في جنح الظلام وعلى أطراف أصابعه كان يتسلل بخفة، داخل المنطقة العشوائية القديمة، مستغلًا انطفاء معظم أعمدة الإنارة بها نتيجة الإهمال، أو عمليات التخريب التي تحدث للمصابيح في كل معركة لمعتادي الإجرام من سكان هذه الأماكن وما يشبهها. استمر بحرصه حتى اقترب من وجهته، بالقرب من المنزل الموصوف، والذي كانت أنوار نوافذه خير دليل على استيقاظ السكان بداخله، ولم يأت ميعاد نومهم بعد.
ألقى بنظرة سريعة على ساعته، والتي كانت لم تتعد الحادية عشر بعد، ليدفع ببعض الزفير من أنفه وفمه، وقد ارتدت قدماه للخلف حتى وصل إلى المنزل المهجور، والذي سقط معظمه فيما سبق؛ حتى أصبحت الجدران للنصف وأقل، تخفى خلف أحدهم، ليجلس منتظرًا مجيء من أتى من أجله مخصوص، بجلبابه الأسود وغطاء الوجه الذي التف حوله ولم يترك سوى عينيه، ليتساوى مع الظلام، فلا يلفت إليه الأنظار من أهل المنطقة، وإن حدث ورآه أحدهم، فسوف يظنه صاحب الحظ السئ شبحًا.
انتهت الرقصة الرومانسية بين العروسين ليذهبا إلى مقرهم الأساسي في الحفل وهو اعتلاء المنصة التي كانت مصممة بأناقة على هيئة تاج لتناسب الأمير وعروسه. استغلت رؤى لتعدو بخطوات مسرعة نحو طاولة العائلة، لتبادرهم القول بتلهف: -ماما يا ماما، شوفتي الفرح، شوفتي العرسان يا خالتي، دا كمان لو روحتوا معانا السيسشن، كان يجنن. التوى ثغر الأخيرة لترمقها صامتة بسخط، وردت نرجس:
-شوفنا يا اختي، وشوفنا كمان تنطيطك ولا اكنك عيلة صغيرة ومش عاملة حساب حد، مش عروسة وعلى وش جواز. رددت خلفها بعدم استيعاب، مشيرة بسبابتها نحوها: -أنا على وش جواز يا ماما؟ -أيوه عروسة وعلى وش جواز، يعني ترسي كدة عشان لو شافك حد من الناس اللي هنا وحط عينه عليكي، ميقولش هبلة. قالتها أمنية بتصنع الجدية، أمام نظرات خطيبها والذي كان جالسًا يتابع بصمت مريب، ولكن الفضول دفعها لتردف بتساؤل:
-ثم إيه حكاية السيشن دي كمان اللي اتأخرتوا فيه، هو مش منظر طبيعي وخلاص، يتنيلوا ياخدوا فيه لقطتين الكاميرا! تبسمت بشقاوة تحرك رأسها أمامها مغيظة لتقول: -مش هقولك، هسيبك كدة تتفاجئي وانتي بتتفرجي عليهم دلوقتي ع الشاشة، واعرفي لوحدك. ختمت بإخراج لسانها لتزيد بعدم اكتراثها: -وهروح بقى أكمل رقص مع أصحابي، عشان لما يشوفني عريس زي ما بتقولي، ياخد ديله في سنانه ويجري. قالتها وذهبت كما أتت لتعقب في أثرها أمنية بغيظ:
-إيه بت الهبلة دي؟ هي بتكلمني كدة ليه؟ عاد إبراهيم ليحدقها بثاقبتيه مرددًا بتحذير: -سيبك منها يا أمنية واقفلي بوقك دا شوية، ولا انتي كان عندك غاية تروحي معاهم؟ نفت على الفور مرددة: -لا لا لا طبعُا، أنا كفاية إني جيت معاك، دي تسوى الدنيا بحالها. صمت يطالعها رافعًا حاجبه بتشكيك، قبل أن يلتفت نحو والدته التي وقفت فجأة تقول على مضض: -أنا رايحة أسلم وأبارك، مش ناقصة أبوك يعملها حكاية. -وأنا كمان رايحة معاكي. قالتها نرجس،
فاتجهت أمنية له سائلة: -واحنا يا إبراهيم، هنروح معاهم ولا نروح لوحدنا؟ ضيق عينيه قليلًا بتفكير، قبل أن يجيبها: -خليهم يسبقونا، واحنا نبقى نحصلهم. على المنصة وقد كانت جالسة بجواره بذهن شارد، أعينها تدور يمينًا ويسارًا وفي الأنحاء حولها، بعدم تركيز؛ تتلقى التهاني من المدعوين والتصوير معهم، هي وعريسها، ودائرة الفكر برأسها لا تتوقف. انتهى حسن من الترحيب بأحد المباركين من أصدقائه، قبل أن يعود إليها متغزلًا:
-طب برضوا دا كلام! حد يبقى زي القمر كدة ويسرح؟ التفت إليه تطالعه باستفهام، فعاد بمشاكساتها: -إيه اللي واخدك مني يا قمر؟ أهدته ابتسامة ساحرة سلبت فؤاده كالعادة، لتنفي بهز رأسها مردفة بالجملة الروتينية بهمس: -عادي يعني. كان من حسن حظها، أنه التهى مرة أخرى مع أحد أقربائه من الشباب، والذي امتدت كفه لمصافحتها قبل يتبادل معه المزاح، وعادت هي إلى شرودها، وذلك الذي حدث معها منذ بداية اليوم، حينما واجهها بما علمه عن مقتل
والدها وتاريخ عائلتها: -إيه اللي انت بتقوله دا يا حسن، جيبت منين الكلام ده؟ -هتفت بها بصدمة ناهضة عن مقعدها، وقف هو الآخر، ليقابلها بوقفته أمامها أسفل المظلة الشمسية، يتابع بإصرار: -مش مهم جيبته منين يا شهد، المهم دلوقتي إزاي نتصرف؟ أنا مش عايز أعرضك لأي خطر ولا عايزك تدخلي في أي مشاكل وصراعات مع الناس دي، أمين أخويا جاب كل المعلومات عنهم، وعرف إن والدك كان معاه حق لما بعد عنهم.
