الفصل 20 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل العشرون 20 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
37
كلمة
3,250
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

متأنقًا بأفخر ثيابه، خرج "سالم" إلى الشرفة الرئيسية، مطلًا على واجهة السرادق العملاق. كان المكان قد بدأ يزدحم تدريجيًا، لكنه فضل البقاء قليلًا لغاية في نفسه. حتى عندما لوّح له أحد الرجال، لم يتفضل عليه سوى بإيماءة صغيرة من رأسه مكتفيًا بها وعدًا بالانضمام إليهم قريبًا.

كان مسرورًا، إذ تعتبر هذه الخطوة التي تتهيأ عائلته للاقدام عليها كبيرة ومهمة جدًا. أربعة من أبنائهم يستعدون للزواج بدءًا من الليلة. يا لها من غبطة تستحق الاحتفال وكل هذا الإصراف والمظاهر الباذخة. لم يكن هناك ما يعكر صفاء سعادته هذه إلا أمرٌ واحد، وهو بالطبع زيجة ابنه الأولى التي ذهب وأتمها من وراء ظهره. ولكي يكبلَه عن التصرف قام بتهديده ذلك التهديد الذي لا يستطيع أمامه صمودًا. "مش هاتشوف وشي تاني!

لا يمكن أن يصير شيئًا كهذا، هذا الطفل الذي رباه، و الرجل الذي كبر في كنفه. إنه ابنه، فلذة كبده وقلبه. الأفضل والأحب على الإطلاق. لا نظير له بجميع أولاده. يعلم بأنه ربما يكون مخطئًا أو ظالمًا، لكنه دائمًا ما يعزي نفسه بالقول: "لا تلُومُوني فيما لا أملك! ". إنه يحب أولاده، لكن "رزق" يساوي بالنسبة إليه شيئًا أعمق من الحب.

بعد المواجهة الأخيرة بينهما، وبعد أن استمع إلى كلامها ولمس أملًا بأن مشاعرها تجاه أخيه الأكبر ما هي إلا مشاعر مراهقة، وأنها بالفعل اكتشفت بأنها لا تحبه. كان يشعر بالإقبال. حتى أنه قبل قليل ذهب بنفسه واشترى لها باقة زهور حمراء كبيرة كتعبيرًا على حبه. لم يبالي بهمزات أصدقائه وهم يرونه أثناء مروره مهرولًا إلى المنزل وهو يحمل الباقة. اتجه للأعلى، مشتاقًا وآملًا أن يصل عندها بأسرع وقت. "مبروك يا أحلى عرايس!

" قالتها خبيرة التجميل الشابة. "الله يبارك فيكي يا جميل. وحقيقي.. تسلم إيديكي." ردت "ليلة" بابتسامة. إبتهجت الشابة للثناء وقالت: "ده جمالك إنتي و القمر التانية حبيبتي.. ألف مبروك و الله يسعدكوا يارب." ثم التفتت نحو مساعدتها التي كانت ترسم بالحناء على يد "فاطمة" وذراعها. أما "ليلة" فقد اكتفت بنقشٍ على شكل قياس نبض القلب. "خلصتي يا شاهندا؟ "خلاص يا أبلة أماني. آخر صوباع!

و بالفعل، ثم قامت وجمعت كل الأغراض ولحقت بالأخيرة بعد أن ودعت العروستين. لم تمر دقيقة، بينما كانت "ليلة" تقف أمام المرآة تهندم فستانها، دخلت السيدة "نجوى" مزدانة بجلبابٍ أنيق. اتجهت من فورها صوب ابنتها واحتضنتها بقوة: "يا حبيبة أمك. قمر.. بدر منور يا قلبي. الله يحميكي من العين الليلة دي يا بطة. ونبي يارب تكمل فرحتي بيها! "ربنا يخليهالك يا مرات عمي! " هتفت "ليلة".

استدارت "نجوى" ناحيتها مستطردة بحبورٍ: "الله يسعدك إنتي كمان يا حبيبتي.. إيه الحلاوة دي يا ليلة. ما شاء الله عليكي يابنتي لو تتحطي في أوضة مضلمة تنوريها." كان هذا أعرب غزل أو مدح سمعته "ليلة" في حياتها، لكنها لم تستطع إلا أن تبتسم ردًا على المجاملة، ثم تقول: "تسلمي يا طنط نجوى.. أكيد ستي قاعدة على نار طبعًا!

