الفصل 32 | من 43 فصل

رواية و بها متيم انا الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم امل نصر

المشاهدات
26
كلمة
4,565
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

وصلت إلى مقر المصلحة على حسب الميعاد المتفق عليه وقد كان ينتظرها من خلف شرفة الحجرة التي يعمل بها، حتى إذا رأى خيال السيارة المتواضعة تحرك سريعًا ليتلقفها من قبل حتى أن تصل للبناية: -اخيرًا وصلتي يا شهد. كتمت شهقة كادت أن تصدر منها وقد أجفلها بفعلته، لترد بعتب: -اخص عليك يا حسن، طب قول صباح الخير الأول. تبسم بمكر ليتناول يدها ويسحبها بخطواته السريعة لداخل الردهة الواسعة:

-هنسلم ونصبح بعدين براحتنا، المهم بقى، جهزتي كل الأوراق اللي قولتلك عليها؟ قالت بحالة من القلق تكتنفها نتيجة لهذه المغامرة التي على وشك الإقدام عليها: -ايوة يا سيدي جهزتها زي ما قولت، بس انا خايفة لتطلع حاجة اكبر من مقدرتي، وانت عارف اللي فيها. وصل بها إلى المصعد ثم ضغط على زر الأحمر ينتظر هبوطه وقال يطمئنها:

-يا بنتي بقولك متقلقيش، دا مشروع صغير، انا عارف التكلفة وعارف كل حاجة فيه، عايزة يبقى بداية ليكي في الشغل الصح، مش انتي عايزة تكبري شغلك برضوا؟ رددت بقلب تسارعت دقاته وقد ذكرها بأجمل أحلامها: -اه يا حسن، دا كان حلم ابويا، قبل الزمن ما يغدر بيه ويروح عند ربنا من غير ما يحققه. انفتح الباب الألكتروني ليجعلها تدلف أولا قبل أن يلحق بها، ليضغط على زر الطابق المنشود ثم قال بحماس: -حلم الوالد هتحققيه انتي، وانا واثق من كدة.

أمّنت من خلفه: -يارب يا حسن يا رب، يسمع منك ويخليك ليا. ضغط على كفها بابتسامة عذبة تراقص بها كل مشاعر العشق نحوها، ثم ما لبث أن يسألها بتذكر: -مقولتيش صح، اختك امنية سربتيها فين؟ ردت بابتسامة خبيثة: -اخص عليك يا حسن متقولش كدة، اختي دي بتشيل المسؤلية بدالي النهاردة.

ملتصقة بأحد الحوائط القريبة من الموقع الذي يدور بحركة العمل دون توقف، لتستظل بالجزء البسيط المتبقي بظله من أشعة الشمس التي توغلت على كل المساحة الفضاء من حولها، لتلعن هذا الجنون وعقلها الأحمق في اتباع وتنفيذ أوامر من يملك فؤادها: -أيوة يا ابراهيم، انا معدتش مستحملة وعايزة أمشي بقى. هتفت بها بعد رده عن الاتصال أخيرًا، فوصل إليها قوله بحده: -تمشي فين يا بت الهبلة؟ هو ايه اللي حاصل؟ ردت بنبرة توشك على البكاء:

-الست المحروسة بدل ما تاخدني ع المكتب لما أصريت أروح وأشتغل معاها، خدتني ع الموقع اللي شغالين فيه رجالتها، قال إيه، عشان أفهم الشغل كله على بعضه، الدنيا صحرا والشمس سخنة أوي، انا قولت عايزة أروح، لكن الزفت عبد الرحيم بيقول لازم أنتظر مندوب الشركة عن المشروع كله، عشان أحِل محل أختي في مقابلته، قال، آخذ منه التعليمات الجديدة، انا تعبت أوي يا ابراهيم، حاسة نفسي هقع ولا يغمى عليا، آه. صرخ بها من جهته بحزم:

-ما تجمدي يا بت وبطلي مياعة، الساعة تسعة دلوقتي، يعني ملحقتيش تكملي ساعة حتى. تابعت بتذمر وسخط: -وهي الساعة دي هينة؟ الدنيا هنا صحرا والشمس من ستة الصبح مبهدلة الدنيا، الجو حر هموت، انا في الوقت ده أساسًا بكون نايمة. -يا بت ال...... قطع يمنع سبة وقحة كانت على وشك الأفلات من فمه، قبل أن يتمالك ليردف كأنه على أسنانه:

-يا بت الهبلة اجمدي بقى متقرفنيش في زنك، المحروسة وافقت تدخلك معاها، يبقى تتحملي شوية، وتفتحي عينك كويس عشان تفهمي، متخليهاش تتريق عليكي، احنا عايزين نحط ايدينا ونعرف كل قرش داخل ولا خارج في المكتب، هي قاصدة تتعبك، بس انتي بقى لازم تبقي شاطرة وتعرفي كل المعلومات عن المشروع ده والمكسب اللي هيجيلك من وراه، مش عايز أي حاجة تفوتك. -منين يا ابراهيم؟ أعرف منين كل الحاجات دي؟ هو انت ليه مش حاسس بيا؟

بقولك مش قادرة، مش قادرة، عايزة أمشي. هدر بها بصوت وحشي جفف الدماء في عروقها: -تلاتة بالله العظيم يا أمنية لو عملتيها وروحتِ لكون مربيكي عليها دي، ان شاء الله حتى أفسخ الخطوبة. -تفسخ الخطوبة ابراهيم؟ -أيوة افسخ الخطوبة يا أمنية، مش ناقص أنا دلع نسوان مرق، اقفلي يا بت متقرفتيش أكتر من كدة اقفلي. تطلعت بصدمة إلى الهاتف الذي تم إغلاقه بوجهها، ليعود إليها السخط بإحساس القهر وقلة الحظ التي تلازمها حتى مع خطيبها.