لاح على وجهها توتر وحرج فهمه جيدًا، حبيبته الأبية ترفض الظهور أمامه بمظهر الضعف، كما أنها تخجل من هذه النقطة السوداء والتي تمس عائلتها، لتزيد من تأكيد الفكرة برأسه. عادت تسأله بإلحاح، ورأسها تضج بالأفكار السيئة:
-يا حسن أنا لازم أعرف المصدر اللي وصلك الكلام ده من الأول، دي أول مرة أنت تكلمني فيها، وكمان في يوم مهم زي ده، أنا بصراحة الشكوك ملت مخي، وعايزة أفهم عشان أتجوب معاك، ولو عندك نية يا بن الناس للفركشة أو حتى متردد.... قطعت مجبرة بحضوره الطاغي حينما اقترب بجسده منها ليقلص المسافة بينهم، واضعًا أنظاره نصب عينيها، ليرد بصوت مفعم بالعاطفة نحوها:
-أنا مقدر عصبيتك وعارف بكل اللي بيدور في دماغك، بس كمان برجوا منك تركزي كويس في كلامي، أنا بفاتحك عشان معايا الحل اللي ينهي أي اشكال من بدايته، أنا بحبك يا شهد، ولا يمكن أفرط فيكي حتى لو بعمري كله. صمتت تبتلع ريقها، تأسرها عينيه، يجذبها الحنان المتدفق بهما، يغمرها عطره الرجولي بدفء جعلها كالمغيبة تستمع بإذعان وهو يستطرد:
-لو ليا عندك معزة يا شهد اسمعي كلامي المرة دي، وبلاش تغلبي العند ما بينا عشان بفاجئك بقراري، قراري ده مأخدتهوش من فراغ، دا جه بعد ما سألت واتأكدت من صحة المعلومات اللي اتقالتلي، هل هتنكري إن عيلة والدك حاولوا معاكي انتي وإخواتك بعد وفاة الوالد عشان ياخدوكم وياخدوا مكتب المقاولات بتاعه، واللي أسسه بعرقه وشقاه؟
غامت عينيها مع تذكرها للحروب التي واجهتها، من جهة نرجس السلبية وأفراد عائلتها وأطماعهم، ومن جهة أخرى هؤلاء الأشخاص من عائلة أبيها والذين ظهروا فقط بعد رحيله، وقد كانت تظنهم السند قبل أن تفاجأ بغدرهم ونيتهم السيئة بكل وقاحة للاستيلاء على ورثها وورث أخواتها، وعليهن أيضًا، قبل أن تنتفض وتخرب كل الخطط والمؤامرات التي كانت تحاك حولها، بمساعدة أبو ليلة والحج عابد.... استدركت فجأة لتباغته بسؤالها:
-حسن، هو إبراهيم اللي بلغك بالحواديت دي؟ لم ينكر صحة تخمينها ليرد بعملية: -رغم إني مبحبوش وبرضوا مضمنش حسن نيته، لكن اللي يهمني دلوقتي الحل، هتثقي فيا يا شهد وتوافقي على عرضي؟
اشتدت ملامحها، واحتدت عينيها بوميض مشتعل، هذا المعتوه لا يزال ينخر كالسوس من خلفها، عقله الخبيث لن يرتاح سوى بتخريب حياتها، كما فعل قديمًا وأفسد العديد من الفرص، لقد ظنت بالموافقة على خطوبته من شقيقتها، رغم معارضتها الشديدة في البداية، إلا أنها تأملت أن يكون قد أزاحها من تفكيره، ويتخطى التعلق المريض بها، ولكنها كانت مخطئة. -كل ده تفكير يا شهد؟ قالها حسن لتسفيق من شرودها، وتجيبه بالرد الحاسم:
-أنا موافقة على عرضك، من قبل حتى ما أعرفه. عادت لواقعها الجديد على صوت نرجس وهي تخاطبها بود زائف: -الف مبروك يا شهد، الف مبروك يا حبيبتي. تلقت العناق والقبلات منها تغتصب ابتسامة بصعوبة، ردًا عليها؛ -الله يبارك فيكي يا مرات أبويا، تسلمي. -تسلمي انتي يا حبيبتي من كل شر.
