الفصل 30 | من 43 فصل

رواية و بها متيم انا الفصل الثلاثون 30 - بقلم امل نصر

المشاهدات
23
كلمة
7,390
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

منكفئة على بعض الحسابات والأوراق الهامة التي تعمل عليها، كانت تجاهد وبصعوبة في التركيز لإنهاءهم. فنظراته المصوبة نحوها بهذا القرب، وقد كان جالسًا مقابلًا لها على الطرف الآخر من المكتب، مستندًا بمرفقه يطالعها برأس مائل يشاكسها بتلاعب حاحبيه، حتى لم تعد قادرة على كبت الضحك أكثر من ذلك لتهتف به محتجة: -ما كفاية بقى يا عم، هو انت حد مسلطك عليا؟ بنظرة البريء المتهم بالظلم، أشار بسبابته على صدره قائلًا:

-أنااا، أنا يا شهد متسلط عليكي؟ طب ليه؟ دا انا حتى قاعد بريء ومؤدب. -أووي. قالتها ساخرة لتتابع مرددة بضحك مكشوف: -مؤدب اوي بصراحة يعني، أموت واعرف، هي لو مكنتش أبلة مجيدة شديدة وصعبة في تربيتك على حسب كلامك، ساعتها كانت اخلاقك هتبقى ازاي يا حسن؟ رد مضيقًا عينيه يقارعها بمناكفة: -يعني انتي شايفاني مش متربي؟ ليه يا شهد واخدة عني الفكرة الوحشة دي؟ ايه اللي أوحالك بكدة؟ ضربت بكفيها ضاحكة بملأ فمها مرددة خلفه بسخرية:

-إيه اللي أوحالي؟ انت كمان بتسأل وعايز إجابة؟ يا حسن اعقل عايزة اخلص الحسبة المنيلة دي، بقالي ساعة بعيد وازيد على نفس البند من أفعالك. -تاني برضوا هتقولي أفعالك؟ دمدم بها ليباغتها فجأة بخطف المستند قائلًا بعملية: -طب هاتي بقى وخلينا نشوف الحسبة دي، حتى عشان نروح بقى كفاية. ردت معترضة بعند محبب: -طيب ما تروح انت يا سيدي حد ماسكك؟ رد غامزًا بعينيه: -الهوى هو اللي ماسكني ومثبتني، اعمل ايه بقى في قلبي؟ -سلامة قلبك.

قالتها بدلال الأنثى، وقد ابهجتها كلماته ومزاحه اللطيف الذي ينزل على قلبها كنسمة رقيقة مرطبة في عز حر الصيف القاسي، أو كغيث يسقط على الأرض القاحلة، لتُزهر وتخضر بألوان مختلفة للورود. وجاء رده بزوق لا يخلو من المداعبة: -شالله يسلمك يارب ويحفظك، وينولك اللي في بالك، وتتجوزيني. -وايه؟ تفوهت بها لتنطلق بموجة أخرى من الضحك المتواصل، حتى تخضب وجهها بالحمرة التي كانت تجعلها شهية في عينيه كقطعة فروالة طازجة، لتعلق اخيرًا:

-إنت مشكلة يا حسن، أقسم بالله ملكش حل. -لا والله في حل، اتجوزيني وانا اقولك الحل فين. قالها متابعًا لمزاحه الذي لا ينتهي، وقبل أن تتمكن شهد من الرد عليه، تفاجأت بالصوت القبيح: -بسم الله ما شاء، منورييين. توقفت عن الضحك والتفت رأسها نحوه لتتفاجأ به ساحبًا معه همها الثقيل شقيقتها، والتي ألقت تحيتها بابتسامة ماكرة: -مساء الخير عليكم يا جماعة؟ ردد حسن خلفها التحية، ولكن شهد انتفضت تسألها بقلق: -خير يا أمنية في حاجة؟

تولى ابراهيم الرد وهو يقترب مصافحًا حسن بمودة كاذبة: -هيكون في إيه بس يا شهد؟ عامل ايه يا بشمهندس؟ كويس؟ بادله حسن المصافحة بابتسامة صفراء: -كويس ولله الحمد، أزيك انت؟ -وانا كمان اشطة. قالها ليتجه نحو شهد التي كانت تطالعهم بتوجس، وشعور بعدم الارتياح يكتنفها بمجيئهم، فقالت امنية مخاطبة لها: -احنا كنا بنتفسح قريب من هنا، طأت في دماغي اجي اشوف مكتب ابويا الله يرحمه، انتي بتشتغلي فيه لوحدك يا شهد؟

قالتها بنظرة خاطفة نحو حسن أيضًا لتثير حفيظتها، فهمت شهد على خبث تلميحها المبطن، وحدجتها بنظرة محذرة تقول مشددة على أحرف الكلمات: -احنا في مكتب شغل، يعني الباب مفتوح لأي حد يدخل، زي ما دخلتي كدة انتي وخطيبك، من غير احم ولا دستور حتى، هو انتوا كنتوا فين بالظبط؟ رد ابراهيم وعينيه تتجول في انحاء المكتب، لتقف على الصورة المؤطرة الكبيرة على أحد الحوائط لوالد شهد:

-ما قالتلك كنا قريبين من هنا يا شهد، الله يرحمك يا عمي ويبشبش الطوبة اللي تحت راسك، كنت طيب وأمير، وبتموت فيا. قال الأخيرة موجهًا أنظاره نحو حسن الذي ردد خلفه هو الآخر: -كان بيموت فيك! ...... طب كويس. قالها بعدم اكتراث ليزيد من احتقان الآخر، وعلقت شهد وهي تنهض لتلملم الملفات والأوراق الهامة من فوق سطح المكتب: -معلش هنقطع عليك حبل ذكرياتك مع الوالد الله يرحمه ويحسن إليه، عشان يدوب عشان ميعاد المرواح أزف.

