الفصل 21 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
18
كلمة
3,663
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

أخيرًا .... إنه يوم الزفاف.. بعد طول انتظار.. وترقب... وأجواء من القلق والاضطراب على مدار أسبوع كامل! اليوم تضع اللبنة الأخيرة... اليوم ينال كلٌ مآربه فيرضى أو يشقى! لا يزال السرادق الضخم مقامًا منذ ليلة الحناء، فقط تم إضافة زوج من الآرائك لأجل العرائس، وبدأت تجهيزات أخرى حتى يتسنى للرجال والنساء معًا الحضور بنفس المكان ولكن بشكل منفصل.

في جهة أخرى، داخل منزل العائلة وبشقة الجدة "دلال" لم يكف المرح والفرح منذ بكرة الصباح. تجلس الجدة متربعة فوق أريكتها الوثيرة، تضع الدف بحجرها وتدق عليه بإيقاع يطرب ويجبر خصور الفتيات على الرقص بلا هوادة.

كانت البهجة على أشدها هنا، ونساء العائلة يشرفن على ضيافة الأهالي سواء هنا أو بالخارج. وحدها "هانم" التي بقيت إلى جوار "دلال" لتعتني بها. فإذا بـ"عبير" زوجة "عبد الله الجزار" تأتي وتطلق زغرودة قرب أذنها في باردة مازحة. "لولولولولولولولولولولولولولولي. مبروك يا أم العريس! " هتفت "عبير" وهي تنحني لتحتضن "هانم" وتقبلها على خديها. ابتسمت "هانم" وهي تبادلها العناق الودي قائلة بغبطة حقيقية:

"الله يبارك فيكي يا عبير. ما هو مصطفى ابنك برضه. مبروك ليكي انتي كمان يا أختي يا حبيبتي." رمقتها "عبير" بنظرة ممتنة وقالت: "تسلمي يا غالية. عقبال ما نشوف عوضهم. الليلة الجزارين كلهم بيفرحوا.. ربنا يتمها على خير يا رب." "ما سمعتكيش بتبركيلي على رزق يعني يا عبير؟! " قالت "دلال" هذه العبارة بلهجة مقتضبة تكنف تحذيرًا ضمنيًا. نظرت إليها "عبير" وقالت في الحال:

"يلهوي ياما بتقولي إيه بس. ده كله إلا رزق. ده الغالي يا ست الكل. اصبري عليا النهاردة حالفة ما حد يبخره على الزفة غيري. ده أنا هارقصله لوش الصبح وهفرق الشربات بإيدي. كلهم عيالي يا ما أنا ماشوفتش غيرهم. حتى ليلة كأنها حتة مني! تراجعت "دلال" في هذه اللحظة عن موقفها المتحفظ تجاه زوجة ابنها وقالت بلطف: "إن شاء الله يفرحنا كلنا بيهم يا عبير." "ويخليكي لينا يا ما! " وأمسكت "عبير" بيدها لتقبلها.

ثم ذهبت لتقضي حوائج المنزل وتباشر واجب الضيافة مع البقية. "هما هايوصلوا إمتى يا هانم؟ التفتت "هانم" نحو الأم الكبيرة وأجابت سؤالها بهدوء: "لأ يا ما ده لسه بدري على العرايس. شغل الكوافيرات ده والحمامات والتكييس والأفران دي مواويل كبيرة أوي." "طيب والبنتين يتسابوا كده إزاي لوحدهم. كان حق واحدة فيكم تروح معاهم. ما يصحش يا هانم."

"ما تقلقيش يا ما سالم بعت وراهم حراسة بالزفة. انتي ناسيه إحنا مين يا حاجة.. أول ما يخلصوا رجالتهم هايروحوا يجيبوهم." ضمّت "دلال" فمها قليلًا ولم تهضم الكلام، لكنها مررته في الأخير وتساءلت: "اومال فين البت سلمى؟ وهنا بالضبط انطلق صوت صراخ وعراك شديد. تبينت "هانم" في ثوانٍ وجود صوت ابنتها فيه. لم تكن ابنتها فحسب... "أهي جاوبت عليكي بالسلامة!