قالتها نرجس قبل أن تفسح المجال لشقيقتها، وتتجه بمباركتها نحو حسن الذي كان يبادلها الود رغم عدم ارتياحه لها، أما سميرة فهي كالعادة لا تخفي كرهها، وذلك ما يبدو جليًا في ابتسامتها الصفراء. انسحبا الاثنان لتأتي مجيدة بصخبها وضحكة من القلب تشرق وجهها بالفرحة، تردد بمرح: -العرسان عاملين إيه؟
قالتها لتتلقى عناق ابنها على الفور، لتربت بكفيها على ظهره ضاحكة، وابتسامة صافية بود حقيقي تطالع بها شهد، تحمل في طياتها السلام والإطمئنان؛ لتبدد سنوات من الغيوم والضباب. من النافذة إلى المقعد المجاور لشقيقته، ثم إلى النافذة مرة أخرى، ينظر إلى الشارع يترقب انتظارها، ويطالع الساعة بتوتر يعصف به، حتى هتفت به رحمة: -ما تهدى بقى يا بني خايلتني. التف إليها والقلق يصدر مع كل حرف يخرج بين كلماته: -أهدى إزاي بس يا رحمة؟
وانتي بتقولي العريس دا جاي بكرة، أنا عايز أعرف رأيها قبل ما تشوفه، مش عايز أدخل في دوامة الانتظار المر لمعرفة قرارها في الجوازة، عايز أرسى حل، هتفتحلي باب جنتها، ولا أهج وأسيب البلد كلها. دب الرعب بقلبها تأثرًا بكلماته، لتبلغه اعتراضها علّه يعود لعقله: -يا لهوي يا شادي، انت واعي للي انت بتقوله؟ أومأ يوافقها الرأي يهز رأسه قائلًا: -أيوة يا رحمة واعي للي بقوله، بس أعمل إيه؟
ما انتي اللي عشمتي قلبي بكلامك امبارح، أنا طول الوقت بكبت إحساسي جويا، لكن دلوقتي وبعد ما عرفت كمان إنها ممكن تروح مني، معدتش قادر أسكت، مش قادر يا رحمة. زحفت بجسدها على الفراش حتى اقتربت من الطرف، وامتدت ذراعها نحوه لتربت بكفها على ساعده مهونة بحنان: -سيبها على الله وربك يساويها، قادر ربنا يجعلك نصيب فيها، من هنا للصبح يعدلها المولى. ردد خلفها باستنكار اختلط بإحباطه: -وأنا لسه هستني للصبح؟ بقولك مش قادر.....
قطع يستل هاتفه، ليضغط على أحد الأرقام ويهاتفها، سألته رحمة بفضول: -طب هتتصل بمين؟ أشار إليها بكفه لتتوقف عن الكلام، وانتظر حتى أتته الإجابة من الطرف الآخر: -الوو السلام عليكم، مين معايا؟ أربكه صوتها الناعم الرقيق، حتى جعله يتلعثم في البداية، باحثًا عن رد ليبرر سبب اتصاله بها، فهذه أول مرة يفعلها: -ااا صبا، ممعلش لوو بتصل بيكي في وقت متأخر. -لا ولا يهمك يا مستر، مفيش تأخير ولا حاجة، أنا أصلًا لسه في الفرح.
قالتها بتسامح وعفوية جعلت أعصابه ترتخي بعض الشيء، فجاء رده بفضول لم يقوى على كبحه: -هي مش خطوبة عادية يا صبا، ليه التأخير ده كله؟ ردت بابتهاج وصل إليه عبر صوتها: -لا ما هي بقت كتب كتاب، والليلة احلوت جوي حتى أبويا بيرقص بالعصاية. -ضحك من جهته ليرد مستمتعًا بحديثها: -يااه دا بين شهد دي غالية أوي عند أبو ليلة عشان ينزل من هيبته ويرقص لها. -جوي جوي والله، دا أنا حاسة إن فرح أختي النهاردة. -ربنا يفرحك كمان وكمان.
حديثهما كان مفعمًا بالتباسط، حتى أنه نسي السبب الأساسي لاتصاله، ولم ينتبه سوى بعد أن ذكرته: -بس انت مجولتش سبب الاتصال يا مستر. -السبب! اَه السبب، ااا أنا كنت بتصل عشان أبلغك يعني..... رحمة، رحمة عايزاكي ضروري. زهلت الأخيرة تضرب كفًا بالأخرى، لا تصدق ما يفعله شقيقها والذي فاجئها بجراته في الاتصال، يبدو أن الحب يفعل المعجزات كما تسمع دائمًا، حينما أنهى المكالمة، بادرته بالسؤال على الفور:
-ها سي يا شادي، ردت وقالتلك إيه بقى؟ استفاق ليلتف إليها متحمحمًا بادعاء الجدية: -اا بتقول إنها هتيجي الصبح تطل عليكي. ظلت تطالعه صامتة، محافظة على ابتسامتها الماكرة، لتزيد من اضطرابه، انتفض فجأة يهتف بها معترضًا: -في إيه يا بنتي؟ -طنت مجيدة وماما، مش شايلين عيونهم من علينا. قالتها لينا وعينيها تختطف النظرات نحوهن، التف هو نحو الجهة التي تقصدها، ليعود إليها معقبًا:
-اعذريهم يا ستي ما هم لازم يستغربوا، دول ياما شاهدوا خناقتنا. زَمت شفتيها لترد بابتسامة مستترة ودلال يليق بها: -وهما شافونا دلوقتي بقينا حبايب يعني؟ عشان بس واقفة معاك هيعملوها حكاية.
توسع ثغره بابتسامة عذبة، يطالعها بإعجاب وانبهار، رائعة بكل خصالها، حتى وهي مجنونة تنفعل على أتفه الأسباب، تتشاجر بحدة غير آبهة بأي شيء أو صفة الذي يقف أمامها، ولكن في المقابل، تملك من سمات الجمال ما ينصبها ملكة، ومع ذلك تتصرف بطبيعتها دون تصنع، تذكر حينما أتى متأخرًا ليصطحب شقيقه والعروس خطيبته لموقع التصوير، وقعت عينيه عليها وقد كانت خارجة من صالون التجميل كأميرة يونانية من إحدى أساطير الخيال، لقد توقف قلبه عن النبض لحظات قبل أن يستعيد خفقانه مرة أخرى، كي يملك رباط جأشه حتى يستطيع التعامل معها بثبات.
