليسألها: -انتي اشتغلتي في أي حتة قبل كدة؟ أجابت على الفور: -لا طبعاً مشتغلتش، أنا قدمت في مسابقات الحكومة وفي كذا مكان تاني، لكن بقى...

قطعت تسبل أهدابها بحرج، لتزيد عليه الضغط وقد نسى نفسه وركز في ملامحها المليحة، ثم هذه الحركة البريئة وهي تشبك كفيها ببعضهم كطفلة، زفر يجبر عينيه لتحيد عنها، وغمغم كالعادة مستغفراً، ثم قال بوجه عابس لا يعبر أبداً عما سيردف به: -طب انتي ما شاء الله عليكي تقديراتك حلوة، دا غير الكورسات اللي واخدها كلها ممتازة.... أوقف برهة ثم استطرد: -حضري نفسك وتعالي بكرة الفندق.

ناظرته باستفهام وكأنها لا تفهم، ف هيئته الجامدة لا تعطيها تفسير مبشر، وسألته: -يعني إيه؟ تدخلت رحمة تجيبها: -يا بنتي بيقولك تعالي بكرة عشان تستلمي شغلك، جرا إيه يا صبا؟ نظرت لها ونظرت له، قبل أن تقول بحرج وعدم تصديق: -كدة على طول؟ مش هقدم يعني في حتة تانية؟ ضحكت رحمة لترد: -يا صبا افهمي، أخويا واخد منصب كبير في الفندق وفي الإدارة اللي قولتلك عليها، يعني إن شاء الله متيسرة، انتي بس شدي حيلك عشان تروحي بكرة.

أشرق وجهها بابتسامة رائعة تجاهد أن تخفيها، وخاطبته ممتنة بحرج: -متشكرة يااا أستاذ شادي. قالتها بنبرة هامسة فعلت به الأفاعيل، وهو يسمع لأول مرة تلفظها باسمه، حتى أنه شعر وكأنه قد فقد النطق ليرد ولو بكلمة واحدة لها، وتركها تستأذن وتذهب من أمامه على نفس حالته من الوجوم، قبل أن تجفله بعودتها مرة قائلة بلهفة: -طب أنا آسفة لو هازعجك، هو ممكن حضرتك تشوف شغلانة تاني لواحدة صاحبتي... قاطعها بخشونة: -فينها صاحبتك دي؟

ردت باضطراب من هيئته: -دي مودة جارتنا في الشارع اللي ورانا. أومأ بتفهم لينهي معها، فقد خارت قواه، ولم تعد أعصابه تتحمل أكثر من ذلك، فرد بجمود ليخفي عنها ما يشعر به: -خليها تجيب ورقها بكرة، وربنا يسهل. سأل أبو ليلة بوجه جامد فور أن أخبرته زوجته عن العمل الجديد الذي سوف تلتحق به ابنته، -كيف يعني؟ انتي متأكدة من الكلام دا يا بت؟ ردت صبا وهي تقترب منه:

-أيوه يا بوي، رحمة أكدتلي إن اللي اسمه شادي أخوها ده، موظف كبير هناك، دا خد الملف بتاعي وجالي تعالي بكرة استلمي، وحتى لما جولتلو على مودة صاحبتي، جالي برضو هاتيها وأنا أشوف. عبس وجه أبو ليلة وامتعضت ملامحه بشكل أدخل القلق بقلب صبا التي خاطبته برجاء امتزج بدلالها معه: -كشرت ليه يا ابوي، أوعى تكون رافض ولا عايز تمنعني، حن علي أنا ما صدقت لقيت الفرصة. نظر إلى وجهها المخطوف وعينيها التي ترقرت بها الدموع،

والتوى ثغره يخاطبها: -ولو رفضت انتي هترضي إنك تتبعيني ولا هترفضى وتمسكي بالفرصة؟ بلعت الغصة وسالت على خديها دموع ساخنة تجيبه بصوت مبحوح: -هتبعك ومش هرفض طبعاً، بس هموت في اليوم ألف مرة يا بوي ع الفرصة اللي ضاعت... صمتت تشهق بصوت عالي فجذبها ليأخذها في حضنه يربت على ظهرها بحنان يردد: -بعد الشر عليكي من الموت ومن أي حاجة عفشة.. استمرت تشهق بالبكاء بعد أن أخافها رد فعله، حتى استفزته ليهتف بها ساخطاً:

-كل البكا ده عشان شغلانة خايفة تروح منك يا بت الكلب؟ رفعت رأسها عنه لتجيبه بعتب: -أيوه يا بوي، وانت عارف ووافقت بعد تعب في الزن والمناهتة معاك، لزومه إيه بقى توقف قلبي؟ -لزومه إني خايف عليكي. قالها أبو ليلة بنظرة صادقة أثرت في صبا وزاد عليها بقوله: -مش عايز أجي في يوم وأندم يا صبا إني وافقتك، عايز راسي تفضل مرفوعة دايماً بيكي وبخواتك، سمعاني؟ أومأت برأسها تجيبه بقوة:

