الفصل 31 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
20
كلمة
2,842
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

يجلس بالبهو الكبير إلى جواره تراصت حقائبه. فوق الكرسي التراثي العتيق يضع ساقًا فوق الأخرى، عيناه لا تحيدان عن ساعة الحائط الضخمة أمامه، ولا ينفك يقضم أظافر يده بعصبيةٍ مفرطة. كان من المفترض أنه ينتظر مكالمة من إبنه ليخبره بموعد وتفاصيل الرحلة التي أوكله بحجزها إليه من حيث يمكث هو بالولايات المتحدة الأمريكية، لكن مضى نصف اليوم حتى الآن ولم يتلقّى أيّ خبرٌ منه، مما ضاعف توتره وقلقه بشدة.

إلى أن حانت تلك اللحظة فجأة ودق هاتفه أمامه فوق الطاولة. قفز في مكانه والتقط الهاتف مجيبًا بسرعة: -إيه ده كله يا حسن؟ -كل ده بتحجزلي تذكرة يابني؟ مش قولتلك عاوز أكون قدامك بكرة الصبح بالكتير. كده ولا بعد بكرة وحياتك! إنسلّ صوت "حسن" بصعوبة وسط هجوم والده: -يا بابا بليز اديني فرصة أرد على حضرتك. أنا ماحجزتش أصلًا أيّ تذاكر! حسن وقد هربت الدماء من وجهه: -بتقول إيه؟

-زي ما سمعت حضرتك. إنت إزاي كان غايب عليك حوار قضية الضرايب المرفوعة عليك هنا في الاستيتس؟ توقف "عزام" للحظة وكأنه إصطدم بالحقيقة كمن فقد ذاكرته وعادت إليه بقساوةٍ هكذا. -أنا.. إزاي نسيت القضية صحيح! سمع تنهيدة إبنه وهو يرد عليه بفتورٍ: -بابا أنا لسا عارف القصة حالًا. بغض النظر إنك مش حاكيلي أي حاجة، بس إنت مش هاينفع تخطي خطوة على أرض الإستيتس. هايتقبض عليك فورًا. ثم صمت لهنيهة، وقال:

-قولي إنت كنت عايز تيجي أوي كده ليه؟ في إيه بالظبط؟ حصل حاجة أو إنت في مشكلة؟ أنا ممكن أنزلك لو محتاجلي بدل ما كنت هاتطلع إنت مخصوص! رفض "عزام" في الحال هازًا رأسه بقوة وهو يفرك عينيه بسبابته وإبهامه: -لالالا. تنزل إيه.. خليك مطرحك يا حسن. -طيب صارحني. أنا حاسس إنك في مشكلة ومش عايز تقولي! -لأ يا حبيبي ماتقلقش. أنا زي الفل. إنت بس إللي كنت واحشني. غريبة دي؟ -لأ. مش غريبة، بس إنت متأكد إن مافيش حاجة؟

سحب "عزام" نفسًا عميقًا كي ما يستطع إقناع إبنه بلهجة أكثر طبيعية: -مافيش حاجة يا حسن. أنا بقالي سنة ماشوفتكش. مش عاوزني أشتقلك يعني؟ -لأ طبعًا مش قصدي. إنت كمان واحشني يا بوب. خلاص. أوعدك هاظبط إجازة أول الشهر الجاي وهاينزل أقعد معاك حبة جلوين قبل الدراسة ما تبدأ. قشطة؟ إبتسم "عزام" رغمًا عنه ورد بنفس الإسلوب: -قشطة يا أبو علي. يلا روح شوف وراك إيه. زمان النهار طلع عندك!

وتوادعا، ثم أغلق "عزام" الخط وهو يعاود التفكير بمصيبته بضراوةٍ أشد. الآن.. ماذا عليه أن يفعل؟ كما بات واضحًا هو لن يتمكن أبدًا من السفر لإبنه، فهل يغيّر الوجهة مثلًا ويسافر إلى أيّ دولة أخرى ريثما يرى مآل الأوضاع! زفر بقوة وهو يطالع ساعة الحائط مجددًا.

إنها تشير للعاشرة مساءً، لقد مرّ على تلك الواقعة الشؤوم أكثر من ثماني ساعات. بالتأكيد لو أن "ليلة" قد حكت شيء لعائلتها لكان عرف بحلول الآن. لكانوا هم قد قبضوا عليه قبل أن يفكر حتى بالهرب. معنى ذلك أنها لم تفتح فاها بكلمة، وهذا ما توقعه لكن خوفه غلبه. فلماذا يهرب الآن؟ إنه إنما يبالغ في خوفه. فكما هو واضح.. "ليلة" لن تنبس بكلمة لأنها جبانة وخائفة مثله. لذلك عليه أن يهدأ تمامًا. لن يحدث شيء. -لأ!

