من وقت عودتها من زيارة الطبيبة وهي داخل غرفتها ولم تبارحها قط. تضم بذراعيها نفسها وكأنها تلمس حنانًا تفتقده، محتجزة داخل ماضيها القبيح والذكريات المؤلمة تتوالى متكررة دون رحمة. كانت تظن نفسها نجت، حتى وهذه اللعنة لا تفارقها، على الأقل نجت بجسدها، رغم خسائرها الفادحة. يكفيها سنوات العذاب والمحاولات الحثيثة منها في التخلص من هذا الزواج البائس. يكفيها الأطفال التي ضحت بهم لأجل الخلاص، وهي الآن تتمنى ظفر أحدهم.
حتى وهي نجمة محاطة بمحبة الجمهور وقد من الله عليها بأعظم الرجال وتقريبًا أنجحهم. بكاء عنيف لا تستطيع التوقف عنه، مع كل لمحة سوداء تمر بعقلها، من تعنيف وجرح في الكرامة وتلذذ بعذابها. ثم هذا الصراخ الذي يفتك بأسماعها: -زي ما حرمتيني من ولادي، هتعيشي انتي كمان محرومة منهم. -أنا هخرج من الدنيا وحيد من غيرهم، وانتي كمان. -هتفضلي كدة يا نورهان، مش أنا بس، انتي كمان يا نورهان.
زاد صوت شهقاتها بنشيج حارق، حتى لم تعي بالغرفة التي انقشع ظلامها وهذا الذي دلف فجأة ليقتلعها من الهاوية التي كانت ماكثة بها. وقد ضمتها ذراعيه بعنف يشدد عليها تستفيق وتعود إليه: -نور، نوور، فوقي يا نور أنا معاكي، فوقي يا حبيبتي. -أسف إني كنت السبب في اللي انتي فيه دلوقتي، سامحيني يا حبيبتي سامحيني.
ظلت على بكائها، وهو يزيد بضمها لمدة ليست قليلة من الوقت، حتى توقف، وقد اكتنفها دفئه، غمرها عطر أنفاسه التي كانت تلفح وجهها في كل قبلة على جبهتها أو بين بصيلات شعرها في الأعلى. وكلماته الرقيقة تطن في أذنها: -بس يا قلبي أنا معاكي، اهدي يا نور عيوني. -مفيش حاجة تزعلك تاني طول ما أنا موجود، أنا جمبك يا روحي، أنا جمبك. تنهدت ببعض الراحة وذراعيها التفت حول خصره، ليخرج صوتها أخيرًا:
-أنا بحبك أوي يا مصطفى، وعمري ما أزعل منك. -انت نعمة ربنا عليا ورحمته رغم كل ذنوبي. تنهيدة طويلة خرجت من العمق، سبقت رده على كلماتها: -محدش فينا خالي من الذنوب يا نور، إحنا مش ملايكة ماشية على الأرض. صمتت قليلًا داخل أحضانه، ثم قالت بدون أن ترفع عينيها إليه: -الدكتورة قالتلك على اللي الكلام اللي حكتهولها؟ أبعدها بيده ليواجها قائلًا:
-لأ يا نور مقالتش، الدكتورة ست محترمة مبطلعش أسرار المرضى بتوعها، حتى لأقرب ماليهم، إلا إذا كان في تفاهم عن كدة. -يعني انت ميهمكش تعرف؟ سألته والشك يدور برأسها، وكان رد قاطعًا: -عمر ما هسأل ولا هبحث عن حاجة انتي مش عايزة تقولي عليها، كل كلامي مع الدكتورة بيتلخص في المطلوب، واللي انتي محتاجاه. -كانت شكوتها دايما إنك رافضة العلاج وبتعتبري الجلسات فرض مكروه عليكي. بنظرة خاوية اعتدلت تعقب بلمحة من السخرية ومعالم
الغضب تعتلي قسماتها: -ودلوقتي بعد ما اتكلمت وجعلتني أرجع لذكريات... أنا مش طايقاها، رأيها بقى إني كدة حلو. ندمت على اندفاعها فور رؤيتها لتغيرًا سريعًا يطفو على تعبيراته، ليقول بعتاب: -للمرة الألف بقولك لو مش عايزة تكملي مع الدكتورة انتي حرة، أنا مش بغصبك على حاجة يا نور. -تحبي أتصلك بالدكتور حالًا أبلغها قرارك؟ -لا يا حبيبي متعلمش. توقفت برهة، ثم تابعت وكأنها تحدث نفسها:
-برغم كل الوجع اللي حسيته بعد ما اتكلمت بس أنا... بقى عندي شيء غريب جوايا دلوقتي بيدفعني أكمل، حتى والكلام بيتعبني برضوا عايزة... أففضفض. -على الرغم إن الكلمة دي مكنتش مقتنعة بيها نهائي قبل كدة. بخطوات متسارعة وكأنهن في سباق من تهبط الدرج أولاً لتلحق بهذان المتناحران وصوت شجارهم يصل إلى خارج المنزل: -احترم نفسك يا كارم، وراعي إن مستقبلك في بيتي ومش عايز أغلط فيك.