تدخلت أمنية قائلة: -كدة على طول ماشين، هو احنا لحقنا نقعد عشان تمشوا وتسيبونا؟ صاحت بها شهد وقد كانت على حافة الانفجار: -تقعدوا فين، احنا هنمشي كلنا، بقولك ميعاد المرواح أزف. قالتها وهي تضع الملفات في أحد أدراج المكتب، لتغلقها جيدًا بالقفل، قبل أن ترفع رأسها على قول الأخرى: -ربنا يعينك يا أختي، بكرة بقى لما اساعدك، هشيل عنك كتير اوي. -نعم؟ تفوهت بها شهد كسؤال، وقد ظنت أنها سمعت خطأ، لتردف لها بتأكيد:

-بقولك هساعدك يا حبيبتي، يعني تتشطري كدة وتجبيلي مكتب في الأوضة الصغيرة اللي جوا دي، أو حتى جمبك هنا، عشان امسكلك الحسابات، واشيل عنك بقى. افت فاهها في محاولة لاستيعاب ما تقوله، وحركت رأسها باستنكار يقارب السخرية لتردد: -نعم يا ختي؟ سمعيني تاني؟ -باباااا. هتف بها الأطفال بلسان واحد وهم يركضون نحو مدخل باب القصر الذي ولج منه بغتةً، ليرفعهم إليه ويقبلهم.

ميسون التي تفاجأت بحضوره تسمرت على أريكتها باضطراب أفقدها توزانها، فبرغم غضبها والقهر الذي يشق قلبها منه، إلا أنها لا تنكر هذا الصخب الدائر بصدرها الآن، لوعة الاشتياق التي فاقت ألم الفراق، تجاهد لضبط أنفاسها المتلاحقة حتى لا تفضحها، وهو يقترب منها بحضوره الطاغي والأطفال، حتى بلغ منها الإرتباك أن تشعر ببرودة طفيفة بأطرافها ترقبًا لتحيته، أو ربما عودته، أو ربما مصالحتها. -هاي ميسون.

قالها بإيماءة خفيفة برأسه نحوها، أصابتها بخيبة أمل بدلت بها كل المشاعر التي داعبت خيالها منذ قليل، أنه حتى لم يكلف نفسه عناء مصافحتها، أن تعانق كفه كفها، أن تشعر ولو لثواني قليلة بدفء قربه الذي حرمها منه منذ شهور، جلس أمامها على أحد المقاعد وهو ما زال يحتضن طفلها الأصغر، واليد الأخرى تناكف الآخر بالتمرير على شعر رأسه الكستنائي القصير، يتجاهلها عن عمد وكأنها جماد كالأريكة التي تجلس عليها، جاف وقاسي معها، ومع ذلك يمارس دور الأب الحنون مستغلًا عدم نضج الأطفال في السؤال عن بعده.

ابتلعت غصتها وقد تصلب جسدها، لترتدي هذا القناع الصقيعي في ادعاء عدم الاكتراث ردًا لكرامتها المهدرة، لتهتف بتجهم: -إياد، زياد، روحوا انتوا الاتنين على أوضكم وكفاية لعب. بدا على وجه الأول الاعتراض ولكن الأصغر كان أكثر جرأة في التعبير عن احتجاجه: -انا عايز أفضل مع بابي، مش عايز اروح أوضتي. زادت بحدة وشراسة يحركها العند: -أنا قولت روحوا دلوقتي...... عايزة اكلم بابا في موضوع مهم. سمع الأخير لينزل بطفله على الأرض، يهادنه

ويطالب الآخر لاتباع الأمر: -اطلعوا دلوقتي على أوضكم واجهزوا، عشان نص ساعة كدة وهنخرج نتفسح. هلل الاثنين بكلمات المرح، قبل أن يركضا سريعًا لتبديل ملابسهم في انتظاره، وحين خلى المكان عليهما سألها: -نعم يا ميسون عايزة إيه؟ أردف بسهولة زادت من سخطها لترد بانفعال متخلية عن واجهة القوة التي تتصنعها: -عايزة اعرف ايه أخرتها؟ اخرة الهجران ده إيه يا عدي؟ مط بشفتيه يضع قدمًا فوق الأخرى ليجيبها ببرود:

-السؤال ده تجاوبي عليه انتي يا ميسون. سألته بخفوت وقد توجست من إجابة تُحزنها: -يعني إيه؟ وضح أكتر. بلهجة المسيطر الواثق، نهض فجأة عن مقعده يصعقها بقوله: -لا انتي فاهمة كويس يا ميسون، حددي انتي عايزة ايه وانا تحت أمرك في كل اللي تطلبيه، عن إذنك بقى اروح اشوف والدتي في جناحها. بصق كلماته وتحرك ذاهبًا نحو مقصده، غير عابئًا بأثر القرار عليها، وقد توقف النفس بصدرها، أو هو مفعول الصدمة التي أصابت قلبها فنسي أن يعمل.