تمتم "عزام" مخاطبًا نفسه. -لازم أخد احتياطي في كل الأحوال. وأمسك بهاتفه من جديد وأجرى إتصالًا في الحال: -آلو! ناظم.. عايزك في أقل ساعتين تكون في شقة الزمالك. وضبهالي كويس أوي. هقضي فيها كام يوم كده. ف عايزها تبقى جاهزة على نص الليل بالكتير! لم تستطع أن تمنع نفسها عن الابتسام، وهي تستلقي في صمت بأحضانه الواسعة الدافئة، تلتف بجسمه كاخطبوطٍ، وتشابك أصابعها بأصابعه.

الغرفة معتمة، ولكن الضوء المنسلل عبر فتحة باب الحمام الموارب بأقصى الغرفة كان يكفي لرؤية بعضهما. رغم أنه لم يكن يشعر بشيء الآن، بعد أن قضى وطره بها. وكأنه نال جرعة مخدر، لم يسعه إلا التمدد هكذا بلا حراكٍ والتفكير. أما هي... فسعادتها لم تكن تقدر بثمن، خاصةً عندما إكتشفت الحقيقة. واحدة من اثنتين. إما أنه لم يمسّ زوجته الجديدة أبدًا لسببٍ ما لا تجرؤ على الاستفسار عنه. وإما أنه لم يجد معها ما يجده هنا. فيها هي.

والدليل إنه هنا الآن، وقد ترك عروسه بصبيحة ليلة الزفاف، ليأتي ويقضي كل هذا الوقت برفقتها، ولتنعم هي به كله. علاوة على كل ذلك. كانت هذه المرة مختلفة ولها سحرها الخاص. هو نفسه، أظهر شغفًا بها لم تعهده بهذه القوة من قبل. وكأنه أراد يحفر تفاصيله على قواعدها. على كلٌ. هو أساسًا كذلك. محفورٌ بكل ذرة فيه بكيانها ووجدانها. وآخر شيء منه يكمن برحمها الآن. نطفته. التي تستعد منذ أسابيع قليلة لتتحول إلى طفلًا. أو طفلة.

طفلهما، طفلتهما!!! كان النعاس قد بدأ يخيّم عليها، عندما صدح رنين هاتفه، لتقفز من سباتها مجفلة، بينما يطمأنها متمتمًا وهو يمد يده نحو الكومود ليكتم صوت الهاتف تمامًا: -ماتتخضيش يا نوسا. ده موبايلي إللي رن. نامي لو نعسانة! تنهدت "نسمة" مبدية إزعاجًا وهي تعود لتتوسد أحضانه ثانيةً:

-لأ يا حبيبي أنا مش نعسانة. أنا بس عايزة أفضل حاسة بوجودك جمبي كده. حتى لو في عيوني النوم. مش هنام أبدًا وإنت جمبي. مش متخيل أصلًا إنت بتوحشني أد إيه الفترة دي! شعرت بكفه يربت على ذراعها العاري بلطفٍ، فاستطردت بعد ترددٍ: -مش هتقولي بقى مالك يا رزق؟ حد ضايقك في البيتو؟ لا العروسة مزعلاك؟ بس إزاي.. ده الفرح كان إمبارح بس. لحقت تزعلك؟ لم يبدو لها أنها سمعها جيدًا، أو أنه تجاهل اسئلتها، فمن تلقائها أحجمت عن فضولها وغيّرت

محرى الحديث:

-عمومًا أنا عايزة اتأسفلك على الطريقة إللي كلمتك بيها إنهاردة الضهر. بس لازم تعرف إني كنت محتجالك أوي. وإنك وحشتني. قعدتي هنا لوحدي كانت هاتجنني. على الأقل لما كنت في حي الجزارين كنت بصبر نفسي في وحدتي إنك في نفس المكان جمبي. ولما كنت توحشني أوي كنت أقف أبص عليك من الشباك. أستنى بس ألمحك. أو أسمع صوتك. كنت بحس بأمان وحماية لأنك موجود قريب مني. بس لما قطعتني فجأة. قلت أهو إتجوزتها وعملت إللي عليا. وسبتني هنا وما سألتش فيا. زعلت أوي وحزنت على نفسي. تصدق لو قلتلك حسيت لأول مرة إني يتيمة بجد. رغم إني مادوقتش طعم إن يكون ليا أم ولا أب. بس إنت كل حاجة بالنسبة لي يا رزق. أنا منغيرك ولا حاجة!

