في ذاك المطعم القريب من منزلهم، وذلك في البلدة التي يسيطر عائلتها على معظم المنشآت التجارية الهامة بها، كان جالسًا حول طاولة وحده ينتظرها، بعدما ضاقت به كل سبل التفاهم مع جدها المُصر على رأيه، في الاحتفاظ بحضانة الأطفال، بغضب شديد كان يرتشف قهوته، وقد أهلكه كثرة المفاوضات والتعنت في فرض الشروط القاسية حتى على حق الرؤية، يساعدهم امتياز المسافة الكبيرة بين الدولتين.
ارتفعت عيناه نحو المدخل يطالع هيئتها الجديدة وهي تخطو بثقة أمامه، ترتدي فستانًا من اللون الأزرق، انساب على جسدها الرشيق حتى بدت كعارضات الأزياء، والشعر الحريري المصفف بعناية على زينة وجهه الرقيقة، لتبدو في غاية الجمال.
ابتسم ساخرًا بزاوية فمه، يتذكر أن هذا الانبهار بمظهرها؛ قد كان سببًا رئيسيًا لموافقته لوالدته في الارتباط بها، قبل أن يرهقه صقيع العيش معها في زواج استمر لعدد من السنوات، أثمر في إنجاب طفلين، وهي على حالها لم تتغير، بل وساهم برودها في اتساع الهوة بينهم، حتى صار كبعد البلدين. -مساء الخير.
قالتها فور أن توقفت أمام الطاولة، نهض عن مقعده أتباعًا لقواعد الإتيكيت التي يحفظها عن ظهر قلب، ليستقبلها بابتسامة مصطنعة في رد التحية ومصافحتها؛ قبل أن يدعوها لتجلس مقابله، ثم بدأ في الأسئلة الروتينية المحفوظة: -عاملة إيه يا ميسون؟ وعاملين إيه الولاد؟ ردت بلغتها التركية رافعة ذقنها للأمام: -أنا بخير يا عدي كما تراني الآن. كز على أسنانه يحجم الانفعال من البداية معها، فدمدم بتحذير:
-كلميني عربي يا ميسون، مش عشان ما انتي في بلدك دلوقتي، هتنسي اللغة اللي اتعودتي عليها بقالك سنين؟ ظهر الحنق على قسماتها لتردف بقهر مكتوم: -وماله لما أكلمك بلغة بلدي أو حتى أمشيك على قواعدها، ما أنا بقالي سنين معاك في بلدك وبتكلم بلغتك، وبتبع كل أوامر والدتك، حتى وأنت هاجرني بالشهور، مرمية زي الكرسي اللي قاعدة عليه دلوقتي.
أشاح بوجهه عنها يزفر أنفاسًا متسارعة كي يهدأ من عواصفه، يمنع نفسه عن التلفظ برد قاسٍ، وكي يمتص غضبها قليلًا، فهذه البداية غير مبشرة على الإطلاق. بعد لحظات قليلة استعاد توازنه، ليقول بلهجة هادئة نوعًا ما: -ميسون أنا اتصلت بيكي وطلبت أننا نتقابل عشان نلاقي حل وسط، مش عشان نتخانق؟ على نفس الوتيرة التي لم تهدأ داخلها، ردت بتحفز:
-وماله لما نتخانق، هتصدق لو قولتلك أني ياما اتمنيتها دي، ما هو معنى أننا نتخانق يا عدي، يبقى في فرصة للصلح والتفاهم بعدها. عادت بجذعها للخلف على مقعدها تتابع: -لكن أنت مش عايز كده صح؟ عايز الحياة ما بينا تبقى مستمرة على حالها في الجمود، لحد ما أزهق أنا وأقول حقي برقبتي، زي ما حصل فعلًا. قلب عينيه بسأم، وافتر فاهه يهم بالتحدث، ولكنها أوقفته بقولها: -أنت ليه ما حنتش يا عدي؟
فاجأته بالسؤال حتى لاح على ملامحه الاضطراب، ولكنها واصلت في البوح بما يجيش بصدرها: -شايفني وحشة ولا باردة؟ طب لو وحشة أو مش عاجباك ليه اتجوزتني؟ أو لو باردة مسألتش نفسك أنا ليه كده؟ تلقف سؤالها الأخير وكأنه وجد الثغرة، ليبادل سؤالها بسؤال: -حلو أوي، قوليلي بقى يا ست ميسون، ليه أنتِ كده؟ امتدت رأسها نحوه، واضعة عينيها بخاصتيه تجيبه بقوة:
-عشان أنت اللي وصلتني لكده، أنا عارفة أني كنت الاختيار الأمثل لوالدتك، وأنت وافقت تنفيذًا لرغبتها، لكن أنا وافقت بيك عشان كنت بحبك، أيوه كنت بحبك. على قدر اللحظات القليلة اللي قابلتك فيها وأنت عازب في الحفلات اللي جمعت بين العيلتين، ده ما منعش أني أحبك. أجفل لهذا الاعتراف المباغت، وللمرة الثانية تربكه بصراحتها الغريبة عن طبعها المتحفظ في العادة، ظل على صمته وهي واصلت:
-مستغرب كلامي صح، وأكيد بتسأل نفسك، هي ليه عمرها ما قالت الكلام ده واحنا مع بعض، أنا برضه هرد وأقولك أنك السبب....... عشان أنت أناني، عايز اللي قدامك بس هو اللي يعطي، أنا لو حسيت بربع الحب اللي في قلبي منك، كنت رميت نفسي في حضنك من غير انتظار، أنا كنت بموت على كلمة حلوة تقولها، كنت بتقهر لما أشوف الحب في عيون مصطفى لمراته، وأنا نفسي ألاقي منك أي اهتمام يا عدي.
