كان مجرد ولدًا صغيرًا، لكنه ذو حساسية مرهفة، ومشاعرٌ دقيقة خوّلته إدراك ما يحدث من حوله، ببساطةٍ كان فطنًا وذكيًا كما عرف عنه. وذلك الفتور بين والديه... بل الأجواء المكهربة بينهما كان يستشعرها جيدًا، لكنه عاجزٌ لا يدري كيف يصلح ما فسد فجأة بحياتهم، لا يدري كيف يداوي حزن أمه، ولا يجرؤ على اتهام أبيه!!!
ذكريات جميلة عاشها في طفولته وسنواته القليلة الفائتة، لكن الأليمة والأخيرة كانت الأشد وطأة عليه، تؤرقه وتثقل فؤاده حزنًا وندمًا. حزنًا عليها... وندمًا على أنه لم يصغِ إليها عندما سألته الرحيل معها... لكنه يعلم بأنه لو كان فعلها لكانت النتائج وخيمة ولكانت عادت ثانيةً إلى جحيمٍ أكثر عذابًا، ربما هذا عزاؤه الوحيد، لا يستطيع أن يلوم نفسه كثيرًا عندما يفكر بالأمر، أجل، هو ليس مخطئًا مئة بالمئة.
شقة زوجة أبيه تلك، سلبها إياها منذ حلت زوجته الثانية بالمنزل... أو ليس هكذا بالضبط... كان النظام كالآتي أن تبيت "هانم" وأولادها الليل بالأسفل في شقة جدته السيدة "دلال".. إلى أن يبزغ الصباح، فتصعد مجددًا ليبدأ عملها، فتحضر الفطور وتغسل الثياب وتنظف المكان. تفعل كل هذا، بينما ابنة الباشا تجلس وراء باب غرفتها، لا تخرج ولا حتى تلمح طيفها.
لعل هذا يفسر حجم الحقد والكراهية التي تكنّنها السيدة "هانم" للأم والابن معًا. ولكن وإن يكن... "رزق" لا يبالي، لم يكن يهتم سوى لأمر أمه، أمه التي بالرغم من كل هذا الحسد عليها والبغضاء، أبدًا لم تكن سعيدة منذ جاءت إلى هذا البيت.
لا يستطيع أن ينسى، السيناريو نفسه الذي يتكرر يوميًا، كل ليلة قبل أن يخلد إلى النوم، يراها خلسة وهي تخرج من غرفتها باكية.. تذهب إلى دورة المياه وتغتسل، ثم تعود بعد أن أهدرت كل طاقتها على الحزن والكآبة. حينها لم يكن يفقه ما كان يحدث لها، وذات ليلةٍ قرر أن يتلصص ليطمئن على والدته، فمر من جوار غرفة النوم الكبيرة وتنصت بتوترٍ بينما قلبه الصغير يرفرف في صدره. صوت أبيه أولًا، يسمعه لأول مرة وهو يتحدث
بهذه القسوة الفجائية لأمه: -أنا سيبتك كل السنين دي على راحتك.. بس دلوقتي خلاص. بكفاية أوي! ترد "كاميليا" بصوتٍ منفعل يشوبه بكاء: -زمان كنت مترددة عشان حطيت مصلحة رزق وأولويته في حياتي يكون لوحده بس.. لكن دلوقتي أنا بقولهالك بثقة. أنا مش هاخلف منك يا سالم. وده قرار نهائي! ينتفض "رزق" فجأة لدى سماعه صوت تحطمٍ مصمّ، يعقبه صياح أبيه مباشرةً:
-هانشوف كلمة مين إللي هاتمشي يا كاميليا. وحبوب منع الحمل دي. إبقي شوفي مين هايسمحلك تاخديها... تعالي هنا!!! صراخ أمه الليلة كان أكثر حدة وذعرًا من المعتاد، وكلماتها التي تلت ذلك جعلته يشحب ويبكي بصمتٍ في مكانه. -لأ يا سالم.. مش هايحصل. مش هاتعمل فيا كده.. مش وإنت كده.. مش بالطريقة دي أرجوووووك!!!