وتقطع صوتها بأواخر عبارتها تأثرًا بإلتهاب حلقها المتأهب للبكاء. لولا أنه أنقذ الوضع بسرعة و باغتها بسؤالٍ وهو ينظر لها أخيرًا عبر الظلام بعينيه اللامعتين: -نسمة إنتي فاكرة أول مرة لينا مع بعض؟ أجفلت مجددًا لغرابة السؤال، ولما إستوعبته قليلًا قالت بحيرةٍ: -أول مرة لينا في إيه؟ يعني لما إتقابلنا ولا آ ا... قاطعها بنزعةٍ منفعلة بعض الشيء: -أول مرة قربنا لبعض بالشكل ده. فاكرة التجربة كلها ولا نسيتي؟

غلبتها الابتسامة وهي ترد عليها متوّردة خجلًا: -أنسى! أنسى إزاي بس. رزق. مش أول مرة بس. كل مرة بتبقى قريب مني كده عمري ما أنساها. بتبقى ذكرى في عقلي وفي قلبي. اعتدل "رزق" قليلًا في إضطجاعته وسألها بدقة أكثر: -طيب قوليلي. كان إيه شعورك. يعني كنتي حاسة بإيه ساعتها. أقصد يعني... -أيوة أيوة فهمتك! قاطعته هي هذه المرة، واستطردت على قدرٍ من الاستحياء: -هي أول مرة بتبقى العملية صعبة شوية أكيد. بس شوية شوية كله بيبقى سهل!

واصل "رزق" اسئلته بتركيزٍ دون أن يرمش له جفن: -يعني بعد كده مش بتحسي بغرابة مثلًا. أو إنها حاجة عادية زي أي حاجة ممكن تحصلك؟ عبست بشدة قائلة: -حاجة عادية! لأ طبعًا يا رزق. بص أنا مش عارفة إنت بتسأل الأسئلة دي ليه. بس أنا هقولك من الآخر. إللي إنت بتحسه أنا كمان بحسه زيك بالظبط. أكيد إنت عارف حاجة زي دي وكان عندك خبرة قبل كده زي ما قولتلي. وهنا لم تستطع كبح هذا السؤال وطرحته عليه فورًا: -هو في إيه بالظبط يا رزق؟

ممكن تقولي وتفضفض. في حاجة حصلت بينك وبين العروسة؟ لكنه ما لبث أن شرد بعينيه بعيدًا عن عينيها ممعنًا التفكير بهذه الرواية السريالية كلها. بينما تعض "نسمة" على شفاهها عاجزة عن فهمه أو حتى التعاطي معه بالحوار، فقامت فوق ركبتيها بجواره وجاءت من خلفه تمسد كتفيه قائلة: -طيب بص. إيه رأيك تفضيلي دماغك دي خالص الليلة دي! إنت مش جعان؟

عارف أنا عملالك إيه. كنت حاسة إنك هاتيجي بسرعة لما كلمتك. فعملتلك بإيديا طاجن العكاوي إللي بتحبه. أنا عارفة إنك بتحب العكاوي. ربع ساعة وأحضرلك أحلى عشا. على ما تقوم وتاخد دش كده. هاتلاقي في الدولاب قميص وبنطلون بتوعك غير فيهم يا حبيبي. وطبعت قبلة رطبة على خده. ثم قفزت من السرير وهي تلف شرشفٍ حول جسمها متجهة إلى خارج الغرفة.

في غمضة عينٍ، بعد خروجها مباشرة وثب "رزق" من مضجعه وهو يلتقط ثيابه من فوق الأرض متمتمًا بخشونةٍ: -أنا هعرف إذا كنتي بتكدبي ولا لأ. أنا هعرف إذا كان فعلًا هو إللي عملها زي ما قولتي ولا حد غيره. أنا هكشفك يا ليلة. واللّيلة ومش بكرة! لم يكن مقتنعًا باعترافات عروسه وإبنة عمه. كل حديثها كان هراء من وجهة نظره وفحش جملة وتفصيلًا. أيّ فتاة تلك التي تبقى تحت وطأة الاغتصاب عامين دون أن تشعر بأن ثمة أمرٌ خاطئ؟

فحتى لو كانت ساذجة. لا بد و أن توقظ الممارسة. وإن كانت قسرية. المشاعر والغرائز الفطرية. إن هذا الأمر به لغز. وهو سوف يفك اللغز. لن يرتاح قبل أن يفعلها وإلا فإنه يخشى لو يقتلها بيديه! أمسك بهاتفه وطلب رقمًا معينًا، ثم تحدث إليه بصوتٍ أجش: -آلو!