بهذه السهولة يخيرها على الفراق! بهذه السهولة يلفظها من حياته، وكأن ما بينهم لم يكن شيء ذا قيمة يستدعي المحاولة لإصلاحه، وان كان هو كذلك فكيف سيكون وضع الأطفال؟

-وفي داخل مقر عمله بقسم الشرطة، وبعد أن عاد من مأمورية سريعة لم تستغرق منه وقتًا كبيرًا أو جهد مضاعف، في القبض على أحد المجرمين المبلغ عنهم في إحدى المدن الساحلية، وكأن مزاجه الرائق بهت أيضًا على حظه اليوم حتى في العمل، جلس بأريحية على مكتبه ليتناول الهاتف لإجراء المكالمة التي يؤجلها منذ الصباح،، فجاء الرد بعد فترة وليس على الفور كالمرة السابقة: -ألوو مين معايا؟ -ألوو أنا أمين يا لينا، عاملة ايه بقى؟ صمتت

لبرهة قبل أن يصله ردها: -اَه.... هو انت اتصلت بيا قبل كدة من الرقم ده، عشان حاسة ان الأرقام دي مش غريبة عني. أبعد الهاتف عنه قليلًا، ليغمغم بصوت خفيض لم يصل إليها: -من مرة واحدة وحفظتي الأرقام، دا انتي اروبة وحقنة كمان. -ألوو يا حضرة الظابط، روحت فين؟ هتفت بها من الناحية الأخرى حينما طال صمته، ورد يجيبها على الفور: -أيوة يا لينا أنا معاكي،، ااه انا كنت بتصل بخصوص السلسلة اللي قولتي عليها. ردت بلهفة: -أيه ده بجد؟

لقيتها يا أمين. تبسم بمكر يجيبها: -انا لقيت واحدة، بس انتي لازم تقولي عن المواصفات عشان اتأكد. -مواصفات ايه؟ هي لدرجادي العربية عندك سداح مداح، ولا هما كتير أوي كدة. فهم مقصدها فتابع بخبث دون أن يصحح لها الخطأ: -الله يا لينا، كتير ولا قليلين بقى، مش تقولي عن مواصفات سلسلتك عشان لو مش مطابقة ادور بقى على صاحبة النصيب. زفرت بصوت عالي كاد أن يثقب أذنه، لتردف بحنق: -السلسلة دهب واحد وعشرين، وو....

-خلاص يا لينا انا واثق فيكي، خلي بقية المواصفات لما اقابلك وتشوفيها بنفسك. -تقابلني فين؟ -هبلغلك ع المكان بس قوليلي انتي بتخرجي امتى من الشغل؟ -جيتي لوحدك يعني المرة دي يا نور، دا حتى قبل ميعاد الجلسة. تفوهت بها الطبيبة التي كانت جالسة أمامها، تطالعها بتمعن، وقلمها الذي تدون به الملاحظات داخل دفترها تتلاعب به، شاعرة بأن بها شيئًا ما متغير. لترد الأخرى بعد أن ارتفعت أنظارها إليها، بنبرة خاوية:

-يمكن عشان اختصر واخلص بقى، بدال ما احنا بندور في دايرة مفرغة كدة، مفيهاش أي نتيجة. تبسمت المرأة ترد عن قناعة: -انتي بتقولي مفيش، بس انا متأكدة ان في نتيجة بدليل قعدتك قدامي دلوقت. بسخط لم تقوى على كبته وشراسة المضطر لفعل شيئًا ما مرغمًا، هتفت بها: -عشان انا اللي قررت اتكلم بعد ما تعبت وفاض بيا، هتكلم عشان تعرفي اني على حق. حافظت الطبيبة على هدوئها وزادت في اللطف كي تمتص غضب الأخرى:

-طيب براحة على نفسك، لو انتي حاسة إن الكلام هيتعبك، بلاها منه. صاحت بها معترضة: -لأ مش بلاها، ومتكررهاش تاني عشان ممكن اخرج دلوقتي وساعتها مفيش رجوع عن قراري. بكل سهولة قارعتها الطبيبة: -براحتك يا نور للمرة الألف بقوهالك، أنتي حرة. -لأ مش حرة. قالتها لتصمت برهة تبتلع الغصة التي تشق حلقها من الألم، ثم أردفت رافعة راية الاستسلام، مسبلة أهدابها بتوتر جعل ارتعاش طفيفًا يغلف صوتها:

-أنا عمري ما كنت حرة، ولا عمري كنت الشخصية اللي انا عايزاها، أنا واحدة بائسة ابتدت حياتها بحلم جميل كنت عايزة أحققه، لكن للأسف تمن تحقيق الحلم ده كان غالي غالي أوي، تمنه كان اللعنة اللي هتفضل مرافقاني وتمنع عني أجمل أمنية تتمناها واحدة، وهي إنجاب طفل.... توقفت وكأن الكلمات اختنقت بجوفها، شعرت بمعاناتها الطبيبة، ولكنها ظلت صامتة تعطيها المجال كاملا دون تشوش لتخرج ما في صدرها، فخرج صوتها بعد فترة من الشرود جعلتها

تبدو وكأنها داخل الذكرى: -أنا هحكي من البداية. -بداخل السيارة التي كان يقودها حسن، تجاوره شهد على المقعد الأمامي، وقد احتلت شقيقتها وخطيبها ابراهيم المقعد الخلفي، بعد أن تطوع حسن بدعوتهم ليُقلهم للمنزل، وياليته ما فعل. -عارفة يا شهد، ابراهيم النهاردة خدني على أحلى كازينو ع الكورنيش، دا غير الهدية الغالية اللي جابها لي، بوكس كبيرة مليان بكل حاجة بحبها.