هتف بها طارق يواجه خصمه الذي كان يقف متخصرًا، بشر يفوح من كل خلية بجسده، ورد بلهجة تفيض بالكره: -وأنا مش طالب استقبالك، ولا عايز أدخل بيتك من أساسه، أنا عايز مراتي، أقولها كام مرة عشان تفهم. وصلت كاميليا، فكان صوتها بقوة لم تغب عنها حتى بعد مرور هذا العدد من السنوات: -مراتك تبقى أختي يا أستاذ أنت، يعني مهياش في بيت غريب ولا مع ناس غربا عشان تتعامل معانا بالشكل ده. رد موجهًا كلماته لها بتهكم واستفزاز:
-كدة في يوم وليلة بقت أختك وصاحبة بيت كمان! هذه المرة جاءه الرد منها نفسها: -إيه لزوم الخناق يا كارم؟ أختي وجوزها محدش فيهم غلط فيك. -إنتي كمان هتقولي أختك وجوزها؟ صاح بها بصوت عالي كالزئير، ليجفلها بهذه النظرة العدائية نحوها، وكأنه لا يصدق قولها، لا يطيق أن تصدر العبارة منها هي، بعد كل ما فعله من أجلها. ارتدت بأقدامها للخلف خوفًا وهلعًا منه، حتى التفت كفي شقيقتها حول أكتفاها بحماية ترد على كلماته:
-أيوة أختها يا كارم، ومهما حصل وفرقتنا الأيام كان مسرينا برضوا هنرجع لبعض، رابطة الدم أقوى من أي شيء في الدنيا، مهمها انت أنكرت وبالغت في تضخيم الفرقة ما بينا. سمع منها وازداد تطرفه حتى اندفع فجأة يجذبها من كفها قائلًا بتملك: -تعالي يا رباب نتفاهم في بيتنا وسيبك من الكلام الفارغ ده...... هتفت به كاميليا وبيديها أمسكت بشقيقتها توقفه: -سيب البنت، دي مش طريقة تفاهم دي.
طارق هو الآخر تصدر بجسده ليصير حاجزًا بينه وبين رباب قائلًا بخشونة: -أنا لحد دلوقتي ملتزم معاك ضبط النفس، ما تخلينش أعاملك باللي تستاهله. -طب وريني هتعمل إيه؟ هدر بها يخرج سلاحه الناري المرخص من جيب بنطاله الخلفي يصوبه للأعلى مهددًا: -ما تخلونيش أعمل مجزرة دلوقتي، وانتوا عارفينني مجنون ولا ها يهمني. -مجنون على نفسك. صرخت بها كاميليا وهم زوجها أن يرد بغشم يماثل فعل الآخر ولكن رباب كانت الأسبق بترويضه،
رغم الرعب الذي زحف بقلبها: -بلاش يا كارم العنف، مفيش حاجة تستدعي أساسًا. رد بغضب وطاقة العنف بداخله تنشر ذبذباتها في الأجواء: -خلاص يبقى تعقلي وتيجي معايا من غير كلام. لهجته المتسلطة استفزت كاميليا حتى جعلتها على وشك الهجوم لتقتص منه غير مبالية بالتوابع ولكنها تفاجأت بفعل شقيقتها التي ردت برقة تقارب الرجاء: -يا كارم أنا أعصابي تعبانة، عايزة أغير جو يمكن أعود لطبيعتي، ولا انت ناسي اللي حصلي، ولا باللي كان هيجرالي؟
بلهجتها اللينة استطاعت التأثير به، حتى ارتخت يده عن مسكها ورد بلهجة خفت حدتها عن السابق: -وان شاء الله تغير الجو ده هياخد قد إيه؟ خلي بالك أنا معنديش صبر. خرج الرد من كاميليا التي كانت على وشك الانفجار: -هي جارية اشتريتها، افهم بقى بتقولك تعبانة، يعني تخلي عندك دم وتديها وقتها على الأقل. عاد لشراسته مرة أخرى، حتى هم أن يستعيد عنفه السابق ولكن زوجته منعت نشوب الحرب من أولها، وخاطبته بمهادنة:
-هحاول متأخرش يا كارم، بس انت كمان متضغطش عليا، وابقى شاكرة أوي لو تجيبلي الولد. ردد خلفها بحدة متسائلًا: -انتي كمان عايزاني أجيب الولد هنا يا رباب؟ ردت كاميليا تزيد من حنقه: -وماله هنا بقى؟ هو داخل عند ناس أغراب؟ دا بيت خالته على فكرة. أضاف على قولها طارق ببعض اللطف مرحبًا: -وأنت برضوا لو حبيت تزورها، البيت مفتوح لك في أي وقت يا كارم.
بقول الأخير كانت نهاية النقاش، نفض كارم سترته بعنف بعد أن وزع أنظاره على الثلاثة، ليذهب ساحبًا شياطين غضبه معه، وتبقت رباب برفقة طارق وشقيقتها التي خرج صوتها بغضب نحوها: -ممكن أفهم بقى، إيه الضعف اللي بتتكلمي بيه مع الراجل ده؟ هو اشتراكي؟ ما تفوقي يا بنتي وخليكي قوية قدامه. صمتت قليلًا رباب قبل أن تفاجأها بردها: -كارم مش وحش هياكلني، دا جوزي، وعلى فكرة بقى، هو مش سيء أوي لدرجادي يعني.
بللت شفتيها تراقب رد فعل كلماتها على وجه شقيقتها التي عصف بها الذهول حتى لجم لسانها عن الرد، وطارق الذي غلفت صفحة وجهه لتصبح غير مقروءة على الإطلاق، وتابعت مخاطبة الاثنين رغبة في الذهاب: -عن إذنكم بقى أروح أريح شوية في أوضتي. ردد طارق من خلفها: -ماشي يا رباب، روحي ارتاحي على ما يجي وقت العشا نندهلك بقى عشان تدوقي أكلنا.