" تمتمت "هانم" وهي تنهض ساحبة وشاح رأسها حول وجهها استعدادًا للمغادرة نحو مصدر أصوات العراك. "ده صوت سلمى ومصطفى!! " علقت "دلال" مشدوهة. أومأت "هانم" وهي تقول بتبرم: "ما يبقاش مصطفى لو ما نكدش على نفسه وعلى الكل." "دلال بغضب: الله يجازيهم عيال. حتى في اليوم ده بيتخانقوا. اطلعي شوفيهم ولو ماسكتوش أنا بنفسي هاكلم أبوهم.. إيه هو ده. بقت سايبة خلاص!!! تركتها "هانم" قبل أن تنهي حديثها وانطلقت للطابق العلوي من فورها.

في شقتها، كان الباب مفتوحًا، وكلما اقتربت اتضح صوت العراك أكثر.. حتى وصلت إلى غرفة ابنتها. ورأت الآتي؛ نجلتها الصغيرة بين يدي أخيها الكبير وهي ترتدي ثوبها عاري الكتفين الذي فصلته خصيصًا من أجل الزفاف، وقد كان "مصطفى" يطبق عليها بيديه القاسيتين مبعثرًا إياها وهو يوبخها بشدة. "لو مش مصدقني روح اسألها. أمي عارفة وشافته. سيبني بقااااااا منك ليها هي. سيبني والله هاقول لابوياااااااااااااعععع"

"وكمان بتناطحي فيا يا قليلة الرباية. وعايزة تقولي لابوكي؟ قوليله يا أختي. ابقي شوفي مين ها يسيبك تلبسي المسخرة دي تحت. قسمًا يمين بالله لاكون كاسر رجلك دي.. يا سافلة!!! وناولها بصفعة عنيفة انتزعت منها صرخة وبكاء أقوى بكثير. "مصطفى!!!! جمدت زعقة "هانم" الأجواء لمدة ثانية، قبل أن تهرع نحو ابنها وابنتها لتخلص الفتاة من بين يديه مغمغمة بغضب مستطير:

"انت اتجننت. بتمد إيدك على أختك تاني وبالطريقة دي.. أبوك حذرك ترفع إيدك عليها. سيبها يا واد! وفلحت بعد مجهود مضنٍ بتحرير "سلمى" من أخيها، ثم وقفت بينهما موشكة على التحدث من جديد، لكن "مصطفى" يحبطها فيقول أولًا بصوته الخشن: "البت دي ناقصة تربية. ولو بتهتيني بأبويا ف لما أشوفه. الكلام اللي ها يسمعه مني ها يعود عليكي انتي بالبطال يا ما." "هانم بذهول: انت بتتكلم على مين كده يلا انت؟ وهي كانت أختك عملت إيه أصلًا لكل ده؟!

ولم تنتظر جوابه واستدارت نحو ابنتها متسائلة: "عملتي إيه يا سلمى انطقي؟؟؟ مرة ثانية قاطعها باستهجان: "وكمان هاتعملوا أفلام عليا. انتي تسأليها عملتي إيه وهي من شوية تقولي أمي عارفة!! "عارفة إيه يلا؟!!! " صرخت فيه وعاودت النظر بوجهه بقوة. "مصطفى

بتهكم نزق: الهباب اللي لبساه على جسمها ده. قال عايزة تلبسه في الفرح. ولما قولتلها عيب يا ماما انتي كبرتي وده عريان مش ها ينفع تقوم رادة عليا وببجاحة تقولي أمي هي اللي مفصلاه عشاني ومالكش دعوة انت." وكأن سرد التفاصيل بمثابة البنزين الذي أوقد نيرانه من جديد، فتطلع إلى أخته وأراد مهاجمتها ثانية وهو يصيح بينما يعلو صراخ أخته وأمه التي تحول بينهما بتصميم:

"السافلة بتقولي أنا مالكش دعوة. وحياة أبوكي لأربيكي. هدغدغك يا سلمى.. هاكسر عضمك ده إنهارد آ ا ... "إيدك يا مصطفى! " جاءت هذه العبارة على حين غرة هكذا مطبقة بصمت ثقيل على الغرفة. كان قائلها معروفًا دون الحاجة للنظر إليه، ولكن ما لبثت النظرات أن أحاطته.. وقد "رزق"... بالطبع "رزق".. أتى بالوقت المناسب ليقف فوق رأس أخيه الأصغر ويلتقط من الهواء يده قبل أن تصل إلى "سلمى" تمامًا.

وكأنها معجزة تحققت، وكأنه ملاكها الحارس، ابتهجت "سلمى" فور رؤية أخيها الكبير وازداد بكاؤها في آن وهي تترك أمها وتختبئ خلف ظهره متشبثة بكتفيه كما لو أنه درع حماية لها. "مش عيب عليك تبهدل أختك الصغيرة بالشكل ده؟ " نطق "رزق" بقتامة وهو يعتصر معصم أخيه بقبضته الفولاذية. "المفروض الإيد دي تصد عنها أي حاجة ممكن تئذيها.. مش هي اللي تئذيها وتتمد عليها يا أخوها! يسحب "مصطفى" يده من قبضته بعنف صائحًا: "وانت مالك انت أصلًا!!!!

تتدخل "هانم" في الحال قبل أن يتفاقم الوضع بينهما وهي تقول بحزم موجهًا لـ"رزق": "مصطفى بيأدب أخته يا رزق.. دي حاجة محدش يقدر يغلطه فيها." رد عليها "رزق" بجمود دون أن يحيد بنظراته الحادة عن أخيه: "أخته دي تبقى أختي برضه يا مرات أبويا. واللي أنا واثق منه إنها مؤدبة أصلًا. ثم لما توصل الأمور لكده هي ليها أب لسه عايش على وش الدنيا. وزي ما أنا فاكر أبويا حذر أي حد يرفع إيده على سلمى.. حتى انتي يا مرات أبويا!

رفعت "هانم" أحد حاجبيها قائلة بغل دفين: "لأ يا رزق يا حبيبي أبوك لو واقف هنا دلوقتي مش ها يعجبه كلامك. البت لما تغلط غلط صريح يبقى تتربى في ساعتها مش تتساب زي قوالتك!! "رزق عابسًا: طيب أعرف كده هي غلطت في إيه. جايز أنا مش بفهم فعلًا! "العفو يا حبيبي انت فهمان وزي الفل! " ثم أشارت خلفه إلى ابنتها وما ترتديه مكملة:

"بص كده هي لابسة إيه.. أنا طبعًا بعترف إنها غلطتي. لما وافقت على الفستان ده كنت فاكرة هايطلع حاجة تانية عليها. بس زي ما انت شايف والبنات بتفُور بسرعة. ما شاء الله عليها." "وريني كده يا سلمى! " قالها "رزق" وهو يضم يديه أمامه ويلتفت قليلًا لينظر إلى ما ترتديه أخته. كان مجرد فستان سماوي اللون، محتشم وطويل، لكنه عاري الكتفين بقصة الفراشة ليعطيه طابع الأميرات اللاتي هي مولعة بهن منذ نعومة أظافرها.