خرجت الأخيرة بضعف لم تقو على كتمانه، وقد أسقطت كل حصونها أمامه، فلم يعنيها أي شيء الآن، أما هو فقد ابتلع ليُحاول الرد بلطف، يبتغي من خلفه المساومة:
-أنتِ أكيد إنسانة رائعة يا ميسون، وأنا لو كنت قصرت في حقك، فده بيحصل كتير، ياما جوازات بتفشل الأيام دي، ودي مش نهاية الدنيا، أهم حاجة دلوقتي الأولاد، لازم نراعي البعد النفسي للمرحلة دي من سنهم، مينفعش يتقلعوا كده من جذورهم مرة واحدة، أنا والدهم وعمري ما هبعدهم عنك، لو عايزة أجيبهم كل شهر ويقضوا الإجازات معاكي بالشهور، أكيد مش همنع.
تبسمت ساخرة، فلم يفاجئها رده الصادر من أنانية بحتة، جعلته حتى لا يتأثر بقولها، وما باحت به منذ قليل، وهي لن تكون ضعيفة أو تستجدي عطفه عليها، انتفضت فجأة لتقف متلبسة ثوب الامبالاة، سلاحها المتبقي للحفاظ على كرامتها، وقالت بتعالي: -أنا شايفة المقابلة لحد دلوقتي مفيش منها جدوى، أنت مصمم تاخد الولاد معاك، وأنا خلاص سيبت الأمر في إيد جدي، واظنك عرفت قراره كويس. نهض هو الآخر سائلًا بانفعال: -يعني إيه يا ميسون؟
جدك أصدر فرمانه، ومفيش منه رجوع. مطت شفتيها وهي ترفع النظارة الشمسية لتضعها على عينيها مرددة بعدم اكتراث، قبل أن تنسحب وتذهب: -والله أنا بلغتُك إني سيبت الأمر في إيده، يعني مفيش فايدة من الكلام معايا، عن إذنك. ***
استيقظ من نومه، شاعرًا بحرارة الشمس التي اخترقت الغرفة من نافذة الشرفة التي كانت مفتوحة على مصراعيها، حتى وصلت إلى فراشه، زفر ساخطًا، وهو ينهض بجذعه بضيق، ليتناول الهاتف كي يرى الساعة عليه، زوى ما بين حاجبيه مستغربًا حينما رآها تعدت الثانية عشر ظهرًا، هو في الطبيعي يتأخر في الاستيقاظ، لكن ليس إلى هذه الدرجة، نهض عن سريره بخفة ليخرج مناديًا على والدته: -أما، أنتِ فين ياما؟ وصله صوتها من المطبخ وهي تخرج إليه سريعًا:
-أنا هنا يا نور عيني، صباح الخير. جلس على كرسي مائدة السفرة التي استند بمرفقيه عليها، يرد تحيتها بنزق: -صباح الفل ياما، كده برضو تخلي الشمس تحرق في عيني؟ بلهجة متأسفة ردت تستجدي رضاه: -سامحني يا قلب أمك، دخلت لميت الغسيل من البلكونة، ونسيت أقفلها، تحب بقى أحضرلك الفطار. رفع رأسه المثقل ليقول بتهكم: -يعني مش بعادة يعني السيد الوالد يسبني أنام براحتي، إيه ناوي يرضى عني النهاردة ويديني إجازة؟ جلست تقول بتنهيدة ساخطة:
-ما هو فعلاً عاملها إجازة، بس إجازة على الجميع، أصله بيجمع الرجالة وعايز يعمل عزوة للمحروسة النهاردة في خطوبتها. انتبه ليرفع رأسه لها سائلًا بتحفز: -قصدك مين؟ شهد؟ -أيوه يا خويا هيكون من غيرها يعني؟ تابعت غير آبهة بالتجهم الذي اعتلى ملامح ابنها، والشرر الذي كان يقدح من عينيه:
-أصلها هتعمل الخطوبة في قاعة وعازمين لوءات وظباط زمايله وقرايبهم قال، أتاري المنيلة وقعت واقفة، واتلمت على ناس كبارات، طبعًا تخطيط على العالي، دي أختي نرجس بتحكي على الهدايا اللي جابها البيه خطيبها، ولا الهدوم اللي دفع فيها شيء وشويات، وكله كوم والشبكة كوم تاني، دي بعتتلي الصورة على الواتس، يالهوي يا إبراهيم، حاجة كده الأفرنكا، مش بلدي زي اللي إحنا جبناها لأمنية، فاكر يا إبراهيم إحنا دفعنا في الشبكة كام؟ -خلاص ياما.
