على أطراف أصابعها كانت تسير بخفة داخل الحجرة التي احتوت شقيقتها. والآن اكتملت بطفلها أيضًا، بابتسامة حانية اقتربت من الفراش الذي كان يضم الاثنين. وبصوت خفيض خاطبتها برقة: -رباب يا رباب. استيقظت الأخيرة على أثر الصوت، رغم ضعفه، لتناظرها بتساؤل. تبسمت كاميليا لها قائلة: -لسه نومك خفيف برضو؟ اعتدلت لتفك ذراعها عن ابنها الذي ظل طول الليل بأحضانها ولم يغب عنها. وردت بصوت متحشرج وهمس:
-أنا تقريبًا مبنامش، أو يمكن بخطف ساعة ولا ساعتين بالعافية. لكن انتي بتصحيني ليه؟ عايزة مني حاجة؟ تجاهلت كاميليا الجزء الأخير لتسألها بقلق: -ليه يا حبيبتي قلة النوم؟ هو انتي مش مستريحة في الأوضة؟ لعقت شفتيها بتوتر، وحيرة تكتنفها بشدة. تريد الأفصاح أو التحدث في هذا الأمر الثقيل على صدرها. فعواقب ما ارتكبته على وشك الوقوع، وزوجها لا يرحم. طال صمتها في التفكير العميق مما جعل القلق يعصف بكاميليا لتعيد سؤالها بتوجس:
-أنتي في حاجة مخبياها عني يا رباب؟ مررت بكف يدها على جانبي رأسها لتزيح الشعيرات المتبعثرة. حتى تعيدها للخلف وعقلها ما زال يدور بتفكير مضني. حسمته فجأة بقرارها: -أنا عايزة أقولك على سر. بخطوات واسعة كان يخترق بقدميه لداخل القصر، بعد استجابته للاتصال الذي وصله من والدته، وهي تخبره بضرورة الحضور حالًا وفورًا. وقد سبقه مجموعة من الاتصالات والرسائل التي غفل عنهم في غمرة نومه الذي، والصدفة، تأخر اليوم. -إيه في إيه؟
صدر منه السؤال فور أن وقعت عينه نحو الجالستين في بهو المنزل وكأنهن في انتظاره. أشاحت بهيرة بأنظارها عنه، وتكلفت نور برد خرج كتأنيب: -اتأخرت ليه يا عدي؟ ده احنا من الصبح قالبين الدنيا عليك؟ اقترب بوجه ازداد غرابة، يجيب سؤالها بسؤال: -وليه تقلبوا الدنيا بقى؟ إيه المهم أوي عشان يستدعي اتصالاتكم الكتيرة أوي دي؟
طرقت بهيرة بالعصا التي تتحامل عليها هذه الأيام كثيرًا، بعد اشتداد وطأة المرض عليها، لتصدر صوتًا مزعجًا على الأرضية. وهدرت بوجه ممتقع لم يألفه عدي من قبل ذلك نحوه، لتهدر به: -ولك عين كمان تسأل وتتحاكى؟ سايب مراتك وولادك وهربان في أحضان عشيقاتك، من غير ما تعرف باللي بيجرالهم ولا اللي حاصل معاهم؟
زفر دفعة كبيرة من الهواء، يقلب عينيه بسأم. فقد وضح بعقله الآن أن ما يحدث معه قد يكون بسبب ميسون، التي بدأت تفتعل المشاكل هذه الأيام. فقال باستخفاف: -طيب ما تجيبوا من الآخر، وقولوا الهانم عملت إيه؟ بدل الفوازير دي. زاد الغضب بوجه والدته حتى اشتعلت عينيها بحريق نحوه، فقالت نور بلهجة آسفة:
-الموضوع مش محتاج فوازير يا عدي، ميسون خدت الولاد وسافرت على تركيا بيهم، وبتبلغك تبعتلها ورقة الطلاق، يا إما تحصلها على هناك وتفترقوا باتفاق قانوني. -إيه؟ انتي بتقولي إيه؟ تفوه بها بعدم تصديق، بل هو لا يستوعب. حتى أنه أعاد السؤال بصيغة أخرى: -إزاي يعني تاخد الولاد إزاي وتسافر بيهم؟ هما ولادها لوحدها؟ -أيوة ولادها لوحدها. هتفت بها بهيرة لتردف بتشفي: -وانت إيه دورك في حياتهم غير ضيف؟