أومأت له برأسها وغادرت بعد أن خطفت بنظرة نحو شقيقتها التي تسمرت محلها، ثم ظلت تراقبها وهي تصعد الدرج اللولبي المؤدي للطابق الثاني من المنزل حتى اختفت، لتوجه سؤالها نحو زوجها: -دي لسة بتدافع عنه؟ رد بابتسامة تخلو من المرح وهو يستدير عنها نحو مقاعد البهو: -بتقولك إنه مش وحش ولا هياكلها، خلاص بقى يا كاميليا. -سامية! سامية مين؟
قالتها صبا مرددة الاسم بتساؤل، وعينيها تمشط الفتاة من حجاب رأسها في الأعلى الذي كان عائدًا لنصف شعرها الناعم، ثم زينة وجهها المتقنة بحرفية جعلتها تبدو غاية في الجمال، ثم ملابسها العصرية بأناقة لا تخلو من ضيق على بعض المناطق من جسدها، لتظهرها بوضوح فج، حتى وصلت لحذاء قدمها في الأسفل، بتأمل مكشوف؛ جعل الفتاة تميل برأسها لتسألها بضيق: -وانتي مالك؟ بتسألي ليه، انتي مين أصلًا؟
اندفعت الدماء برأس صبا، شاعرة بالإهانة فهذه الفتاة تعاملها بعجرفة وكأنها وارثة مع أهل المنزل، همت أن تقارعها بعنف، لتريها من هي صبا، ولكن الآخر كان قد أتى على الصوت، يحمل ابنة شقيقته فوق ذراعه، فقال مرحبًا بوجهه البشوش كعادته: -صبا، واقفة ليه عندك؟ ما تدخلي. انتهزتها فرصة لتصب سخطها نحو هذه الفتاة: -الهانم اللي واقفة معوجة قدامك دي، هي اللي منعتني وبترد عليا من فوق مناخيرها. شهقت الفتاة ضاربة بكفها على
صدرها تخاطب شادي بدفاعية: -والله ما عملت حاجة، دا هي اللي واقفة متنحة قدامي، وأنا بسألها عن اسمها. سمعت منها لتبرق عينيها بشراسة جعلت لسانها ينطق بلكنة الجنوب وبانفعال قلما يصدر منها: -يخرب بيت أبوكي، مين يا بت اللي متنحة؟ -يا لهوي ياما، هو انتي هتاكليني ولا إيه؟ هتفت بها المدعوة سامية، أما عن شادي فقد أخفى بصعوبة ابتسامته ملحة، ليتصنع الجدية في قوله: -مفيش داعي للنرفزة يا صبا، ادخلي الأول بدل وقفة الباب.
ردت بتحدي أدهشه: -مش قبل ما أعرف مين دي؟ تخصرت الفتاة ترد بميوعة قاصدة كيدها؛ -لتاني مرة بقولك، أنا سامية يا حبيبتي، انتي بقى اللي مين؟ تحول غضبها نحوه هو متسائلة ببعض من الحلم قبل أن تفتك بها: -شايف الاستفزاز، يعني أخلص عليكي دلوقتي؟ هذه المرة لم يقوى على كبتها، فتبسم بعرض فمه، ليزيح بخفة سامية عن المدخل، قبل أن يجذب الأخرى من كفها حتى أدخلها وأغلق الباب، ثم رد يجيبها:
-دي تبقى سامية، بنت خالي وبنفس الوقت تبقى عمة ولاد أختي. قالها قبل أن يصل صوت الأخرى: -متقولش كده يا شادي لتفتكرني كبيرة وأنا أصلًا تلاقيني أصغر منها. افتر فاه شادي لثانية وقد كان على وشك الرد ليفحمه، فهو الأعلم بعمر كل واحد منهن، ولكنه عاد لعقله محدثًا صبا التي كانت على حافة الانفجار: -بقولك إيه يا صبا، انتي جاية تسألي على رحمة صح؟ ادخلي هتلاقيها في أوضتها. خطفت نظره حانقة نحو الفتاة قبل أن تذعن لقوله مرددة:
-عشان خاطر رحمة بس، عن إذنكم. -ألف سلامة عليكي يا رحوم، مالك بس؟ قالتها صبا ممسكة بيد الأخرى، والتي كانت مستلقية على ظهرها فوق الفراش، وردت ممازحة رغم تعبها: -اتقلب حالي يا ختي، أهي دي جزاء الست اللي تقل عقلها وتحمل بعد ما تخلف عيلين. بضحكة شقية من صبا ردت تناكفها:
-بجى على عيلين وفرقك، أمال أمي أنا اللي مخلفة ستة قبلي تعمل إيه، ولا عمتي فوزية، اللي أبو جوزها مات النهاردة، دا دي لوحدها مخلفة تسعة ما شاء الله يسدوا عين الشمس. -يا أختي اللهم بارك، بس ناس زمان كان عندها صحة، مش زي صاحبتك، اللي من عيلين بس فرهدت وسلمت نمر، بقى من الشهر الأول أنام على ضهري، وأنا لسة قدامي شهور. قالت صبا بمشاكسة وابتسامة تداعب ثغرها:
-ولما انتي عارفة كده مش كنتي تاخدي بالك، حرصي بقى ع العيل المتعب ده، وخلي بالك لا تعمليها تاني. هتفت رحمة بصوت أضحكها: -يا ختيييي أعمل فين تاني كمان؟ توبة من دي النوبة أسمع لكلام المنيل جوزي، كل اللي عليه، عايزين نخاوي العيال، ووقت الجد بشيل أنا الهم وحدي. ربتت صبا على كفها برقة تدعمها: -معلش يا ستي ربنا يقدرك ويقومك بالسلامة، ما هي العيال رزق برضوا. أومأت رحمة باقتناع ولكن قد خبأت ابتسامتها لتقول:
-مكدبش عليكي أنا بهزر آه، بس ربنا بس هو اللي عالم بحالي، أصلي رقدتي دي زودت على أخويا، يعني مش كفاية مسؤولية أمي عشان أزود عليه أنا بهمّي. -متقوليش كده، بعد الشر عليكي من الهم. قالتها صبا ثم عادت بإدراك مردفة: -طب معلش يعني في السؤال، هي البت اللي اسمها سامية دي، لازمتها إيه هنا في البيت؟ رحمة وابتسامة عابثة لاحت على صفحة وجهها مع تفكير أفقدها تركيزها في الرد: -هي ملهاش لازمة... قصدي يعني...
