"علي" سار على الوصفة السهلة التي أملاها عليه ابن عمه ليصل في غضون دقائق معدودات عند شقة عمه. كان الباب مفتوحًا بطبيعة الحال، فولج "علي" مناديًا وهو يوزع بصره المتوجس عبر المساحة المظلمة: -يا رزق... انت فين يا رزق.. ررررررزق! لمح من مكانه بصيصًا من النور ينبعث عبر فتحة باب غرفة النوم بصدر الشقة.
أسرع "علي" إلى هناك من فوره، وفي طريقه لفحت وجهه ذرات من الغبار طبعت، أكسبته تعبيرًا عابسًا سرعان ما تبدد بلحظة، عندما صار داخل الغرفة. بالبداية جعلته الصدمة يبدو كصنم أصم، حين شاهد على ضوء الغرفة الخافت ابن عمه وقد جلس القرفصاء مغطيًا نصف وجهه بذراعه، بحيث بقيت عيناه الملآى بالدموع تحدقان بالكفن المهترئ أمامه والذي برزت منه بقايا رفات آدمية وعظام وخصل شعر شقراء. -إيه ده يا رزق!
تمتم "علي" وقد انفكت عقدة لسانه بصعوبة. دقق نظراته المصدومة بالكفن أكثر وهو يردد من جديد: -يا نهار أسود.. جتة مين دي.. رد عليا... إوعى تقول إنها! و صمت رافعًا نظراته إليه، لتتشابك أعينهما الآن، بدون حاجة لجواب "رزق". صمته أكد شكوك "علي" الذي نزلت على مقصلة الصدمة هذه المرة لتقضي على قسم كبير من براءته الطفولية التي احتفظ بكل ما أوتي من إرادة. لم يستطع نطقًا ولم يقو على الإتيان بأي حركة بعد ذلك.
فقام "رزق" بحركة مفاجئة واقفًا على قدميه، وبمنتهى الهدوء والسكينة تحدث وكأنه رجل آلي: -جبت العربية؟ *** بمعاونة مجموعة من رجال الحي الأشدّاء، تم نقل السيدة الأم، "دلال"، من بيتها إلى المشفى التخصصي التي أودعت بها زوجة ابنها والمفضلة الغالية على قلبها، "هانم". لم تمكث هادئة أبدًا حتى أقلوها بسيارة مخصوصة وصعدت بالكرسي المتحرك خاصتها إلى غرفة "هانم".
كان "سالم" أول من رآها حين برزت عند مقدمة الرواق الطويل، وقد كان يقف قبالة أولاده وشقيقه "عبد الله". مضى صوبها فورًا وهو يهتف بعتاب: -كده بردو ياما! نفذتي إللي في راسك وجيتي. قولتلك كلها سواد الليل وراجعين.. وبعدين خلاص الفجر وجب. واصل الشاب القوي دفعها بالكرسي تجاه سيده، بينما ترد "دلال" بقلق متزايد: -مقدرش أقعد على بعضي كده قولتلك يا سالم. دي هانم.. مش أي حد. هي فين الغالية؟
ابتسم "سالم" رابتًا على كتفها بلطف، وقال مشيرًا بيده: -جوا مع الحريم بيغيروا لها هدومها. ثم التفت آمرًا ابنه الأكبر: -تعالى يا مصطفى دخل ستك عند أمك. أصغى إليه "مصطفى" بانصياع تام وأقبل نحو جدته، تولى زمام الأمر وباشر دفعها على الفور تجاه غرفة أمه، ليصرف "سالم" الرجال بعد أن شكرهم بأنفته المعهودة.