هتف بها مقاطعًا بحدة وعدم تحمل، ليصيح متابعًا بأمر: -قومي حضري الفطار بقى، معدتي نشفت من الجوع. -يا حبيبي يا بني. هتفت بها سميرة وهي تنهض عن مقعدها سريعًا تردد وهي ذاهبة: -حالًا هتلاقي فطورك جاهز، حقك عليا، ما أنت اللي اتأخرت في نومك. انتظرها حتى اختفت بداخل مطبخها، ليستل هاتفه من جيب بنطاله البيتي، وضغط على الرقم المعروف، فجاءه الرد سريعًا كالعادة: -الوو يا هيما، صباح الخير يا قلبي. هتف بخشونة يوبخها:
-صباح الزفت، ما اتصلتيش بيا ليه تبلغيني بآخر الأخبار؟ -أخبار إيه؟ قالتها بعدم فهم، قابل قولها بغضب: -أنتِ هتستعبطي يا روح أمك؟ أنا بتكلم عن خطوبة المحروسة، ما قولتيش ليه إنها هتتعمل في قاعة؟ ردت بصوت مهتز: -يا حبيبي ما أنا معرفتش غير الصبح، بعتلك كذا رسالة، أستأذنك عشان أخرج، ولما مردتش..... صاح يقاطعها بصوت عالٍ: -تخرجي ولا تزفتي، أنا بتكلم في إيه؟ وأنتِ بتتكلمي في إيه؟
-يا إبراهيم افهمني، ما هو أنا مضطرة دلوقتي أرجع فستاني وأجر واحد أحلى، بعد ما فاجأتني المحروسة بعملتها، وكأنها قاصدة تبيني أقل منها. -بس يا زفتة. صاح بعنف يوقف إسهابها، فانتفضت تغلق فمها في انتظاره. التقط أنفاسه ليفرغ طاقة غضبه في بث السموم كالعادة: -اللي عايز أعرفه دلوقتي، هي جابت منين أجرة القاعة؟ هي البت دي هتفضل كده تعمل عمايلها وأنتم زي الهبل ساكتين؟
-لأ يا إبراهيم، ما هي بتقول إن المهندس هو اللي متكفل باللّية، وعاملها قال مخصوص عشان قرايبه، شوفت بقى الحظ، متكفل بالخطوبة كلها، ومش هامه العوايد اللي ماشيين عليها، بيحبها يا سيدي.
قالتها أمنية بمغزى وصله على الفور، ليزيد من غليل حقده، يضغط على شفته بأسنانه حتى كاد أن يدميها، بأنفاس متسارعة، الحمقاء تردف الكلمات بقصد إشعال غيرة المنافسة بداخلها، ولا تعلم بأنه محترق من الأساس، لا يرى نتيجة ملموسة لكل ما يخطط له، ولكنه لن يقف مكتوف الأيدي. حين طال صمته، وصله صوتها: -سكت ليه يا إبراهيم؟ تمالك كي يسيطر على مراجل الغضب بداخله، ورد بلهجة جعلها هادئة بعض الشيء:
-مسكتش ولا حاجة، أنا بس كنت بفكر في كلامك، روحي دوري على فستان عدل لخطوبة أختك، وأنا كمان هاجر بدلة كويسة أحضر بيها. صاحت مهللة من محلها: -حبيبي يا إبراهيم، يعني أنا وأنت هندخل، وحاطين إيدينا في إيدين بعض. -آه أمال إيه؟ ونرقص رومانسي كمان. في وقت آخر لو سمعتها لذهب ظنها للسخرية، ولكن اللهفة بداخلها الآن جعلتها تتلقف قوله بالتصديق مرددة: -يا لهوي عليا، أنا حاسة قلبي هيوقف، ربنا ما يحرمني منك يا هيما القلب كله.
يجاريها حتى ينهي المحادثة: -ماشي يا ستي اقفلي بقى عشان ما أقلبش. -يا نهار أبيض، تقلب دا إيه؟ ده أنا ما صدقت، سلام بقى، وهقفل من عندي. ألقى الهاتف على سطح المائدة، وهو يتوعد بداخله: -يعني برضه المحروس هيمشي ويتم الخطوبة، تمام...... أما نشوف إيه آخرتها بقى؟ ولا مين اللي هيضحك في الآخر. *** في المنطقة الساحلية
وفي ذاك المنزل الخالي من جميع السكان إلا منها، وقد أصبح لها المأوى الآمن منذ هروبها، كانت بداخل المطبخ المفتوح، حينما شعرت بدخول أحدهم، وخرجت إلى البهو لتتبين أنها صديقتها؛ مالكة المنزل التي تختفي بداخله من أعين الشرطة، وحراس كارم، وعقاب زوجها. -صباح الخير، عاملة إيه النهاردة؟
قالتها المرأة الأربعينية وهي تضع الأكياس الممتلئة على الأرض قبل أن تقترب منها وتقبلها سريعًا على وجنتها كتحية قبل أن تسقط على أقرب المقاعد لاهثة، تنهج من الحمل الذي كانت تحمله، لحقتها لتجلس على الأريكة المجاورة لها، تقول بحرج وأعينها مازلت منصبة على الأشياء الكثيرة التي احتلت الأرضية: -كل ده أكل وطلبات يا سوزي، هو أنا لحقت أخلص اللي في التلاجة؟
قيمتها المرأة بنظرة سريعة، من شعر رأسها المشعث في الأعلى، ثم هذه البيجامة الصيفية بقماشها الخفيف، بنصف كم، وبنطال قصير حتى ركبتها، ثم هذا الخف الملتصق بقدميها، فقالت بعدم رضا: -إنتي مالك مبهدلة في نفسك كده؟ مش عادتك دي يا جيرمين؟ التوى ثغر الأخيرة لترد بتهكم ظاهر: -وهتزوق ولا أتعدل لمين يا حسرة؟ للحيطان؟ -مش لأي حد، لنفسك يا جيرمان. قالتها المرأة لتصيح بها الأخرى محتجة: -لنفسي كمان؟ هو أنا بقى عندي نفس أساسًا؟