خلتيني أتلخبطت يا صبا، سامية بتيجي تطل عليا وعلى ولاد أخوها، أصلها بقت تقريبًا ساكنة مع جوزي في شقتنا، توضب الشقة تحت وتحضر حاجته، قبل ما تطلع هنا وتطل عليا، وكثر خيرها يعني بتحاول تشوف اللي محتاجاه. رددت صبا خلفها متسائلة بامتعاض: -وأيه بقى اللي انتي محتاجاه والهانم بتعملهولك؟ زاد اتساع ابتسامتها في الرد بمكر: -يعني مثلًا في مشاوير الدكتور، ورعاية الولاد ولو عاملة أكلة حلوة تيجي تجيبها وتدوقني. خرج صوت
صبا بحدة على غير إرادتها: -مشاوير الدكتور دي حاجة واجب عليها على فكرة، مش أخت جوزك، وحتى حكاية الولاد برضوا، رغم إني شايفة شادي دلوقتي هو اللي شايل البت مش هي. زادت رحمة بخبثها: -لا ما هي مش فاضية دلوقتي، أصلها دخلت المطبخ تروق المواعين بعد العزومة، أصلها جابت صنية أكل عملها كلها بنفسها. -عزومة وصنية أكل كمان؟ ليه هي كانت عاملة إيه بالظبط؟ تسائلت بفضول وملامح وجهها تقلصت بغيظ، وردت رحمة بابتسامة مستترة:
-لا هي كانت عاملة كتير صراحة، رقاق باللحمة المفرومة وفرخة مشوية، ده غير المحاشي. غمغمت صبا تردد داخلها الأصناف المذكورة، وشيء من الحقد يكتنفها، أن تجيد هذه الفتاة صنع ما تفشل فيه دائمًا، بالإضافة لهيئتها المبالغ فيها من الاهتمام بالنفس، وكأنها... -ساكتة ليه يا صبا؟ سألتها رحمة حين طال صمتها، وتححت هي تجلي حلقها، في محاولة للرد بذوق لتخفي هذا الشعور بداخلها: -لا يعني...
أصلك لما جبتي سيرة الأكل فتحتي نفسي إنا كمان، أقوم أحصل أبويا زمانه وصل عشان أتغدى معاه أنا وأمي. -يا ريتك قدمتي، كنتي أكلتي معانا. قالتها رحمة بتسلية وقد أعجبها الوضع، وكان رد صبا أن أومأت لها بابتسامة صفراء زادت من مرح الأخرى، وقالت على مضض: -معلش ماليش نصيب أدوق أنا الأكل الحلو ده، بألف هنا وشفا. ضحكت رحمة مرددة قبل أن تلتفت على طرق باب الغرفة: -الله يهنيكي.
همت صبا أن تغادر ولكن أقدامها توقفت فور ولوجه الغرفة حاملًا الابنة الصغرى لشقيقته، يردد بمزاج رائق: -تعالي يا رحمة شوفي بنتك، بتقول إنها هتعيش معايا دايمًا وخلاص استغنت عنكم. استجابت رحمة تشهق متصنعة العبوس مرددة: -اخص عليكي بت، بقى بتبيعي أمك وأبوكي في أول ملف. ضحكت الصغيرة تدفن رأسها في حضن خالها، حتى اقتربت منها صبا تداعبها بعفوية:
-اخص عليكي انتي يا ست رحمة، دي شوشو دي أحلى فيها قلة الأصل، ولا إيه يا شموسة، تيجي معايا شوية نلعب مع بعض على التليفون. سمعت الطفلة لتومئ رأسها بحماس وارتمت بعفوية على صبا التي تلقتها من ذراع شادي الذي انتفض وكأن ماس كهربائي صعقه فور أن تلامست كفيه بكفيها دون قصد، ومن هذه المسافة بهذا القرب، ارتد على الفور عن الاثنان متحمحمًا حتى يجلي حلقه عائدًا للمزاح: -يعني خلاص يا ست شمس، نسيتي خالك.