أومأت الأخيرة ضاحكة: "أيوووة يا حبيبتي. كل خمس دقايق تتصل تستعجلني. أقولها أنا سايباهم مع الماكيرة لوحدهم قربوا يخلصوا.. مافيش فايدة. شوية و هاتكلني. إنتوا خلصتوا صح؟ "أيوة طبعًا خلاص.. بصي طيب إسبقينا حضرتك. و أنا هجايب فاطمة دلوقتي و ننزل." "ماشي يا حبيبتي. بس ما تأخروش بقى. أنا مش أد الست دلال. ماتحطونيش في وش الدفع لوحدي." و ضحكت الإثنتان، ثم رحلت "نجوى" وبقيت "ليلة" بمفردها مع "فاطمة".

كانت تعلم منذ البداية بوجود خطبًا ما بها. لا تعرف سببه، ولا تود أن تعرف. لكن يشق عليها أن ترى عروس تعيسة مثلها في ليلة كهذه. "فاطمة! إرتعدت "فاطمة" عندما شعرت بيد "ليلة" تحط فوق كتفها. "آسفة.. خضيتك؟ هزت "فاطمة" رأسها سلبًا دون أن تنظر إليها. أخذت "ليلة" تحاول القبض على نظراتها عبثًا وهي تقول بلطفٍ: "مالك يا فاطمة؟ إنتي تعبانة و لا إيه يا حبيبتي؟! "أنا كويسة! " نطقت "فاطمة" بهمس.

رفعت "ليلة" حاجبيها دلالة على عدم تصديق جوابها، وقالت بعد برهةٍ: "بس أنا مش شايفة كده.. بصي يا فاطمة بعيدًا عن موقفك الغريب ناحيتي. بعيدًا عن كل البغض و النفور إللي أنا مش قادرة أفسر أسبابهم.. أنا صفتي هنا بنت عمك. و لو إنتي حاسة إني مش أهل لثقتك أو بصراحة أكتر عدوتك. على الأقل ماتتكسفيش تظهري مشاعرك قصادي. أنا مش بحاول أحسن من صورتي في عينك.. إنما هدفي الوحيد و بجد إني أخفف عنك. أنا حاسة بيكي كويس. أنا أكتر حد هنا ممكن يحس بيكي يا فاطمة صدقيني!

لكنها ما لبثت أن حبست أنفاسها، حين تطلعت إليها دامعة العينين. "يا قلبي!!! " تمتمت "ليلة" بجزعٍ شديد. و لم تتردد و هي تقوم واقفة باللحظة التالية لتقف فوق رأسها ضامة إياها بحضنها. "مالك بس يا فاطمة؟ " آنت "ليلة" طارحة عليها هذا السؤال. "إحكيلي يا حبيبتي.. إيه إللي فيكي بالظبط. حصل إيه يابنتي؟!!! لكن ما من إجابة.

ظلت تنتحب و تذرف الدموع فوق صدرها فقط. إلى أن شعرت بأنهما لم تعودا وحدهما. عندما رفعت "ليلة" رأسها فجأة لمحت "مصطفى" يقف عند عتبة الباب في يده باقة من الزهور. "مصطفى! صاحت "ليلة" و قد تمكنت باحترافٍ في ثانية بقلب تعبير وجهها المكروب إلى إبتسامة كبيرة. "إزيك يا عريس؟ نظر "مصطفى" إلى "ليلة". "كويس يا ليلة.. إنتي إزيك يا عروسة؟ "تمام و زي الفل و الله." "ألف مبروك." "الله يبارك فيك يا سيدي.. مبروك ليك إنت كمان."

رد عليها بايماءة و ابتسامة مقتضبة، ثم نقل نظره ثانيةً إلى "فاطمة" قائلًا بجمودٍ: "مالها بطة؟! قالت "ليلة" بثباتٍ و بنفس الابتسامة المتقنة على وجهها: "مالهاش دي قمر أهيه و جميلة. عنيها بس مطروفة شوية و أنا بحاول أشوفها. أحسن الميك آب يبوظ إنت عارف! أومأ لها مرتان، ثم رفع باقة الزهور متمتمًا: "دي عشانك يا بطة.. مبروك علينا يا حبيبتي. يلا أسيبكوا بقى و أنزل للرجالة!

و ألقى بالباقة فوق طاولة قريبة، بينما ترد عليه "ليلة" و هي تراه يستدير مغادرًا بسرعة: "إتفضل يا مصطفى.. و مبروك مرة تانية." على الطرف الآخر، انتظرت "فاطمة" حتى ضمنت رحيله تمامًا، ففكت اشتباكها بإبنة عمها و رفعت وجهها متطلعة إليها بتضرعٍ. "شكرًا! " غمغمت بصوتٍ متقطع. وجهت لها "ليلة" إبتسامة عطوفة و هي تفرد كفها فوق رأسها و تربت عليه بحنوٍ هامسة: "العفو...