هتفت بها أمنية في رغبة لإظهار نفسها، وبثرثرة لم تكف عنها من وقت دخولها السيارة بصحبة المذكور والذي انتفش ريشه يوزع الأنظار بين من يحتلان الكرسيين الأماميين، ليضيف بزهو لا يليق به: -تعيشي وتدلع أحبيبتي، انتي اؤمري بس وكل اللي تشاوري عليه يا نونتي يُجاب. رددت شهد خلفه بعدم استساغة لدلاله السمج: -نونتي؟ بانتشاء مستفز ردت أمنية: -اه نونتو، ما انا صغيرة ومن حقي ادلع ولا انت ايه رأيك يا بشمهندس؟

تفاجأ حسن بخطابها له في شيء خاص كهذا، فقال بحرج: -اه طبعًا من حقكم، ربنا يهنيكم ببعض. قالها ليزفر بسأم، يشعر بانسحاب الهواء من السيارة، فهذه الفتاة تملك موهبة غير عادية في السماجة وثقل الدم، بالإضافة لخطيبها صاحب سابقة الشجار معه قبل ذلك يشعر أن به شيء غريب لا يعلمه، وقد تدخل سائلًا له: -طب وانت يا بشمهندس، بتدلع خطيبتك ولا هي اللي بتدلعك؟

هم أن يجيبه ولكنه انتبه على رفض شهد الصامت، وهي تحذره بعينيها، بشكل أثار استغرابه، فرد ينهي بذكائه: -والله يا استاذ ابراهيم، دي حاجة بيني وما بين خطيبتي، تقدر تعتبرها كدة أسرار، محبش يطلع عليها غيرنا.

رده كان قاطعًا لدرجة أجفلت أمنية التي تبادلت نظرة ساخطة مع خطيبها الذي أفحمه الرد وزاد من ظلام قلبه وعينيه تتابع الجهة الظاهرة من وجه شهد، ونظرات الوله في أعين هذا الأحمق خطيبها المزعوم، وتلاعب كف يده الخبيثة في الأمام، والتي تحط على كفها كلما حانت الفرصة. -وقف هنا خلاص. هتفت بها شهد تفيقه من شروده، لتتابع موجهة الحديث نحوه: -ابراهيم هينزل هنا عشان بيتهم آخر الشارع.

أجفلته بفعلتها ليضطر مجبرًا للترجل فور توقف السيارة، تدخلت أمنية بإصرار على حرق دمها: -وينزل ليه؟ طب ما يجي يتغدى معانا، واهو بالمرة البشمهندس يدوق أكلنا. قالت الأخيرة بمكر أشعل رأسها، همت أن تنفعل عليها، ولكن حسن كان الأسبق بحكمته: -الفرص جاية كتير ان شاء الله، بس احنا نكتب الكتاب الأول. قال الأخيرة ليقفز ابراهيم على الفور بعدم تحمل، مودعًا بقوله: -عن إذنكم.

نظرت في أثره أمنية بقهر، تود القفز من خلفه لتلحق به، وظلت تحدج شقيقتها بنظرات نارية من مرآة السيارة، حتى إذا توقف حسن بالقرب من بنايتهم، ترجلت على الفور بعد أن ردفت بجلافة: -حمد لله وصلنا، سلام يا بشمهندس. طالعت شهد مرورها وهي تخرج زفيرًا من العمق بقنوط، مما جعل حسن المنتبه على تبدل حالها أن يسألها: -مالك يا شهد؟

تطلعت إليه بحيرة المغلوب على أمره، تريد البوح عما يقلقها، وبنفس الوقت تخشى القادم، ابراهيم وما أدراك ما ابراهيم، شقيقتها المجنونة وما أغبى منها إن تحدثت هي عن حقيقة خطيبها المتلون ورغبته الدفينة بها وفي أذيتها، تعلم أنها لن ترحمها، إن لم تسبب لها فضيحة من الهواء، فكيف السبيل للخلاص مع عقلية كهذه؟ والنجاة ممن يتربص بها؟ -يا شهد اتكلمي، مالك يا ماما؟ عاد حسن يسألها بإلحاح على المعرفة، فتبسمت برقة

تنكر بدلال تأثيرها عليه: -مفيش يا سيدي، مفيش يا سي سون سون. -حينما خرج وقد كان في طريقه للمغادرة، وقعت عينيه على ابن عمه رجل الأعمال الهمام زوج البلوجر الشهيرة، التي رفضته قبل ذلك ولم تبالي بمشاعره نحوها. وقد كان كارم يسبقه في الخروج نحو سيارته والحرس الخصوصي، الرجال الأشداء الذين تلقفوه كشخصية هامة ومؤثرة في المجتمع، ولكنه كان خارجًا من القسم، ترى ما الذي أتى به إلى هنا؟

أهي زيارة ودية لأحد الأقرباء من العائلة الكريمة؟ أم هي زيارة بغرض مصلحة ما يبتغيها؟ يرجح الأخيرة ولكن الفضول بداخله، يدفعه للتأكد، توقف فجأة ينتوي العودة للداخل، حتى يبحث ويسأل، ولكنه تفاجأ من ناحية أخرى بوجه مألوف، هذه الجميلة ابنة الرجل الصعيدي التي كانت حاضرة خطبة أخيه وشهد، تقف من مسافة ليست بالبعيدة، بجوار امرأة يعرفها من كثرة التردد على القسم بصفتها..... محامية حقوقية في قضايا النساء.