المناكفة الشرسة، لها قدرة عجيبة على تحريك الماء الراكد حتى يصبح حمم بركان مشتعلة، وقد أحيت فؤاده بعد سنوات عديدة من سباته. طال في تأمله لها، حتى جعلها تخرج عن صمتها قائلة: -مالك يا عم ساكت ليه؟ أنا بكلمك على فكرة. عاد للضحك مرددًا: -طب ما أنا عارف إن انتي بتكلميني، لازم يعني أرد على كل سؤال؟ افتر فاهاها باندهاش لتضرب كفًا بالأخرى تقول:
-مفيش فايدة فيكم انتوا يا ظباط، التناكة بتجري في دمكم، أموت وأعرف، هي الصفة دي بتاخدوها في المناهج، ولا انتوا بتتولدوا بيها يعني ولا إيه؟ عقب ساخرًا يضيف عليها: -لا وانتي الصادقة، دي بتبقى من أساسيات المعايير اللي بيتم اختيارنا عليها. -كمااان.
بنصف شهقة تفوهت بها ضاحكة، قبل أن تلتف رأسها مع الجميع نحو الشاشة التي كانت تعرض الصور التي تم التقاطها للعروسين منذ قليل، بعدة أوضاع، وعدة أماكن مع موسيقى تصويرية، تجذب انتباه الحضور، وتأسر أسماعهم. وقفا الاثنان يتطلعان كالبقية بقلوب مبتهجة وحالمة، عدة دقائق زيادة من فرح المحبين، وغيظ الآخرين، حتى إذا انتهت توقف حسن بالميكروفون معلنًا:
-مساء الخير يا جماعة، أنا عارف إن ناس كتير كانت فاكراها خطوبة عادية بس إحنا حبينا نعملها مفاجأة، اتفضل يا عم الشيخ. قالها متجهًا بأنظاره نحو مدخل القاعة، والتفت رؤوس الحاضرين بالتبعية خلفه، نحو رجل الدين الذي كان يتقدم بخطواته، بصحبة مسعود أبو ليلية، لتنطلق الزغاريد القوية من زبيدة وأنيسة ومجيدة التي كانت تردد بالأدعية الحافظة، واضعة كف يدها على موضع قلبها تخشى أن يتوقف من الفرحة.
أمام الذهول الذي اكتنف المدعوين، تحرك فريق من عمال القاعة، بطاولة عقد القران في الوسط، والتي كانت مجهزة من قبل ذلك باتفاق مسبق، حتى إذا وصل الشيخ جلس على كرسيه دون انتظار، هلل أبو ليلة بصوت عالي: -ما تزغرتوا يا جماعة، زودوا فرحتنا. انطلقت دفعة قوية لعدد من النساء يشاركن أهل العروسين فكان الصخب على أشده.
وفي الجهة الأخرى تسمر واقفًا لمدة من الوقت لا يستوعب الصدمة، رغم كل ما يحدث ويراه من دلائل من حوله، وكأنه في عالم آخر، يكذب عينيه التي كانت تجول وتتنقل دون هوادة عليها وعلى الملعون الذي يسحبها بحمائية نحو طاولة عقد القران، استعاد وعيه على احتجاج والدته من خلفه: -كتب كتاب يا نرجس وكنتوا مخبين علينا، ليه يا حبيبتي هنحسدكم؟ هتفت الأخيرة تجيب بدفاعية: -والله ما أعرف يا أختي، أنا زي زيك. -نعم. تفوه بها وهو يستدير بجسده
نحوهن يردف بهدوء مريب: -انتي بتقولي إيه؟ يعني المأذون هيعقد ع المحروسة وانتي متعرفيش يا خالتي؟ إزاي يعني؟ ملامحه كانت مظلمة، مخيفة حتى لأمنية التي ارتعبت من هيئته، لتضيف هي الأخرى بلجلجة، رغم سلامة موقفها: -إحنا متفاجئين زينا زيكم والله، ما كنتش أتخيل إنها تطلع بالندالة دي وتخبي عن أهلها كمان. -عشان كرديات وهبل.
تلفظ بها كسبة بوجهها قبل أن يستدير عنها، وسعير الغضب بداخله، يحرضه على افتعال جريمة متكاملة الأركان لإيقاف هذا المهزلة، حتى لو أدى لقتل هذا الداهية وقتلها، كي لا تكون لأحد غيره، ولكنه ليس بالأحمق ليفضح نفسه أمام هذا الجمع من البشر، وعلى رأسهم هذه المناصب الهامة من رجال الأمن، لو كان الأمر في الحارة لتمكن بحيلة ما؛ أن يفسد الحفل من مكانه جالسًا، لكن هنا يقف كالعاجز مقيدًا، وقد بوغت بالضربة الموجعة، التف بغليله نحو النساء يفرغ سم حلقه بهن،
فهو لن يتوجع وحده: -انتي هتفضلوا كدة ساكتين وسايبين المسخرة دي تحصل، عندها حق بقى تعاملكم كدة، مدام معندكمش كرامة، دي العيلة الصغيرة عملت لها قيمة عنكم، وقالت لها، ولا انتوا مش واخدين بالكم؟ ذهبت أنظارهم نحو رؤى التي التصقت بشقيقتها العروس هي ولينا وصبا وبعض الفتيات الأخريات، بفرح يقفز من أعينهن، دليل علمهم سابقًا بما يحدث. عاوَد إبراهيم يقول بفحيح:
-لو انتوا هترضوها على نفسكم، تبقوا تستاهلوا اللي يجرالكم، أنا راجل دمي حُر. -يعني هنعمل إيه؟ سألته أمنية بعدم فهم قبل أن تتفاجأ به، وهو يتناول هاتفه من فوق سطح الطاولة ليضعه بجيبه، ومفاتيح السيارة التي أتى بها، موجهًا حديثه نحوهن: -هتخرجوا معايا انتوا التلاتة دلوقتي، البت دي لازم تشوفكم وانتوا خارجين وبتحرجوها، عشان مترفعش عينها في عين الناس دي اللي فرحانة بيهم.