تطلعت إليه الصغيرة مبتسمة بدلال قبل أن تريح رأسها على كتف صبا التي ضحكت لعفوية الطفلة، فعقبت والدتها: -شوفت أهي باعتك، عشان متشوفش نفسك عليا تاني. تطلع شادي نحو الصغيرة ذات الثلاث سنوات، متجاهل النظر نحو من تحملها، ليمرر كفه الكبيرة على شعرها القصير بحنان قائلًا: -معلش يا ستي أنا راضي، حبيبة خالها بتلف تلف وترجعله. قطبت صبا مندهشة العبارة، ثم التفتت للطفلة الصغيرة وشددت بضمتها قائلة بحب حقيقي لها:
-شموسة بتدلع عشان عارفة غلاوتها عندنا كلنا، واللي يلاقي الدلع ميدلعش ليه؟ -على رأيك والله. قالتها رحمة قبل أن تفاجأ بشقيقة زوجها تقتحم الغرفة، بعد طرقها للباب على عجالة، لتلج حاملة بيدها صنية عليها عددًا من أطباق الحلوى قائلة: -أنا جيت أدوقوا بسبوستي، ما هو الأكل ميحلاش من غير الحلو، ولا إيه يا شادي يا ابن خالي؟ قالتها وهي تقترب منه بالطبق الممتلئ، ف ارتد بجزعه يعترض بزوق:
-متشكرين يا سامية على ذوقك، بس للأسف، أنا مليش في الحلو أوي، عن إذنك أشوف الشغل اللي ورايا. قالها وخرج سريعًا، لتلتف هي نحو رحمة تقول بعتب: -عاجبك كده، طب حتى يجاملني بحتة صغيرة. ردت رحمة بابتسامة ضعيفة: -ما انتي عارفة أكله خفيف أساسًا، يعني مش هيتحمل تاني على الأكل التقيل. أضافت صبا على قولها باستغلال للموقف: -ده غير إنه جالك إن ملهوش في الحلو، هيبلع بعافية يعني؟!
وفي إحدى الكافيهات كان جالسًا على طاولة وحده في انتظارها، وقد اتخذ موقعه مقابلًا للمدخل، حتى لا تجد صعوبة في البحث عنه، بوقاره المعتاد، واضعًا قدمًا فوق الأخرى بأريحية، غير آبهًا بأي شيء، يغمره الحماس لمقابلة هذه المجنونة ومشاكستها، بعد أن استطاع بحيلة ماكرة منه أن يتخذ موعدًا معها. صدح الهاتف بمكالمة واردة، اعتقد أنها منها قبل أن يخيب ظنه ويجد الاسم الآخر، تناوله بيأس يستجيب بالرد هامسًا بغيظ:
-أيوه يا ماما، عايزة إيه؟ -أيوه يا نور عيني عايزة أعرف هي معاك ولا لسة؟ -لا إله إلا الله، موصلتش يا مجيدة اهدي بقى. -لييييه بقى؟ يكونش رجعت في كلامها؟ -يا ستي لو رجعت كانت هتبلغني، اقفلي بقى يا ماما، أنا مش عايز صوتي يعلى. -ماشي يا أمين هقفل بس بشرط، تبلغني بكل اللي يحصل بعد ما تخلص المقابلة. -ويعني انت حد يقدر يخبي عنك يا ماما، ده انت استدرجتيني ولا أجدعها وكيل نيابة، وسحبتي مني كل اللي انتي عايزاه.
-لا يا حبيبي لسة فيه حاجة ناقصة. -إيه تاني يا ماما؟ -عايزة أسألك، ناوي تديها حاجتها النهاردة ولا هتأجل؟ -أأجل ليه؟ طبعًا هديها حاجتها. -يا بن الخايبة كده على طول؟ مش تصبر شوية على ما تاخد وتدي معاها. -آخد ولا أدي إيه بس يا ماما؟ هو انتي تعرفي عني الأخلاق دي برضوا؟ اقفلي الله يخليكي، ولا أقولك هقفل أنا. أنهى المكالمة ثم أغلق الهاتف مدمدمًا: -وادي التليفون كله كمان يا ست مجيدة عشان أجنانك أكتر، ست مفترية بجد.
قال الأخيرة ورأسه ارتفعت نحو التي ولجت لتستحوذ على اهتمام معظم الموجودين من أشخاص حوله، من رواد وحتى عمال، على الرغم من هيئتها العملية بملابس محتشمة كموظفة عائدة من عملها، تسير غير مبالية وشعرها يتطاير معها متناغمًا مع خطوتها، تتقدم باتجاهه بصورة تحبس الأنفاس في الصدر، ليتمتم على غير إرادته قبل أن تصل إليه: -يا وعدي. -مساء الخير يا حضرة الظابط. وقف يستقبلها مرحبًا وقد امتدت كفه لمصافحتها:
-مساء الخير يا لينا عاملة إيه؟ -حمد لله. دمدمت بها وهي تجلس على المقعد المقابل له، وعاد هو لمحله وشعور بالارتباك المفاجئ طفى عليه، ليردف بعدم تركيز: -ااا يارب تكوني بخير، تحبي بقى أطلبلك حاجة تشربيها؟ ردت بحدة تجفله: -هو الطبيعي إن أخد حاجتي وأمشي، بس أنا راجعة من شغلي مفرهدة، اطلبلي أي حاجة بقى أبل بيها ريقي، عصير ولا مية حتى عشان ما أكلفكش.
بانشداه لقولها المباغت، ظل فاهه مفتوحًا لعدة لحظات قبل أن يستجمع نفسه، ليرد بأريحية وقد رفعت عنه شعور الحرج: -لا يا ستي ما يهمكيش، الجيب عمران والحمد لله، اطلبي اللي انتي عايزاه يا لينا. أومأت برأسها، قبل أن تلتف إلى النادل تشير إليه ليصل إليها وتأمره بالمشروب الخاص بهذا المقهى المشهور، وهو يراقبها صامتًا وكأنه يدرسها، حتى إذا انتهت من مطلبها وذهب الشاب التفت إليه قائلة: -ها بقى فين حاجتي؟ عقب ساخرًا
وقد أدهشه عمليتها: -كده على طول؟ طب خدي نفسك الأول حتى. طالعته صامتة لبرهة ثم تبسم ثغرها تقول بنبرة حيرته بعض الشيء: -وادي نفسي وخدته خلاص، ياللا بقى طلع السلسلة. بادلها الإبتسام ليوميء برأسه لها مستجيبًا: -ماشي يا لينا هطلعها. أدخل يده في جيب بنطاله ليخرجها بعد ذلك بالسلسال الذهبي، ليرفعه أمام عينيها قائلًا: -هي دي حاجتك يا لينا. شهقت تختطفه من يده هاتفة بزعر: -هي دي آه سلسلتي، بس غايب منها أهم شيء.