و دققت النظر بوجهها الذي تلطخ قليلًا بدموعها الممتزجة بالكحل و الماسكارا، لتقول و هي تتلفت حولها بحثًا عن حقيبة المكياج الصغيرة: "وشك و عنيكي إتبهدلوا شوية. بس و لا يهمك.. في ثواني هارجعك زي الأول و الأحسن. و بعدين ننزل بقى أحسن يطلعوا يجرجرونا من شعورنا إحنا الجوز! انقضت ساعات الإحتفال الأولى على الوتيرة المألوفة. الجميع يهلل و يغني و يرقص. حتى "ليلة" و قد تطوعت برقصة أظهرت من خلالها مدى براعتها.

بالخارج كان النصف الثاني من الإحتفال من نصيب الرجال. هنا بالسرادق الفخم حيث انضم "سالم الجزار" إلى ضيوفه برفقة أولاده الثلاثة. فور حلوله بينهم أعطى الأمر ببدأ المرح كله. كان الكل منتشي و منسجم. الأدمغة نصف صاحية، فقط لأجل هذه اللحظة. اللحظة التي صعدت فيها أول راقصة شبه عارية فوق المسرح. الآن فقط بدأ المرح.

صاروا الآن خمسة راقصات. واحدة منهن نزلت عن المسرح و ذهبت رقصًا تجاه الطاولة التي يجلس إليها "سالم" و أولاده. حاول إستمالة "سالم" فلم يعطها الفرصة أبدًا، ليقع في القرعة من بعده "رزق". بينما كانت تشده من يده، جاءت قرينتها الثانية و اجتذبت "مصطفى" بدورها.

تعالت الصيحات و القهقهات الفجة من حولهما و هما يمشيان مطوقين الراقصتان حتى صعدا معهما إلى المسرح. و تحت أنظار والدهما الفخورة المزهوّة وقفا ثابتين بينما الراقصات تتمايلن صوبهما.

فإذ مر القليل من الوقت، بدأت حالة "مصطفى" العقلية تزداد سوءً. فا إستدار مخرسًا صخب الاحتفال كله بإشارة من يده، ليطبق السكون التام في كل شيء. و مع مرور الثوانِ.. حتى تمت الدقيقة الثانية. معها ظهرن النسوة من خلال الشرفة الأرضية لمنزل العائلة، و استطاع "مصطفى" أن يلمح من بينهن "فاطمة" تقف مثلهن و تراقب بفضولٍ و دهشة.. و قلق. "جرالك إيه يا ديشا. تعبت و لا إيه؟ " قالها "رزق" مازحًا.

لينتفض "مصطفى" غاضبًا و هو يتشبث بقدميه فوق الأرض، و في غفلة يدس يده خلف ظهره ليستل سلاحه الناري مشهرًا إياها في وجه أخيه. "أقتلك يا رزق! انطلق الصراخ من فم الراقصات و سارعن إلى الهبوط عن المسرح فورًا. بينما يقفز "مصطفى" أمام "رزق" في طرفة عينٍ موجهًا السلاح إلى رأسه. فجاء الرد المتوقع في الحال و شقت صيحة "سالم" الصمت المتوتر السحيق. "مصطفــــــى !!!!

و لكن الأخير لم يلتفت حتى له، لم يعيره أدنى إهتمامٍ و ظل يصوّب فوهة سلاحه نحو رأس أخيه الكبير.. حتى ألصقها بجبهته تمامًا. نظر بعينيه ليرى فيهما نفس النظرة الواثقة، الباردة. في جوًّا من الغيظ و الضغينة، لم يتردد "مصطفى" في هذه اللحظة و هو يضغط على الزناد. بنفس الوقت تنفجر صرخة "سالم" من أعمق أعماقه باسمه هو هذه المرة: "رزق! و لكن "رزق" كما هو. لم يرف له جفن. بينما كان الجميع في حالة من الصدمة و الذهول.

فجأة جلجلت ضحكة "مصطفى" و ملأت الآذان، حانت منه نظرة تجاه أبيه الشاحب كليًا و هو يقول بثمالةٍ واضحة: "فاضي.. المسدس كان فاضي. بس شوفت يابا.. رزق طلع جامد بجد. ماغمضلوش جفن و لو ثانية واحدة! و استأنف ضحكه الهستيري و هو يرتمي على أخيه تاليًا معانقًا إياه، تلقاه "رزق" بين ذراعيه و هو يبتسم بفتورٍ رابتًا على ظهره بقوة.

و بإشارة من يده هو هذه المرة أطلق صخب الاحتفال من جديد، و طفق يراقص أخيه و يلهو معه فوق المسرح و كأن شيئًا لم يكن. و لكن "سالم" ليس مثل الجميع، و حتمًا لم يصدق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...