سيبيني في حالي الله يخليكي. قالتها الأخيرة واستلقت رأسها بتعب للخلف، فعقبت الأخرى بمؤازرة كي تخفف عنها: -معلش يا حبيبتي، نعمل إيه بقى؟ نصيبك كده، يعني نفضل نخطط ونظبط، وأجيبلك المادة التمام معايا من أمريكا نفسها، وعلى الأخير كل حاجة تبوظ بسبب عيل. ضربت بكفيها على فخذيها تردد بغيظ يقارب الولولة:
-عشان حظي الهباب، بدل ما آخد حقي من بت الجزمة دي اللي كانت حاطة السكينة على رقبتي، ينقلب الوضع وتبقى هي الضحية في عيون جوزها والناس كلها، وأخسر أنا كل الفلوس والعز اللي كنت عايشة فيه، وعليهم جوزي والولاد اللي لبسوا فضيحة بسببي، آه يا أنا يا ناري. وافقتها الأخرى مرددة خلفها: -بصراحة عندك حق، ده أنا كل ما أراجعها في دماغي مخي يشت، بس أقول إيه؟
خلينا بقى في اللي جاي، وأنا بظبطلك الورق المضروب اللي اتفقنا عليه مع الواد اياه، وهسفرك في أقرب وقت، وابقى سوزي قالت. ردت تطالعها بامتنان شديد: -تعيشي يا حبيبتي وما ننحرم منك أبدًا، مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه؟ صاحبتي الغالية من أيام الفقر والمرمطة. نهضت المرأة تقول بعملية وهي تخلع عنها سترتها:
-أيام الفقر، أيام الزفت، خلينا في المهم، الواد حامد الأبله، كل يوم مصدعني بسؤاله عنك، ابن المجنونة مش مكفيه الفلوس اللي أخدها، بيقولي عايز تعويض قال عن الوظيفة اللي خسرها، والبوليس اللي بيدور عليه. -جاته مصيبة تاخده، هو مش مكفيه اللي حصلي؟ هتفت بها جيرمين وهي تتبع صديقتها، والتي دخلت المطبخ بالأشياء التي ابتاعتها لتضع بعضها في الثلاجة، والباقي في درفة الخزين، وتابعت بشرود وهي تتناول إحدى ثمار الفاكهة من التفاح:
-آه يا سوزي، ياما كان نفسي على الأقل حتى أنشر صورها بالقميص العرياني، دي كانت هتبقى فضيحة بجلاجل، على الأقل كانت هتبرد ناري. تركت المذكورة ما بيدها لترفع سبابتها أمامها محذرة: -إياكي تعمليها يا جيرمين وتفتحي التليفون، أنا مفهمش في التكنولوجيا، بس أعرف كويس إن تليفونك بمجرد ما هيتفتح هتلاقي البوليس طب فوق راسك، ما تودينيش في داهية الله يخليكي. رددت سريعًا تطمئنها: -لا طبعًا متخافيش، أنا لا يمكن أضرك....
توقفت فجأة لتردف: -بس أنا ناري قايدة يا سوزي، أعمل إيه في القهرة دي؟ يعني تأذيني وفي الآخر برضه. هي اللي كسب كل حاجة. ضيقت المرأة عينيها وبدا على وجهها التفكير بعمق، لتجاريها باهتمام قائلة: -سيبها للظروف يا جيرمين، مش يمكن تلاقي الفرصة اللي تخليكي تنتقمي فيها على حق. ***
في الركن الذي اتخذته مكانًا لها منذ سجنها في هذه الغرفة الكبيرة مع عدد من النساء المحتجزات على ذمة قضايا، ما بين مذنب أو غير مذنب، أو متهمة مثلها، كانت مودة مفترشة الأرضية منزوية مع نفسها كالعادة، وأنظارها مرتكزة على من كانت السبب الرئيسي فيما حدث لها، وقد علمت بكل التفاصيل من محاميتها التي تبذل الجهد المضاعف لإخراجها من محنتها الآن، تلعن غباءها كل لحظة، لقد ثبت لها بالدليل القاطع الآن أن هذه الملعونة، خبيرة ومعتادة على دخول السجون، لقد فرضت شخصيتها منذ دخولها، بل وجعلت عدد من النساء لخدمتها، حتى من كن متربصات بها، لم تتمكن واحدة منهن في الاقتراب منها.
-أبلتي أبلتي، هي البت دي مش ناوية تشيل عينها من علينا ولا إيه؟ قالتها إحدى الفتيات الصغيرات ممن يجلسن بجوار فراشها الذي كانت مستلقية عليه على الأرض. رفعت ميرنا رأسها نحو ما تقصد، لتنفث دخانًا كثيفًا من سيجارتها، ثم عادت لوضعها الأول تجيبها: -معلش يا سكسكة، سيبها لحالها دي على الله حكايتها. -هي مين دي اللي حكايتها على الله؟ هتفت بها الفتاة ذات العشرين ربيعًا تتابع بسخط:
-دي بت كهينة وشكلها لافقة على واسطة كبيرة، دي من وقت ما هلت علينا هنا، وما حد فينا قدر يقربلها، الظابط عصام موصي عليها بالقوي، يعني حتى استقبال المعلمة متتعملش معاها، ولا طالها اللي طالنا كلنا... قالت الأخيرة ويدها تتلمس موضع الضرب على ذراعيها وضهرها، استدركت لتصحح على الفور بهمس خفيض حتى لا يصل الصوت للناحية الأخرى: -إلا أنتِ طبعًا يا ست ميرنا، سكّتِ الكل ولبستيهم طرح.