-ست أمنية. هتف بها عبد الرحيم، فانتفضت مجفلة إليه، قبل أن تتدارك لترد محتدة بضيق: -إيه؟ عايز إيه؟ بتسلية بدت بصورة واضحة على تعبيراته، رد يجيبها: -يعني هكون عايز إيه بس؟ دا أنا جاي أسألك لو تحبي تشربي شاي معانا؟ أصل أنا والعمال سوينا براد كبير زي ما انتي شايفة.

التفت برأسها نحو ما يقصد، لتجد الإبريق المتفحم من أثر نيران الموقد المصنوع حديثًا ببعض الأحجار، وأكواب الشاي يغسلها واحد منهم من دلو مياه مكشوف يستخدم لهذا الغرض خصيصًا، فتقلصت ملامحها بالرفض محتجة: -لأ طبعًا مش عايزة، بتشربوا فيه إزاي ده؟ القت التحية فور ولوجها الغرفة برسمية كعادتها، وذلك وبعد أن توقفت أمام مكتبه بمسافة ليست بالقليلة: -السلام عليكم يا فندم. -وعليكم السلام يا صبا.

دمدم بها وهو يترك الأوراق التي كان يدعي الانشغال بها فور حضورها، ليتابع ترحيبه: -اتفضلي اقعدي، هتفضلي واقفة؟ -ليه يا فندم؟ هو انت عايزني في حاجة؟ ردها المباغت أثار بداخله الريبة، ليعود بجسده للخلف قائلًا بتعالٍ حتى لا يظهر لهفته: -مش أنا اللي عايز يا صبا، انتي اللي جيتي وطلبتي مساعدة زميلتك، وأنا بلغتك بشرط صاحبة الخاتم، يبقى إيه لازمة التأخير في شيء هام زي ده؟ ردت بسهولة صعقته: -عشان خلاص يا فندم. -خلاص إيه؟

-خلاص الموضوع خلص. -موضوع إيه اللي خلص؟ هتف بالأخيرة ناهضًا عن مكتبه، وقد زحفت بعقله شكوك وهواجس حول كشف الحقيقة التي يعلمها هو جيدًا، فجاء ردها بخبث تقصده: -يعني حضرتك أنا كلمت مودة عن وصل الأمانة وردها كان لأ، يبقى إيه اللي يجبرني أنا أضمنها؟ كل واحد يشيل شيلته. ردد خلفها بعدم استيعاب: -يشيل شيلته! -أيوة يا فندم زي ما بقولك كدة، هي حرة بقى وربنا معاها.

راقبت التجهم الذي اعتلى وجهه، ليثبت بعقلها كلمات الظابط أمين الذي حدثهم أن هذه القضية بها أمر غير طبيعي، وقد جاء ردها الغير مبالي الآن، بناءً على تعليماته، لتزيد على الآخر قولها بابتسامة مصطنعة: -على العموم يا فندم الف شكر على مساعدتك لينا. -دا أنتي كمان بتشكريني؟ قالها ليفرد جسده واضعًا كفيه بجيبي بنطاله أسفل سترته ليتابع وكأن الأمر لا يعنيه:

-من غير شكر يا صبا، أنا اتدخلت في الأمر ده عشان خاطرك انتي بس على فكرة، ولأجل ما يضيعش مستقبل البنت صاحبتك. -عشان خاطري؟ غمغمت بها داخلها بعدم ارتياح، خصوصًا وقد انتبهت لهذا الوميض الغريب بعينيه، وهذا القرب من المسافة بينهم، باهتمام غير عادي من رئيس عمل مع مرؤوسيه. يبدو أنها كانت غافلة ولا بد لها الآن أن تستفيق، نفضت رأسها لتستأذنه: -على العموم يا فندم أنا بجدد شكري من تاني، عن إذنك بقى عشان أشوف شغلي.

أومأ بجفنه فتحركت تستدير ذاهبة ولكن وقبل أن تصل لباب الغرفة أوقفها بقوله: -ما تنسيش تطمنيني عليها، عشان أحدد وضعها في الفندق بعد كدة. أومأت له برأسها قبل أن تغادر نهائيًا، يكتنفها قلق عظيم، شكوك وهواجس تدور برأسها، تتمنى من كل قلبها ألا تثبت صحتها.

على طرف مكتبه كان جالسًا بتحفز، وقد فاض به، ولم يعد لديه قدرة على الصمت أكثر من ذلك، ولا حتى ادعاء جمود يزيد على حرق أعصابه المرهقة من الأساس، عقله على وشك الانفجار، وقد ذهبت عنه حكمته ورزانته المعتادة، كان يعلم من البداية بخطر اقترابه منها، ومع ذلك غامر، ف ناله من العذاب ما فاق كل مقدرته، جاهد لإخفاء هذا الألم المتعاظم بداخله، لتزيد عليه الآن نيران الغيرة.