على الكرف الآخر يصك "رزق" أذنيه بكلتا يديه، لكن الصوت لا يزال يخترق مسامعه.. ومن شدة ارتباكه يتصرف من فوره بتهورٍ، فيقفز ناحية الباب ويقرع بإلحاحٍ. -ماما.. ماما إنتي صاحية! .. لا يعرف كيف خرج صوته طبيعيًا هكذا. ولكن صوت أمه الذي أتاه باللحظة التالية لم يكن مثله تمامًا: -أيوة يا رزق.. عاوز حاجة حبيبي؟! كان صوتها يكنف نزعة نشيجٍ متقطع بيد أنها حاولت اخفائها ولم تفلح. يرد عليها الصغير بلهجته المهذبة:
-أنا مش عندي نوم.. كنت عاوزك تنامي جمبي شوية لحد ما أنام لوحدي! جاء جوابها متشنجًا وكأنه أنينٍ: -حاضر يا حبيبي. إسبقني طيب.. أنا هقوم على مهلي وهاحصلك! أومأ لها "رزق" وكأنها تراه. عاد إلى غرفته مسرعًا واستقر بمنتصف فراشه ضامًا ساقيه إلى صدره، في انتظار مجيء أمه. ظل يحصي الثواني والدقائق على خفقات قلبه المتسارعة. حتى لمح ظل يقترب وسمع خطواته بوضوح، تنفس الصعداء ورفع نظراته متشوقًا لرؤية وجه والدته العزيزة الجميلة.
لكن خاب أمله. فذاك الذي كان يقف أمامه الآن لم يكن سوى والده. -قوم يا رزق! .. هتف "سالم" باقتضابٍ وهو يقف أمام فراش ولده عاري الجذع عابس المحيا. نظر "رزق" إليه ببلاهةٍ، ليأمره ثانيةً بحزمٍ أكبر: -يلا روح نام مع أمك! لم يضيع "رزق" لحظة أخرى، ووقف من سريره في طرفة عينٍ، ثم هرع إلى أمه فورًا، دفع باب غرفتها وولج عندها بأنفاسٍ لاهثة.
كانت الإضاءة خافتة بالداخل. لكنه استطاع أن يراها وهي تستلقي فوق السرير الكبير على جانبها الأيمن حيث ظهرها فقط الذي يواجهه. ثم ما لبث أن سمع صوتها الرقيق بمسحة حزنٍ: -تعالى يا رزق.. تعالى!
كان مكان أبيه بالفراش خاليًا الآن، فأقبل بخطوات وئيدة، ثم صعد إلى جوار أمه وهو يلقي بنظراته الفضولية القلقة في وجهها، كانت تبكي وتبتسم في آنٍ، ليجدها بعد لحظة ترفع يدها تقبض على رسغه. شدته صوبها حتى استقر بين أحضانها وجهه يلامس بشرتها الناعمة وكرف قميصها الحريري. وعلى هذا النحو طيلة تلك الليلة، بقيت تحتضنه وتبكي، وبقي هو ساهرًا يستمع إلى أنينها، يتنفس عبقها، وينعم بالبقاء في حضنها الدافئ.. ملاذه الآمن على الإطلاق.
*** كان ينظر إلى شاهدة قبر جده. جده الباشا. في قرارٍ مجنون قد اتخذه كعادته منذ ساعتين، لم يشأ أن يعود إلى الحي مباشرةً ويلتقي بهؤلاء الناس، لم يكن في حالته الطبيعية وارتأى أن يختفي عن الأنظار لبرهةٍ. لذا انطلق بسيارته دون أن يخبر أحد وأغلق هاتفه، وها هو الآن... بمقابر عائلة "الباري"... أمام شاهدة القبر الضخمة التي يرقد تحتها جده لوالدته.