أظلم وجه الأخيرة، وهذه الحقائق التي تتضح أمامها دون بذل الجهد، الأخرى أخذت تعاطف الجميع، لينصب البحث عليها هي؛ حتى تم الإيقاع بها، ألقت بنظرة نحو الأخرى بطرف عينيها مدمدمة: -والله عال يا ست مودة، واحدة هبلة تلبسني قضية وأدخل فيها السجن، على أساس إن أبقى كبش فدا، لكن وديني ومقصوصي ده ما يحصل. ***
في حديقة المنزل كانت الجلسة التي تجمع زهرة وابناءها مع رباب التي اشتاقت إليها في ضيافة كاميليا، والتي كانت لا تكف عن الحديث في مواضيع شتى، سعيدة بجمعتهم: -طارق خلص الاجتماع من هنا وأنا جريت على الحمام بسرعة، رجعت كل اللي في معدتي، وفضلت على الحال ده، أروح وأجي على الحمام، لحد ما لميت نفسي وجيت على البيت من غير ما أكمل اليوم. -ما يمكن تكوني حامل يا كاميليا؟ قالتها رباب بتخمين منها، أيدتها زهرة هي أيضًا:
-آه والله، وليه لا؟ طب ياريت. ضحكت تردد بشعور مختلط ما بين الرفض وعدم الرفض: -ياريت إيه أنتِ كمان؟ أنا أساسًا محصنة نفسي يعني.... قاطعتها زهرة بتصميم: -يعني ولا ما يعنيهوش، ربنا لو رايد، والله لو تعملي إيه؟ هيحصل يعني هيحصل. عقبت شقيقتها بابتهاج: -حقه لو طلع تخمينا صح، تشدي حيلك بقى وتجيبي لنا بنت تاني زي فريدة، أنا الإنتاج ده عاجبني أوي بصراحة.
ألقت زهرة بنظرة خاطفة نحو الصغيرة التي كانت تلعب بالكرة المطاطية حول أكبر ابنها مجد والذي كان جالسًا بهيبته، يتقبل دعابتها بصدر رحب، لتقول بفخر: -ديدة دي حبيبة قلبي، عروسة ابني غصب عن والدها ووالدتها. -طب وغصب ليه بس؟ ما إحنا سلمنا أمرنا لله بعد الفرمان اللي أصدره عامر باشا، وقولنا آمين، هو إحنا نقدر نعترض. قالتها كاميليا وانطلقت ضحكات الاثنين قبل أن تقاطعهم رباب سائلة بعدم فهم: -فرمان إيه اللي أصدره عامر الريان؟
تولت زهرة الإجابة وهي تطعم صغيرها الذي كان يتعلم السير حولها: -ما تفهمي بقى يا رباب، عامر باشا أصدر أمره، إن فريدة لمجد، ومجد لفريدة. سمعت منها لتهلل ضاحكة: -الله حلو أوي القرار ده، عشان كده بقولك يا كاميليا، أنا كمان عايزة الإنتاج ده عشان أجوزها لابني. -نعم يا أختي. هتفت بها الأخيرة باستنكار ضاحك لتنطلق عدة تعليقات مختلفة في المزاح والضحك بين الثلاثة، قبل أن ينتفضن على صرخة عالية من أحد الصغار.
نهض ثلاثتهن بارتياع نحو الجهة التي صدر منها الصوت، حيث كان يتشاجر التوأم أبناء زهرة بجانب عمار الذي كان ما زال على حالته في الصراخ برعب، متفاجئًا بعنف الاثنين. كانت كاميليا هي الأسبق في فض الاشتباك لتمسك بالولد وزهرة تمسكت بالبنت، ليفصلاهما بصعوبة، أما رباب فاحتضنت ابنها لتهدئته: -بس يا حبيبي دول بيهزروا..... صرخ رامي قاطعًا إياها والذي كان يقاوم بين يدي كاميليا: -مكنش هزار، أنا كنت بربيها. ردت رنا توأمته
لتزيد من اشتعال غضبه: -أنا اللي انتصرت عليك على فكرة، حتى بالأمارة طلعت شعرك في إيدي. قالت الأخيرة رافعة كف يدها الصغيرة أمامه، والتي التف حول أصابعها بعض الشعيرات الطويلة من شقيقها، والذي ما إن وقعت عيناه عليهم حتى جن جنونه ليصرخ، ويحاول الإفلات بكل قوته، حتى يستطيع أن يفتك بها: -هموتك يا رنا، هقطعلك شعرك كله يا رنا. صرخت زهرة على المربية التي أتت هي أيضًا مجفلة على الصوت: -يا دادة، خديه الله يخليكي ونظفيه جوا.
انصاعت المرأة لتحمله بصعوبة، نحو مدخل المنزل، وتوجهت زهرة لابنتها قائلة: -حرام عليكي، هتجيبي جلطة لأخوكي من قبل ما يدخل الابتدائي حتى، تعالي أما أغيرلك أنتِ كمان ونشوف طريقة نصالح بيها أخوكي. حملتها على يديها قبل توجه خطابها لصديقتها: -كاميليا خلي بالك من ظافر. ردت الأخيرة وهي تتناول كف الصغير: -روحي يا قلبي متقلقيش، هي دي أول مرة يعني؟ -لا طبعًا مش أول مرة.