ارتفعت رأسه فجأة نحو مدخل الباب حينما شعر بها، وقد بدا على ملامحها الإندهاش لجلسته الغريبة تلك، وازداد شعورها حينما ظلت أنظاره ثابتة عليها ولم تتزحزح، فخرج سؤالها بتردد: -في حاجة؟ نزل بأقدامه عن الأرض يجيب سؤالها بسؤال: -عدي عزام عايز منك إيه يا صبا؟ كان السؤال مباغتًا لها حتى ارتدت للخلف مجفلة قبل أن تتدارك لتجيبه بارتباك: -ااا طلب كدة يعني...... أنا كنت طلباه.... -طلب إيه يا صبا؟

لمست من لهجته حدة على غير عادته معها دائمًا، مما استفزها لترد باندفاع: -في إيه يا مستر؟ دي أول مرة تكلمني باللهجة دي؟ بغضب فاق قدرته على التحمل، تقدم نحوها بهدوء خطر: -بغض النظر عن حدتي يا صبا، أنا عايز أعرف دلوقتي إيه اللي يدخلك عند واحد زي عدي عزام؟ أي طلب ده اللي يخليكي تدخلي عنده كذا مرة. كـذا مرة هتفت لتتابع بدفاعية: -اقسم بالله ما دخلت عنده غير عشان طلب محدد، مودة في ضيقة، وهو الوحيد اللي يملك يساعدها. توقفت

فجأة باستدراك سريع لتسأله: -لكن انت عرفت منين اني دخلت عنده كذا مرة؟ بابتسامة جانبية جافة أظهرت حجم خيبة أمله فيها: -من واحد زميلنا هنا في الشغل يا صبا، وقفني قبل ما اجي النهاردة، وقالي وهو بيستهزأ: ايه حكاية الموظفة اللي عندك؟ بتدخل عند عدي عزام رئيس الفندق، يكونش عايزة ترقية؟ خدتي بالك يا صبا من التلميح؟ شهقت بجزع لتردد بدفاعية وسخط: -اقطع لسان اللي يجول عليا أي كلمة شينة، هي حصلت كمان.

توقفت بدموع حارقة انسابت على وجنتيها، لتتابع بسؤال له: -إنت تعرف عني كدة؟ رد مقرباً وجهه منها: -وهو انا لو عندي شك ولو واحد في المية، كنت سألتك اساساً؟ بس دا ما ينفيش خيبة املي فيكي يا صبا، أنا معرفتش ارد ع المتخلف ده بإيه، واثق فيكي وفي اخلاقك، لكني برضوا غضبان. بتقولي انك عايزة تساعدي صاحبتك اللي هي مختفية بقالها فترة عن الفندق، مجتيش ليه وقولتيلي انا عن مشكلتها يا صبا؟ بشهقات أصبحت تزداد وتيرتها ردت من بين بكاءها:

-عشان كنت اظن ان هو اللي عنده الحل، مودة ورطت نفسها في مصيبة كبيرة بسبب غباءها، وانا مجدرتش اتخلى عنها عشان ملهاش حد غيري، لو اتخليت عنها ومستقبلها ضاع، ساعتها انا هعيش حياتي ازاي؟ رد بغضب متصاعد: -ويعني عشان تنفذيها انتي تجيبي على نفسك الكلام يا صبا؟ مفيش اي طريقة تانية لمساعدتها غير عند عدي عزام.

انهارت لتسقط بثقلها على الكرسي خلفها، ليزداد نشيج بكاءها، هذه أول مرة تتعرض لهذا الموقف، لأول مرة تجد أحد ما يشكك في اخلاقها، وهي التي تترفع بعزة عن التحدث مع أي فرد من الرجال، سوى بكل احترام وأدب، هذا ما تربت عليه، ان يأتي هذا اليوم، ويحدث هذا في مقر عملها، وأمام شادي! -صبا. رفعت رأسها إليه لتجده يقول: -ممكن تقوليلي عن نوع المساعدة اللي طلبتيها من عدي عزام؟ اومأت برأسها تجيبه:

-انا هحكيلك عن الموضوع من أوله، وانت تحكم لعد كدة. على الباب الخشبي المتهالك كان الطرق عليه بعنف يكاد أن يقتلعه من محله، عنف أزعج المرأة العجوز لتنهض عن محلها مجبرة حتى تفتح خوفاً على ملكها، وحتى تعطي الفاعل درس قاسي بالتوبيخ والسباب إن استدعى الأمر. صارخة على الطارق في الخارج: -ايه ايه في إيه؟ ما تكسر الباب أحسن. قطعت الباقي من كلماتها فور أن وقعت عينيها على حفيدتها الملعونة المتغيبة منذ أيام: -مودة!