-سمعاك يا بوي وكلامك كله على راسي، انتي مخلف راجل تالت يا بوي. قالتها لتفاجأ بلسعة من كفه الخشنة على جبهتها، ليردد لها بحزم مصطنع: -وهو انتي لو راجل صح يا بت الفرطوس أنا كنت خوفت عليكي أصلاً. ضحكت صبا تتقبل مناكفته ببهجة تغمر قلبها، ومن خلفها كانت زبيدة والدتها هي الأخرى تبتسم لفرحتها، رغم تبادلها نظرات القلق مع زوجها، قبل أن تترك أمرها لله وهو خير حافظ.

في منزل شهد والتي ولجت فجأة إليه بعد أن فتحت بمفتاحها، لتجفل نرجس وبناتها اللاتي كن يجلسن في الصالة بحالة من القلق اكتنفتهم جميعاً لتأخرها حتى هذا الوقت ومبيتها خارج المنزل. ألقت إليهن التحية بلهجة طبيعية كالعادة: -مساء الخير. -شهد! قالتها رؤى وانتفضت على الفور نحوها تخاطبها بصوت باكي: -كدة برضو يا شهد؟ تباتي برا البيت وتتأخري لحد دلوقتي كمان.

ربتت شهد بكفيها على جانبي كتفيها، وقبلتها فوق رأسها بابتسامة حنونة، قبل أن تذهب بأنظارها نحو الجالسات الأخريات: -مساء الخير يا جماعة عاملين إيه؟ ردت نرجس ولم تجب الأخرى: -مساء الخير يا شهد، قلقتيني عليكي يا حبيبتي، دي عاملة تعمليها برضوا؟ تبسمت شهد بجانبية لترد: -فيكي الخير يا مرات أبويا، معلش بقى إن كنت قلقتك. قالتها ثم انتقلت نحو الأخرى توجه الخطاب لها: -إيه يا أمنية؟ وانتي كمان مقلقتيش عليا؟

رمقتها الأخيرة بنظرة حانقة لتجيبها بغيظ وهي تشيح بوجهها عنها: -وهو مين الأولى بالسؤال؟ إللي كانت مصابة ودخلت المستشفى؟ ولا اللي سابتها ومسألتش فيها؟ هبطت شهد بأنظارها نحو ساعد الأخرى الملتف بالأربطة الطبية لتشهق بتصنع وتدعي الإجفال: -يا نهار أبيض.... دا نسيت... توقفت فجأة، لتردف بعد ذلك: -على كدة بقى مش هتعرفي تستقبلي الضيوف؟ سألتها أمنية بانتباه: -ضيوف مين؟ ردت شهد على الفور بحدة رافعة حاجبُا واحدًا:

-إبراهيم ابن خالتك، أصل اللي انتي متعرفيهوش بقى، أنا قبل ما أرجع وأدخل البيت، بعت عبد الرحيم لولدته، يبلغها إني مستنياهم هي وجوزها وابنهم النهاردة. رددت أمنية بعدم تصديق: -انتي بتقولي إيه؟ انتي أكيد بتهزري؟ -لا يا حبيبتي بتكلم جد، دا ميعادهم خلاص بعد ساعة من دلوقتي كمان. قالت الأخيرة شهد، لتشير بسبابتها على الساعة الملتفة نحو معصمها: -ابراهيم وعيلته على وصول، يعني يدوبك تلحقي تجهزي نفسك، ولا انتي تعبانة وعايزة تأجلي.

انتفضت أمنية تنهض عن مقعدها قائلة قبل أن تتحرك سريعاً نحو غرفتها: -لا طبعاً مش عايزة تأجيل. بعد ذهابها التفت شهد لنرجس تخاطبها هي الأخرى: -إيه يا مرات أبويا؟ مش ناوية انتي كمان تشوفي هتحضري إيه للجماعة؟ ولا انتي عايزة تضايفيهم بالشاي؟ نظرت إليها نرجس مذهولة لبعض اللحظات قبل أن تنهض بحرج مرددة: -لا خلاص بقى، هقوم أشوف فيه إيه في المطبخ ينفع، دول مهما كان جاين ضيوف.

بشبه ابتسامة ساخرة تتبعها شهد حتى اختفت في المطبخ قبل أن تلتف إلى شقيقتها الصغرى، والتي كانت تطالعها بريبة، بابتسامة واسعة زادت من حيرتها قالت شهد: -وأنا كمان هروح أجهز وأغير هدومي بحاجة عدلة، عن إذنك يا رؤى .....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...