"ماله بقى الفستان مش فاهم؟ " علق "رزق" بهدوء أثار استفزاز "مصطفى" فورًا. لينفجر به بفجاجة: "انت كمان أعمى ومش شايف؟ ولا طلعتلك قرون ولا إيه حكايتك بالظبط؟؟؟؟ "رزق بحدة: احترم نفسك يلا. أنا أخوك الكبير. ماتنساش نفسك.. ولا نفسك تتروق يوم فرحك. أؤمر! وقرقع أصابع كفيه في إشارة تحذيرية خطيرة. فإذا بـ"هانم" تحل بالوسط مهدئة ابنها أولًا:

"خلاص يا مصطفى. إحنا نسيب الموضوع لابوك وهو يتصرف. انت ورزق مالكوش دعوة فعلًا. وبعدين انت فرحك الليلة يا ابني مش معقول هانقضي اليوم خناق.. إحنا اتحسدنا والله... ثم التفتت نحو "رزق" مضيفة على مضض: "مش هي أختك برضه؟ خدها بقى في إيدك لابوك بمنظرها ده وقوله اللي حصل. إن رضي تنزل من البيت كده كلنا راضيين! أومأ "رزق" وهو يقول ببرود: "صح كده.. عداك العيب. يلا يا لوما تعالي معايا!

واستدار مطوقًا كتفي أخته وسار بها للخارج تحت أنظار أمها وأخيها القادحة شرارًا ومقت عظيم. "أخوك رزق ده عامل زي حباية الترامادول بالظبط! " قال "علي" هذه العبارة وهو يميل قليلًا صوب "حمزة". "يقدر يسجد أي حد بكلمتين.. حتى لو كان كينج كونج زي أبوك كده." كانا الشابين متأنقين كحال الجميع في هذه الساعة المبكرة من أمسية الزفاف.

لقد ذهب الأخوان ليحضرا العروستين، بينما ظل البقية هنا بالانتظار، حتى "سالم".. ها هو يخرج عبر باب المنزل مستقبلًا تنهيدات الضيوف.. بينما ابنته الوحيدة تتأبط ذراعه شخصيًا وقد كانت ترتدي ذات الثوب الذي نشب بسببه خلاف بين أخويها تم تصعيده للوالد. وكالمتوقع.. ربح "رزق" بوجهة نظره. "قصدك يعني عشان سلمى مشت اللي في دماغها؟ " تساءل "حمزة" وهو ينظر تجاه أبيه وأخته الآن.

"مصطفى هو اللي كان محبكها وبيتلكك يا ميزو. أصل أنا مش شايف الفستان في حاجة الصراحة.. وبعدين سلمى لسه طفلة أصلًا مين ها يبصلها." "طفلة!!! " هتف "حمزة" باستنكار وهو يلتفت إليه. أكد "علي" قائلًا: "أيوه يا ابني طفلة. دي يدوب 14 سنة. واللّيلة دي فرح إخواتها وبنات عمها.. ماتستاهلش تفرح شوية وتلبس فستان بسيط زي ده؟ وعلى فكرة برضه أبوك لو كان شايف الفستان في حاجة ما كانش وافق رزق على كلامه."

لوى "حمزة" فمه للجانب مفكرًا بكلماته للحظات، ثم نظر من جديد صوب أبيه وقال: "والله يا علي أنا ساعات كتير بقف مبلم قصاد علاقة أبويا برزق.. بس عكس الكل مش بضايق. إنما بستعجب.. تحس كأن حوت طوّع قرش. الاثنين دماغهم واحدة وأنشف من بعض.. بس دائمًا يلاقوا طريقة ويتفقوا وعمر ما واحد فيهم ساب الثاني مهما حصل! ابتسم "علي" مبهورًا بإجادة الفتى الذي لم يبلغ العشرين بعد وصف العلاقة التي تربط بين أبيه وأخيه. رفع يده وقال رابتًا

على كتفه: "هو ده رزق يا حمزة.. سر سالم الجزار اللي محدش ممكن يفهمه بالظبط حتى لو حاول طول عمره! وفجأة ساد الصمت لوهلة، لتسكت مكبرات الصوت وتحل بدلًا منها الطبول والمزامير معلنة وصول العرائس. "دول وصلوا! " هتف "حمزة" وقد أشرق وجهه بلحظة متناسيًا كافة شيء الآن. ترك ابن عمه وسبقه مهرولًا تجاه الموكب الذي برز في هذه اللحظة عند بداية السرادق على امتداد البصر.

