ثعبانية! مرهقًا، مكتئبًا، مهزومًا... كعهده دائمًا، معاناته ليس لها رأسًا ولا عقب. لكل شيء بداية.. أجل، ولكن حتى بدايته هو كانت تتجاوزه لعامين في حبًا سرمديًا صبّه أبيه صبًّا على أخيه غير الشقيق و ضرة أمه. من هو؟ إنه "مصطفى الجزار"...
في زمنٍ خلا، كان الابن البكر لوالده، على الأقل أمام الناس. كانوا بانتظاره هو، العائلة والقوم الموالين لسلطة آل "الجزار". يوم مولده كان يوم عيدٍ. كثرت الذبائح وأقيمت المآدب سبع ليالٍ كروايات الأساطير. وبما أنه أتى بعد طول انتظار، رغم أن والده لم يكن حاضرًا ساعة الولادة، لكنه فيما بعد جاء وأعطاه اسم جده.
نشأ "مصطفى" نشأة كريمة، كان مدللًا ومحاطٌ بالحب والاهتمام. كل شيء كان بمتناوله، حتى عندما أنجبت أمه طفلها الثاني ذكرًا مثله، إلا إن ذلك لم يزعزع مكانته بين الأهل أو القوم الذبن تطلع لرئاستهم حين يكبر ويتسلّم الراية من والده. كان طفلًا، لكن هذا لم يمنعه من التأمل وتحديد الطموحات. إنما فجأة، وإذ ظن "مصطفى" بأن لا أحد يمكنه أن يأتي ويسلبه أحلامه.. ظهر فجأة "رزق"! كابوسه الأبدي.
إنه لم يسرق أحلامه فحسب، بل جاء وسحب البساط من أسفل قدميه، ليجلس هو متربعًا فوق الجميع. وكانت صدمة "مصطفى" عندما علم بأنه يكون الابن البكر لأبيه وليس هو كما اعتقد. كان الوضع محتدمًا وقتها، يذكر جيدًا كيف توترت أمه. وقد اكتشف لاحقًا بأن الجميع بمن فيهم هي كانوا على علم بوجود "رزق" وأمه على طرفٍ آخر من البلاد.
سرعان ما تبدلت الأدوار بحلولهما عليهم بمنزل العائلة، فاصبحت ضرة أمه مفضلة أبيه على مرآى ومسمع، أهدرت كرامة والدته، وهو... لم يعد له أيّ أهمية منذ تلك اللحظة وإلى الآن. فقد سطى "رزق" على كل شيء هنا، خاصةً بعد فرار أمه. صار هو المدلل، الأكبر، الأذكى، المهذب، والأجمل!
حتى حظه من التعليم، أبسط حقوق المرء، حاز عليه "رزق" وحده بموجب كلمة أبيه. إذ سمح له باستكمال دراسته دون غيره، وبجانب عملهم المشبوه والمتخفَّي، لولا أن ألح "رزق" على أبيه بشأن أخيه الأصغر "حمزة" لما كان سمح له هو الآخر بارتياد المدرسة. بالطبع فعلها كرمى له، إبنه الكبير، قؤة عينه الحق... برز العداء بين الأخوين منذ أول لقاء _وإن كان ذلك ما أبداه "مصطفى وحده
_ودون أن يتكلَّف "سالم" عناء الاصلاح بينهما، تركهما يمضيان على هذا النحو ظنَّا منه بأنهما لا بد وأن يتجاوزا هذه الغيّرة في يومٍ قريب كما يصير مع الإخوة في كل مكانٍ. لكنه لم يكن يدري أن كراهية "مصطفى" لأخيه الأكبر معضلة معقدة متعددة الأوجه، بحيث يتعذر تبيّن سببها الأصلي.. ولاسيما مؤخرًا. باكتشافه علاقة الحب التي تجمع بين حبيبته وعدوه الأوحد... "رزق".. أخيه!!!! *** يوم الأحد، الموافق 20 من أكتوبر.