بدون أي تردد أو تفكير في أسئلة تحرك باتجاههما ليرى ما المشكلة. -كانت تقف بجوار سيارة المرأة التي عثرت على عنوانها من إحدى الجروبات وناقشتها بالأمس عن موضوع مودة وظرفها المادي الضعيف عن توكيل ما يدافع عنها، تفهمت المرأة الوضع وتطوعت للدفاع عنها، الفرصة التي تلقفتها صبا بكل ترحاب، رغم يأسها من نتيجة تذكر بعد هذه الشروط التي وضعتها المرأة على لسان عدي عزام. كانت في هذا الوقت تتناقش معها عن بعض النقاط قبل دخول القسم:

-يا مدام انا فاهمة اني وضعها صعب، لكن مع ذلك لجأتلك يمكن تلاقي حل، بصراحة انا احترت واحتار دليلي وصعبان عليا يضيع مستقبلها. جاء رد المرأة يسبقه تنهيدة بقنوط: -والله يا صبا انا متطوعة عشان خاطرك وداخلة ادافع بضميري المهني رغم صعوبة القضية بعد حالة التلبس، لكن احنا بنعمل اللي علينا وربنا عليه التوفيق. -السلام عليكم. قالها لتلتف نحوه صبا فتوسعت أعينها بجزع، لظهوره المفاجئ لها، تمتمت ترد التحية بارتباك ملحوظ:

-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اهلا يا سعادة الظابط. إنتبه أمين على حالة الإجفال التي انتابتها، مع انسحاب الدماء من وجهها بزعر يتفهمه، فقال ملطفًا بلهجة بدت عادية، وقد امتدت يده لتصافحها: -جايبة في إيدك مدام صفاء، أكيد جاية تدافع عن قضية نسائية كعادتها. ضحكت المرأة معقبة وهي تبادله المصافحة: -ومالها القضايا النسائية يا باشا، دا حتى هي اللي مشغلة القسم. ضحك أمين بملأ فمه مع المرأة ليذهب عن صبا بعض التوتر،

فتابع بمزاحه: -لا بصراحة عندك حق، دا حتى المثل بيقول ابحث عن المرأة. قالها بمناكفة للمرأة التي ردت رافعة حاجبها بتحفز: -اشعر ان خلف جملتك الاخيرة بعض التلميح المبطن، والغير مريح يا سعادة الباشا. تابع بضحكه للمرأة حتى لمح طيف ابتسامة على وجه صبا جعلته يتشجع ليسألهما: -يعني الموضوع فيه واحدة ست، طب قولولي بقى يمكن اساعد.

تراقصت مقلتي صبا تتنقل بين الاثنين بتردد وقد تلجم لسانها من الحرج، رغم رغبتها القوية لتقبل مساعدته، فهي في أشد الحاجة إليها، لكن جرأة المرأة قصرت عليها الطريق: -بصراحة هي فعلا قضية نسائية، بس دي حالة انسانية واحنا داخلين فيها بقلبنا تطوع، على أمل اننا نلاقي حل. ظهر الاهتمام على وجهه ليتوجه بخطابه نحو الاثنتين قائلًا بجدية: -خلاص مدام كدة، تعالوا معايا المكتب جوا عشان اعرف منكم بالتفصيل. -بعد قليل

وباهتمام غير عادي كان يطالع الأوراق التي في الملف، وبنفس يستمع إلى حديث مودة وتعقيب المرأة الحقوقية، مع تذكره لملاحظات الضابط المكلف بالقضية، زميله عصام، حتى تكتمل الصورة برأسه، ليردف بسؤال سبقه العديد من الأسئلة الأخرى: -يعني انتي متأكدة انك لقيتيها على الأرض، مش انتي اللي فتشتيش ولا سرقتيه؟ ردت مودة بدفاعية جعلت صوتها يخرج ببحة مختلفة:

-والله ما كنت قاصدة اسرق، دا انا كنت قابضة مبلغ حلو وعايزة أشبرق نفسي، طلعت مع ميرنا اللي دخلتني ع المول وسهلت عليا اشتري حاجات كتير بعلاقتها مع اصحاب المحلات، وانا كنت هطير من الفرحة والله لحد اما شوفت الفستان ده اللي لابساه دلوقتي في فترينة العرض، راحت مدخلاني ع الست النحس دي....... قطعت لتستطرد ببكاء حارق: -انا عارفة اني غلطت لما حطيته في جيبي، بس وحياة ربنا ما كنت اعرف ان قيمته غالية اوي بالشكل ده.

تحمحمت صبا التي كانت جالسة بالقرب منها أمام أمين لتقول بحرج مداعبة رغم كل شيء: -انا آسفة في اللي هقوله، بس دي خصلة في مودة، ممكن نقول عليها زي المرض كدة، هي بتاخد الحاجات الخفيفة، ودا لظروفها المادية الصعبة والحرمان اللي عاشت فيه، أنا مش ببرر، لكن هي عمرها ما خدت حاجة غالية، لأنها ما تقدرش. علقت المرأة بلمحة من الفراسة:

-بس انت مش واخد بالك يا فندم، ان خاتم بالقيمة دي ويكون مرمي ع الأرض، إنها حاجة غريبة ومش مفهومة، يعني فرضنا وقع من صاحبته؟ محستش بيه؟ اهتزت رأسه بإيماءة خفيفة معبرة عن اقتناعه، ليضيف عليها: -لا دا كمان الهانم مكتشفتش السرقة غير بعد ساعات! خيم الصمت على ثلاثتهن بتفكير جاد في جملته، فتابع بسؤاله لصبا: -إنتي قولتي من شوية إن الست عايزة ضمان من مودة عشان تتنازل وتخليها تخرج تدور عليه، هو انتي اتفاوضتي معاها؟

هذه المرة جاء ردها مباشر دون تردد وقد توسمت فيه الخير: -مش انا اللي بتفاوض، دا انا كلمت مدير الفندق بتاعنا، اصلي عرفت انه يبقى صاحب المول من كلام مودة. قاطعتها ميرنا تتدخل في قولها: -دي ميرنا هي اللي قالتلي، انا مكنتش اعرف إن يملكه. -ميرنا دي هي نفس البنت اللي دخلت معاكي المحل. قالها بتركيز شديد، لتضيف على قوله مودة: -ايوة، ما هي اللي قالتلي اخلي صبا تكلم عدي باشا يضغط ع الست. -عدي مين؟ -عدي عزام.