انصاعت أمنية كالمغيبة لتنفيذ أمره، أما نرجس، فكانت مترددة بجبن منها، في مواجهة شهد، وبنفس الوقت تريد الذهاب معه وتركها، لتثأر لنفسها بعد أن همشتها بهذه الطريقة، وكأنها غريبة وليست من أهل المنزل، تطلعت نحو شقيقتها تود المؤازرة منها، ولكن الأخرى كانت غير منتبهة وقد بدا التوتر عليها، وهي تقول:
-بقولك إيه يا إبراهيم، الناس بقت تاخد بالها مننا، وأبوك زي ما انت شايف، رايح يشهد مع الراجل الصعيدي على عقد المحروسة، لم الدور يا بني أحسن، إحنا مش قد غضبه، دا باينه دا كمان مطبخها معاهم. للمرة العاشرة تتوالى معه الصدمات وقد تيقن من صحة ما تتردف به والدته حينما أبصر بعينيه المذكور وقد اتخذ مكانه على طاولة عقد القران، زاد المرار بحلقه فلم يعد قادرًا على الصمود أكثر من ذلك. التف بحدة نحوهن قائلًا:
-خليكم مرزوعين، وأنا ماشي وسيبهالكم. قالها وتحرك بخطواته السريعة مغادرًا، وتبعته أمنية غير آبهة بأي شيء غيره، ضربت سميرة بقبضتيها على فخذيها أسفل الطاولة تقول بحسرة: -يا عيني عليك يا بني حاسة بيه، بس مش قادرة أحصله ليتخرب بيتي كمان. طالعتها نرجس بأسف لم تتقبله الأخرى، لتأخذ دور ابنها في الحقد مرددة: -انتي لازم تعملي لك كرامة، فاهمة ولا؟ البت دي لازم تعرف إن عندك عزة نفس، مش بهيمة ولا خيبة.
بعد انتهاء عقد القران والذي تم في أجواء من المرح بفضل التعليقات التي كان يطلقها رجل الدين (المأذون) والرد عليه من العريس المعروف أصلاً بخفة ظله؛ والتي كانت تجبر العروس على الضحك، لتتغلب على خجلها الفطري، لتشتعل الساحة بعد ذلك بالرقص وتصفيق الأحباب الذين التفوا حولهم بمشاركة فعالة، تنبع من فرح حقيقي لارتباط الاثنين.
مجيدة والتي كانت على حالة من الغبطة فاقت التصور، بعد أن أكرمها الله أخيرًا بالزوجة الصالحة لابنها الأصغر، وحالة من الأمل تزداد كل لحظة بفك عقدة الآخر، مع استشعارها بالكيمياء التي حلت جديدًا بين أمين ولينا التي بدأت ترى تجاوبها بوضوح.
لم تنسى ولو لحظة ترديد الأدعية الحافظة من كل شر، خصوصًا وقد انتبهت جيدًا لجمود نرجس وعدم تقدمها لمباركة شهد على عقد القران، هي وشقيقتها الأخرى، والتي لم يُخفى الحقد الظاهر على قسماتها، بالإضافة إلى الانصراف المخزي من طرف شقيقتها، وهذا المدعو إبراهيم خطيبها فور البدء في إجراءات عقد القران: وتساؤل يدور بذهنها: -لما كل هذا الكره نحو شهد؟ -وبعدين بقى؟ هتف بفصل كدة ساكت لحد إمتى يا إبراهيم؟
سألته بتوجس وقد طال انتظارها لدرجة زرعت بقلبها الشكوك، فحقيقة الوضع حتى ولو كان يحق له الغضب والاعتراض، لا تستوجب كل هذا الجمود والتجهم بشرود، وكأن الأمر....... هذه المرة خرج قولها بانفعال حينما لم تجد تجاوبًا منه: -على فكرة بقى، هي مش مستاهلة الزعل دا كله، إيه قيمتها دي كمان عندك؟ دا أنا اللي هي أختي مش هاممني، وعلى يدك سيبتها وخرجت عشان خاطرك..
التفت رأسه بحدة نحوها يحدقها بشرار عينيه، وللمفاجأة، وجدها تواجه بتحدي، بل وزاد بعينيها شك جعله يعيد التفكير سريعًا في الرد عليها بخبث: -انتي شايفة إنه ميستحقش، بس أنا اللي هاممني الكرامة، البت دي قلة قيمتنا كلنا لما فاجأتنا بعملتها ولا كأننا ناس غريبة عنها، دي عمرها ما حصلت في الدنيا، العروسة تعقد في يوم خطوبتها من غير ما تبلغ أهلها، إلا إذا كانت مش معترفة إنهم أهلها.