من جهة أخرى يطلب "عبد الله" الرخصة لكي يذهب إلى دورة المياه، وهكذا بقى "حمزة" فقط برفقة أبيه، وهذا أيضًا بعثه "سالم" بعد أن أعطاه حفنة من المال إلى كافيتيريا المشفى ليأتيه بفنجان من القهوة. وإذ بقى وحيدًا، ألقى نظرة إلى ساعة يده الضخمة وتمتم بتعجب: -الله.. إمام اتأخر كده ليه... بيعمل إيه كل ده! وزفر نفسًا حارًا من صدره، قبل أن ينهيه تمامًا. برز "إمام" فجأة عند مقدمة الرواق صائحًا بلهث حاد وهو يتكئ
على الفاصل المعدني للجدار: -سالم.. سالم إلحق ابنك! حتى لم يمهل نفسه فرصة ليسمع الجملة جيدًا، انتفض "سالم" منطلقًا صوب أخيه. -رزق ماله؟ كان على وشك أن يفقد صوابه ما لم يجبه "إمام" في التو، وهو ما فعله رغم الإعياء الشديد الذي ألم به. فنطق لسانه مترددًا ومجبرًا في آن، بينما نظراته القلقة تلتقي بنظرات أخيه الصاعقة: -رزق عرف كل حاجة يا سالم! عبارة وجيزة قد تكون مبهمة.
إلا أن "سالم" أدرك مفادها فورًا، رغم ذلك آمل أن يكون مخطئًا فسأل أخيه زاجرًا بشدة: -رزق عرف إيه إمام؟ مذعورًا لردة فعل شقيقه المبدئية دون أن يدري بالأمر كله، أضطر "إمام" لمصارحته والدموع تكاد تفيض من عينيه: -عرف.. عرف سرنا. عرف عن أمه كل حاجة. كان هذا فوق طاقة احتماله، في أقل من ثانية انقض "سالم" على "إمام" ممسكًا بتلابيبه، حشره بين جسده والجدار البارد من خلفه وصرخ فيه بضراوة: -إنـت بتقــول إيــــــه؟
إزااااااي.. إزاااي عرف. ميــــــن قالَّــــه. مين عـرَّفــــــه؟ توتر "إمام" وهو يرد عليه مرتجفًا عن آخره: -سمعنا يا سالم. سمعنا لما كنا بنتكلم هنا.. وقفني لما رجعت البيت أجيب الفلوس إللي وصيت عليها. ثبتني في الخرابة وحط المطوة على رقبتي. سيّح دمي يا سالم وغصبني أحكي كل حاجة. صرخ "سالم" بجنون هز المشفى هزًا لدرجة تجمع بعض العاملين حولهم وخروج بعض أفراد العائلة من غرفة "هانم":
-حكيتله يا إمام.. حكيتله. إزااااااااااي عملت كــــــداااااااا إزااااااااي؟ وشدد ضغط معصمه على رقبة أخيه. ليرفع "إمام" يده المخضلة بدمائه والتي كان يكبس بها الجرح على عنقه، وضعها في وجه أخيه مبررًا بوهن شديد: -كان هايموتني. إنت ماشوفتش شكله كان إزاي.. ماكنش هايهدا ولا يسبني قبل ما يعرف كل حاجة.. والله ما كنت أقوله بخطري... بس غصب عني. ماعرفتش أفلفص منه!
كان عقل "سالم" يعمل بلا هوادة أثناء حديث الأخير، لم يلقي بالًا حتى بمعرفة جوابه، أفلته بلحظة واستدار مطلقًا لساقيه الريح. أخذ الأروقة والدرج ركضًا واسعًا وهو لا يرى أمامه سوى وجهان.. "رزق" و"كاميليا". *** السماء صارت فجرًا والنهار يتصاعد بسرعة تدريجية. خلال ثلاثة ساعات وقليل من القيادة بسيارة خاصة جلبها "علي الجزار"، وبالتنسيق مع الأقرباء والمعارف بكافة أسقاع المناطق بالبلد كلها.