بتيجي تقضي وقت حلو معاهم، كل فترة بتعدي بالأسابيع. احتدمت أنفاسه في الصعود والهبوط بتسارع، وقد بدأ يستفيق للصدمة التي لم يعمل لها حساب قبل ذلك. وتوجه بخطابه لزوجة أخيه: -هو الموضوع بجد ولا إيه يا نور؟ إزاي جوزك يسمح بكده؟ سيبتوها خرجت إزاي من القصر بيهم؟ ده مصطفى عزام بجلالة قدره. بانفعال لم تقوى على كتمانه هتفت به هي الأخرى: -وكنت عايزة يعمل إيه يعني؟
جدها بعت واحد من طرفه عشان ياخدها هي والولاد، ولما اتصلت بيه مصطفى، معرفش يلاحق في الرد على الراجل. ميسون كانت مخبية عن أهلها كل اللي بيحصل ما بينكم وهجرك ليها بالشهور، لكن بقى لما فاض بيها بلغتهم بكل شيء وهما بقى ما تحملوش على بنتهم، ودول ناس مش قليلين، وانت أدرى. -وما بلغتونيش ليه؟ أنا كنت اتصرفت مع الناس دي، أنا أولي بيهم. صاح بها بصوت عالٍ وقد خرج عن طوره الهادئ، ردت نور بعصبية هي الأخرى:
-ما إحنا بنتصل بيك من الفجر وانت مبتردش، كنت عايزنا نعمل إيه؟ استمر بانفعاله يوزع النظرات بينها وبين والدته التي ظلت تطالعه بتجهم: -إزاي يعني معرفتوش تتصرفوا يا نور؟ الهانم تخرج من البلد بولادي، قيمتنا إيه على كده في البلدة دي؟ -إحنا قيمتنا أكبر من الأفعال الخسيسة دي يا أستاذ عدي. هتف بها مصطفى والذي كان عائدًا من الخارج، ليتلقفه شقيقه محتجًا: -ليه يا مصطفى تسيب الست دي تخرج بولادي؟ ناظره الأخير بقوة قائلاً:
-ده أنا مش سيبتها وبس، لا ده أنا كمان وصلتهم المطار. وكأنها صاعقة ضربته بقوة ليعود مرتداً للخلف بخطوة، وقد ظن أنه على وشك الترنح، قبل أن يتماسك ليرد بصدمة امتزجت بلومه: -إنت يا مصطفى، وهان عليك أخوك ولا أولاده اللي انت مربيهم أكتر مني. حافظ على رباط جأشه ولم يظهر تأثرًا في قوله:
-أديك قولت بنفسك، يعني مش محتاج توصية عليهم، ولادك مكنش ينفع أبدًا يستمروا على الوضع ده، ومراتك اللي انت فضلت راميها، كان لازم يجي عليها اليوم اللي تنفجر وفيه، وإحنا ولاد أصول، ومنرضاش بالظلم. برفض للواقع وعدم تقبل لما حدث، انتقض صارخًا: -ده كلام فارغ أنا لا يمكن أقبل بيه، الهانم خيرتها، يبقى تروح في داهية، مش تهرب بولادي لدولة تانية. إن كنت انت سكت ووافقتها، أنا لا يمكن أسكت، فاهم يا خويا يا كبير، لا يمكن أسكت.
ظل يردد بها حتى غادر القصر نهائيًا، تاركًا شقيقه الذي كان يتبادل النظرات بأسى مع زوجته ووالدته، التي بدا عليها الحزن الشديد لفراق الأحفاد والكنة المفضلة إليها. بتثاقل شديد كانت ترفع رأسها عن الوسادة بصعوبة، لتطفئ صوت الهاتف الذي كان يدوي باستمرار مزعجًا لورود المكالمات، حتى أجبرت نفسها تتناوله لترى من المتصل. انتفضت بانتباه فور أن وقعت عينها على اسمه، لتجيبه على الفور: -ألوو يا إبراهيم، صباح الخير يا حبيبي.
-صباح الخير يا ختي. قالها بقرف، ثم استطرد بغيظ: -هو انتي لسه نايمة يا بت؟ اعتدلت بجذعها لتجيبه بارتباك وقد ذهب عنها النوم إلى غير رجعة: -وفيها إيه يعني لما أنام يا إبراهيم؟ هو انت كنت طالب مني حاجة وأنا نسيتها؟ صاح بها بصوته العالي: -حاجة إيه يا بت الهبلة؟ أنا بتكلم عن شغلك اللي اتأخرت عليه، ده الساعة داخلة على تسعة دلوقتي، ولا تكوني عملتي اللي في دماغك، وصرفتي نظر عنه يا أمنية؟ عشان تبقى ليلتك طين.