صدرها يؤلمها، من شدة وعنف خفقان قلبها الذي ما برح يرفرف بين ضلوعها منذ بزغ أمامها كبدر التمام. اللعنة! لقد اعتادت دومًا ألا تظهر أي أهمية لمظهره ووسامته التي لا غبار ولا جدال عليها، ماذا حدث الليلة؟ إذ رأته بعد أن تجهزت وصارت عروس في بهو مركز التجميل الشهير. جاء وولج عبر الباب العملاق بحلته السوداء كليًا، وتسريحة شعره الناعمة، ولحيته التي خففها قليلًا لتبرز أدق تفاصيل جماله.. وكل هذا شأن... ونظرته لها شأن آخر.

لا تعلم ماذا صار لهما معًا، وكأن أحدهما يذوب بالآخر كلما التقت نظراتيهما، وعندما لامست أيديهم.. لحظة وصوله أمامها، حين مد لها يده التي حملت باقة الزهور البيضاء اليانعة لتتمم مظهرها كعروس، وقد كانت مذهلة بحق... مثالية كما يقال. بثوبها الرقيق غير المتكلف، والذي احتضن قدها النحيل المثير بانسيابية رائعة، وشعرها البني المائل إلى السواد قد أطلق حرًا بنعومة حول وجهها، وأخيرًا زينتها الرقيقة... تكاد ترى بالعين...

لم تساهم تلك الزينة بشيء سوى بإبراز ملامحها الشرقية الجذابة فقط. رسميًا وبإجماع النظرات والهمسات المعجبة، فإن "ليلة" قد سرقت البساط من تحت قدمي "فاطمة".. مع إن الأخيرة كانت جميلة أيضًا.. ولكن بقى جمالها طفولي بالمقارنة بجمال "ليلة" الناضج. ولكن في عالم موازٍ، بالنسبة إلى "ليلة" شخصيًا، كان "رزق" هو البطل.. البطل الأسطوري الذي قرأت عنه بالحكايات. "وصلنا يا عروسة! أفاقت "ليلة" من أفكارها على صوته الرجولي العميق.

تطلعت إليه فورًا، كان قد ترك المقود ونزل عن مقعد السيارة بجوارها، فهو قد استأجر سيارة مكشوفة تتسع لفردين فقط، مما أتاح لهما مزيدًا من الأريحية والخصوصية أيضًا. رأته يقف أمامها بعد أن فتح باب السيارة من طرفها. مد لها كفه فنظرت إلى الكف الضخم ذاك لبرهة، ثم أجبرت نفسها على عدم إعادة النظر إلى وجهه ثانية لئلا تضيع ببيداء عينيه الزرقاء مجددًا كما حدث بمركز التجميل ويفضح أمرها.

أودعت يدها بكفه، فأطبق عليه باحتواء لطيف واجتذبها برفق محاوطًا إياها بذراعيه كما لو أنه يحميها من الهواء، وما كادت "ليلة" تلقي نظرة حولها حتى.. إلا وفاجأها الحشد الذي صار قريبًا جدًا منهما الآن! هما بالمنتصف وعلى الجانبين صفان، فرقة الزفة من جهة، وأهل الحي وأفراد العائلة من الجهة الأخرى. هما بالمقدمة، و"مصطفى" و"فاطمة" ورائهما تمامًا.