-أيوة يا ستي أنا مودة، اتفضل يا باشا اتفضل. قالتها الأخيرة وهي تتزحزح عن موقعها ليلج أمين بخطوته السريعة داخل المنزل متخطيًا المرأة وخلفه رجل الأمن والحفيدة التي صاحت عليها جدتها: -مين البهوات دول اللي جراهم معاكي يا موكوسة؟ بقى بتغيبي يومين وبعدها ترجعيلي بجوز رجالة؟ اشتغلتي في الحرام يا بت الكلب؟ -يخربيتك

دمدم بها أمين مبهوتًا لقول المرأة التي قد تسبب له ولحفيدتها بفضيحة بحماقتها، ليحدج مودة بنظرة نارية حتى تسكتها، فلا يضطر لإسكاتها هو بطريقته، والتي من جهتها استجابت بصوت مرتجف تصلح لها ولكن بتهديد حتى تستوعب سريعاً: -يا ستي خلي بالك من كلامك، الباشا ظابط قد الدنيا وممكن يخلي العسكري اللي معاه يحط الكلبشات في إيديكي دلوقتي ويحبسك. طالعته جدتها بتشكك تجادلها: -وايه اللي يخلي الباشا الظابط يجي بيتنا؟

دا أكيد ملعوب منك يا ملعونة، انا مش مصدقاكي ولا بالعة الملعوب بتاعك. -طب كدة تقتنعي؟ هتف بها ملوحاً بسلاحه الميري أمام وجهها بعد أن اخرجه سريعاً، ليردف بشراسة لا تصدر سوى في أصعب الأوقات: -كلمة تانية يا ست انتي وهتلاقيني سأحبك ع البوكس، وفي التخشيبة تبلطي فيها كام يوم، عشان تبقى تصدقي براحتك. تجمدت المرأة برعب فاغرة فمها، بهيئة تقارب التمثال وكأن القط قد أكل لسانها. اطمئن أمين من جانبها، ليتلتف نحو مودة يأمرها بحسم:

-ادخلي بسرعة يالا يا مودة دوري ع الحاجة، وانت يا مدبولي ساعدها خلينا نخلص من المشوار الزفت ده. انصياعاً لأمره تحركت على الفور نحو غرفتها، ليلحق بها رجل الأمن، وتبقى أمين مواجهاً للمرأة التي غمغمت بتساؤل غبي: -هما دخلوا الأوضة يعملوا ايه؟ زمجر بصوت مرعب افزعها عن التكملة: -امممممم أنكمشت المرأة على نفسها بخوف منه ومن تهديده، فخطا ليجلس على الكنبة القريبة من المدخل، ليجلس واضعاً قدم فوق الأخرى ثم يأمرها: -اقعدي.

تحركت بتردد ثم افترشت الأرض متربعة بقدميها، لتزيد على جلبابها المهترئ بالأتربة والغبار، فصاح يجفلها بصيحته: -قعدتي ع الأرض ليه؟ قومي اقعدي على أي نيلة ولا كرسي قدامك، ما تقومي. في غرفة مكتبه التي لم يكن قد فارقها بعد، كما أنه كان متوقفاً عن العمل والتفكير في أي شيء آخر، سوى حسم هذا الأمر، لقد سأم من الألتفاف حولها وهي لا تعطيه فرصة للتقرب، حادة ولا يصلح معاها غير الطريق المباشر، هذا ما عرفه وتأكد منه الان.

ارتفعت رأسه فجأة على اثر طرقة خفيفة على باب الغرفة وقبل أن يعطي الأذن بالدخول وجد الأخرى تطل برأسها بابتسامة ناعمة تلقي التحية قبل أن تدلف بكليتها للداخل: -مساء الخير يا باشا. مالت رأسه بتهكم في الرد عليها: -أفندم يا ست ميرنا، بتدخلي كمان من غير ما تاخدي الإذن؟ تفاجأت بجفاء استقباله الغير متوقع، فردت بابتسامة مضطربة تدعي الأدب: -لا العفو طبعاً يا باشا، أنا بس دخلت من عشمي. -عشمك!

قالها بحدة وعينيه تمشطها بازدراء جعلها تخرج عن صمتها بمخاطبته بجرأة: -في إيه يا باشا؟ معلش يعني، حتى لو ماعدتش بتطيقني، حاول تفتكر الود القديم اللي ما بينا ع الأقل. -الود اللي ما بينا! خرجت منه عاليه وللمرة الثانية لا يخفي نظرته المتدنية لها، بشكل أشعل مراجل الحقد بداخلها ليزيد عليها بعجرفته، واضعاً قدم فوق الأخرى، مستطرداً:

-كلمة الود والعشم دي تتقال مع أي علاقة متكافئة الأطراف يا ميرنا، أما اللي كان ما بيني وبينك، فدا اسمه هات وخد، انا كنت باخد مزاجي منك وفي المقابل بعطيكي المقابل، واظن ان المقابل بتاعي كان كويس اوي معاكي، ولا هتنكري؟ بابتسامة مصطنعة تخفي من خلفها الكثير، ارتعشت شفتها في الرد عليه: -لا طبعاً يا باشا، هنكر ازاي يعني؟ دا انت أفضالك مغطياني من ساسي لراسي، كفاية بقى ان انت لسة مشغلني. -امممم.