زفرت ببعض الارتياح رغم ضيقها من تهديده المستمر لها في هذا الأمر، بالإضافة إلى التوبيخ المتعمد، فردت بهدوء: -لا يا إبراهيم، لا أنا صرفت نظر، ولا هو في شغل أساسًا، المحروسة واخدة إجازة النهاردة، وعبد الرحيم بيتابع الشغل في الموقع مع نفسه. سألها باستغراب شديد: -ليه بقى الإجازة؟ لا إحنا في آخر الأسبوع ولا هي إجازة رسمية؟
-لأ يا إبراهيم، مهياش إجازة رسمية، بس يا حبيبي النهاردة هي مش فاضية، المحروس وأمه هيعدوا عليها بعد شوية، عشان يجيبولها الشبكة، واخد بالك يا حبيبي. -يعني هتلبس دبلته؟
دمدم بها وكأنه يحدث نفسه، تكتنفه حالة من عدم التوازن، لا يستوعب بل لا يتقبل من الأساس. أوغر صدره بحقد دفين، ومراجل الغليل بداخله، قادرة على إحراق الأخضر واليابس، حتى أنه أغلق ينهي المكالمة، بعدم اكتراث أو استئذان، ليترك غرفته متوجهًا إلى الشرفة؛ والتي وقف بها، يمرر بأطراف أصابعه على جانبي فكه، شاردًا بنقطة ما في الفراغ، وقد عاد بذاكرته لعدة سنوات مضت، وقت الوعود، ثم الإخلال بها، وقت أبيها، العم ناصر الدكش، والذي دفع حياته ثمنًا لعدم الوفاء بوعده!
في جلستها معها وقد تركت صغيرها على فراشها في غرفتها، ليتم الحديث بأريحية على انفراد بينهما هنا في غرفة المعيشة، فتحدث اللسان بما عجز عنه طوال الفترة الماضية، لتسرد أمامها كل ما حدث، فكان رد كاميليا المباشر: -يا نهار أسود يا رباب، يا نهار أسود يا نهار أسود، عملتيها إزاي دي؟ معقول؟ ردت مطرقة رأسها بخزي وعينيها لا تجرؤ على النظر بخاصة شقيقتها تقر بخطأها:
-عارفة إني غلطت، وغلطي لا يغتفر كمان، بس أنا ساعتها كنت فاكرة إني بجيب حقي، أو بمعنى أصح بنتقم لكرامتي. -كرامة إيه؟ تفوهت بها كاميليا وشعور بالعجز أمام هذه المعضلة يجعلها على وشك البكاء، وهي تتابع: -الانتقام الحقيقي مكانش يجب إنه يتاخد من الست وحدها يا رباب، جوزك عيبه أخطر منها، ده كان بيتسغل ضعفها قدام وسامته وشبابه، مقابل جوزها العجوز اللي اتظلمت ودفنت شبابها معاه، مهما مثلت قدام الناس إنها مبسوطة والفلوس بتسعدها.
خرج صوتها بدفاع واهٍ: -هي مظلومة وأنا كرامتي راحت فين؟ لما واحدة زي دي ترخص نفسها وتدي له كل اللي هو عايزه منها، قيمتي أنا إيه ما بينهم؟ على صوت كاميليا في الرد بانفعال نحوها: -اديكي قولتيها بنفسك ما بينهم...... كان يجب تواجهيه وهو ساعتها يختار، ما بين الانغماس في خطيئته وما بينك، مش تصوري وتسجلي وكمان تبتزيها.... قدرتي إزاي تعمليها دي؟ إزاي يا رباب؟
بصوت ازداد ارتعاشه وإحساس اختلط ما بين الندم والقهر الذي كانت مكتومًا داخلها، ردت تجيبها: -انتي عارفة كارم أكتر مني، المواجهة معاه معناها الخسارة، لا كنت هقدر آخد حقي منه، ولا كنت هقدر أبعد وأسيبه، بعد ما اخترته وبعت الكل. تابعت بصوت مس شغاف قلب شقيقتها: -أنا كنت وحيدة يا كاميليا، وهو جبار مبيرحمش، نار الخيانة كانت بتحرقني وأنا واقفة مشلولة قدام سكوتي ومش عارفة أتصرف إزاي معاه؟
فكرت كتير أظبطه متلبس بالخيانة، لكن خوفت، خوفت يكسرني ويستغل ضعفي لو اتحديتوا، وساعتها كان هيجبرني أعيش معاه بالقانون بتاعه، أنا عارفة كويس وشّه التاني، عشان كده كنت بتجنبه قدر الإمكان. -ومع ذلك شكلنا هنشوفه قريب. قالتها كاميليا، وزفرت تطرد دفعة كثيفة من الهواء المحبوس بصدرها، تغمض عينيها بتعب، ثم التفتت نحو شقيقتها التي كانت تموت من الرعب أمامها. منكمشة على نفسها، تخشى القادم المجهول. رق قلبها لتسحبها
إليها وتضمها بقوة مرددة: -إحنا معاكي وفي ضهرك، مش هنسيبك أبدًا، انتي خلاص معدتيش لوحدك. خرج صوتها برجاء تخاطبها: -أنا نفسي جاسر يوصلهم الأول، يمكن ساعتها نعرف نلم الموضوع. دمدمت كاميليا بجدية: -في كل الحالات إحنا لازم ناخد حذرنا، مينفعش أبدًا نسيب حاجة للظروف. استلت نفسها منها لتسألها بتوجس: -يعني إيه؟ تطلعت لها بقوة تجيبها: -في كل الحالات جوزك هيعرف، ف أنا من رأيي إنها تيجي منك أحسن.