تدق الساعة الجدارية تمام الواحدة ظهرًا. لم يعد يفصل عن موعد زفافه سوى أربعة أيامٍ... ولكن مع هذا يمضي الوقت بسرعة السلحفاء! آثار مباراة الملاكمة في تلاشي سريعٍ كما يبدو. جروح وجهه في طور الالتئام، لم يكن هناك إصابات غائرة، فقد رضوض بسيطة، سيشفى منها سريعًا. أي أنه سيكون على خير ما يرام بحلول ليلة عرسه... لذلك لم يكن قلقًا. لا يزال معه الوقت.
كان يقف أمام مرآة الخزانة الطويلة، يعدل هندامه استعدادًا للخروج في مهمة عمل أسندها له والده داخل الحي. كان مزاجه رائقًا، فإذا بأمه تلج إليه فجأة من دون استئذان. "مصطفى! " هتفت "هانم" وهي تمد رأسها عبر فتحة الباب الموارب. "صحيت يا قلب أمك؟ يبتسم "مصطفى" بتهكمٍ قائلًا: "لا لسا نايم ياما.. صحيني كمان ربع ساعة." ضحكت منه بخفةٍ، ودفعت بالباب لتوغل بالغرفة أكثر، إلى أن صارت خلفه تمامًا، طفقت تعدل له قميصه من الهلف
وهي تقول بلهجة تأديبية: "مش عيب تتريق على أمك ياولا.. وحياة ربنا ما تستاهل الفطار إللي قمت أحضرهلك بإيدي. لولاش قلبي الحنين ده مهما تتلامض عليا! استدار لها "مصطفى" وأمسك بيدها، بسط كفها فوق قلبه وقال بامتنانٍ وتقدير بالغين: "إنتي لولاكي أصلًا ماكنش بقى ليا أي لازمة في الحياة. إنتي أحسن أم. وأجمل ست في الدنيا دي كلها.. إنتي هانم بجد زي إسمك ياما." ابتسمت له وقد أثرت فيها كلماته وأطفرت الدموع من عينيها وهي تقول بصوتٍ
مختلج: "إيه البكش ده كله يا بيه. كل ده يعني عشان أقنعت أبوك يقدم معاد فرحك. عمومًا بدل الدخلة هتبقى إتنين. وأنا مش فرحانة أوي زيك. كان نفسي في ليلة ليك لوحدك يا مصطفى.. ليلة يتحاكى بيها الكل." غمز "مصطفى" لها قائلًا بعدم اكتراث: "لأ أنا مايشغلنيش الكلام ده.. دخلة واحدة ولا إتنين مش فارقة معايا. المهم إللي في دماغي يمشي بالظبط." "هانم" باهتمامٍ: "وهو إيه إللي في دماغك يا مصطفى؟!! نظر لها بصمتٍ لبرهة، ثم قال مشوّشًا
على سؤالها: "قوليلي ياما أبويا ذاع الخبر ولا لسا؟ بطة عرفت يعني؟ "لأ لسا يا حبيبي. أنا لسا طالعة من عند ستك دلال. أبوك سابلك عندها 100 ألف. قال إنهاردة بالليل الكل هايدرى بالخبر وهاننزل كلنا نجيب الشبكة ليك وللمحروس التاني." "و الـ100 ألف دول بتوع إيه يعني مش فاهم!!
"أبوك قال نصهم تجيب بيه شبكة عروستك والنص التاني ليك. مصاريفك يعني عشان الفرح إذا كنت تشتريلك بدلة. كده يعني.. وهو هايبعت للنقاشبن والعمال يجوا يشطبوا الشقة الفاضية إللي قدامنا ليك. والعفش والفرش كله هايجي قبل الفرح بيوم. أبوك متحمّل كافة شيء ماتقلقش خالص." أومأ "مصطفى" مثبتًا نظراته الحادة بعينيها، ثم قال باقتضابٍ: "وأبو زيد الهلالي بتاعه نظامه إيه.. رزق يعني القسمة بتاعته زيي ولا كالعادة حاطط على الكل؟!