كان يضم يديه أمامه، كما علّمه الأخير في صغره أن يقف أمامه مبديًا احترامًا وتبجيل. كان يرفع ذقنه وهو يتحدث إليه بينما عيناه تلمعان بطبقة دموعٍ خفيفة: -أنا عارف إنك غضبان مني.. ممكن كمان تكون ندمان على الوقت إللي ضيعته في تربيتي وتعليمي. عارف إنك شايفني.. زعلان مني.. مخاصمني. عارف إن سببك الأول هي... مقدرتش أحميها! وفرت دمعة ساخنة من عينه على طول خده. أزالها بظاهر يده بسرعة وهو يكمل بصوتٍ أجش:
-بس أنا حاولت.. والله حاولت. كنت لسا مش فاهم أي حاجة.. إنت وحشتني أوي يا جدووفيق يا باري.. كنت أتمنى أكمل العمر إللي فات ده جمبك. كنت أتمنى تكمل تربيتك ليا. أنا عارف إنك بردو كنت شايف فيا الإبن إللي ماخلفتوش. مش بس الحفيد.. أنا خيّبت أملك. آه بعترف.. ماليش عين أصلًا أجي لحد عندك دلوقتي وأقف كده وأكلمك عادي.. لو ماكنتش فعلًا محتاجلك. لو ماكنتش حاسس إن فاضل شعرة وأضيع خالص. صدقني ماكنتش جيت.. لكن أوعدك خلاص. مش هاجي هنا تاني بعد اللحظة دي.. مش هاحسسك بوجودي تاني وأنا في الحال ده. أنا بقيت قذر. وعارفك.. مابتحبش الناس القذرة. مش عارف هقدر أنضف تاني ولا لأ.. لو عرفت. ممكن أرجعلك. سلام يا جدو!
ولوّح له بكفه مودعًا. لم يجرؤ على لمس قبره، لكنه ألقى بباقة الزهور فوق السور الرخامي، ثم ولّى مدبرًا إلى الخارج. وانطلق مرة أخرى بسيارته مغادرًا مدينة الاسكندرية.. عائدًا من جديد إلى مملكة أبيه الموحشة. *** -ده آخر فنجان قهوة لحد شهر قدام. سامعة ياما؟! قال "سالم" هذه العبارة وهو يصب سائل القهوة السادة بفنجان والدته المفضل. كان يجلس في كرسي مقابل لها، وقد أطفأ شعلة الجاز الصغيرة أنتيكة الطراز. قدم الفنجان لأمه.
بينما تقول الأخيرة بابتسامة خبيثة: -علطول تقولي آخر فنجان بعدين أصعب عليك بالشويتين بتوعي فتعملهولي بايديك.. وضحكت. ليقول "سالم" بجدية: -المرة دي مش هاتصعبي عليا ياما.. إنتي أساسًا صحتك مش عجباني. ومابقتيش تاكلي كتير ليه؟ إللي في البيت بيشكوا منك. قليل لما بترضي تاخدي الأكل إللي بينزلك. -ماتخافش على أمك يا سالم.. مش هاموت دلوقتي. لما أشوف عيال رزق وليلة بإذن الله. -بعد الشر عليكي ياما! .. وانحنى ليقبل يدها.
ثم عاود النظر إليها قائلًا بصرامة: -أنا أهم حاجة عندي ماتقصريش في حق نفسك. إنتي كده بتضايقيها عليا.. إن كان ليا عندك خاطر تهتمي بصحتك أكتر من كده وتتغذي كويس. بلاش عشان خاطري. عشان رزق.. إنتي عارفة هو بيعتبرك إيه. ابتسمت "دلال" بوداعةٍ وقالت: -حاضر يا سالم.. إللي إنت عاوزه يمشي. بس خلينا فيك إنت دلوقتي. مش جعان؟
عبير مرات أخوك طابخة إنهاردة فتة كوارع وعكاوي. الحاجات دي تقيلة عليا. بس إنت بتحبها.. إستنى أما أتصل بيها تنزل منابك! -لأ ياما لأ! .. استوقفها قبل أن تنبش بجوارها وتمسك بهاتفها المحمول. -أنا لسا متغدي برا.. مش قادر. عديت عليكي بس أخد رأيك في موضوع كده! دلال باهتمامٍ: -خير يابني!! قص عليها "سالم" ما جرى ظهر اليوم _باستثناء ما حدث بينه وبين زوجته "هانم" _وظل بانتظار ردها. -إنت طلبت رأيي! .. قالتها "دلال" بجدية تامة.