جحظت عينيها وانسحبت الدماء من وجهها لتردد برعب وعدم تصديق: -عايزاني أعترف له يا كاميليا؟ ردت بابتسامة جانبية تخلو من أي مرح: -للأسف أنتي معندكيش اختيار تاني. -حمد الله على السلامة يا أبو ليلة. قالتها زبيدة بلهفة أصابت صدرها بنهاج خفيف، وهي تستقبله من مدخل المنزل كطفلة صغيرة، لا تعرف المكر في إخفاء مشاعرها، ليتلقفها هو بقبلة على أعلى رأسها، بعد أن ضمتها ذراعه القوية، بابتسامة مشرقة لرؤية مهجة قلبه، مرددًا:
-يسلمك ويحفظك ليا يا غالية. تدخلت صبا بسماجة تقصدها، وقد حضرت المشهد من أوله: -طب افتكروا طيب إنكم قاعدين في الصالة، ومعاكم آنسة كعذراء الربيع واقفة تتفرج، ومستنية دورها. ضحكت لها زبيدة بخجل تنحي بوجهها للناحية الأخرى، لتجعل زوجها يتقدم بغيظ نحو ابنته: -كسفتيها يا بت الفرطوس، وانتي يعني محتاجة عزومة عشان تستقبليني. -لا ما أنا لازم آخد فرصتي كاملة ومحدش يشاركني فيك.
قالتها صبا وهي تلقي بنفسها عليه وتلف ذراعيها حول عنقه، تتملق به كالعلقة متابعة: -وحشتني يا أبو ليلة يا حبيبي. حاول فك ذراعيها عنه مرددًا بحنق يدعيه: -يا بوي على التناحة، خفي يدك عني يا بت هتخنقيني. ضحكت بدلال لتقبله فوق وجنته باستمرار في غيظه: -أنا أكتر واحدة بحبك يا بوي، مش أي حد تاني. -وه. تفوه بها أبو ليلة وعينيه انتقلت نحو زوجته التي كانت تخفي بيدها ابتسامتها وقد وصلها ما ترمي إليه ابنتها، ليشاركها الضحك غامزًا:
-البت دي مش معدلة، ونيتها مش صافية يا زبيدة. خرج صوتها بصعوبة لتندمج في مزاحهم: -إهي بتك وانت حر فيها عاد. -آه والله عندك حق، أنا بقول أخلص منها وأجوزها، كده كده ربنا مسهلها وشكلنا كده هنفرح بيها قريب. قالها أبو ليلة وقد نزل بعينيه نحو ابنته التي انتبهت على هذا التغير في نبرته، لتستل عنه باضطراب، تشعر أن به شيئًا ما، وتأكدت من نيته مع قوله التالي:
-المرة دي ملكيش حجة، العريس كامل ومكمل، لا هو ساكن في البلد، ولا هو ولد عم من نفس البطن.