وبينما تبدأ مراسم الزفاف وفقرات الفرقة ذائعة الصيت، تقدم "سالم" بابنته نحو "رزق" أولًا.. وبدون أي كلمة مد ذراعيه وعانقه بقوة أمام الجميع. ثم انتقل إلى عروسه وابنة أخيه... عانقها هي الأخرى وهو يهمس بأذنها:

"أبوكي ماشافكيش.. ولا حتى كان يعرف جنسك إيه. بس وهو بيموت على إيدي وصاني على اللي شالته أمك في بطنها أيًا كان. يارب أكون قدرت أحافظ على الأمانة.. ولازم و كفاية تعرفي إني سلمتك لأغلى حاجة في حياتي يا ليلة. مبروك يا حبيبتي! وأمسك برأسها ليبقلها بين عينيها.. ثم تركها ومضى ناحية ابنه الثاني وعروسه ليفعل المثل.

أما هي فظلت متجمدة محلها، مأخوذة بما قاله للتو، لا ينبغي أن تتأثر بحديثه البسيط إلى هذا الحد، لكنه وبطريقة ما نكأ جزء من جرحها الذي لا يزال ينزف، وتعتقد بأنه لن يكف أبدًا عن النزف، إنما يمكن أن تسكنه لبضع لحظات.. لا أكثر!!! "ليلة! للمرة الثانية أفاقت من أفكارها على صوته، لكنه كان به نبرة قلق هذه المرة عندما لاحظ شرودها العميق والذعر الذي افترش محياها الجميل فجأة. نظرت إليه بسرعة وابتسمت ببلاهة قائلة:

"عمي ده دمه خفيف أوي! "رزق بانزعاج: قالك حاجة ضايقتك ولا إيه؟ اطمئني محدش ممكن يتكلم بلساني." قطبت حاجبيها وهي تقول: "بتقول كده ليه؟ ما قالش حاجة على فكرة! "فعلًا! تمام.. طمنتيني." وعلق مرفقها على ذراعه وشق بها الممر المفروش بورقات الورود، بينما بقيت ترمقه بغرابة.. لا ينقصها ألغاز، فماذا تراه يقصد هذا أيضًا؟ "رزق!

استدار "رزق" نحو هتاف أخته الصغيرة، كانوا الآن وسط حلقة من الضيوف، على الاستعداد للصعود إلى المنصة التي صممت خصيصًا لعرضهم أمام الجميع. "لوما! إيه الحلاوة دي يا برنسيس!! " واستقبل "رزق" أخته بين أحضانه هكذا. احتضنته "سلمى" بشدة متجاهلة وجود "ليلة" كليًا وهي تقول بامتنان: "أنا بحبك أوووي يا رزق. انت أحلى أخ في الدنيا بجد.. أنا بحبك أكتر من أي حد على فكرة." ورفعت رأسها بشدة لتستطيع النظر بوجهه، فابتسم لها بحب

وقال وهو يقرص خدها بمودة: "وأنا كمان بموت فيكي يا قلبي. أنا عندي كام سلمى في حياتي.. هي واحدة بس. البرنسيس بتاعتي. مين يقدر يزعلك وأنا موجود؟ تلقائيًا ذهبت نظراتها إلى الجوار، حيث شقيقها "مصطفى" يتلقى المباركات تارة باسمًا، وتارة واجمًا وهو ينظر مباشرة إليها شزرًا.. وكأنه يتوعدها. "مصطفى بيبص عليا! " تمتمت "سلمى" مرعوبة وهي تخبئ وجهها في صدر أخيها الكبير. لتشعر بلمسة يده المهدئة وهو يهمس في أذنها بثقة:

"إن شاء الله يتفلق يا حبيبتي. ولا يهمك. وبعدين حتى وإنتي واقفة بين إيديا كده قدام الناس كلها بالمنظر ده.. محدش يقدر يرفع عينه فيكي. إوعي تخافي أو تقلقي طول ما أنا معاكي." تبسمت برقة وهي ترفع رأسها متطلعة إلى وجهه البهي الجميل، وقالت: "طيب انت وعدتني.. هاتغنيلي بالتركي صح؟ "رزق بابتسامته الأكثر جاذبية: و أغنيلك بالياباني كمان.. انتي تأمري يا قطتي!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...