زام بفمه وعينيه على أحد الأوراق يعقب على عبارتها الأخيرة: -فكرتيني بالنايت اللي انتي لسة شغالة فيه؟ ياريت تحاولي تمشي ع التعليمات زي باقي زمايلك، انا مش عايز سمعة الفندق تضر بسببك، مش هقدر اسكت مديرك أكتر من كدة. اشتعلت عينيها واوغر صدرها بالضغينة نحوه، تتمتم بعدم تصديق: -كماان النايت؟ الحاجة الوحيدة اللي بقيالي مع الأجانب، هو ايه اللي حصل؟ سألها بتسلط وكأنه ينتظر منها هفوة: -يعني سكتي يا ميرنا؟ ردت وهي تحافظ

على تماسكها لتقول بطاعة: -ويعني عايزني اقول ايه يا باشا؟ طبعاً اللي تؤمر، هو انا اقدر اكسر كلامك برضوا. اوما برأسه يدعي الرضا، ليردف: -كويس اوي انك فاهمة الكلام ده، تقدري تروحي على شغلك دلوقتي، وياريت ما شوفش وشك هنا في المكتب او حتى في أي حتة تخصني، غير لو انا طلبتك، يعني الدخلة من شوية دي متكررش. -أكيييد. قالتها عن ثقة داخلها وقد تحولت لهجتها للغموض، لتردف بانصياع تام:

-يبقى انا كدة بعتذر يا باشا لو كنت ازعجتك، تحب تأمر بحاجة تانية. نفى بهز رأسه، يكتنفه شعور بعدم الاطمئنان، استذنت لتخرج ولكنه اوقفها قبل أن تستدير عنه: -ميرنا...... حاولي تشوفي صرفة في موضوع الخاتم، انا شايف ان مفيش منه فايدة. بغليل متعاظم وقد وضحت الصورة جلياً أمامها، ردت بفحيح: -يعني قصدك إنه يرجع؟ أومأ بهزة خفيفة من رأسه، قائلاً: -يعني زي ما عقدتيها حاولي بذكائك ده تحليها. ***

صفقت باب الغرفة التي غادرتها لتسرع بخطواتها حتى وصلت إلى جزء مختصر عن الأعين، لتتوقف ضاربة بكف يدها على الحائط، بزمجرة مكتومة بحلقها، تود التعبير عما يجيش بصدرها بصرخة عالية تهز أركان الفندق وما يحاوطه من مباني، لقد فاق الأمر توقعها، وخرج كل شيء عن سيطرتها، بعد أن كانت كالملكة بين أقربائها، بمكانة تحسدها عليها الفتيات من زميلاتها، سلطة تدعمها حتى أمام مديرها، مكاسب خيالية بالعملة الصعبة كانت تنهمر عليها بأقل جهد، حتى

لقبت نفسها بجارية الملوك، التي تأخذ من المنافع المادية، وعلاقات السلطة مما يسهل عليها كل أمر صعب يواجهها، لقد صدق إحساس الخطر بداخلها منذ أن رأت هذه الفتاة، عدي عزام أصبح يحيد عن طريقه المعتاد لنيل امرأة تعجبه، بل إنه يتجه لناحية أخرى، لو سلكها سوف تكون الخسائر وقتها، أكبر من ذلك كثيراً.

زاد بعينيها التحدي ووعيد يصدح داخلها بقوة، أنها لن تنتظر أو تسمح لهذا اليوم أن يأتي، وأن حدث، لن تكون الخاسرة الوحيدة. -عليا وعلى أعدائي. *** خرج مدبولي بوجه متجهم والعرق يغطي جبهته وأعلى قميصه في الأمام والخلف، وقد بدا عليه الإجهاد بشدة، لوح كفيه بيأس جعل أمين يدمدم بتساؤل: -معقول؟ يعني ملقتهوش خالص. خرج صوت الرجل بجدية: -يا فندم إحنا قلبنا الأوضة ومخليناش حتة، لدرجة إني كنست الأرضية بالمقشة، وبرضه مفيش أي أثر.

تدخلت العجوز بينهما سائلة: -لهو إنتوا بتدوروا على إيه؟ تجاهلها أمين لينهض ذاهباً نحو الغرفة التي كانت مقلوبة رأسًا على عقب نتيجة البحث المضني، ومودة على الأرض تغطي بسترتها على عينيها، وجسدها يهتز من فرط بكائها المكتوم. بعادة اكتسبها على مدار سنوات عمله، أخفى أمين تعاطفه ليهتف بها بصرامة: -مودة، كفاية بقى خلينا نمشي. كشفت عن عينيها التي احتقنت بأثر الدموع لتقول بصوت مبحوح باستجداء:

-والله العظيم كنت حطاه هنا، والله ما خرجته من الجيب ده ولا شوفته بعدها، هموت وأعرف هو راح فين؟ دا ملهوش أثر في أي حتة، روحتِ في داهية يا مودة، روحتِ في داهية. كتلة كثيفة من الهواء طردها أمين بزفرة مشبعة بإحباطه، يزداد يقينه بأن هذا الأمر به شيء ما، وقد ساهم غباء هذه الفتاة في إيقاعها. خرج من شروده على صوت المرأة جدتها، والتي صاحت تولول وهي تتأمل محتويات الغرفة:

-يجيكي ويحط عليكي يا بعيدة، قلبتي الأوضة من فوقيها لتحتها ليه يا بت؟ يكونش بتدوري على كنز؟ أنا قلبي حاسس من الأول، دخلة الرجالة الغريبة دي، أكيد وراها مصيبة. -يخربيتك بجد يا شيخة. غمغم بها للمرة الثانية فهذه المرأة بأفعالها، قادرة على جعله يرتكب جريمة في حقها، وهو الذي كان يحترم قبل ذلك كبار السن، هذا قبل أن يراها، تخلى عن أفكاره السيئة، ليسألها بعملية، ربما يأتي من خلفها بفائدة ما: -بقولك إيه يا حجة؟

طب أنا كنت عايز أسألك، لتكوني لقيتي خاتم مرمي هنا ولا في أي حتة من الشقة؟ شهقت بصوت جعله يعتقد أنها على حافة خروج روحها قبل أن تلتف نحو مودة صارخة: -يا بت الكلب، لهو إنتي اشتريتي خاتم دهب كمان وضيعتيه؟ طب كنتِ ادهولي عشان أشيلهولك. بغيظ شديد التف نحو مدبولي يأمره بحزم وقد فاض به من مهاترات المرأة: -يا للا يا مدبولي اسحب مودة خلينا نمشي، اسحبها يا بني قبل ما تطلع أرواحنا إحنا. *** -هو دا كل اللي حصل.

