أمسك "سالم" بالمرأة الشابة من ياقتها، يجرجرها خلفه فوق الدرج المؤدي للقبو. أكثر من مرة ظنت بأنها سوف تسقط، لكنه كان حريصًا عليها حتى بلحظات غضبه. لم يخدشها حتى. "قضيتي على ثقتي فيكي يا كاميليا! " انفجر فيما يدفعها فوق الفراش الوثير الذي أحضره لها حديثًا. لم تتحرك "كاميليا" قيد أنملة، فاتحة عينيها، بدت كتمثالٍ شمعي وهي راقدة على ظهرها تحت تأثير السقطة اللطيفة.
كان تنفسها هادئ، بينما يجول "سالم" جيئة وذهابًا أمامها كضراي وهو يردد بصوتٍ كالهسيس: "جربت معاكي كل حاجة.. المسايسة. التفاهم. الشدة. حـــــبـستك! آخر حاجة لما قررت أطلعك من هنا. قلت أحسن لما ترجعي مطرحك. جمبي وجمب إبنك.. إنتي بقى عملتي إيه؟ حاولت تهربي مني تاني يا كاميليا... ليــــــه؟ "إنت عارف كويس أوي ليه! أجابته الباردة أصابته بالجنون حرفيًا، فإذا به ينهال على الأثاث الجديد تكسيرًا وهو يصرخ بغضبٍ أعمى:
"أعملك إيه تاااااااني؟ عايزة مني إيه يا كاميليا؟ أنا خلصت كل الحلول. مافيش حاجة بترضيكي. ليه. ليــــــه. كل ده عشان زفت شغلــــــي! وهنا قامت "كاميليا" نصف جالسة، تطلعت إليه مجيبة بلهجةٍ قوية:
"لأ. مش عشان كده بس.. عشان كل حاجة يا سالم. إنت حتى لو بطلت شغلك وطلقت مراتك. بردو مش هارجعلك. رغم إني لسا بحبك ومش بنكر.. لكن انت حكمت على الحب والعلاقة دي من الأول خالص بالاعدام. أنا وانت مش ممكن ننفع مع بعض يا سالم.. وبقولهالك لآخر مرة. لو فعلا بتحبني ومش عايز أي حاجة وحشة تحصلّي. سيبني أمشي وسيب معايا رزق. أرجوك.. ماتدمرش حياتنا! أشار نحوها باصبع الاتهام صائحًا:
"انتي إللي بتدمرينا. انتي إللي مصممة تهدي حياتنا.. ليه بتعملي كده؟
ليه مش قادرة تتنازلي مرة. مغمضة عنيكي عن كل إللي بينا وشايفة بس إني كدبت عليكي مجبور. عشان بحبك.. كاميليا أنا لو مش بحبك ماكنتيش هاتبقي في حياتي أصلًا من بعد ما جبتيلي رزق. أنا كنت فاقد الأمل في هانم مراتي ولما قررت اتجوزك كنت فاكر إني هقدر أستغنى عنك لما أخد منك إللي أنا عايزه.. الواد إللي نفسي فيه. ولما حصل وجه منك عرفت إني مقدرش.. مقدرش أخطي خطوة واحدة في عمري منغيرك...
لو مفكرة إني ممكن أسيبك دلوقتي تبقي واهمة. ووهمك من سابع المستحيلات.. فاهمة؟ دمعات حارقة تسيل فجأة على امتداد خديها، عقّبت عليها بجملة لا يمكن أن ينساها: "خلاص يا سالم.. يبقى تحضر لي كفني من دلوقتي! غادرته الذكرى معتصرة قلبه بقسوة وقد انتزعت من شفاهه آهة معذّبة.
غشت الدموع الساخنة عينيه بغزارة أكثر وهو يواصل النظر إلى ابنه المدد أمامه فوق سرير الجدة "دلال". كان ينفرد به الآن بعد محاولته الطائشة لقتل نفسه. عليه أن يعترف بأنه رأى ميتته بعينيه. أجل إن كان صار مكروهًا لابنه فهو أيضًا ما كان ليمكث في الحياة لحظة بعده. الآن هو أمامه، لا يزال غائبًا عن الوعي. لكنه معافى، بدنيًا!
لا يزال لا يعرف شيئًا عن جروح روحه، إلا أنه يستطيع التكهن، ذلك لأنه سببًا في تدميره كما أنبأته زوجته الراحلة قبل عشرين عامًا. يدرك تمامًا بأنه لن يسامحه. كانت هذه اللحظة عبئًا حمل همه طيلة هذه السنوات. عرف بأنه لا بد أن يكشف له الحقيقة يومًا ما.. لكنه لطالما كان جبانًا.