على كرسيه الذي كان يلتف به يمينًا ويسارًا كالأرجوحة، بعقل شارد في هذه القضية الغريبة، وهذه الفتاة التي تثير بداخله الشفقة نحوها، رغم غضبه منها وتحميلها مسؤولية كل ما حدث وما تسببت به لنفسها، ولكن لا يتمنى لها العقاب بضياع مستقبلها، خصوصًا وقد رأى بنفسه المستوى المتدني الذي تعيش به، ومعاشرتها لامرأة كجدتها، نفس الإحساس الذي يجعل فتاة كصبا تتمسك بمساعدتها رغم علمها الأكيد بعيوبها، ولكن لما يوبخه حدسه أن هذا الموضوع يدور حول الأخيرة بصفة أو بأخرى؟
زفر يخرج كتلة من الهواء ليجلي عقله قليلًا من أفكاره، وتناول هاتفه من فوق سطح المكتب، حتى يجري اتصالًا قد يغير من مزاجه ولو قليلًا: وصله الصوت الناعم الحاد. -الوو يا حضرة الظابط. -الوو يا لينا عاملة إيه؟ قالها بابتسامة اتسعت حينما سمع تذمرها: -الحمد لله يا سيدي، أنا كويسة وبمارس حياتي عادي، بس ده مينفعش إني مدايقة طبعًا عشان الحاجة اللي غايبة مني. بتسلية لا تخلو من المكر:
-قصدك يعني على القلب اللي ضاع في عربيتي يا لينا؟ مكنتش أعرف إنه غالي أوي عندك كده، ده شكله له ذكرى جميلة معاكي. ردت بعفوية وقد غاب عقلها عن مقصده: -ذكرى إيه؟ هو انت فاكرني واخدها هدية، ده أنا جايباها من كدي وشقايا أيام ما كنت بشتغل وبدرس في نفس الوقت أيام الجامعة. -طب براحة شوية يا ستي هو إحنا هنتخانق؟ ده بس مجرد سؤال يعني. قالها مشاكسًا، ولم يرى الإبتسامة الجميلة التي لاحت على محياها وهي ترد ببعض اللطف:
-لا يا سيدي مش خناقة ولا حاجة، وأنا كمان كنت برد عادي يعني، لكن انت بقى بتاخد كل حاجة على أنها خناق. -أيوه بقى. تمتم بها داخله وقد أعجبه ردها، يشعر ببدء استجابة أو تغير من ناحيتها نحوه، ورد ضاحكًا: -ما هو برضوا لازم تعذريني يا لينا، هو انتي ناسيه تاريخنا من أول مقابلة كان إزاي؟ وصله ردها بنعومة كادت أن تذهب بعقله: -لا طبعًا مش ناسيه، وأنسى إزاي يعني؟ ...
توقفت برهة، وكأنها لا تريد الانزلاق أكثر من ذلك في هذا الحديث الخاص بينها وبينه، لتردف بتذكر: -المهم بس حاول تشوف ولا تدور من تاني على القلب، ممكن يا حضرة الظابط؟ لم يجيبها على الفور بل انتظر لحظات من الترقب، بابتسامة شملت كل ملامحه، ليرد أخيرًا بخبث:
-من عيوني الاتنين يا لينا، هحاول بقى ألاقي وقت أدورلك فيه براحتي، أصل بصراحة اليومين دول مشغول جدًا في الشغل، ده غير كمان خطوبة حسن على صاحبتك، ناوية بقى تيجي الخطوبة يا لينا؟ -طبعًا لازم أجي، هي دي محتاجة سؤال؟ شهد دي أختي مش صاحبتي. قالتها بتأكيد قابله برده الواثق: -كويس أوي ده، وأهو بالمرة لو لقيت القلب أديتهولك في المناسبة الحلوة دي. -تمام.
أنهى المكالمة وقد اكتنفه ابتهاجًا لا ينكره، يعجبه حالة الشد والجذب، ثم المهادنة والتوقف قليلًا قبل العودة لطبيعتها المناكفة، والتي كانت أكثر ما جذبه نحوه. -سعادة الباشا. أجفله عصام بقولها، قبل أن يتذكر ويطرق بخفة على باب الغرفة الذي كان مفتوحًا من الأساس، ليستأذن معتذرًا: -أنا آسف سعادتك، ممكن دقيقة؟ بتريث لا يخلو من الاندهاش: -ادخل يا بني، بس خد نفسك الأول، ليه اللهفة دي؟
سمع عصام ليتقدم نحوه على الفور، واضعًا إحدى المستندات الهامة ليرد مفسرًا: -ما أنا جايلك بمعلومات مهمة أوي، البنت اللي كنت كلمتك عنها قبل كده في قضية مودة، طلع لها تاريخ مذهل، وملف قديم في الآداب. قلب أمين سريعًا في الأوراق ليغمغم بصحة ما يؤكده زميله: -دي كانت متربية في ملجأ كمان، رغم إن خالها كان عايش؟ أي ده؟ أي ده؟ تلت قضايا تدخلهم وتطلع منهم زي الشعرة من العجين؟ رفع أنظاره إليه متابعًا: -دي مش سهلة ولا هينة بقى؟
-ما أنا قلتلك يا فندم، شكلها معجبنيش. قالها عصام متفاخرًا بعض الشيء، بصدق حدسه، فجاءه قول الآخر الحازم: -طب اسمعني كويس بقى، تجيب مودة وتعرف منها خط سيرها مع البنت دي من ساعة ما خرجوا في اليوم ده واتفسحوا ولفوا على المحلات لحد أما روحت بيتها، وانت بشطارتك تجيب تسجيلات الكاميرات من المول وأي حتة تانية راحوها. -أيوة حاضر أنا جاية.