-بس هاتعمل بيه يا سالم؟ سالم بثقة: -إللي هاتقولي عليه ياما.. أنا ماعنديش شك في نصايحك. -طيب يا سالم.. أنا رأيي إنك تنفذ الكلام ده المرة دي! -قصدك يعني أوافق على جواز مصطفى وبعد جمعة من إنهاردة؟ إزاي ياما أجوز الصغير قبل الكبير.. إنتي عارفة لو مصطفى اتجوز الأول. رزق عمره هايتجوز ولا هايسمع كلمتي في الموضوع ده. إنتي عارفاه وعارفة دماغه الناشفة. -يابني إسمعني بس.. أنا ماقصدش كده بالظبط. إنت هاتجوز الاتنين سوا!
رمقها ببلاهةٍ بادئ الأمر، حتى فهم ما رمت إليه. -قصدك رزق ومصطفى.. في ليلة واحدة؟! ابتسمت "دلال" مكتفية بهذا ردًا، ليقول "سالم" بتفكيرٍ: -هو حل كويس جدًا.. بس كده الواد مصطفى ممكن يفكر إنه مشى كلامه عليا!! -ماتحسبهاش كده يا سالم. مش أحسن ما ولادك يكلوا في بعض؟
بعد إللي حصل ليلة امبارح. وقدام الخلق كلها.. فاكرين إن الاخوات خلاص بقوا أعداء. لازم تثبت للكل غير كده. لما يشوفوهم الاتنين بيتجوزوا في ليلة واحدة وواقفين في ضهر بعض. محدش هايقدر يظن فيهم الظن ده تاني. ومن جهة تانية مصطفى ناره تبرد.. ومايفكؤش يعادي أخوه علني. قدامنا وقدام الناس. صدقني يا سالم.. عشان تقضي على الفتنة دي.. لازم تنفذ إللي قولتهولك بالحرف الواحد!
غضن "سالم" جبينه وهو يمعن التفكير بكلام أمه. كان رأيها صائبًا ولا شك. حتى جميع دفاعاته سقطت أمام منطقها السليم! فليكن إذن، هذا القرار الذي فكر به مليًا، صار يعتمده بدءً من الآن. *** لم تمر دقيقة منذ أن فتح هاتفه. لتنهال عليه الرسائل والمكالمات من ابن عمه وصديقه الصدوق... "علي"! في البداية تجاهل اتصالاته، ولكن مع الإلحاح الزائد، اضطر أن يرد عليه. -إيه يا علي زن زن زن في إيه؟!
تلقى "علي" هذا الانفجار الكبير وهو يرد عليه مذهولًا: -إيه إنت يا حبيبي. مالك كده مش معلي الفتلة.. ده جزائي إني قلقان عليك من امبارح. -و تقلق ليه يابا كنت خطيبتي مثلًا!! -إيه يالا مالك في إيه. حد داسلك على طرف.. ما تهدا شوية. -عاوز إيه يا علي؟ -إنت فين طيب؟ -مالكش دعوة. هاتقول عاوز إيه ولا أقفل! -طيب خلاص براحتك.. أبوك قالب الدنيا عليك من امبارح. طالبك حالًا. -في حاجة حصلت؟ -لأ.. بس عايزك ماعرفش ليه.
-تمام. أنا ربع ساعة وجاي.. سلام! -سلام يا عم فاندام! وأغلق معه. كان ميزان النهار قد مال نحو المغيب، عندما وصل "رزق" أخيرًا إلى "حي الجزارين". كانت الأعين مصوبة نحوه. لكنه تابع طريقه غير ملتفتًا. أوقف سيارته الفارهة أمام المنزل، ترجل منها مغلقًا إياها بكبسة زر، ثم انطلق كالسهم تجاه البيت. صعد الدرج أربع فأربع وصولًا إلى طابق أبيه، أخرج سلسلة مفاتيحه واستخدم نسخته الاحتياطية لباب الشقة.