فهمت "هانم" ما يرمي إليه تحديدًا، فقالت دون أن تخفي حقدها المماثل: "ماعرفش تفاصيل كتير عنه.. بس ستك قالتلي أبوك هايكمل السطح عشانه. يعني بدل ما كان قاعد في أوضة الدور كله هايتقفل ويبقى شقة يرمح فيها الخيل والخيّال. مش زي بقية البيت. الدور على شقتين! مصطفى بغضبٍ
دفين: "كده فاتورة العفش والفرش لشقته هاتضرب بالجامد. وطبعًا.. على قلب سالم الجزار زي العسل. ده غير المبلغ إللي هايكبش ويديه للباشا عشان شبكته ومصاريفه. أكيد معدي مش 100 ألف بس زي إللي رماهملي!!! لاحظت "هانم" احتقان وجه إبنها الخطير، والنيران التي شبّت بحدقتيه البنيتين، لتحيط وجهه بكفيها مسرعة
وهي تقول بابتسامة متوترة: "يا حبيبي ولا يهمك.. إللي إنت عاوزه أنا أديهولك. إنت مفكر أمك فقيرة ولا إيه.. ده جدك سعد سايبلي شيء وشويات. كل ده ليك ولاخواتك يا حبيبي." أزال يديها عنه بحركةٍ قاسية أجفلتها ولم تتوقعها، رمقته بنظرةٍ قلقة، بينما يبتعد عنها خطوة وهو يغمغم بغلظةٍ: "وأنا أبويا سالم الجزار.. فلوسك إللي سابهالك أبوكي دي ليكي ياما. أنا عندي فلوس أبويا. وليا فيها زي غيري."
ثم أولاها ظهره متمتمًا لنفسه بصوتٍ لا يكاد يُسمع: "الأيام بينا يا رزق.. الأيام بينا يابن أبويا!!! *** شيئًا ما يدغدغ بشرته العارية أثناء نومه، في المنطقة بين كتفه وعنقه، حيث كان يرقد على وجهه، بدأ يشعر بحرارة أشعة الشمس فوق ظهره، وبأنفاسٍ دافئة تلفح رقبته من الخلف. كان النعاس لا يزال يضغط على حواسه، لم يكن باستطاعته التركيز على أيّ شيء في الحال.. حتى سمع صوتها يهمس
في أذنه برقتها المعهودة: "حبيبي.. رزق.. يلا يا روحي قوم. بقينا الضهر وأنا حضرتلك الفطار! وحده الصوت الذي سمعه من دفعه لإجبار نفسه على الصحيان، رغم أن جسمه كان ثقيلًا مع ألم واخزٍ على طول عموده الفقري. وبجهدٍ يُحسب له باعد بين أجفانه قليلًا، فتبين شعاعًا بسيطًا يلفه، وما لبث أن إنقلب على ظهره متجاهلًا نداء الكسل والإجهاد.. ليصطدم برؤية وجهها مباشرةً. إذ كانت تميل صوبه وقد أحاط شعرها الطويل بوجهه. "صباح الخير!
" تمتم "رزق" بصوتٍ أجش متأثرًا بالنوم. تبتسم له "نسمة" بتوّردٍ وتقول بحب: "صباح الفل والورد على أحلى عيون.. رزق. حد قالك قبل كده إنك تتاكل أكل.. إنت فاتح دكان فاكهة في وشك يا حبيبي! ودنت منه لتقبله، لكنه جمدها بقبضته ونهض بجزعه ساحبًا هاتفه من جواره، ألقى بنظرة على الساعة الرقمية وهو يقول بثباتٍ
لا يخفي توجسه: "وإنتي عارفة إن نهارنا مش فايت إن شاء الله.. إنتي إزاي تسبيني نايم كل ده يا نسمة. 1 الضهر. أنزل من عندك إزاي دلوقتي. لو حد شافني هاتقلب مولد!!! عمدت إلى تهدئته في الحال وهي تتقرب منه مدلكة كتفيه بأصابعها الطرية: "إهدا بس ماحصلش حاجة.. أنا لاقيتك رايح في النوم خالص وشكلك كان تعبان. ماجليش قلب أصحيك. سيبتك ترتاح.. مافيش حاجة لده كله يا رزق. خليك قاعد معايا لحد بالليل وإبقى أنزل."
أثناء حديثها عن مظهره المتعب خلال نومه، تذكر رحلة سفره إلى الاسكندرية البارحة لزيارة قبر جده، فضلًا عن الحوار المحتدم الذي دار بينه وبين أبيه وحطم معنوياته نوعًا ما، ثم مروره على منزل عشيقته امتثالًا للوعد الذي قطعه لها. قضى معها الليل كله منغمسًا بظلمات شخصيته الأكثر سوداوية وفجورًا، لبَّى لها كل متطلباتها التي عبّرت عنها هذه المرة بالحاحٍ أثار دهشته. لكنه لم يبالي كثيرًا.