بوجه مقلوب يدعي المفاجأة قائلًا بدفاعية: -إزاي يعني؟ إنتي قولتي على السلسلة عيار واحد وعشرين واهي قدامك أهي، بالكف الفضي والعين الزرقا عشان الحسد زي ما أنا شايف، إيه اللي ناقص بقى؟ -ناقص القلب، ده أهم حاجة فيها. -يا نهار أبيض، هي فيها قلب كمان؟ -أيوة طبعًا، ده أحلى حاجة فيها. -امممزم بفمه متصنعًا العبوس ليقول بتفهم: -أيوه بس أنا دورت في العربية ف لقيتهم متنطورين، جمعتهم وافتكرت إن كده تمام.
بتأثر ملحوظ اعتلى قساماتها، رددت مرة أخرى بحزن: -طب والقلب يا أمين؟ -أدورلك عليه من تاني يا لينا. قالها بشهامة يدعيها قبل أن يشير للنادل ويده على الشيء المفقود في جيب بنطاله، قائلًا: -يا بني هاتلي أنا كمان عصير زي الآنسة. في الملهى الذي يجتمعان به كلما سنحت الفرصة للقائهما، ولج كارم بوجه متجهم ليأخذ مكانه على الطاولة المخصصة لهما، ألقى التحية على عجالة، يعلو الوجوم ملامحه، وهيئته المتخفزة لا تبشر أبدًا بالخير.
أنهى عدي حديثه السريع مع إحدى مدراء فندقه يلقي عليه بعض التعليمات قبل أن يصرفه ويعطي انتباهه للآخر: -إيه يا كارم، شكلك ولا أكنك خارج من خناقة. شبك الآخر كفيه ليطقطق أصابعه بعنف قائلًا: -إنت بتقول فيها، دي بتوجعني أساسًا عشان كده، عايز أفش غليلي وأستريح بقى. فهم عدي مقصده، فسأله بصوت جعله منخفضًا: -هو انت لسة ملقتش الواد إياه ولا الست اللي كانت معاه؟ رد كازًا على أسنانه:
-ابن الكلب اختفى ولا أكنه فص ملح وداب، لا عند قرايبه ولا أي واحدة من اللي كان ماشي معاهم، ولا الحقيرة التانية كمان، طفشت وسابت أولادها لجوزها وأخته يراعوهم، بس مسيريهم هيقعوا في إيدي، أنا مش ههدي غير لما أخلص عليهم. أومأ عدي رأسه بتفهم قبل أن يبوح عما يفكر به: -حقك طبعًا تعمل فيهم اللي انت عايزه، بس أنا اللي مستغربله، اللي اسمها جيرمين دي تعمل معاك كده ليه؟
عايزة تنتقم من مراتك بالشكل البشع ده، هي لدرجادي كانت بتحبك ولا انت هببت معاها إيه بالظبط؟ تغير وجه كارم ليردف بأنفعال غير قادر على السيطرة عليه: -يعني هكون عملت إيه بس يا عدي؟
أنا مكانش بيني وما بينها علاقة حب، وحتى لو كان، هي كانت عارفة بآخرها عندي، ولا عمري عشمتها بحاجة، ده غير إنه أصلًا ما ينفعش عشان هي متجوزة نجيب؛ اللي هو أساسًا بحالة صحية مش ولا بد، يعني في أي لحظة ممكن يموت وتورث بقى فلوس مالها عدد، وساعتها تتجوز من تاني بشاب يناسبها وأصغر كمان. أربت عدي بكفه على ذراع كارم في محاولة لتهدئته:
-خلاص متحرقش أوي كده في نفسك، اللي انت عايزه هيكون، الست دي أو الراجل اللي معاها مهما اختفوا أكيد هيتجابوا، إن مكانش من رجالتك، يبقى بالبوليس، أو رجالة جاسر وطارق. -لا طبعًا أنا مش عايز حد يجيبهم غيري. هتف بها مقاطعًا بحدة، ليردف مشددًا على كلماته: -ما حدش هيجيبهم غيري، أنا بس اللي يخصني الأمر، لا جاسر ولا طارق، ولا أي زفت في الكون. هذه المرة تناول المشروب الذي أمامه يخاطبه بمهادنة:
-ماشي يا سيدي زي ما تحب، خد بس اشرب وأنا هطلب لي واحد تاني. تناول منه ليرتشف محتويات الكأس بجرعة واحدة ثم يدفعها على سطح الطاولة بعنف قائلًا: -واطلب لي واحد تاني كمان، أنا لسة دمي بيغلي وعايز أهدى عشان أفكر كويس. أذعن عدي ليشير للنادل حتى يأتي بطلبهم، ثم عاد إليه سائلًا: -طيب ورباب، هي عاملة إيه دلوقتي؟ اشتدت ملامحه ليرد كازًا على أسنانه:
-رباب افتكرت إن ليها أخت دلوقتي يا عدي، بتقولي إن أعصابها تعبانة وعايزة تقعد عندها، بتسيبني أنا في الظرف الزفت ده. رفر عدي واهتزت رأسه بسأم يعقب على كلماته: -طب وفيها إيه بس؟ ما هو شيء طبيعي إن أعصابها تتعب، اللي اتعرضتلوا مش هين برضوا، خليها تبعد شوية على ما تهدى. هتف بعصبية ازدادت حدتها: -وما تهدى وهي معايا، تبعد عني ليه؟
أنا اللي أقدر أهديها وأنا اللي أقدر أجيب لها كل اللي هي عايزاه، أنا أكتر واحد فاهمها، دي مش مراتي وبس يا عدي....... دي .......