عندما دخل عثر عليه بسهولة، حيث على بعد سبعة عشرة مترًا، كان "سالم" يجلس بالتراث يدخن النرجيلة كعادته. ما إن شعر بحضور ابنه حتى تركها وقام عائدًا إلى الداخل. -أهلًا بالسبع! قالها "سالم" وقد عناها حقًا. كان يفيض فخرًا به. تقدم ناحيته وقال وهو يدعوه للجلوس: -أقعد يا رزق.. أقعد عايز أقولك كلمتين. أذعن "رزق" لأمر والده وجلس في أريكة صغيرة بالصالون المفتوح. جلس "سالم" مقابله ملقيًا بالشال الصوف عن كتفيه، ثم
قال وهو يشمله بنظرة فاحصة: -وشك لونه مخطوف.. تحت عينيك غامق. شكلك مانمتش كويس.. صحيح إنت كنت فين امبارح؟ أطلق "رزق" نهدة مثقلة وأجابه بفتورٍ: -كنت بايت عند جماعة صحابي. كان يعرف بأنه يكذب، لكنه مررها بمزاجه، وقال بهدوءٍ: -طيب.. من ليلة امبارح وإنت برا يعني فوقت وغيرت جو.. كويس عشان الكلام إللي هاتسمعه مني محتاج تكون هادي وحلو كده عشان تستوعبه. لأنك هاتنفذه يعني هاتنفذه.
عبس "رزق" وقد أخذ حذره وتحفز جيدًا ضد والده وهو يقول بصلابةٍ: -ممكن أعرف إيه الحكاية بالظبط؟! -مصطفى أخوك. -إشمعنى! -دخلته الجمعة الجاية. -ألف مبروك! -ومبروك ليك إنت كمان.. -أفندم؟! .. ردد "رزق" باستنكارٍ. ليوضح له أبيه على الفور: -قصدي أقولك إن دخلتك إنت كمان معاه في نفس الليلة.. إنتوا الاتنين سوا. رزق بأسلوبٍ فج: -الكلام ده يمشي على مرة مش راجل. إنت مفكر إنك تقدر تغصبني على جوازة مش عاوزها؟!
بقى "سالم" هادئًا كما هو. -يعني إنت بجد مش عايز ليلة؟ غريبة.. مع إن نظرتك ليها خصوصًا امبارح ماتقولش كده. إطلع من دول يا رزق ده أنا أبوك وعارفك كويس.. البت عجباك. قول الصراحة ماتبقاش جبان!!! احتلت لهجته بأواخر كلماته. فنطق "رزق" بشجاعةٍ: -افرض إنها عجباك.. ده مش مبرر يخليني آخدها غصب عنها. هي مش عاوزاني. سالم بسخرية: -مين دي يا عبيط إللي مش عايزاك؟
هو في واحدة عاقلة تشوفك بس وماتتمناش تبصلها.. إنت مش حاسس بنفسك يالا. ده بنات الحتة كلهم يتمنوا إشارة منك. -هي بقى غير الكل. كل إنسان ودماغه يا معلم سالم.. هي مش حاساني. هي حرة! -لأ يا حبيبي مش حرة. إحنا ماعندناش الكلام ده.. هاتتجوزك ورجلها فوق رقبتها. رزق منفعلًا: -أنا ماجبرش واحدة عليا.. أنا مش زيك!!! تجاوز "سالم" إهانة ابنه وكأنه لم ينطقها وقال بصرامةٍ:
-وأنا خلاص قلت كلمتي.. الجمعة الجاية فرحك إنت وأخوك مصطفى على بنات عمامكوا. ليلة وفاطمة! كان "سالم" يعلم جيدًا إلام يرمي ابنه، شاهد أحقاد واتهامات الماضي كلها تتقافز من عينيه، رغم ذلك لم يجاريه لفتح تلك الجبهة. بينما يثب "رزق" قائمًا وهو يعلن بحزمٍ: -بص يا معلم سالم.. إنت تقدر تمشي الجوازة دي. بس أنا بكيفي أقدر أخليها ماتتمش. وإنت فاهمني.. أنا محدش يسوقني أبدًا... عن إذنك!
ومر من جانبه كإعصارٍ. ثوانٍ وسمع "سالم" باب الشقة يصفق بعنفٍ، فلم يسعه الآن إلا إلقاء رأسه للخلف واغمض عينيه بقوةٍ مستسلمًا للنوع الوحيد من العجز بحياته، والذي لم ينجح بخلقه سوى ابنه وقطعة من قلبه... "رزق".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!