صدر الصوت المستفز من داخل المنزل قبل أن يفتح الباب فتطل بهيئتها التي تشعل الدماء بالرأس، لتزيد عليها بوقفتها المائلة، ترمقها من تحت أجفانها، ثم ليخرج الصوت من بين تلويكها للعلكة بداخل الفم: -إيه ده؟ .... هو انتي؟ اهدتها صبا ابتسامة صفراء وهي تجيبها: -آه أنا يا آنسة سامية، عندك مانع أدخل أطمن على جارتنا وبنتها التعبانة. ردت بميوعة وبصوت يطرقع ليثير القشعريرة على أسماعها:
-لا طبعًا معنديش وبنفس الوقت مقدرش أقولك ادخلي كده من نفسي، دقيقة بقى أروح أستأذن أهل البيت، عن إذنك. قالتها وتحركت للداخل بحركات بطيئة بتمايل، لتريها جمال قدها في هذه العبائة القطنية التي تقسم جسدها لمناطق منعزلة، كل جزء يمثل خريطة مع نفسها. اندمجت صبا معها حتى اختفت بداخل إحدى الغرف لتمتم بحنق مع نفسها: -يخربيتك، دي سابينها إزاي كده؟ ما حد يلمها ويتجوزها؟ -واقفة عندك بتعملي إيه يا صبا؟
هتف بها شادي وقد كان خارجًا من غرفة والدته، سمعت هي لترسم على وجهها العبوس قائلة: -أنا مقفيتش كده من نفسي، البت دي بنت خالك هي اللي جالتلي استنى على ما تستأذن حد منكم يدخلني، عشان بقولها عايز أطمن على جارتنا. قالتها بنبرة لائمة جعلته يقترب على حرج مرحبًا بلطف: -طب وانتي برضوا محتاجة استئذان من حد؟ ادخلي يا صبا ادخلي. فور ولوجها لداخل المنزل، أغلق الباب ليتبعها، فقد بدا من هيئتها تغيرًا لم يخفى عليه، حتى وهي ترفع
رأسها إليه بسؤالها العادي: -رحمة النهاردة عاملة إيه؟ هي والست الوالدة؟ أجاب بلهجة عادية رغم تحرقه للسؤال عما بها: -رحمة كويسة والحمد لله. أومأت بشبه ابتسامة جانبية ليس لها معنى، أدخلت في قلبه القلق، فهذا الغموض وهذا التردد أبعد ما يكون عن شخصية صبا، لذلك لم يقوى على منع نفسه من سؤالها: -أنتي كويسة يا صبا؟ ردت بصوت كان أشبه بالهمس، وبكلمات متقطعة: -الحمد لله.... كويسة......... أنا بس كنت عايز أسأل عن رحمة.
-ما قلت لك كويسة، ولا هو تكرار وخلاص. قالتها سامية التي خرجت من غرفة الأطفال على صوت حديثهم، التفت إليها صبا بنظرة مغتاظة واكتفت بالصمت حينما تولى شادي الرد عنها: -في إيه يا سامية وانتي مالك؟ احتقن وجهها بعد إفحامه لها، حتى كادت أن تجادله برد قوي، ولكن صبا لم تنتظر، وتحركت باستئذان نحو غرفة رحمة، لتتبقى هي مع شادي الذي أجفلها بسؤاله:
-هو انتي لما قولتي لصبا استني أستأذن أصحاب البيت، كنتي داخلة عند الأطفال تاخدي منهم الإذن. سهمت بوجهها أمامه، لتردد بعدم تركيز وقد طارت من رأسها كل الحجج. -هااا. -يعني إيه من بطن تانية؟ سألتها رحمة باستفسار ملح، وقد كانت جالسة على طرف التخت بجوارها مطرقة الرأس، كالذي يحمل فوق ظهره همًا ثقيلًا، حتى إجابتها صدرت بخواء: -يعني من نفس البدنة، بس مش نفس الجد، أو بمعنى أصح ولد عمي من بعيد. -لكن من نفس العيلة.