بقدر أنانيته وحبه له ولأمه، كان خائفًا من هذا اليوم، كان على يقين تام بأنه سيخسر السبب الوحيد الذي يدفعه للبقاء على قيد الحياة. كان على يقين بأنه سيخسر "رزق"! يجهش "سالم" ببكاءٍ مريرٍ مكتوم عند قدميّ ابنه، تشبث به وكأنه طوق نجاته وطفق لسانه يردد كلمة واحدة بيّد أنه لم يعد يعرف سواها: "سامحيني.. سامحيني.. سامحيني! في غرفة مجاورة، اليد الشادة على كف "نسمة" في مشهدٍ غير متوقع.. بم تكن سوى يد "ليلة الجزار".
خلال الفحص الذي أجراه عليها الطبيب بعد أن خرج من عند "رزق"... هي وحدها التي بقيت برفقتها تطمئنها وتهون عليها لحظات ما بعد الرعب الأعظم الذي شهده حي الجزارين قاطبةً. موقف إن رواه أحد عليهم ما كانوا ليصدقوا، لكن معظم العائلة شاهدوا بأم العين، رجلٌ من أشجع وأنبل وأعلى رجال العائلة.. كاد أن يودي بنفسه ويزهقها أمام العيان. ما السبب؟ لماذا؟ وما دخل كبيرهم "سالم الجزار" بالأمر؟ العلم عند الخالق سبحانه وتعالى.
وبالرغم من أن "ليلة" لا تقل عن "نسمة" ذعرًا، إلا أنها بقيت صامدة، وأبت أن تظهر ضعفًا. كل العون مدته لها وجزء من عقلها وفؤادها كله الذي كاد أن يسحق بشكلٍ مذهل. هناك معه. مع "رزق". "خدوني عنده أبوس إيديكوا. خدوني أشوفه بس.. أبص عليه. أبوس أيديكوا أشوفه بس! لم تنفك "نسمة" عن ترديد كل أنواع التوسلات، مع محاولات "ليلة" المستمرة لتهدئتها وهي تكفكف لها دموعها وتربت على كتفها بحنوٍ:
"إهدي. إهدي يا نوسا. صدقيني رزق كويس.. ده الدكتور نفسه أهو أول ما خرج من عنده جالك وطمنك عليه... قولها يا دكتور لسا مش مصدقاك! والتفتت "ليلة" نحو الطبيب الشاب الذي كان بدوره يجهز حقنة مهدئة. بدون أن ينظر إلى "نسمة" قال بصوته الواثق: "مافيش أي قلق عليه. الكل يطمن. شوية إرهاق بدني وعصبي بس.. لكن أول ما يفوق هايبقى كويس." علّقت "ليلة" وهي تعاود النظر إليها: "أهو.. سمعتي؟ هايبقى كويس.. صدقيني."
ولكن لا حياة لمن تنادي، كأنما أصابها مرض، ظلت تهذي باسمه: "رزق.. أشوف رزق.. أشوفه بس... إنت فين يا رزق.. يا رزق!! زفرت "ليلة" بضيقٍ، وما لبث صوت الطبيب أن جذب انتباهها من جديد: "المدام مريضة أو بتعاني من أي مرض مزمن؟ أجابته "ليلة" عابسة: "الحقيقة ماعرفش يا دكتور.. كل إللي أعرفه إنها حامل." "في الشهر الكام؟ "بردو ماعرفش.. بس غالبًا في البداية. يعني التاني أو التالت! أومأ الطبيب قائلًا:
"تمام.. عمومًا المدئ ده مفعوله خفيف. مش هايسبب لها أي مضاعفات.. بس ضروري لما تصحى تطمنوها على زوجها ويستحسن لو تشوفه بعنيها عشان حالتها ما تتأثرش أكتر من كده.. حضرتك أختها؟ لا شعوريًا علت زاوية فم "ليلة" بابتسامة متهكمة وهي ترد: "لأ.. أنا ضرتها! صفعة سبغت احمرارًا فوريًا على وجه الطبيب، ليتنحنح محرجًا وهو يشيح عنها نحو المريضة متمتمًا: "طيب من فضلك شمريلي كمها عشان أديها الحقنة!