ختمت بهذه العبارة بعد أن قصت عليه كل ما حدث من البداية حتى دخولها منذ قليل لغرفة عدي عزام، وظل صامتاً على وضعه لمدة من الوقت، قبل أن يخرج صوته ويسألها بهدوء مريب: -روحتي قابلتي عدي عزام في المطعم لوحدك يا صبا؟ -ما أنا قولتلك السبب. -سبب إيه؟ هتف بها ليستطرد وكأنه تحول لشخص آخر: -كان لازم تشوريني الأول، مينفعش تتصرفي من دماغك، حتى لو كان غرضك شريف، على الأقل كنت روحت معاكي، إنتي غلطتي، غلطتي يا صبا.

-عشان عايزة أساعد صاحبتي. -محدش طلب منك تتخلي عنها، رغم إن مفيش داعي نعفيها من مسؤولية المصيبة اللي حطت نفسها فيها، أحيانًا بتكون أخطاء صغيرة وإحنا بنعتبرها تافهة، ومع ذلك ممكن توصل بينا لحبل المشنقة لما نستهون بيها. كطفلة مذنبة، لم تقوى على مجادلته، وقد علمت أن بصحة قوله، لتطرق برأسها غير قادرة على المواجهة، فتابع بتأنيب: -وكمان بتدخلي قسم الشرطة يا صبا؟ أبوكي لو عرف.. قاطعته سريعًا بارتياع:

-هيقطع علاقتي بيها نهائي، ومش بعيد يرجعني البلد. ضرب بكفه على سطح المكتب ورأسه دارت للأعلى، يستجدي صبرًا وتماسكًا حتى لا ينفجر بها، فتابعت هي بتبرير: -وعلى فكرة بقى أنا جبت المحامية النسوية دي مخصوص عشان تتكفل بالدفاع عن مودة وبالمرة تعرف رأيها في عرض الست دي صاحبة الخاتم، من غير ما أدخلها أنا. لكن ساعتها بقى قابلنا حضرة الظابط أمين الله يخليه، سهل علينا الدنيا وخلانا...... -أمين مين؟

صرخ مقاطعًا للمرة الثانية لتنتبه هي على انقلابه المفاجئ مرة أخرى، وكان ردها بعفوية: -حضرة الظابط أمين، أخو حسن خطيب شهد، ما هو شافني يوم الخطوبة وعرفني. ظل متسمرًا أمامها بهيئته الغير طبيعية لمدة من الوقت أثارت قلقها قبل أن يشعر بنفسه وينهض عن مقعده، يفاجئها باستئذانه: -أنا ريقي نشف ورايح أشرب ميه. طالعت أثره حتى اختفى لتغمغم بتساؤل مع نفسها: -هو ماله اتعصب جوي كده لما جبت سيرة الظابط أمين؟ ***

في منزل أنيسة وقد اجتمعت بنصفها الثاني مجيدة التي زارتها اليوم خصيصًا بحجة الاطمئنان على صحتها: -ها يا حبيبتي وعاملة إيه النهاردة بقى؟ -بابتسامة عذبة لا تفارقها ردت: -الحمد لله يا حبيبتي، ربنا ما يحرمني منك ولا من دخلتك عليا، أقسم بالله أنا بفرح من قلبي لما بتجيني، بحس إن أعرفك من زمان يا مجيدة. ردت الأخيرة بصدق ما تشعر: -نفس اللي بشعر بيه والله، إنتي طيبة أوي يا أنيسة، وشكلي أنا كمان طيبة عشان اتلميت عليكي. بضحكة

من القلب رددت من خلفها: -أوي، أوي يا مجيدة، بس بصراحة بقى إنتي عفريتة، بتعرفي توصلي للي إنتي عايزاه. -أنااا. قالتها مشيرة بكفها نحوها، لتردف ببراءة: -طب دا أنا حتى غلبانة وربنا. للمرة الثانية رددت من خلفها وكأن عدوى الفكاهة أصابتها: -أوي غلبانة أوي يا مجيدة. أطلقت الأخيرة ضحكة رنانة لتعلق عليها: -الله يا أنيسة، هو إنتي اتعلمتي الشقاوة ولا إيه؟ -أكيد منك.

قالتها لتشارك الأخرى بالضحك من قلبها، حتى خرجت إليهم لينا من الغرفة بملابس العمل لتعلق بابتسامة لهما: -يا ما شاء الله، ضحككم جايب لآخر الشارع، ما تبسطونا معاكم يا بشر. ردت مجيدة بابتسامة لرؤيتها التي تبهج القلب: -يا ختي ربنا يبسطك وتنولي اللي بتتمنيه، يا لينا يا قمر إنتي، مقولتيش بقى عاملة إيه؟ ردت وهي تعلق الحقيبة على كتفها: -بخير والحمد لله يا طنط، ربنا يخليكي، مضطرة أسيبكم عشان الشغل. -روحي يا بنتي ربنا يباركلك.