مرحب بالقط. إسمعني كويس. عاوزك تعدي على أسامة أبو الخير. تاخد منه مفاتيح المستودع بتاعنا. وبعدين تروح بيتنا. هاكلم أبويا يديك أمانة. تجبها وطيران على هناك. تستناني لحد ما أجي. مفهوم ولا أعيد كمان؟ وأغلق معه، ليجري الاتصال بأبيه هذه المرة. وبلهجة لا تخضع حتى للجدال خاطبه: -أيوة يابويا. عاوز أعرف عنوان خال ليلة! في أقل نصف ساعة.

أفضت به قيادته المخالفة للسرعة القانونية إلى فيلا "عزام الوديدي". وللغرابة. رآه في هذه اللحظة تمامًا يخرج عبر الباب الرئيسي بسيارته. إن هذا من حسن حظه بالطبع وإن كان لا يعلم إلى أين يتجه ذاك المريب. لم يضيع "رزق" ثانية وقاد خلفه بسرعة، إلى أن صار على مقربة منه، فوّت بينهما سيارة أو سيارتين لكي لا يلحظ الأخير تتبعه.

وهكذا لمدة ثلث ساعة ظل وراءه، حتى وصل أسفل بناية قديمة الطراز بأحد الأحياء الراقية. بدون تفكيرٍ سحب "رزق" قبعة الرأس الممتدة بغطاء للأمام وارتداها، ثم ترجل من السيارة وتوجه ناحية الأخير. إذ هبط من سيارته هو أيضًا ماشيًا صوب الصندوق الخلفي كي ما ينزل حقائبه، لكنه و قبل أن يمد يديه على حقيبة واحدة شعر بنقرة فوق كتفه. فاستدار ليرى من!

وكان الاكتشاف صاعقة بالنسبة إليه، فجحظت عيناه وفتح فمه استعدادًا للصراخ طلبًا للنجدة. إلا إن "رزق" الذي سد عليه الرؤية والطريق عاجله بضربةٍ فوق رأسه بمنطقة مدروسة. ليفقد "عزام" وعيه في الحال ويتلقّاه "رزق" حاملًا إياه فوق كتفه. وبما أن الشارع كان هادئًا وساكنًا، فلم يكن هناك أيّ شهود عليه وهو ينقله إلى حقيبة سيارته هو راميًا به فيه بلا اكتراثٍ، ثم يغلق عليه الباب ويستقلّ من جديد خلف المقود.

عندما إستعاد "عزام" وعيه، وجد نفسه مكممًا ومكبلًا إلى كرسي حديدي بمكانٍ تفوح منه روائح العفن والرطوبة! كان يتآوه، لكن صوته غير واضح بالمرة، وخلال رحلة استعادة الوعي تلك لم يسعه سوى الاستماع إلى حوار اثنين من الرجال يعرف صوت أحدهما جيدًا. -سامحني يا كبير. بس إنت عارف المعلم سالم. ماكنش هايسبني أمشي من غير ما يبعت معايا دول. -خلاص يا قط. أنا مش متفاجئ. وعمومًا خليهم متلقحين برا. أكيد ليهم عوزة.

-لو عاوزني أنا كمان خدامك. اؤمرني بس. -لا إنت تشكر أوي لحد كده. حط الأمانة هناك بس واتكل على الله. -أوامر يا كبير! كان "عزام" يرتعش خوفًا الآن، عندما صار يرى بوضوح ذلك المكان الموحش الأشبه بالصهريج ومخازن الخردة. حاول أن يتخلص من قيوده، لكن هيهات. "رزق" كان قد أحكم تكبيله بسلكٍ بلاستيكي راح يغور في لحمه كلما حاول التخلص منه. كما أن الكمامة فوق فمه كانت تقطع أنفاسه بما أن الخوف دفعه للتنفس من الأنف والم معًا.

صدر عنه صوتٍ أقرب إلى النشيج المتقطع، كان كافيًا ليصل إلى مسامع "رزق" الذي التفت نحوه وهو يشمر عن ساعديه. تلاقت أعينهما، عينيّ "عزام" المذعورتين بعينيّ "رزق" المخيفتين. وفي لمحة مرعبة لا ينقصها الوضع أبدًا ابتسم له "رزق" بوداعةٍ تثير الفزع وهتف قائلًا: -هه! صحي النوم يا أنكل عزو. ده أنا بدأت أزهق وأنا لوحدي كده. يلا صحصح كده. هانلعب مع بعض شوية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...