نفذت "ليلة" تعليماته جيدًا، وإذ فرغ من عمله، نامت "نسمة" بحلول ذلك. لتواكبه "ليلة" حتى الخارج، حيث يجلس بالصالون المقابل كلًا من "مصطفى" و "علي" و "حمزة" والعم "عبد الله" وزوجته "عبير". أما البقية فلا يزالوا برفقة "هانم" بالمشفى وعلى رأسهم الجدة "دلال". يقوم "مصطفى" ما إن رأى الطبيب يخرج أمامه، يحاسبه بنفسه ويوصله حتى الباب، ثم يعود إلى مجلس العائلة ويلقي بكلمته:
"إللي حصل ده لازم له تفسير. في داهية كلام أهل الحي.. لكن إحنا. لازم نفهم إزاي وليه ده حصل. حكاية ماتخش الدماغ أصلًا. مستحيل كنت أصدق إن رزق ممكن يعمل في نفسه كده. ولا كانت تبجي على بالي أبدًا." وصمت ممررًا عينيه على الوجوه ذات التعبير الموحد، لينطلق سؤاله فجأة مركزًا ناظريه على ابن عمه: "علي! أنا شوفتك جاي مع رزق قبل ما يجرى إللي حصل ده.. كنتوا فين وإيه إللي حصل خلاه يعمل كده؟؟
يرشقه "علي" بنظرة عدائية صرف وهو يقول بصوتٍ غليظ: "أنا ماعرفش حاجة.. ما تسألنيش أنا. إبقى اسأل أبوك يا.. ديشا! رفع "مصطفى" حاجبه وقال هازًا رأسه: "وماله.. ماشي يا علي. أسأل أبويا! الطقس صار باردًا، والسماء تمطر بالخارج. كان يعرف بأنها مسألة وقت.. وأنه يجلس فوق القنبلة. سوف تنفجر بأي لحظة، وهو.. كان بانتظارها. "لأ لأ أمــــــي. أمــــــــــــي. لأ. لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ...........
!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! ها قد انفجرت القنبلة بالفعل. حين قفز "رزق" مسعورًا من غيبوبته وهو يهلوس ويصرخ بأعلى صوته، ليثب "سالم" قائمًا بلحظة ويحاوطه بكل قواه مهدئًا من روعه. "رررررزق.. إهدا يابني... إهدا يا حبيبي. أنا معاك. أنا جمبك.. مافيش حاجة.. إهدا. أنا أبوك جمبك... أنا أبوك يا رزق ماتخافش! بحركة غير متوقعة، وجد "سالم" نفسه فجأة يطير للوراء متأثرًا بلكمة عنيفة سددتها قبضتة "رزق" إلى صدره ألصقته بالجدار الصلد.
انهار "سالم" دائمًا بفعل الصدمة، وقد آلمته الضربة بشدة، نهض بصعوبة. أظهر تأثره الكبير لفعلة ابنه.. فتح فمه كأنما سيتكلم... لكنه عاد واغلقه ثانيةً وهو ينظر إليه بانكسار. بينما كان "رزق" يدفع بالأغطية من فوقه، ثبت قدميه فوق الأرض وقام في مواجهة أبيه، غارزًا نظراته الأشد فتكًا على الاطلاق بنظرات الأب الواهنة.
تصاعد ما يشبه الحشرجة بحنجرته وانتفخت عروق وجهه وعنقه بلا سابق إنذار، وبعد لحظة واحدة كسر الصمت مجددًا بصوت أقل انفعالًا وأكثر خطورة: "إياك تقولي ابني تاني.. أنا مابقتش ابنك يا سالم يا جزار... مابقتش ابنك! تحدث "سالم" عبر لهاثه المتعب متأثرًا بكلمات ابنه بشكل يثير الشفقة: "إنت سمعت القصة من طرف واحد.. ده مش عدل." "و العدل إنك تموتهــــااااااااااااااااا !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! قاطعه صارخًا بوحشيةٍ.
"تحبسها لحد ما تموت.. تعيشها في ذل وحزن شهور لحد يوم موتها... تموت وحيدة.. حزينة. والآخر تندفن ورا حيطة في أوضة نومك وأنا كل ده مغيب.. استغفلتني طول السنين دي. رايح جاي في البيت و 100 مرة بعدي من قدامها وماعرفش إنها جمبي!!!! ده انت حتى حرمتني أودعها. لما كنت جنبها وهي بتموت خلتني بردو مغيب.. الفرصة الوحيدة إللي كانت باقية لي عشان أودعها. سرقتها مني. سرقتها زي ما سرقت مني كل حاجة من يوم ما جبتنا في القذارة دي...