-هو فعلاً من نفس العيلة. -امال أبوكي عمل إيه بقى؟ ما هو نفس الأمر. -لأ مش نفس الأمر. قالتها صبا لتتوقف دقيقة زافرة بقنوط، قبل أن تتابع: -المرة دي العريس مش ساكن في البلد، ولا هيسكن فيها، ده غير إنه شغال مهندس في شركة بترول على حسب كلام أبويا، وأبوه مأصل من كبارات العيلة، يعني على الفرازة زي ما بيقولوا. بتفرس شديد في ملامحها وكل رد فعل يصدر منها، سألتها رحمة: -طب وانتي إيه مزعلك؟
مش يمكن لما تشوفيه يعجبك، ما هو طول ما والدك بيتكلم بالحماس ده، يبقى أبوكي، اتأكد إنه هيعجب. -يعجبه هو مش أنا. قالتها بعصبية جعلت رحمة عادت لتسألها بنفس المنطق: -وانتي إيه اللي يعجبك يا صبا؟ تلخبطت باضطراب تبحث عن إجابة في عقلها المتشتت من الأساس، حتى خرج ردها: -مش عارفة، بس أنا حاسة نفسي مش عايزة. -مش عايزة تتجوزي يا صبا؟ للمرة الثانية تسألها بشكل مباشر، وازدادت هي اضطرابًا في قولها: -ما أنا جلتلك مش عارفة.......
ومش لاقية رد يرجع أبويا عن قراره، يعني مضطرة أحضر المقابلة دي اللي حددها مع العريس وأهله، وربنا يستر بقى. -يستر في إيه يا صبا؟ إنه يطلع مش حلو عشان ترفضيه بقلب جامد، ولا يطلع كويس عشان تراضي أبوكي؟ حيرة ارتسمت على صفحة وجهها بشكل واضح، مع شيء آخر، بدا في نظرتها غامضًا وغير مقروء، جعل رحمة تشاركها الصمت، في انتظار رد مقنع لها علّها تفهم. قطع شرودها صوت هاتفها، قبل أن تستجيب في الرد: -ألوو يا مدام صفاء..........
ازيك انتي عاملة إيه؟ .......... نعم مالها مودة؟ .......... إيه؟ يا نهار أسود........... لا طبعًا وهعرف منين. أنهت المحادثة لتنتفض بحزن زاد على توترها: -عن إذنك يا رحمة أنا ماشية. اعترضت توقفها بقلق: -قلقتيني يا صبا، إيه اللي حاصل مع صاحبتك؟ أشارت بكف يدها، تقول بصوت مختنق: -صاحبتي مستقبلها ضاع، الله يكون في عونها بقى.
نهضت تود الذهاب، ولكن توقفت على دخول شادي يحمل ابنة اخته يداعبها كالعادة وهي تطلق الضحكات بصوت عالٍ، ظلت لبعض الوقت ترمقه بصمت، قبل أن تجبر قدميها على التحرك مردفة: -عن إذنكم يا جماعة. قالتها وذهبت على الفور، نظر في أثرها باستغراب، قبل أن يعود لشقيقته متسائلًا: -إيه الحكاية؟ مالها صبا؟ على الكرسي الذي ظل مقيدًا به لعدة أيام، هتف العم كريم فور رؤية رئيسه الذي ولج إليه الآن، يستعطفه، علّ قلبه القاسي يستجيب:
-مش ناوي بقى تسيبني يا بيه؟ ربنا يخليك أنا عندي عيال. اقترب كارم مع بعض رجاله ليجلس واضعًا قدمًا فوق الأخرى، يقول بلطف زائف: -يا عم كريم أنا عايز أساعدك، بس كمان انت لازم تساعدني. -والله يا باشا لو أعرف مش هتأخر، أنا قلت على كل اللي أعرفه، أساعدكم بإيه تاني بس؟
لم يتأثر أو تهتز به شعرة لهيئة الرجل المزرية واستجدائه له، يعلم ببراءته، ومع ذلك لا يطمئن له، كما أنه يريد الحصول على أي معلومة منه قد تفيده، لا يصدق أن كل هذه الفترة من مرافقة الآخر، لم يرى بها ولو مرة واحدة شيء لفت انتباهه. اهتز هاتفه في جيب السترة، ليوقف الرجل عن الكلام بكف يده، وباليد الأخرى، وضع الهاتف على أذنه ليجيب محدثه من الجهة الأخرى: -أيوه يا عدي أنا معاك أهو......... إيه؟ امتى حصل الكلام ده؟ ........