-عدام عزام يدخل لك انتي؟ قالها بريبة وصلت في البداية كإهانة لها، فتابع يصحح قوله غير المقصود: -انا مش قصدي اقل منك انا بس مستغرب. بزفرة مشبعة بالإحباط قالت صبا توضح: -ما احنا شغالين موظفين عنده في نفس الفندق، انا بصراحة رغم ان الطلب كان تقيل على قلبي، اضطريت افاتحه وهو حر بقى لو مش عايز يوافق، لقيته بيقولي ان الست عايزة مودة تمضي على وصل بتمن الخاتم، يا اضمنها أنا. -نعم! -والله زي ما بقولك كدة. -طب وانتي إيه دخلك؟

قالها باستهجان ورأسه تدور بالأفكار المتناطحة بحيرة من هذا الأمر، وردت صبا بعدم معرفة: -بصراحة مش عارفة ايه وجهة نظرها في انها تورطني معاها، دي صاحبتي وانا عايزة اساعدها، ايه المشكلة في كدة؟ -وانت كان رأيك ايه يا صبا؟ سألها مباشرة أمام مودة التي احتجت بعفويتها المعتادة:

-لا طبعا، مينفعش صبا تتحمل المسؤولية معايا، أنا ممكن امضي على الوصل عشان اخرج، وان شاء الله هقلب البيت لحد اما الاقيه، ما هو بالعقل كدة هيكون راح فين يعني؟ -ربنا يستر وتلاقيه، لتزيد عليكي مصيبة الوصل كمان. عقبت بها المحامية المدافعة، فجاء رده بحزم: -لا هي هتمضي ولا صبا هتضمنها، أنا هلاقيلها صرفة. -صرفة إيه؟ خرجت بلهفة على ألسنة الثلاثة في نفس الوقت، فرد يذهلهن بعرضه:

-انا هخرجها واروح معاها البيت على مسؤوليتي، مع فرد أمن تبعي يدور معاها كمان، عشان نشوف الخاتم ده اللي قالب الدنيا يا ست مودة. ابتسامة سعيدة ارتسمت على وجوه الثلاثة، وقد استطاع بحنكته رفع الهم الذي أثقل ظهورهن، وهللت مودة ببهجة الشعور بقرب الفرج: -ربنا يخليك يا سعادة الباشا، اللهي يارب ما يوقعك في ضيقة أبدًا، ويرزقك بكل اللي بتتمناه.

-أنا كنت بنت وحيدة لوالدتي، مكانتش امي مثالية وبرضوا مكنتش وحشة، ربتني لوحدها ودا لأنها كانت زوجة تانية، لراجل ميعرفش واجباته غير في الصرف على البيت وتأدية حقه الشرعي معاها وكأنه واجب مفروض عليه، يعني حاجة تجرح كرامة أي ست، مهما كانت قوية وادعت اللا مبالاة بتكسرها، لذلك انا كنت بغفر لها كل قسوتها معايا ومهما عملت كنت بديها عذرها، لكن عمري ما سامحت والدي رغم انه مكانش مؤثر معايا نهائي كأب.

كنت بتقهر لما اشوف نظرة الحب في عيونه لمراته التانية، وشّه اللي بينور مع كل كلمة تقولها، يسمع منها ويشاركها الرد بحماس، عكس امي اللي كان بيستخسر فيها حتى النظرة العادية، أو بالأصح ما بيطقش يقعد ولا يسمع لها، لدرجة انه لما كان يقعد معانا ع السفرة، بُقه مكانش بيتحرك غير للأكل، ونادر أوي ما تطلع منه كلمة. ذنبها الوحيد هو انها كانت بنت عمته اللي فرضوها عليه بحكم انها اتربت في بيتهم.

شعور الفرض والغصب بيجعلك تكره الشيء حتى لو كنت بتحبه، الشعور ده أنا فهمته كويس أوي لما عشت التجربة.

لما اتجوزت جوزي الأول، كمال عز الدين، منتج الأفلام المعروف واللي شافني وسط مجموعة من الوجوه الجديدة اللي كان بيختبرها المخرج، انا كنت ساعتها متخرجة جديد من المعهد وكلي أمل أحقق طموحي في التمثيل، لو حد بس اداني فرصة، كل اللي كنت محتاجاه كان فرصة، والفرصة مع واحدة في حالتي عمرها ما كانت بتيجي غير بدفع الثمن، أو واسطة معروفة تزوقك في المجال، مكنتش أملك الواسطة ولا الحظ النادر في ان الاقي اللي يقتنع بيا، يعني مكانش قدامي

غير دفع الثمن، يا إما من كرامتي وشرفي ودي حاجة كنت أفضل أموت ولا انها تحصل، لا إما بزوجة تانية من المنتج اللي عمره كان وقتها خمسين وأنا يدوب ثلاثة وعشرين، على أمل الفرصة وافقت أن أكرر دور أمي كزوجة تانية بعد البيبان ما اتقفلت في وشي من كل ناحية.

أجبرت نفسي على واحد مكنتش شايفة فيه أي قبول، إحساس تطور بعد الجواز لكره وبغض شديد لما اكتشفت عيوبه، إنسان مقرف لا يعرف إنسانية ولا أي رحمة في التعامل مع واحدة ست من وجهة نظره هي أداة للمتعة اشتراها بفلوسه...... توقفت فجأة لتبكي لأول مرة بتذكرها للجحيم الذي عايشته مع هذا الرجل، ظلت الطبيبة صامتة تتابع نهنهاتها الموجعة بتأثر تخفيه بجمودها حتى تمكنت من إخراج الكلمات بصورة صحيحة مخاطبة الطبيبة:

-عارفة يعني إيه تكرهي إنسان مغصوبة عليه وع العشرة معاه؟ ...... يعني تكرهي السرير اللي بيشاركك فيه، تكرهي الطبق اللي أكل منه، تكرهي هدومه تختلط بهدومك، تكرهي نفسك وتتمني الموت بعد ما يتقفل قدامك كل طريق للخلاص.