استطاع التأثير بالضغط على هذه النقطة الحساسة، حتى بدا الاعتراض يعلو تعابيرها، لتردف بكبرياء زائف: -في ستين داهية، أنا كمان مش معتبرها أختي. أصدر صوتًا بزاوية فمه، يبدو كنصف ضحكة ساخرة ليردف لها: -ما هو دا اللي هي عايزاه يا أختي، عشان بعد كدة لما تقش الجمل بما حمل، ما يبقالكمش حق تطالبوا بيه. حمق تفكيرها يساعده كثيرًا في التفريغ عن غضبه، بل ويجعله يكتشف مواهبه الخارقة في برمجتها لصالحه، لذلك لم يفاجئه ردها:
-دا أنا كنت أطبق في زمارة رقبتها لو حصل، أنا صاحيالها قوي. قابل انفعالها بضحكة مستهزئة زادت من غيظها لتباغته القول: -بس عشان كمان نبقى عادلين، أبوك هو اللي مشجعها مع الراجل الصعيدي، طيب أبو ليلة وأهو غريب ومش مننا، إنما أبوك بقى يعمل كدة ليه؟ ضغط بقبضتيه حتى ابيضت مفاصله، ليردف كازًا على أسنانه:
-أبويا راجل كبير، وهي بتدخلوا من ناحية الصحبة اللي كانت بينه وبين أبوها، عقله ميجبش لؤمها معاه، ومع ذلك أنا لا يمكن أفوتها المرة دي، لازم آخد موقف يعرفه إنّي مش موافق على عمايله دي، ع الأقل عشان يقدر خاطركم بعد كدة. سألته بفضول: -يعني هتعمل إيه؟ أجابها بنزق: -مش محتاجة سؤال، أنا النهاردة مش بايت فيها، وبكرة لما أقابله مش هسكت له، إن شاء الله حتى أتخانق معاه. تطلعت أمامها نحو المنطقة التي توقفت بها السيارة
منذ قليل لتردف بتفهم: -اه عشان كدة بقى انت واقف قصاد المخزن الخلفي للدكان. -أيوه يا أختي فهمتيها لوحدك؟ قالها ثم انتبه عليها، ليمشط بعينيه على وجهها بزينته المتقنة ثم هذا الفستان المحكم على منحنياتها المكتنزة، رغم شعورها بوقاحة النظرات لكن ذلك لم يمنع أن تكتنفها دغدغة لذيذة تعطيها الثقة بأنوثتها التي تؤثر به، حاولت نهره فخرج صوتها مهتزًا: -شيل عينك يا إبراهيم عيب.
ابتسامة خبيثة ارتسمت على ملامحه، وقد كانت أمامه كصفحة كتاب مفتوح، فقال مستغلًا ضعفها أمامه: -بقولك إيه، لسه محدش رجع من الخطوبة الزفت دي، تعالي اقعدي معايا الشوية دول ونسيني على ما يجوا. باعتراض واهٍ هزت رأسها تقول: -لا يا إبراهيم مينفعش، الدنيا ليل دلوقتي، أخاف لتزودها معايا، ما أنا فاهمة أوي انت عايزني معاك ليه. نهض فجأة مترجلًا من السيارة يأمرها بحسم قائلًا: -مدام عارفة إيه لزوم الرغي؟
اخلصي يالا هما دقيقتين مش هيزيدوا.
توقفت سيارة الأجرة على جانب الطريق، ليترجل منها العم كريم بعد انتهاء نوبة عمله، تاركًا السيارة الفخمة لأصحابها، كان حاملًا على يديه متطلبات المنزل من فواكه وخضروات وبقالة، يخترق الطرقات الملتوية الصغيرة من زقاق لآخر، مسافة ليست ببعيدة، ولكن ما يصعب الأمر هو الصعود والهبوط على الأرض غير السوية، بالإضافة إلى الظلام الذي يقابله كثيرًا في عودته ليلاً، مما قد يجعله عرضة لقطاعي الطريق ومعتادي الإجرام.
يخطو بتسارع، وقد أصبح على مقربة من منزله ولكن وقبل أن يصل إليه، بوغت بيد قوية تسحبه بسرعة البرق ليجد نفسه داخل منزل جاره المتوفي منذ سنوات عديدة، والذي تصدعت جدرانه وتهدمت معظمها، ليصبح مسكنًا للأشباح. -بسم الله الرحمن الرحيم، انت مين؟ تمتم بها بصوت مرتعش، يشعر ببوادر أزمة قلبية من الرعب الذي شل أطرافه، وعقله يخبره أنه من أحدهم، تكلم الآخر وهو يكشف عن وجهه الملثم: -أنا حامد يا عم، اهدى بقى.