تم وصولهما على خير وسلامة إلى مدينة الإسكندرية، مسقط رأسه ونشأته الأولى، تحديدًا ذهبا رأسًا إلى المقابر المطلة على البحر مباشرة. كان "رزق" طوال الطريق يجلس بالمقعد الخلفي، في حجره وضع بقايا أمه الملفوفة بالكفن، كان يبدو منتشيًا، نصف غائبًا عن الوعي. حتى جرعة مخدر متينة قد لا يكون لها نفس التأثير، و"علي" لا يفقه ما أصابه، أهي صدمة.. أم ماذا! لكن على كلٍ لا يلومه، ولا ينوي ذلك مهما حدث.. مهما حدث.
توقفت السيارة عند مدخل المقابر، بينما كان "علي" يأتي بأدوات الحفر البدائية من الصندوق الخلفي، كان "رزق" سبقه حاملًا كومة العظام على ذراعيه. كان يشبه السكارى إلى حد كبير، ما إن وصل أمام شاهدة قبر جده، أراح عظام أمه فوق التربة الطينية، مد يده ليستلّ مديته الحادة من خلف طوق خصره. وبأيدي مرتعشة انحنى صوب الكفن وجاء بخصلة شعر طويلة، قصّها بينما تنهمر دموعه لتسقي الزهور الجافة أسفل قدميه، ثم أخرج محفظته ودس الخصلة بداخلها.
لحظات وكان "علي" يقف إلى جواره.. بدون أن ينظر إليه "رزق" أحس به يشمر عن ساعديه بغية الحفر. لكنه مد ذراعه ناحيته وانتزع منه الفأس بحزم، أشار له أن يرتد بعيدًا، ليبدأ هو بإنشاء حفرة لأمه بيديه.. بجوار حفرة جده. نصف ساعة من العمل الدؤوب المتواصل، فرغ "رزق" وقد وضع أمه أخيرًا بمرقدها وأراحها بعد عذاب لا يصدق، هو ولا غيره.. أوصلها إلى مثواها الأخير مثل كبقية البشر.
وقد أهال الثرى عليها وزرع بضعة بتلات من الزهور عند رأسها، الآن فقط اطمأن، الآن فقط أمه ترقد بسلام.. كما شعر هو أيضًا ببرودة مفاجئة وضعفت قواه. ترنح خلا ثانيتين وكاد يسقط، لولا ذراعي "علي" أحاطتا به، أسنده وصولًا إلى السيارة، هذه المرة وضعه بالمقعد الأمامي. أتى له بقنينة من المياه وجعله يشرب منها على جرعات وهو يقول: -اشربها كلها يا رزق.. اشرب.. إنت كويس؟ تيجي نفوت على المستشفى نشوفك؟
يدفع "رزق" بيد "علي" الممسكة بالقنينة عند إفراغ نصفها في جوفه، كالأطفال كان قد بلل فمه وصدره، لكنه لم يبالي. تطلع إلى "علي" بنظرات محتدة وغمغم بقتامة مطلقة: -وديني لسالم الجزار! *** تلقى السلك يرن، إذ كان البيت خاليًا إلا من سواه، أمام الجدار المثوب.. يحتضن إطار صورتها وقلبه يدمع لا عينيه. ذلك الخواء العظيم الذي حل بداخله، إنه يختبره كالموت، أين هي الآن؟ بديهيًا أن "رزق" قد أخذها منه. ولكن أين أخذها؟ أين أخذ حبيبته؟
إلى أين أخذها؟ أين هي "كاميليا"؟ -خلاص كده يا كاميليا؟ نطق "سالم" بصوت مسموع يخاطب صورتها. وبكل شجن العالم استطرد وكأنها تسمعه: -خلاص يا حبيبتي.. سبتيني. مش هاشوفك تاني.. ولا أحس بيكي. لما توحشيني مش هقرب عليكي وأشم ريحتك. مش هقولك صباح الخير لما أصحى.. ولا تصبحي على خير ولما أنام.. لما الدنيا تضيق عليا.. مين هايسمعني؟ مين هاكلمه وأفضفضله؟ أنا كنت مصبر نفسي إنك جمبي...