توقف يمرر بكفه على شعر رأسه للخلف، مغمضًا عينيه بتعب، رمقه الآخر لعدة لحظات صامتًا، يرى الجانب المخفي من كارم، هذا الجانب الذي لا يستطيع الفرد كبته مهما حاول ومهما كان متحكمًا أو حتى مستبدًا، تفضحه مشاعره مع أول اختبار، جانب ذكره بأمره وهذه الفتاة التي استحوذت على كل تفكيره، فجعلت كل تركيزه منصبًا حول الوصول إليها مهما كان الثمن، طرد كتلة كثيفة من الهواء من صدره ليعاود النظر في سجل هاتفه، والحيرة تعصف برأسه، لماذا التأخير في الرد حتى الآن؟
ألم يعد يهمها أمر صديقتها؟! في اليوم التالي صباحًاخرجت شهد من غرفتها بعد أن تجهزت للذهاب إلى عملها كالعادة، ألقت تحية الصباح نحو المجتمعين على مائدة السفرة بدون انتباه وقد كان ذهنها مشتت ما بين اتصالاتها بمساعدها للاطمئنان على حالة العمل، والإتمام بحقيبتها على بعض الأوراق الهامة التي سوف تحتاجها اليوم في المقابلة بخصوص التقديم لإحدى المشروعات الحكومية، بمساعدة حسن الذي لا يكف عن استعجالها الآن:
-يا عم والله نازلة أهو، روح أنت المصلحة بتاعتك واسبقني....... أيوه ما أنا بقولك تسبقني هناك عند المدير المسؤول عن المشروع، ظبط معاه لحد أما أجيلك...... قطعت بضحكة مرحة كعادتها كلما ألقى على أسماعها كلمات الغزل بخفة ظله التي باتت تعشقها، لتعقب بيأس: -انت مفيش فايدة فيك، الست مجيدة دي طلعت فاشلة في تربيتها معاك......... ماشي ماشي يا مؤدب، طب استناني بقى مش هتأخر عليك.
أنهت المكالمة والتفت نحو الجالسات أمامها يتناولن وجبة الفطور، لتبادرها رؤى بغمزة وتشاكسها: -أيوه يا عم المشغول، عقبالنا يارب. استجابت لها بابتسامة قبل أن ينعقد حاجبها متسائلة بفضول: -دي أمنية كمان لابسة النهاردة، وراكِ مشوار؟ ضحكت المذكورة لتنهض عن مقعدها قائلة: -هو انتي نسيتي ولا إيه؟ مش أنا قولالك إن أنا جاية أشتغل معاكي، وهامسكلك الحسابات بصفتي خريجة تجارة. -انتي بتتكلمي بجد؟
سألتها شهد بعدم تصديق، فهي الأعلم بطبيعة شقيقتها الكسولة والاتكالية في كل ما يخصها من أمور، وعلى نفس القناعة تدخلت رؤى أيضًا قائلة بتهكم: -يا نهار أبيض، أختي أمنية هتشتغل، ده باين الدنيا اتقلبت حالها يا جدعان. -اخرسي انتي. هتفت بها أمنية نحو شقيقتها قبل أن توجه خطابها لشهد:
-لما اتكلمت امبارح معاكي مكنتش بهزر، عشان أنا مصممة أتحمل المسؤولية زيك، ولا انتي فاكرانا هنتسنى لما تتجوزي ونتوحل في الهم لوحدنا، أو نستنى فضلتك علينا. ليست كلماتها ولا تفكيرها، هذا ما استنبطته شهد على الفور، وهذا التحفز من ناحية الأخرى نحوها بتصميم على فعل ما تريد، بالطبع لو واجهتها الآن بما يدور بعقلها، سوف تستغل بغبائها وتضخم الأمر، وهي ليست بالحمقاء حتى تعطيها الفرصة هي ومن يدفعها لذلك. أثناء صمتها
تدخلت نرجس تلطف كعادتها: -معنى كده إنها عايزة تساعدك يا شهد، ربنا يخليكم لبعض ما انتوا أخوات وهي عايزة تشيل عنك. بابتسامة جانبية ساخرة ردت توزع أنظارها بين الاثنين: -فعلًا، يعني انتي هتشيلي عني المسؤولية بجد يا أمنية؟ ردت بثقة الحافظ بعدم فهم: -أيوه طبعًا أمال إيه؟ لا اهو انتي فاكراني غبية يعني، ولا مقدرش أتحمل زيك مثلًا. -لا العفو طبعًا يا حبيبتي. قالتها شهد لتتابع بتحدي:
-وأنا قبلت يا قلب أختك، ومش هشغلك معايا في الحسابات وبس، لا ده أنا هدخلك معايا في كله. -يعني إيه؟ سألتها وقد ارتسمت علامة استفهام كبيرة على ملامحها، تجاهلت شهد لتردف بحسم وحزم: -البسي شنطتك يا للا وحصليني، أنا هسبقك تحت أسخن العربية، ياللا.