حتى الفرصة اللي كنت بحلم بيها اكتشفت انها كانت الخدعة عشان أقع في المصيدة، الدور اللي أخدته في الفيلم اللي دفعت تمن فرصته من عمري كان دور واحدة تافهة، فرحانة بجمالها ولبسها، يعني حاجة كدة تعدي قدام الناس من غير ما يحسوا بيها، التمثيل الحقيقي كان مني أنا قدام المخرج وجمع الممثلين، أضحك وأنا بحترق جويا من القهر. صبرت على أمل ان ألاقي الحل بس أثناء الصبر ده حصل اللي ما كنت اتمناه أبدًا: التفت فجأة

برأسها نحو الطبيبة قائلة: -تعرفي بقى اني حملت وسقطت نفسي من كمال تلت مرات. -تلت مرات يا نور؟ قالتها الطبيبة كاستفسار لتجيبها الأخرى بإيماءة من رأسها ودموع أصبحت تنهمر كالسيل دون توقف وهي تردف بحرقة:

-مكانش ينفع احتفظ بطفل يربطني في العذاب مع بني آدم زي ده ويدفع معايا تمن غلطتي، أنا جربت إحساس الكره بين أبويا وأمي، يعني عارفة كويس بالماساة اللي كان هيعيشها ابني أو بنتي، طفل يجي بالغصب من جوازة بالغصب، دا لا يمكن يبقى سوي....... سألتها الطبيبة لاستفسار أكثر: -وكنتي بتسقطي الجنين بعلمه؟ حركت برأسها نافية وقد تقلصت تعابيرها لتردف بصوت مبحوح: -لأ، أو كنت أظن....

مش عارفة، لكن اللي كنت متأكدة منه، هو انه مكانش بيهتم غير بالعلاقة اللي برضوا كان بيجبرني عليها، بس........ قطعت وصوت أنفاسها ازدادت حدتها، مع الصعود والهبوط بصدرها بتسارع مريب جعل الطيبة تعاود بسؤالها: -بس إيه يا نور كملي. التفت رأسها فجأة بحدة تقول: -ممكن أكمل في وقت تاني عشان مش قادرة.

-في مخزن القصر الذي جعله مقر له بصحبة رجال حراسته، الذي زاد بعددهم لمواكبة الظرف الجديد في البحث وتأديب من تجرأ على أسرته، وقد كان في هذا الوقت يتحدث على هاتفه بانفعال: -يعني ايه مش لاقينه؟ يعني ايه مش لاقينه؟ ....... مش عايز أعذار، الواد ده يتجاب زي البهيمة ولو من تحت طقاطيق الأرض.........

وزع رجالتك، شوية في البحث في الأماكن اللي كان بيروحها، وشوية تراقب سكنه وسكن اهله، متسيبش خرم إبرة من غير ما تدور، تقب وتغطس تجيبه....... مش عايز رغي تاني واقفل بقى؟ أنهى ليتخصر زافرًا أنفاسه بخشونة، قبل أن يستدير بجسده نحو الرجل المقيد على كرسيه، وهو يكاد أن يموت من الرعب، ورجال بأجسام مخيفة تحيطه من كل جهة، تقدم نحوه ليضع قدمه على الكرسي المقابل له يتابع التحقيق معه:

-كمل بقى وقولي يا عم كريم، ايه كان بيحصل وانتوا بتوصلوا الهانم؟ بجسد يرتجف وصوت يخرج بارتعاش ردد الرجل برجاء يقارب البكاء: -والله يا باشا أنا ما كنت فاهم ايه اللي بيحصل، أنا كنت بلاقيها فجأة توقفنا وتزعق من غير سبب ان في حد بيراقبها، ينزل الزفت حامد يدور ويرجع يقول مفيش، انما ايه اللي بيحصل والله ما اعرف. قرب رأسه بأعين صقرية زادت من جزع الرجل ليسأله بهدوء مريب:

-يعني انت مشوفتش أي تصرف من اللي اسمه حامد ده وخلاك تشك فيه؟ اهتزت رأس الرجل بتشنج ينفي: -لا والله، أو يمكن مكنتش فاهم، واحد متولي حراسة الهانم بنفسها، أنا هشك فيه ازاي بس؟ وانت الباشا اللي مأمنه على حياتها وحياة البيه الصغير. ارتدت رأسه للخلف بإجفال، فكلمات السائق البسيط على قدر عفويتها، على قد ما أصابت الهدف بداخله، هو من أخطأ، وعليه الآن تصويب الخطأ. -كارم باشا. هتفت بها أحد الرجال من خلفه قبل أن يقترب منه هامسًا:

-الهانم مرديتش تروح معانا. هدر به معنفًا بغضب: -يعني ايه مرديتش تروح معاكم؟ ما اديتهاش ليه التليفون اللي باعته معاك؟ انت نفسك متصلتش بيا ليه تبلغني؟ -يا باشا ما هي مرديتش تاخد التليفون، كنت هاوقفها ازاي بس وامنعها؟ زمجر بوحشية يدفع الرجل من أمامه، ليخرج ذاهبًا بخطواته السريعة مغمغمًا: -بتتحداني وتتحامى في اختها وجوز اختها، على أساس اني هسمح ولا اديها فرصة للبعد أصلًا! -نورتي أوضتك يا رورو.