غمغمت بها زهرة وقبل أن تتحرك لفت نظرها عمار الذي كان ما زال يرتجف في حضن والدته، لتعقب بإشفاق: -يا عيني يا ابني، أول مرة فيها يشوف المناظر البشعة دي. ضحكت كاميليا هي الأخرى تضيف على قولها بسخرية: -أول مرة يشوف فيها خناقة على حق، معلش يا قلبي بكرة تتعود وتبقى زيهم. ***
عاد أخيرًا بعد أن أنهى جولته الميدانية اليومية، وقد مر على جميع الأقسام، ليجمع البيانات والمتطلبات الناقصة لهم، بخطواته السريعة كالعادة، حتى يأخذ مكانه على المكتب المقابل لها، جارته القمر التي أرقت ليله، وأطاحت بحكمته نهارًا، ليصبح كمراهق صغير، نظرة واحدة من محبوبته تروي ظمأ اشتياقه، وتعطيه جرعة من السعادة تدفعه لحب الحياة والعيش من أجلها. دخل الغرفة ليتفاجأ بها تتحدث في الهاتف ويدها تعمل في
لملمة الملفات التي أمامها: -بتتكلمي جد؟ ...... يعني هي خلاص على كده هتخرج ببراءة؟ ...... خلاص بقى يا مدام صفاء شدي حيلك معاها. انتبهت لترفع رأسها إليه وتهديه ابتسامة ما أجملها، رغم انصباب تركيزها مع محدثتها على الهاتف: -وماله يا مدام لما تخرج بكفالة؟ شدي حيلك أنتِ بس معاها، واحنا ربنا يقدرنا إن شاء الله وندفعها، أهم حاجة بس إن ميضعش مستقبلها..... تمام ربنا يباركلك.
أنهت لتلتفت إليه، والابتسامة الساحرة ما زالت تزين ثغرها، بادرها بسؤاله الفضولي: -شكلك كده في أخبار حلوة عن صاحبتك؟ -صح. تفوهت بها بغبطة تغمر قلبها لتردف مستطردة: -أصلهم لقوا الخاتم، بعد ما ظبطوه عند ميرنا، أتاريها هي اللي كانت سرقاه من شنطة مودة. -معقول! أنتِ بتتكلمي جد؟ قالها شادي بعدم استيعاب، ورددت هي بتأكيد ويدها تضع الملفات التي رتبتها منذ قليل بداخل أدراج المكتب:
-والله زي ما بقولك كده، ربنا وجعها في شر أعمالها، الست دي أنا عمري ما استريحت لها. لم يغب عن شادي أن يذكرها بخطأ الأخرى: -والله وأنا كمان، بس عشان نبقى حقانيين، غلط صاحبتك هو اللي وصلها لكده، ياريت تاخد عبرة من اللي حصل وتتعلم بقى. -أكيد، وأنا كمان معاملتي معاها هتبقى غير، ومش بعيد أقطع معاها، بس هي تطلع من مصيبتها. علق بإعجاب ظاهر: -برافو عليكي، هو ده الصح، هي دي صبا اللي أنا عارفاها. دمدم بالآخيرة،
قبل أن يسألها باستغراب: -طيب بتلمي الملفات وتعلقي شنطتك على كتفك ليه؟ هو أنتِ وراكِ مشوار؟ ردت تجيبه بفرح أنار وجهها وهي تتحرك للذهاب: -أصل النهاردة خطوبة شهد في القاعة، عايزة أروح أجف معاها، ويدوب أحصل ميعادي معاها في البيوتي سنتر. رغم حزنه لمغادرتها السريعة إلا أن السعادة التي كانت بادية على ملامح وجهها كانت تكفيه في هذه اللحظة ليحتفظ بها في مخيلته لباقي يومه، لذلك كان رده السريع معها بود وأمنية
يتمنى تحقيقها بداخله: -ألف مبروك لشهد وعقبالك أنتِ كمان. *** في المساء
دلف لداخل القاعة بصحبته كما وعدها، وقد كان مرتديًا حلة كاملة بدون ربطة عنق، يتبختر بتباهي قاصدًا أن يلفت النظر إليه، وهي تلف يدها حول ذراعه بفرحة تجعل قلبها يتراقص داخل قفصها الصدري، لا تصدق ما يفعله معها اليوم، لقد نفذ أكبر رغباتها وهي أن تسير متأبطة ذراعه أمام جمع المدعوين من أقربائها أو عائلة العريس، والتي يبدو من هيئاتهم حجم الرقي والثراء، لقد كان كريمًا معها اليوم لدرجة جعلته يتغزل في فستانها الحريري، الذي أظهر جسدها الملفوف بروعة، كما انعكس لونه النبيتي على زينة وجهها ليزيدها بياضًا كما قال لها ووصفها "ببطته"، ثم أخذها في سيارة صاحبه ليكمل فرحتها.