قالتها وانظارها اتجهت نحو السلسال الذي ترتديه في الأعلى، وظلت صامتة حتى غادرت لتسأل أنيسة بمكر: -حلوة أوي السلسلة اللي لابساها لينا دي، كف وخزرة زرقا، أكيد عشان تحميها من الحسد. أنيسة والتي لم تكن منتبه هذه المرة ردت بعفوية وهي تتناول فنجان قهوتها: -آآه طبعًا، ما هي كانت بتجمعهم من مرتب شغلها، أيام الجامعة، ابتدت بالسلسلة وبعدها الكف والعين الزرقا و..... أي ده؟

تصدقي إن أول مرة آخد بالي إن القلب مش موجود، أنا لازم أسألها لما تيجي. -يا ختي وتسأليها ليه؟ ما براحتها. قالتها مجيدة لتقارعها الأخرى ضاحكة: هو إيه اللي أسيبها براحتها؟ أنا هسألها عن حاجة غايبة منها يا ست. ردت تزيد من ذهولها: -وأنا بقولك أهو، هي أدرى باللي غايب منها، وأكيد طبعًا هتلاقيه، دا سهل أوي على فكرة. قالتها لتعود لترتشف من فنجانها هي الأخرى، وابتسامة عابثة تتلاعب على ثغرها بانتعاش يسري بداخلها، تغمغم:

-هانت يا مسهل يا رب. ***

عادت شهد بعد انتهاء الجلسة مع مسؤلي المشروع الذي تسعى للحصول عليه، في خطوة قد تساهم كبداية جيدة في دفعها للأمام، بمساعدة حسن الذي لا يدخر جهدًا في ذلك، بل ويفعل المستحيل في هذا من أجلها، تبسمت براحة تغمرها، تملي عينيها منه وقد كان يقود السيارة بجوارها، تشعر بأن الله قد من عليها أخيرًا بنعمة السند التي كانت تفتقدها، بل وكانت تقنع نفسها أنها استغنت ولا تحتاج، أن تستغني عن النعمة التي تفتقدها، هو الحل الوحيد للشخص اليائس البائس.

هذا قبل أن تراه ويجدد بها الأمل بالحياة والعيش بها. -الحقي يا شهد أمنية على آخرها. قالها حسن لتنتبه على شقيقتها التي كانت واقفة في المكان المحدد الذي وصفته لها، وجهها المكفهر، خير دليل على قرب انفجارها. عقبت بتوجس: -تصدق يا حسن لو حد اداها ولعة، مش هتتردد ولو ثانية تولع فينا. سألها حسن بفضول، قبل أن يقترب من الأخرى بسيارته: -ولما هي كدة إيه اللي جبرها؟ تبسمت تجيبه بسخرية: -المسؤلية، حب المسؤلية هو اللي جبرها يا حسن.

-يا شيخة. قالها بابتسامة ساخرة هو الآخر، قبل أن يتوقف أمام شقيقتها التي حطت سريعًا لتنضم معهم في المقعد الخلفي، تلقي التحية بفظاظة: -السلام عليكم. ردد حسن يجيب تحيتها رغم تحفظه على قلة ذوقها. -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. عاملة إيه يا أمنية؟ -كويسة. بصقت الكلمة من فمها والتفت رأسها نحو النافذة. لا تطيق النظر إليهم. مما جعل شهد على تقوى على كبت ما بجوفها:

-براحة شوية يا ست أمنية. أول يوم ليكي وتعبانة فيه. نديكي عذرك. بس مش لدرجادي يعني. دا انتي مكملتيش نص يوم. سمعت الأخيرة وقد كانت لها كالشرارة لتنطلق بمظلومية محتجة:

-نص يوم. وليكي عين كمان تألسي وتدي حكم. بعد ما خلتيني أتحمس في الشمس. قال إيه عشان أسد عنك. أفهم إيه أنا عشان أقابل مسؤول الهباب بتاعكم. ولا لجنة المهندسين اللي طبت فجأة. مكنتيش عاملة حسابهم. عشان ما تصدقي بقى وتسبيني أنا في الوحلة دي لوحدي. طبعًا ما انتي مع خطيبك. اتسرمحي بقى على كيفك. مدام في الحمارة اللي تسد.

تفاجأ حسن، لا بل صعق. لا يستوعب هذا الأسلوب المتدني في الحديث. بل وتبجحها المبالغ فيه. بلع ريقًا قاسي كان يود تقريعها به. إكرامًا فقط لشهد. والتي من جانبها تمالكت رغم الحرج الذي انتابها أمام خطيبها. لتقول بقوة: -مش هرد ع الأخيرة عشان أنا لسة محتفظة بألأدب معاكي. حتى لو انتي متعرفيهوش. بس لو هتيجي ع الشغل. ف أنا بقولهالك أهو يا ختي، محدش غاصبك.