شهق العم كريم يسحب أنفاس كثيفة بخشونة، ليستعيد ثباته قبل أن يتمالك، ليدفعه بكفيه محتجًا: -روح يا شيخ الله يلعنك، كنت هتجيبلي سكتة قلبية بعبطك ده، إنت اتجننت؟ ضحك بسماجة وهو يرخي قبضته عنه يقول باستظراف: -معلش يا اسطا، جات شديدة عليك دي، بس أعملك إيه بقى؟ ما أنا ملقتش طريقة تانية عشان أقابلك، ولا انت كنت هتوافق يعني لو دخلت استنيتك في بيتك. -بيت مين؟ هتف بها ليتابع موبخًا، رغم الزعر الذي كاد يشل أطرافه:
-طب كنت أعملها يا حامد، عشان كنت بلغت عنك وخلصت من خلقتك، انت إيه اللي جايبك أساسًا؟ -الهوا هو اللي جابني. أردف بها حامد ساخرًا ليضيف: -دي برضوا مقابلة يا عم كريم تقابلني بيها، وأنا اللي اديتك الأمان عشان أجي أقابلك وأبلغك باللي طالبه منك. ازداد انفعال الرجل ليهتف بسخط: -اسم الله عليك وعلى جمالك، يعني انتي جاي تقطعني الخلف، وليك عين كمان تطلب مني؟ تغيرت نبرة الأخير، ليرد بلهجة راجية:
-أيوه جاي أطلب منك يا عم كريم، عشان بصراحة بقى أنا معنديش حد أثق فيه يوصل الأمانة دي لأهلي. ارتد الرجل للخلف برعب، فور أن وقعت عينه على الظرف الممتلئ بالنقود، ليزداد ارتجافه حتى خرج صوته بلعثمة وارتعاش: -الله يخرب بيتك، انت انت اا عايزني أروح برجلي لبيت أهلك اللي متراقب وألبس مصيبة، انت طلعتلي منين يا واد انت؟ ضحك بخشونة مرددًا: -طلعتلك من الضلمة، ولا انت مش واخد بالك؟
أكمل بضحكه الساخر، ليزيد من حنق الرجل، والذي يأس منه، فتحركت أقدامه للخلف ينوي المغادرة قائلًا: -طب يا خويا خليك في الضلمة اللي جيت منها، أنا معايا عيال عايز أربيهم. هم حامد أن يقطع عليه طريقه، ولكنه تفاجأ بمجموعة من الرجال الضخام تشبه فرقة الموت، تقتحم فجأة وتحاوطه هو والعم كريم، والذي صرخ برجاء: -أنا مليش دعوة بالواد ده، أنا راجع لولادي..... أوقفه كبيرهم بإشارة من كفه قائلًا:
-إحنا عارفين ومراقبين من بدري، زوق عجلك انت يا عم كريم، وبرضوا لا شوفت ولا سمعت بأي حاجة. -ابدأ والله ما هتكلم، عمري ما هتكلم.
ردد بالكلمات الرجل وهو ينسحب من البيت المظلم، ليهرول هاربًا إلى منزله، والذي توقف بمدخله فور أن دلف إليه، ليشرئب برأسه نحو الخارج، بفضول دفعه للمعرفة، ليصعق برؤية حامد محمولا على كتف أحد الرجال كخرقة بالية، يذهبون به نحو سيارتهم التي كانت مركونة في مكان قريب، مشهد اقشعر له بدنه، وهو يعلم بما ينتظره. -تعالى اقعدي يا مودة.
تفوه بها الضابط عصام آمرًا بلطف، فاستجابت له باحترام لتجلس على الكرسي المقابل لمكتبه، والذي أشار عليه بيده، منكسة الرأس بخوف أو ربما خجل، تأملها قليلًا قبل أن يقول: -ارفعي راسك وردي عليا لما أكلمك، انتي خلاص كلها يوم ولا يومين وتخرجي، مدام صفاء المحامية بتعمل المستحيل عشان تخرجك. ردت بصوت خرج كالهمس: -عارفة يا فندم. خاطبها بلهجة تميل للنصح:
-مش مهم تعرفي وبس، المهم تاخدي بالك بعد كدة، الأخطاء الصغيرة في الحاجات بتجر وراها مصايب، مش عيب إن البني آدم ينشأ في ظروف وحشة، العيب إنه ياخدها حجة عشان يمشي في طريق الغلط. رفعت رأسها تقول بدفاعية: -بس أنا والله ما كنت أعرف بقيمة الخاتم....... -خلاص يا مودة. قالها مقاطعًا وبحزم يتابع:
-أنا مش بتكلم ع اللي راح، أنا بتكلم ع اللي جاي، حاولي تصبري شوية عشان ما يتكررش معاكي اللي حصل، حتى لو هيتعبك الحرمان، أكيد في يوم هتشبعي، وتلاقي كل اللي اتحرمتي منه، فاهماني يا مودة؟ أومأت برأسها وكلماته رست في قلبها قبل عقلها: -أكيد يا باشا فهمت.
انتهى من حمامٍ دافئ أرخى به عضلات جسده المتشنجة، نتيجة الإجهاد في عمله المتواصل طوال اليوم دون توقف، دلف إلى الغرفة بالمنشفة الصغيرة يجفف شعر رأسهِ، ولكنه انتبه على الإضاءة التي كانت تصدر من هاتفه على الكمود المجاور لفراشه، تناوله سريعًا، ليفتر ثغره بابتسامة، فور علمه بهوية المتصل، رد على الفور دون انتظار: -قلبي بقى، عاملة إيه يا بيبي؟ جاءه الرد بصوتها الرقيق: -كويسة يا حبيبي والحمد لله، وانت عامل إيه؟
طرد دفعة من الهواء الساخن ليرد وهو يقف أمام المرآة ليمسح على النقاط المتبقية من الماء على أطراف وجهه: -يعني عايزاني أبقى إزاي بس في بعدك؟ مش ناوية تحني وترجعي بقى؟ تلجلجت قليلًا وخرج قولها بارتباك: -ااا يا كارم ما أنا كنت عايزة أجيلك الأول عشان نقعد مع بعض، بس انت مبتجيش. استدار بجسده ليعود لفراشه قائلًا:
-ما أنا قولتلك يا بيبي إن شغل الشركة كله كان متكوم فوق راسي اليومين اللي فاتوا، على العموم عدي راجع الليلة، يعني أعدي بالمرة بقى آخدك انتي والولد، ولا انتي موحشكيش كوكي حبيبك؟ قال الأخيرة بتمهل وإغواء وصوت أنفاسه الساخنة وصلت إليها، ليذكرها بسحر لمساته الخبيرة وتأثيرها عليها، اعترضت تصيح به: -يووه يا كارم، ما بلاش لعيبي دي بقى وكلمني جد. أطلق ضحكة انتشاء وتسلية ليقول بثقة:
-ماشي يا رباب هتكلم جد، بس انتي مش شايفة إن زيارتي لبيت ناس بيكرهوني منظرها مش حلو؟ يا بيبي تعالي البيت وافتحي براحتك معايا مية موضوع، كفاية بقى أنا صبري بدأ ينفذ. شاب قوله لمحة من السيطرة والتهديد رغم محاولاته الدائمة في معاملتها بلطف، ابتلعت ريقها الجاف لتردف بإلحاح ورجاء: -يا حبيبي افهمني بقى، البيت أساسًا هيبقى فاضي، ما انت عارف كاميليا وجوزها بيبقوا في الشغل لحظة الصبحية، يعني أنا وانت هنبقى براحتنا.