رغم بداية اليوم التي كانت بالسباب والتوبيخ منه، إلا أنها تشعر أن هذا هو أفضل أيامها، مع انتظار أن القادم يحمل بجعبته الكثير لها مع إبراهيم حبيب طفولتها الذي سوف يصير ملكها عن قريب حينما تتزوجه: -نقعد فين بقى؟ سألها بنبرته الخشنة لتستفيق من شرودها، وجاءت إجابتها بلهفة: -إحنا ممكن نقعد مع خالتي وأمي اللي قاعدين على طاولة لوحدهم، أو ممكن نقعد لوحدنا، إنت إيه رأيك؟ نظر لها بطرف عينيه من مستوى طوله الذي يفرق عنها كثيرًا
ليقول: -إيه ما كفاكيش اللف بالعربية؟ نفت بهز رأسها تردد بمرح: -لا، أنا عمري ما أشبع منك يا إبراهيم، ولا من القعدة لوحدنا. تصنع ابتسامة بزاوية فمه، قد فعلها كثيرًا طوال اللحظات التي مضت، ليدعي لطفًا زائفًا: -وأنا كمان عمري ما أشبع منك يا بطتي، بس كفاية بقى، خلينا دلوقتي نقعد معاهم، ليبقى منظرنا وحش. قالها وتحرك بعدم انتظار رأيها، ليسحبها معه نحو الطاولة التي تضم والدته ووالدته، أخفت انزعاجها وغمغمت بتبرم:
-ويعني إحنا كل يوم بنخرج، ولا هما هيخافوا لما يقعدوا لوحدهم؟ ياللا بقى بلا هم. *** وفي الجهة الأخرى حيث تجلس نرجس بجوار شقيقتها التي لا تكف عن الحديث عن مظهر المدعوين وحجم الحفل وتكلفته وعمل المقارنات: -شايفة يا نرجس، القاعة مليانة رتب عالية، يالهوي، مش ده الراجل اللي بيطلع في التليفزيون، وبيظهر مع المذيع اياه يتكلم عن حالة الأمن في البلد، يا مصيبتك يا سميرة، أنا جسمي بقى يتلبش. -جسمك يتلبش ليه ياما؟ مطلوبة في قضية؟
علق بها إبراهيم وهو ينضم ليجلس معهن ومعه أمنية، فردت نرجس مؤيدة لها: -متلومش عليا يا ابن اختي، ده أنا نفسي بصراحة مستعجبة الناس النضيفة دي. قال من تحت أسنانه وقد استفزته العبارة: -نضيفة ده إيه؟ على أساس إن إحنا وسخين مثلًا. ردت نرجس بدفاعية مبررة: -لأ يا بني أنا مش قصدي كده، هو إحنا فيه أنضف مننا؟ ما هو بصراحة يعني.. إحنا اتفاجئنا بالمستوى. تدخلت أمنية بردٍ متوازن بعض الشيء، نظرًا لمزاجها الرائق:
-يا جدعان ما تتعبوش نفسكم في إزاي واتفاجئنا والحاجات دي دلوقتي، خلونا نعيش اللحظة، هو أنتوا قاعدين لوحدكم ليه صحيح؟ مصمصت سميرة بشفتيها لتقول بتهكم: -عمك عابد يا أختي عامل نفسه كبير العروسة، قاعد يرحب مع اللي اسمه أبو ليلة ده بقرايب العريس، ولا كأنه أبوها والتاني عمها. زفر إبراهيم بحريق يكتمه ليردد خلفها: -معلش ياما، ما هو بيقف مع الجميع في الحارة، حتى مع اللي مالهمش أصل، جت عليها يعني.
جملته كانت قاسية، لدرجة انتبهت لها أمنية لتخبت ابتسامتها، وقد شعرت بأن الوصف قد مسها هي أيضًا، ولكن كالعادة تغاضت حتى لا تفتعل مشاكل وتعكر صفو ليلتها، فعادت بسؤال والدتها: -طب والست زبيدة ياما، مش بعادة يعني متبقاش معاكي؟ عادت سميرة للمصمصة بشفتيها لتردد ساخرة:
-ما هي دي كمان يا نور عيني شافت نفسها، مرات الصعيدي أبو قصعة، عاملة نفسها هانم ودخلت في زواريق اللي اسمها مجيدة، وقاعدين على طاولة واحدة، ومعاهم أم البت الأجنبية صاحبة أختك. -آه قصدك لينا، بس دي مش أجنبية يا خالتي. -أجنبية ولا زفت، ما تخلصونا بقى في أم السيرة دي. قالها إبراهيم ليقطع سير حديثهم، فقد غلبه طبعه الحاد في إخفاء ضيقه أكثر من ذلك. *** -هما العرسان هييجوا إمتى؟
صدر السؤال من أنيسة وقد أزعجها تأخرهم، لم تنتبه لها مجيدة فقد كانت منشغلة بالحديث مع إحدى النساء من أفراد العائلة، وتكفلت بالرد زبيدة: -هما خلاص على وصول، صبا بنتي بلغتني في اتصال من شوية. ظهر الارتياح على وجه أنيسة، لتردف بعد ذلك بغيظ، حينما التفت لها مجيدة: -أنتِ يا ست أنتِ مقعدانا جمبك ليه؟ وأنتِ مشغولة عننا كده. سمعت منها لتردد ضاحكة بمرح: -وفيها إيه يا أختي لما أنشغل عنك، مش أم العريس ويحقلي الله.
ضحكت بالتبعية لها الأخرى، تشاركها القول زبيدة أيضًا: -أيوه يا أختي من حقك أمال إيه؟ ده إحنا عندنا في الصعيد بنطلع لها أغاني أم العريس. هلتلت مجيدة بمرح مرددة لها: -طب ما تسمعيني يا ولية أنتِ، أنا عايزة أحفظها وأدلع نفسي. رددت زبيدة ضاحكة: -وه، دلوك. -أيوه دلوك. قالتها مجيدة قبل أن تجفل مع الجميع على دخول العروسين بتغير الأضواء وانطلاق الأغنية الافتتاحية. ليدلفا الاثنان من المدخل، بهيئة تخطف الأنفاس.