أفحمها ردها القاطع لتلتف نحو النافذة مغلقة فمها عن التكملة. فتبدل المرح بمحيط السيارة إلى جو من الكآبة بفضلها. بعد أن صمتت شهد هي الأخرى. وحسن من داخله يلعن هذه الفتاة التي تحتاج للأدب والتقويم من جديد. ليته يملك السلطة لذلك. أو ربما هو الزمان قد يكون كفيلاً بها وبأمثالها. -حبيب مامي. قالتها رباب وهي تتلقف ابنها الذي ركض نحوها. فور ولوجه المنزل ورؤيتها. لترفعه عن الأرض وتضمه بقوة. تقبله باشتياق شديد. مرددة:

-يا قلب مامي. وحشتني. وحشتني. قد الدنيا وقد الكون كله. -وانتي كمان يا مامي. قالها الصغير لتزيد باحتضانه مشددة بذراعيها. علق كارم والذي جاء من خلفه: -براحة شوية ع الولد. لدرجادي واحشك؟ قبلت الصغير عدة قبلات على وجنته لتردد بحب: -أوي أوي يا كارم. -هو بس. قالها بصوت متحشرج وفمه يحط على أعلى رأسها بقبلة هو الآخر وأنفاسه الساخنة تلفحها. انتفضت لتبتعد سريعًا مرددة بارتباك:

-اا طب انت هتفضل واقف هنا في مدخل الفيلا. مش تدخل معايا وتقعد حتى دقيقتين. قالتها وتحركت بالطفل تسبقه. لحق بها ولسانه يردد بتهكم: -يا ما شاء الله. وبقيتي صاحبة بيت كمان عند اختك وجوزها. لا وكمان بتعزميني عشان أضايف في ملكهم. بنبرة مثقلة التفت له برأسها تطالعه بقنوط قبل أن تجلس على أقرب المقاعد وترد: -يا كارم الوضع اتغير خلاص. مفيش داعي للتريقة يعني. ثم إن اختي وجوزها في الشغل دلوقتي. مين بقى اللي هايضايفك؟

اتخذ مقعدًا هو الآخر بجوارها ليضع قدمًا فوق الأخرى. ليرد وهو يتأمل كل ركن من حوله: -زوق المكان ولا أروع. بصراحة اتفاجأت. يا ترى دا زوق اختك ولا جوزها؟ صمت برهة ليتابع بمغزى يقصده: -أنا برجح كاميليا. احساسي بيقولي كدة. أصل الزوق العالي ده ما يبعدش عنها. ردت بفراسة وقد فهمت إلى ما يرمي إليه: -بلاش السكة دي يا كارم. أنا قولتلك إن الوضع اتغير. خلينا نعيش في سلام الله يخليك.

أشاح بوجهه عنها. فلم تعجبه كلماتها. وقعت عينيه على الطفلة الصغيرة ذات الجمال الملائكي. وقد كانت واقفة بأحد الأركان بخوف منه كرجل غريب لأول مرة يدخل إليهم. انتبهت رباب نحو ما يتطلع إليه. فهتفت بمرح نحو الطفلة: -فريدة. تعالي يا قلب خالتو. -فريدة! ردد كارم الاسم وعينيه تتابع الصغيرة التي خطت نحوهما حتى تلقفتها رباب لتعرفها على أسرتها: -دا يبقى عمار ابن خالتو. ودا جوز خالتو. سلمي عليها يا كارم.

سمع منها وامتدت يده تصافح الصغيرة. يشهد بداخله أن هذا الجمال الرائع. لا يبتعد عن والدتها. فهي تشبهها كثيرًا. بعد أن انتهى الترحيب. وانصرفت فريدة مع ابن خالتها حتى يعرفه على ألعابها. لتخلو الجلسة على الزوجين. قال كارم بوجه متجهم: -متفتكريش إني ساكت. أنا قالب الدنيا على الزفت حامد وشريكته جيرمين. أومأت له بابتسامة مضطربة. فقال متابعًا: -تصدقي إنها هربت وسابت أولادها وجوزها العجوز كمان؟ ابتلعت تردد بتوتر:

-أكيد خايفة منك. أو من الشرطة بعد الكاميرات ما بينتها كاملة. بس الغريبة إن الأمر ما انتشرش. ولا شوفت أي جريدة أو صفحة ع السوشيال ميديا كاتبة عنه. أجابها بتسلط تعلمه جيدًا عنه: -عشان أنا كتمت ع الخبر يا قلبي. مارست سلطتي مع سلطة ناس من العيلة وقدرت أسير ع الوضع. -طب كويس. قالتها بإعجاب حقيقي. فبرغم كل شيء. هي لا تنكر أن سيطرته وتصميمه. كثيرًا ما تبهرها. سكت فجأة ليجفلها بسؤاله: -لكن انتي مش مستغربة فعل جيرمين؟

إيه اللي يخليها تعمل معاكي كدة يا رباب؟ سؤاله كان مباغتًا لها. حتى جعلها تتلعثم قليلًا في البحث عن رد. -اا مش عارفة. هعرف منين يعني؟ تعلم أن إجابتها غير مقنعة. ففي الحالة العادية وهي المجني عليها. كان يجب أن تصب غضبها على هذه المرأة التي تجرأت على فعل ذلك. لكن وهي تعلم السبب وراء ذلك. كيف لها أن تفعل؟ ترى ما تفكر به الآن يصل إلى كارم. حاد الذكاء من الأساس. أم أنها تتوهم وتضخم الأمر مع نفسها؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...