دلوقتي أنا أعمل إيه.. أنا حاسس إني اتعرّيت في وسط برد وعواصف. أعمل إيه يا كاميليا.. ردي وقوليلي أعمل إيه؟ "ســـــالـم يـا جـــزااااااااااااااااااااااااار!!! ارتفع رأس "سالم" عندما هدر ذلك النداء باسمه، تحفز بشدة بالأخص لأنه صوت ابنه، صوت "رزق". أسند "سالم" الإطار إلى جوار الفراش، أطل من خلف نافذة الغرفة، ليشاهد "رزق" يأتي راجلًا من منتصف الساحة بالأسفل، على صوت هتافه فتحت النوافذ قاطبة.
حتى أنه رأى آل بيته وقد عاد أغلبهم، النساء وقد رافقهن كلًا من "مصطفى" و"الشقيق الأصغر عبد الله". لم يضيع وقت أكثر واستدار موليًا للأسفل. صدره يعلو ويهبط خافقًا باللهاث، بينما يستقر بالشرفة الرئيسية، والآن صار قبالة ابنه مباشرة، لا يفصلهما سوى بضعة أمتار.
كانت المواجهة مشهودة، و"سالم" في وضع غير متوقع بلا حول ولا قوة، بيد أنه لا يستطيع إيقاف ابنه أبدًا، ولو أنه في الأساس لا يريد. بعد الآن أيّما سيحدث فلن يكون أسوأ مما حدث سلفًا. في الطرف الآخر "رزق". وكأن لا أحد هنا أمامه سوى أبيه، وكأن ما من أحد سيسمعه غيره.. صاح فجأة من مكانه بكلمة واحدة: -ليـــه؟
لعل "سالم" توقع اتهامات وشنائع أكثر فداحة، لكن هذا السؤال تحديدًا لم يتوقعه، لأنه حمّال أوجه.. لا يمكن أن يحدد له إجابة دقيقة. مرة أخرى يكرر "رزق" سؤاله بوحشية أكبر: -عملت فيها كده ليــــــه؟ وتقدم خطوة لم يتمها إذ تعثر في حجر وسقط على ركبيته. أبقى رأسه مخفضًا، مصممًا، منتظرًا جواب "سالم". ولأول مرة تطل من عيني أبيه الدموع وهو يستجديه يائسًا: -كل ده كان عشانك!
في هذه اللحظة رفع "رزق" وجهه وتعلقّت نظرته الميتة بنظرة أبيه المتوهجة.. نهض واقفًا على قدميه بصعوبة وهو ينفض عنه يدي "علي" التي امتدت لتساعده. وبيده استلّ سلاحه من غمده الخلفي بطوق خصره، رفعه بمستوى نظر أبيه وهو يفتح فمه ليقول بآلية: -أنا مش هقدر أقتلك انت آه.. بس أقدر أقتل الشخص إللي انت خلّقته فيا... أقدر أقتل نفسي! وفجأة سحب صمام الأمان وصوّب السلاح على الفور نحو رأسه.
شقّت صرخة "سالم" الحي بأكمله، وتحوّلت الساحة إلى مسرح، شهقات النساء قد علت والصدمة جلّلت وجوه الرجال وبخاصة "مصطفى" الذي واصل النظر إلى أخيه غير الشقيق بعدم تصديق. كان الوضع غير قابل للهزل أو المزاح، إذ بالفعل انفجر السلاح بطلقةٍ أخطأت هدفها بفضل "علي" الذي انقض على ابن عمه وأطاح بذراعه بعيدًا، فانطلقت الرصاصة مصيبة واجهة زجاجية لمتجر المخبوزات المجاور.
لم يكن "رزق" بالخصم الهين، لكنها كانت مسألة حياة أو موت بالنسبة لـ"علي". نجح بانتزاع السلاح من يده وقام عنه مسرعًا. بالمقابل تتهاوى ساقا "سالم" من شدة الرعب، أما "رزق" الذي أحبطت إرادته مجددًا لم يتحمل وانفجر صارخًا ملء قلبه، ثم أصبح عقلًا فارغًا.. ليسقط فجأة مغشيًا عليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!