كان سيرحل قبل مطلع الفجر مثل كل مرة، لكنها لم تتركه، ويبدو أنه سقط اعياءً وتعبًا في الأخير. وها هو لم يشعر بنفسه إلا الآن. "أنا لازم أمشي! " قالها "رزق" وهو يقوم على عجالة باحثًا عن ملابسه دون أن يجدها. "فين هدومي؟؟؟
وقفت "نسمة" قبالته تمامًا، عقدت ذراعيها أمام صدرها معلنة بلطفٍ: "مش هاتمشي يا رزق.. زي ما قلت ممكن حد يشوفك. يبقى ليه تغامر. وبعدين أنا أستاهل تقضي معايا يوم بحاله بعد كل الأيام إللي أهملتني فيهم دول.. ولا مستكتر عليا يوم؟! يحك "رزق" مؤخرة رأسها وهو
يرد عليها بشيء من التردد: "يا نوسا أبويا هايعث ورايا.. كده قدامه بقالي يومين مابنامش في البيت. أبويا لما يعوز يعرف حاجة بيعرفها. وأنا مش هاعرضك لأي مشكلة يكون فيها. هاقف قصاده عشانك والموضوع هايبقى صعب أوي." نسمة بذهولٍ: "كل ده عشان هاتقضي معايا يوم واحد؟! للدرجة دي وجودك معايا يسبب كوارث!! ثم تظاهرت بالحزن الشديد وهي تشيح بوجهها عنه مجبرة غدتها الدمعية على إفراز الدموع، لتقول بعدها بصوتٍ
أذى لهجة بائسة مصتنعة: "خلاص.. أنا أصلًا متنظرة منك إيه. عارفة ديتي كويس أوي عندك.. مجرد محطة. استراحة تنزل فيها شوية وبعدين تكمل وتدوس عليا. ولا كأني أسوى أقل حاجة." وغطت وجهها بكفيها مجهشة ببكاءٍ مريرٍ متقن.
ضم "رزق" حاجبيه بجزعٍ، لام نفسه فورًا وندم على اللا شيء الذي عناه في كلامه وأحزنها هكذا. اقترب منها بسرعة وحاطها بذراعيه مغمغمًا: "نوسا.. نوسا ماتعيطيش عشان خاطري. أنا مقصدش أزعلك. طيب حقك عليا.. إنتي غالية عندي أوي والله. إستحالة أفكر أقل منك أو أعاملك بشكل مايلقش بيكي. عيب تظني فيا كده بعد العشرة إللي بينا دي كلها.. أنا إللي أزعل منك والله."
كانت تدفن وجهها في صدره متعمدة إسالة دموعها الساخنة فوق بشرته ليشعر بمدى آلامها، لكنها لم تبالغ كثيرًا في لعبتها وهدأت تدريجيًا... لترفع وجهها الغارق بالدموع بعد هنيهة. تنظر له بتضرعٍ قائلة من بين شهقاتها: "إنت عارف إني بحبك.. أكتر من نفسي. أكتر من الدنيا دي كلها! رمقها بنظرةٍ عطوفة وقال بصدقٍ: "وإنتي غالية أوي عندي يا نسمة.. عمري ما أفرط فيكي أبدًا! ابتسمت من بين
دموعها وقالت بلهجة قريرة: "ده كل إللي كنت محتاجة أسمعه منك.. الله يخليك ليا يارب." وشبّت على أطراف أصابعها لتطبع قبلة على لحيته النامية، ثم همست بجوار أذنه: "إنهاردة هاطبخلك كل الأكل إللي بتحبه. إنهاردة ليك دلع في دلع.. إنسى كل حاجة وخليك معايا شوية يا رزق! وقبلته مرةّ أخرى، ثم إنسلّت من بين ذراعيه مهرولة بقميصها القصير تجاه المطبخ لتبدأ تجهيز وإعداد أشهى أصناف المأكولات لحبيبها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!