انت قتلتها وقتلتني. قتلتنا إحنا الاتنين.. مبسوط دلوقتي. مرتااااااااااح؟؟؟؟؟؟؟؟؟ "لأ! " خرج التصريح ملبدًا بالبكاء المتقطع. كتمه "سالم" بمشقة وهو يستطرد بمرارةٍ: "لأ. مش مرتاح.. ولا عمري هارتاح.. أمك. كانت حياتي كلها. أنا ماعرفتش أحب أي حاجة ولا حتى نفسي غير لما شوفتها.. وبعديها إنت يا رزق! "تؤتؤتؤتؤ! " قاطعه "رزق" مرة أخرى مظهرًا تحذيرًا مبطنًا.
"السكة دي ماعادتش هاتجيب معايا.. أنا قراري نهائي. من اللحظة إللي عرفت فيها الحقيقة.. إنت من طريق وأنا من طريق... و تنساني خالص. إنتهينا." هز "سالم" رأسه للجانبين معترضًا على هذا أشد الاعتراض، وقبل أن يفوه بحرف آخر اتخذ "رزق" خطوتين نحوه ووقف مقابله مثل خصمٍ. ثم قال ببتمةٍ: "فين الجواب؟ لم تبدُ الدهشة على وجه "سالم".. إنما السخرية فقط وهو يقول: "إمام ماسبش حاجة ما قالهاش.. بس أنا كنت شايله ومحضره عشانك أصلًا...
مابقاش ينفع أخبي عنك أي حاجة. خلاص. وصلنا للنهاية! ودس يده بجيبٍ خفي داخل عباءته، ليستلّ مغلفًا ورقيًا بلون أبيض مصفرّ.. سلّمه يدًا بيد لابنه محققًا وصية أمه. رغم التردد الذي اعتراه، لكنه لم يجد بدًا من تقديم كافة الحقائق والوقائع إليه، علّها تكون دافعًا ليعفو عنه ويغفر له خطيئته. يضع "رزق" المغلف بجيبه الخلفي، ليتوجه بالسؤال الثاني والأهم: "أختي فين؟
شد "سالم" على أسنانه غير قادر على البوح بذلك. كانت الورقة الوحيدة لضمان وجوده تحت جناحيه، ما إن يكشف عنها لا يشك بأنه سوف يتركه. استمر في صمته لبرهةٍ طويلة، وقد بدا "رزق" صبورًا وغاضبًا في آن. اضطر "سالم" للقول بالنهاية: "أختك موجودة.. وبخير ماتقلقش! كرر "رزق" بصرامة: "هي فين؟؟ انسابت الإجابة أسهل هذه المرة من فم "سالم" وبآلية أكثر:
"خدتها من يوم ما اتولدت. أمك ماكانتش بتقدر ترضعها عشان كانت تعبانة.. ودتها عند النشار. مراته مابتخلفش و واخدين بالهم منها كويس أوي! "النشار" ذلك الرجل يكون من أبناء عمومة "سالم" الكبار، وهو يقطن بمنطقة أسسها في مكانٍ ما بصعيد مصر. في الحقيقة هو لا يقل إجرامًا عن "سالم الجزار".. لكن حسب المزاعم والسمعة فهو شخص طيب القلب وعادل. "إسمها إيه؟ " قالها "رزق" مواصلًا استجواب أبيه.
علا صوت الرعد في الخارج، وكان "سالم" يحدق في وجهه مدفوعًا بيأس مزري لنيل تعاطفه. لكن بالنسبة لـ"رزق" كافة السبل بينهما صارت منتهية. كل حبال الوصل تقطعت.. ولم تبقى إلا صلة واحدة لن يتركه قبل الإفصاح عنها حتى لو انتهى العالم من حولهما. "سألتـك إسمهـا إيـــه؟؟؟ ذليلًا كميدًا جاوبه "سالم" بلهجةٍ خاضعة: "نـور... إسمها نـور! أخيرًا وقد انتهى "رزق" معه، بدون كلمة جاء ليتجاوزه، فإذا بـ"سالم" يقبض على ذراعه مغمغمًا:
"هاترجعلي يا رزق! بيدٍ من حديد ينتزع "رزق" قبضة أبيه بعيدًا عنه وهو يرد عليه بقطعيةٍ: "لو كاميليا طلعت من قبرها.. ممكن!! ومر من جانبه كعاصفة. شق طريقه وسط إخوته وجميع من بالخارج والذين بدوا وكأنهم كانوا يتنصتوا على الحوار المحتدم منذ قليل. مشى ولم يبالي بمطلق شيء، صعد إلى شقته الخاصة، ليجمع ما يخصه ثم يرحل من هنا إلى الأبد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!