قالتها كاميليا وهي تضغط على قابس المصباح الكهربائي، ليُضيء الغرفة بأكملها، دلفت بداخلها رباب لتفاجأ بكم الصور الكثيرة لها بأحجام مختلفة تزين الحوائط، مع العديد من متعلقاتها القديمة كالدمى، والهديا العديدة لها، اقتربت من إحدى الزوايا، تتناول دمية قماشية كانت الهدية الأولى من شقيقتها بعد اول راتب تحصلت عليه من عملها، ضمتها بتأثر لتنقل بنظرها نحو كاميليا قائلة: -هو انتي كنتي عارفة اني راجعالك؟

ردت شقيقتها التي كانت متكتفة بذراعيها، بابتسامة واثقة: -وكنت متأكدة كمان، ولا انتي فاكرة يعني ان الأوضة دي جهزتها للذكريات وبس. -طب ازاي؟ إذا كنت نفسي...... توقفت فجأة بأعين غائمة تناظرها باضطراب وتردد، فتابعت كاميليا تكمل لها: -انتي نفسك مكنتش مقررة ولا عاملة حسابك على ده، اننا نرجع تاني لبعض. اكتنفها شعور بالخزي حتى لم تقوى على مواجهتها حتى بالنظر، لتطرق برأسها نحو الدمية، أشفقت كاميليا لتلطف الحديث بحكمتها:

-هوني على نفسك يا قلبي، أنا قولتلك ان مهما حصل ما بينا، عمر الدم ما هيبقى مية، ومهما انتي بعدتي ولا سافرتي، برضوا مكانك هيفضل وسطنا، والأوضة دي هتفضل على حالها مستنياكي. تعلم أنها صادقة في محبتها ولن تحنث بوعد حتى لو غير منطوق، وهذا ما يزيد عليها، ويجعلها ساخطة على كل السنوات التي مرت عليها وهي منبوذة باختيارها، وحيدة، حمقاء، دمية كالتي تحملها الآن.

شعرت بها كاميليا فلم تنتظر الإذن لتقترب منها وتضمها إليها، تلقفت الأخرى الدعوة لتضغط بذراعيها حولها، تذرف الدموع بلوعة اشتياق كانت تنكره؛ خلف كبرياء زائف، الحاجة المؤلمة للدفء وحنان الأشقاء، وقد افتقدته كثيرًا، كثيرًا جدًا. قبلتها كاميليا على جبهتها قبل أن تتنبه معها على طرق باب الغرفة والخادمة تقول بلهث: -طارق باشا بيتخانق مع واحد تحت بيقول انه جوز الهانم.

-حينما عادت صبا إلى منزلهم وقد غمر قلبها بعض الارتياح، بعد تأكيد الضابط أمين على اخراج مودة والذهاب بها الى منزلها، للبحث عن الخاتم، رافعًا من ظهرها هم لا قبل له، كانت شاردة لدرجة جعلتها لم تشعر بهدوء المنزل سوى بعد فترة من الوقت، هتفت بصوتها تنادي علّ أحدًا يجيبها: -يا أهل الدار، انتوا فين يا جماعة؟ خرج إليها صوت زبيدة والدتها من غرفة النوم: -تعالي هنا يا بت أنا قاعدة.

دلفت إليها على الفور، لتتفاجأ بها جالسة على ركبتيها فوق الفراش، تحاول غلق سحاب حقيبة السفر المفتوحة، بعد أن حشرتها بالملابس الكثيرة. -بتكومي في شنطة سفر أبوي ليه ياما؟ قالتها من قبل حتى إلقاء التحية، مما جعل زبيدة ترد بغيظ: -طب ارمي سلام ربنا الأول، معلموكيش خالص في المدارس؟ ضحكت لها معقبة بمزاح: -لا يا ست زبيدة معلمونيش، المهم بس جاوبني، هو أبويا عنده سفر ولا ايه؟

ردت والدتها وهي تهبط بقدميها عن السرير، لتبحث في أدرجة الكمود عن جوارب القدم لزوجها: -أبو جوز عمتك فوزية اتوفى، أبوكي مسافر يحضر العزا وبالمرة يطل على اخواتك. رددت صبا خلفها بعدم استيعاب: -أبو جوز عمتي! يا لهوي ياما الراجل اللي عنده مية سنة ده، ما ماتش غير النهارده؟ -يخرب مطنك. تفوهت بها زبيدة باستهجان لتردف بتوبيخ: -عيب عليكي يا بت، دا عند ربنا دلوقتي، اترحمي عليه تاخدي ثواب. بابتسامة لم تقوى على كتمها:

-ماشي يا ست الكل، الله يرحمه، المهم بجى، حضرتي الغدا ولا لسة؟ تقلص وجهها بضيق تجيبها: -حضرته يا جلعة، روحي غيري هدومك على ما خلصت اللي في يدي يكون أبوكي جه، وناكل احنا التلاتة مع بعض. بتفكير سريع استدارت عنها لتقول بعجالة: -طب مدام كدة، يبجى اروح اطمن انا على رحمة اصلها كانت تعبانة امبارح.

قالتها وتحركت على الفور لتغادر نحو الشقة المقابلة، ضغطت على جرس المنزل بخفة، وانتظرت قليلًا قبل أن ينفتح الباب أمامها، تخيلت أن تجده، ولكنها تفاجأت بامرأة غريبة تقف أمامها تسألها، وكأنها من أهل المنزل: -نعم مين حضرتك؟ ردت بسؤال اندفع بريبة منها: -انا صبا، انتي اللي مين؟ وقبل أن تجيبها المرأة أتى صوت شادي من الداخل يهتف سائلًا: -مين اللي ع الباب يا سامية؟ .... يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...