صمت قليلًا قبل أن يجيبها على مضض، برغبة قوية منه لعدم الضغط عليها، تقديرًا لما مرت به: -ماشي يا رباب، هعدي عليكي عشرة الصبح، نتكلم شوية قبل ما أروح شغلي، كدة كويس؟ -كويس طبعًا، كويس يا كارم. قالتها بنبرة قلقة رغم إذعانه لرغبتها، فما ينتظرها من مواجهة معه، ليست بالهينة. ولحسن الحظ أو سوءه بالأصح، لم ينتبه هو جيدًا لنبرتها، وقد وصله اتصال آخر على نفس الهاتف، ونظرًا لأهمية الأمر طلب منها إنهاء المكالمة من جانبها
ليرد على المتصل الآخر: -أيوه يا بني، وصلتوا لحاجة؟ أجابه الآخر بمغزى: -كان عندك حق يا باشا لما خلتنا نراقب كريم السواق، الأمانة دلوقتي معانا. -بتقول إيه؟ هتفت بها بعدم تصديق في البداية، قبل أن يتدارك سريعًا ليأمر رجله بحزم: -الواد دا يجي الفيلا عندي في الحال، وخلو بالكم، مش عايز أي حد يحس بيكم.
بداخل المخزن وقد استجابت لرغبته، ليقتطف القبلات واللمسات الجريئة منها، يساعده ضعفها لتبدو في يده كالعجينة يشكلها كيفما يشاء، تطيعه كالمغيبة ولكن حينما يصل إلى نقطة ما؛ تقربها من خطر الوقوع في المحظور، توقفه على الفور، وهذا ما كان يحدث الآن: -كفاية، كفاية، خليني أمشي بقى. وكأنه لم يسمع بل زاد بضمها يلثمها بحرارة قاربت العنف؛ أزعجها بشدة لتتشجع في إبعاده عنها بقوتها المعهودة قبل ذلك.
-يا إبراهيم بقولك كفاية، كفاية يا أخي. مع قولها الأخيرة، استطاعت تدفعه بغشم جعله يقع أرضًا، فصاح بها ناهجًا بأنفاس لاهثة: -انتي بتكرريها تاني معايا يا بت؟ مش مالي عينك أنا؟ زَمت شفتيها تقول بدلال، وهي تلملم ما بعثرته يداه على ملابسها: -ليه يا حبيبي؟ عايزني أسيبلك نفسي لحد ما تضيعني؟ رمقها ببغض شديد، ليشيح بوجهه عنها زافرًا بحنق، وقد أفسدت مزاجه، بعد أن نسي بها قليلًا همه، ولكنها عاودت:
-أنا بحبك أه وبعملك اللي انت عايزه عشان واثقة فيك يا إبراهيم، لكن مش هبلة عشان أسلملك كدة واحنا لسه ع البر. التف إليها رافعًا طرف شفته العليا باستنكار، ليتحرك بخطواته حتى وصل إلى أحد أجولة الحبوب جلس عليه، ليخرج من جيب قميصه علبة السجائر، سحب واحدة يضعها بفمه، قبل أن يشعلها بعود الثقاب الذي كتم نيرانه أسفل حذائه، واستمر على صمته، لتستطرد راغبة في مشاكسسته: -انت زعلت مني يا إبراهيم؟ رد بصوت خشن:
-وانتي مالك أزعل ولا أتفلق حتى، مش خايفة على نفسك يا ختي؟ تبسمت بابتهاج داخلها، وظن خادع بتأثيرها عليه، فقالت بمغزى: -والله إن كنت هماك أوي كدة، اهو المأذون موجود، وأنا موجودة، ولا هي المحروسة وخطيبها كانوا أحسن مننا لما شبكوا وكتبوا الكتاب في ليلة واحدة. الحمقاء الغبية ضغطت على زر الخطر دون قصد، وبغفلة منها أكملت وهي ترتدي حجابها، بدون أن تنتبه على ملامحه التي توحشت حتى نهض ليقف مستمعًا لها بتحفز
وهو على حافة الانفجار: -اهو دلوقتي البشمهندس بقى جوزها رسمي، يعني لو طلب منها أي شي، هتسلمه من غير جدال، لا دا تلاقيه بترحيب منها كمان، ما هي قاعدة بقالها سنين عطشانة، وفجأة لقت البحر اللي تغرق فيه.......
قطعت متفاجئة به أمامها، ونظرة من قعر الجحيم أدخلت في قلبها الرعب، وقبل أن يخرج السؤال منها، باغتها بصفعة قوية بكفه الكبيرة، سقطت على الجهة اليمنى من وجهها لتهتز بعدم اتزان حتى كادت أن تقع، أو يحدث برأسها ارتجاج، قبل أن تتماسك لتطالعه بذهول، وخيط دماء سال من جانب فمها، ترافقه دمعة ساخنة، بشفاه مرتعشة وكأن الكلمات اختنقت بجوفها، وبدون أدنى ذرة من ندم، مد ذراعه يشير بسبابته أمامها، بصوت شرس:
-امشي اخرجي حالًا، غوووري من وشي. يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!