يعني انت مسافر دلوقتي؟ ........... لا يا سيدي ما تشلش هم الشغل، روح انت شوف مصلحتك. تروح وترجع بالسلامة إن شاء الله. أنهى المكالمة ينهض عن مقعده سريعًا وقد حسم أمره: -سعادة الباشا، انت هتسبني وتمشي تاني برضوا؟ أبوس إيدك افرج عني بقى. ألقى بنظره نحو الرجل ليأمر إحدى الرجال المرافقين له: -فكوا عم كريم، وخلوه يرجع لبيته. سمع الرجل ليهلل بكلمات الشكر والامتنان نحوه:
-ربنا يعمر بيتك يا بيه، إلهي يا رب ما يحطك في ضيقة أبدًا وينصرك على مين يعاديك. حدجه بنظرة مخيفة يحذره: -مش عايز أوصيك يا عم كريم، اليومين اللي قضتهم معانا يتمحوا من ذاكرتك، تمام ولا أحب أفهمك؟ بجزع شديد ردد من خلفه بإذعان: -والله العظيم فاهم، دي مش محتاجة وصاية، ده أنا أبقى راجل غبي لو عملت غير كده. رمقه بابتسامة جافة لا تخلو من التهديد:
-برافوا يا عم كريم، وأنا هوصي الرجالة يقبضوك قرشين حلوين، تروق بيهم عن نفسك وعن ولادك، مش هما بنتين والولد برضوه؟ ربنا يخليهملك. أمام الصائغ الذي كان ينتقي أجمل القطع، ويضعها أمام العروس بتشكيلة راقية، تجعلها تحتار في الاختيار. -ها يا عروسة، نقيتي إيه؟ سألها حسن مشجعًا حتى تتكلم بدون حرج، فتدخلت نرجس تسبقها بأعين كادت أن تخرج من محجريها من الانبهار: -هتنقي إيه ولا إيه؟
دي كلها حاجات تهبل، يا ريتنا جينا هنا يوم بنت أمنية، إبراهيم الخايب دخلنا عند واحد سكة، كل حاجته أي كلام. صعق حسن من رد المرأة التي أحرجت شهد كما، أحرجته هو ووالدته، فجاء رد الصائغ بذوق يخفي ضيقه: -معلش يا هانم دي أرزاق، ربنا يوسع على الجميع، خلينا إحنا مع عروستنا القمر. قال الأخيرة مخاطبًا شهد التي امتقع وجهها من فعل زوجة أبيها المستفز، تشتت تركيزها، عن الاختيار الأمثل، حتى كادت أن تشير على أي واحدة، لولا مجيدة
التي قالت بمزاح تقصده: -عروستنا القمر تنقي براحتها يا عم جورج، بلاش تستعجلها، وتعالى انت ركز معايا أنا. بفعلتها الذكية في سحب الرجل نحوها، لتتبادل معه الحديث ومع هذه المدعوة نرجس في بعض الأمور الخاصة بعمل الحلي، والأنواع الجديدة والقديمة منها، تركت المجال للعشيقين، حتى يتم الاختيار بدون ضغط، بعد هذا التوتر الذي انتشر في الأجواء، وقال حسن ملطفًا:
-اللي يشوفك وانتي كيوت كده ومش عارفة تردي على الراجل، ما يصدقش إن دي سيادة المقاول اللي بتتحكم في رجالة بشنبات. استطاع بخفته زرع ابتسامة جميلة على ثغرها، لتقول باعتراض: -ما بلاش، لاطلعلك بالمقاول اللي جوايا، وانتي حرة ساعتها بقى، محدش هيتكسف غيرك. ضحك بتوسع يقارعها: -والله ولو عملتيها في الشارع حتى، هعرف برضوا أتصرف وأرجعك لأصلك، رقيقة وكيوت من تاني، أنا خلاص بقيت مالك مفاتيحك، عرفتيها دي، ولا تحبي أقنعك بيها؟
باندهاش شديد ردت تجادله بمرح: -تقنعني بإيه يا مجنون؟ -أقنعك بالمفاتيح. -مفاتيح إيه؟ -مفاتيح قلبك، هي دي محتاجة ذكاء يا شهد. قالها بانفعال مصطنع، جعلها تنطلق بضحك مكتوم، لا تعرف التوقف عنه، وقد استطاع أن يجبرها بخفة ظله على الاندماج معه، الأخذ والرد بأريحية دون التعب بالتفكير مضني، فيما يصح أو لا يصح، يعلم ما يحزنها، وما يضحكها، وكأنه بالفعل قد ملك مفاتيحها..... يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!