في مقر عملها بداخل الحجرة التي تجمعها برئيسها في القسم، والذي لا تعلم سر تغيره هذه الفترة معها، كانت تعمل وعينيها تتجه نحوه كل دقيقة، صامتًا بوجوم، بتركيز شديد على حاسوبه أو الملفات الورقية التي أمامه على سطح المكتب، كأنه لا يراها، حتى إن تطوعت وسألته يجيبها باقتضاب بدون أن يكلف نفسه حتى بالنظر إليها، لا ترى منه هذا الاهتمام الذي كانت تلتمسته على أقل شيء، تدخله الدائم في أي أمر يشغلها بحماية منه، تتقبلها منه بترحاب لا تعلم سببه، ترى ما الذي غيره نحوها؟
-سامية؟ لم تشعر أنها أردفت بالاسم بصوت واضح سوى بعد أن التفت إليها سائلًا: -انتي بتكلميني يا صبا؟ نفت بهز رأسها: -لا لا ده أنا افتكرت حاجة كده. أومأ ليعود لعمله وكأن شيئًا لم يكن، وتعود هي لإحباطها قبل أن يلتفت الاثنان على اقتحام إحدى العاملات بالفندق، تنادي باسمها: -آنسة صبا. -نعم. قالتها كسؤال وجاء رد المرأة: -مستر عدي رئيس الفندق عايزك. -إيه؟ -بقولك مستر عدي مستنيكي في مكتبه، عن إذنك.
قالتها المرأة وخرجت، تتركها في تخبطها، وقد أجفلتها بهذا الأمر المستفز أمام شادي رئيسها والذي ادعى انشغاله دون أن يهتم بسؤالها حتى، لتبتلع ريقها باضطراب، ثم تنهض صاغرة، تردف بالإذن قبل أن تذهب: -أنا هروح أشوف المدير عايز إيه؟ عن إذنك يا مستر. -تمام. قالها ويده تدون بالقلم سريعًا على أحد الملفات، بارتباك شديد تحركت تجبر أقدامها لتنهي هذا الأمر الثقيل، مقررة عدم تكرار خطئها والتدخل في هذه الشئون مرة أخرى.
وظل الآخر على وضعه حتى إذا اختفت من الغرفة، خرج عن شعوره ليدفع القلم بطول ذراعه، ثم يضرب بكف يده على سطح المكتب بقوة جعلت معظم الأوراق تسقط على الأرض، زافرًا بخشونة وحريق قد شب بصدره، لا يعلم كيف له أن يطفئه.
وفي الجهة الأخرى بداخل قسم الشرطة وقد كان جالسًا مع زميله يتباحث في أحد الأمور الخاصة بعملهم، ليفاجأ بإجابة السؤال الذي شغله بالأمس، بعد رؤيته الغريبة لابن عمه في طريق مغادرته، قبل أن ينشغل بموضوع صبا وصديقتها، ثم الآن وقد علم الأمر برمته، بشيء من صدمة اعتلت ملامحه عاد بالسؤال مرة أخرى: -انت متأكد من الكلام ده يا عصام؟ رد الأخير بثقة كاملة:
-يا فندم ما انت عارف أنا مش بجيب حاجة من دماغي، دي كلها تحريات وشهادة شهود أولهم أخو الضحية، ده غير الكاميرات، وهروب الست المتهمة والراجل الحارس، كلها دلائل مُثبتة.
باضطراب غير عادي مرر كفه على أطراف فكه بتفكير عميق، عقله لا يستوعب أن يحدث هذا الشيء مع فرد من عائلته الكريمة، خصوصًا هذا الشق المتعجرف بها، فرع الأغنياء والمناصب الهامة، لا بل وأهمهم على الإطلاق، كارم رجل الأعمال ابن اللواء حمدي فخر، والأكثر من هذا هو أن الأمر يخص زوجته، أول فتاة أحبها وأول من جرحته في كرامته، بعد أن استهانت به وكأنه لا يستحق حتى النظر إليه، هذا الأمر الذي جعله يظل لفترة طويلة من الوقت صارفًا النظر عن النساء والزواج عامة، الأمر الذي ذهب بظن والدته وشقيقه أن عقدته كان بحبها، ولم يصل إليهم أن الجرح كان في كرامته، عزة نفسه التي منعته حتى بشرح وجهة نظره لهم، كاتمًا ما يألمه داخل صدره، حتى لا يزيد عليهم.
-أمين باشا، هو انت سرحت ولا إيه؟ قالها عصام ليقتلعه من أفكاره البائسة، فرد ممازحًا: -يعني وما أسرح يا سيدي براحتي، هو انت مراتي وهتشك فيا؟ ضحك الأخير قائلًا بأدبه المعتاد: -لا يا باشا طبعًا وأنا أقدر، تحب نكمل اللي علينا. اعترض ينهض عن مكتبه منهيًا الجلسة بقوله: -لا بقى خليها وقت تاني، أنا معايا مشوار مهم. -مشوار إيه؟ تسائل عصام قبل أن يفاجأ برئيسه الذي هتف على أحد الرجال العاملين معهم:
-عسكري مدبولي، تعالي هنا بسرعة. دخل الرجل على الفور يؤدي التحية العسكرية، قبل أن يأمره أمين: -روح ع الحجز وهاتلي السجينة اللي اسمها مودة، وجهز نفسك عشان انت رايح معانا مشوار....... يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!