العريس كان يرتدي حلة من اللون الأبيض بمظهر شبابي حتى بدا كنجم سينمائي، وعروسه التي كانت مفاجأة الجميع بهذا الفستان السماوي والمطرز بحبات لامعة، تظهرها الإضاءة كفصوص الألماس، ابتسامتها الرائعة ملأت شدقيها، باندماج واضح معه، توقفا الاثنان فجأة في ساحة الرقص، لتشتعل الساحة بأغنية رومانسية هما وحدهما، يتمايلا على أنغامها كما تتمايل الطيور على أغصانها، بسعادة تطل من العيون وتترجمها الخطوات المتناسقة، بقرب جعل معظم الحضور وقفوا صفوف حولهم متابعين ومشجعين، تاركين الجمب الآخر مقهورين.
-إبراهيم، يا إبراهيم بص لي. هتفت بها أمنية بجواره لتجذب انتباهه نحوها، بعد أن تسمرت رقبته على وضعها الجانبي منذ دخولهما، فالتف نحوها، ليحدجها بنظرة نارية أرعبتها لتعقب سائلة: -إبراهيم أنت بتبصلي كده ليه؟ استدرك ليرخي ملامحه قليلًا قبل أن يجيبها بانفعال: -أنا مش قصدي عليكي أنتِ يا أمنية، أنا بس مستغرب قلة الحيا في الرقص والأحضان، عاجبك كده يا خالتي؟
التوى ثغر نرجس كإجابة واضحة لرفضها وسميرة كان ردها بمصمصة الشفتين التي لم تتوقف عنها، فقالت أمنية بحماقة: -أنا فاكرة يوم خطوبتنا كانت بتعيب علينا، وتقول ما يصحش وعيب، وأهي دلوقتي بتقلدنا. رمقها بنظرة خطرة يحجم نفسه عن الانفعال عليها، فخرج صوت نرجس تعبر عن ضيقها: -أنا اللي غايظني إن محدش بيجيب عليها عيب، يعني البت رؤى أهي بتهيص وكأنه فرحها، وجنبها أبو ليلة الراجل الصعيدي بيصقف بكفوفه، ولا حتى نقح عليه الدم الصعيدي.
علقت سميرة من خلفها: -أنتِ شوفتي بس أبو ليلة، ما شوفتيش يا حبيبتي جوز أختك وهو بيهيص لهم من مطرحه اللي قاعد فيه. تطلع إبراهيم نحو الجهة التي أشارت إليه والدته ليجد والده، يتابعهم بابتسامة متسعة، وكأنه يزوج ابنته البكر، فخورًا بها. زفر مطولًا، يحاول التماسك والتحلي ببعض الصبر الذي وعد به نفسه، كي يبدو طبيعيًا أمام الجميع، مخفيًا ما يكنه صدره. ***
وإلى صبا التي اقتربت من الطاولة التي تجلس عليها والدتها بطلتها البهية كالعادة، بل وتزيد عليها اليوم بزينة أخت العروس، كما وصفت نفسها لكل من سألها عن جهة القرابة بينهم، مرتدية فستانًا من اللون الجملي، أضفى على بشرتها الخمري الضياء، واللون المميز لعيناها أظهر جماله الصارخ برسمة للعين ما أروعها، مما جعل والدتها تردد الأدعية الحافظة فور أن وصلت إليهن، لتقلدها مجيدة لكن بصوت عالٍ:
-بسم الله ما شاء الله، إيه القمر اللي طل علينا ده؟ ضحكت بمرح: -أمر بالستر، ربنا يحفظك يا ست مجيدة، مبروك للعريس. -الله يبارك فيكي يا حبيبتي، عقبالك يا رب. قالتها مجيدة لتردد من خلفها زبيدة: -إن شاء الله قريب، وهنجيبك تحضري معانا، ما أنتِ بجيتي من أهل البيت خلاص. ردت بمحبة خالصة وهي تشير بسبابتها أسفل عينيها: -من عنيا الجوز، بس أنتوا شكلكم في موضوع، وأنا مش هحشر نفسي وهستنى الدعوة.
صمتت صبا تاركة لوالدتها التفسير الذي خمنته من البداية، لتخبر مجيدة عن موضوع الساعة في منزلهم، وذلك لقدوم هذا العريس المزمع غدًا في جلسة التعارف المتفق عليها كما هو معلن، لكن كما ترى من والديها، يبدو أن الأمر محسوم. أخرجتها أنيسة من شرودها بالسؤال عن ابنتها: -هو أنا ليه مش شايفة لينا من ساعة ما وصلتوا؟ انزاحت قليلاً من أمام المرأة لتشير لها نحو إحدى الزوايا من القاعة قائلة:
-لينا حضرت وجات معانا، أهي هناك دي، اللي بتهزر مع حضرة الظابط. تطلعت مجيدة هي الأخرى بتدقيق، لتجد اندماجًا بين الطرفين النقيضين، في الحديث والمزاح بل والضحك، لتقطب مغمغمة بذهول: -إيه هو ده؟ هو أنتوا كنتوا في سيشن التصوير مع العرسان ولا كنتوا فين بالظبط؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!