الفصل 27 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
27
كلمة
3,432
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

مضى يغسل يديه جيدًا بالماء والصابون أمام عيني ابنته اللامعتين ببقايا دموعها. راقبت بقلبٍ واجف كيف أن دماء أخيها التي لطخت يدي أبيها راحت تختفي منهما شيئًا فشيئًا، متسربة مع دفقات المياه الدافئة. كانت لا تزال مأخوذة، ترهب والدها بعض الشيء. فاستثرت انتباهه فورًا حين صدرت عنها شهقة من جراء البكاء الذي أقلعت عنه بصعوبةٍ تحت إلحاحٍ منه. ما لبث "سالم" أن أغلق صنبور المياه وسحب منشفة مجففًا بها يديه وهو يقول متنهدًا:

"من آمن العقاب أساء الأدب، ده إللي إحنا اتعلمناه لما كنا لسه عيال يا سلمى. وده عرفناه من الأزل. إنتي عارفة طبعًا إن عيلتنا قديمة جدًا. جدك الجزار الكبير، ده ما كانش لقبه، هو كان اسمه كده. وهو برضه اللي عمل حي الجزارين بتاعنا ده. لو كان عايش وأنا لو كنت مكان أخوكي مصطفى، كان هايعمل فيا نفس اللي عملته فيه." وترك المنشفة جانبًا وأخذها إلى الخارج محيطًا كتفيها بذراعه. "عمري ما شفتك عملت كده في حد يا بابا!

" قالتها "سلمى" بلهجةٍ متأثرة وهي تسير في قدم أبيها. اصطحبها "سالم" حتى غرفة المعيشة، جلس فوق مقعده الضخم المخصوص، قربها منه وأجلسها فوق قدمه مطوقًا خصرها بذراعيه. ثم قال بلطفٍ وهو يمسح بكفه على شعرها الحريري:

"أنا عمري ما افتريت على حد يا سلمى. طبيعي ما تشوفنيش بعمل كده في العادة، لكن ده مش معناه إنه ما بيحصلش أوقات. في ناس مجرد الكلام ما بيجيبش معاهم أي نتيجة. لازم يشوفوا تصرفات وأفعال تخوفهم، عشان محدش يتجرأ ويتطاول على الكبار، اللي هما إحنا طبعًا. أخوكي حط من كرامتنا كلنا قصاد الناس، ولو ما كانش اتعاقب هيبتنا كانت هاتسقط. وبالتالي سيطرتنا على الناس وقوتنا كلها كانت هتبقى في الأرض."

نظرت له غير مستوعبة لكل هذا. فابتسم لها ببساطةٍ وحنى رأسه قليلًا ليقبلها على خدها متمتمًا بحنانٍ: "جايز ما تفهميش كلامي كله دلوقتي، بس أنا متأكد مع الأيام هاتستوعبي. سلمى أبوكي مش قليل. لازم تفهمي كويس إحنا مين. إحنا مش مجرد عيلة زي الناس، وحبايبنا أقل من أعدائنا. في قوانين بتحكمنا ما ينفعش نخرج عنها. لو خرجنا العقد يفرط وكل شيء ينتهي في لحظة." وصمت هنيهة، ثم قال رابتًا على كتفها:

"بكرة تكبري وتفهمي قصدي كويس. وبكرة ده مش بعيد يا حبيبة أبوكي. إنتي ما شاء الله بقيتي عروسة زي القمر." "لأ!!! " هتفت "سلمى" محتجة بنفس اللحظة وصارت كأنما روحٌ أخرى تلبستها. عقد "سالم" حاجبيه مرددًا: "لأ إيه يا سلمى؟! سلمى بجدية: "لأ مش عايزة أبقى عروسة يا بابا. مش عايزة أبدًا.. أبدًا! ارتفع حاجباه هذه المرة دهشةً: "ليه كده يا سلمى؟ ويهون عليكي أبوكي تحرميه من فرحة زي دي؟

أينعم أنا هكون حزين جدًا وغيران كمان من اللي هايجي ده وياخدك مني. بس برضه إنتي فرحتي الكبيرة يا عمري. ده ساعتها أعملك ليلة من ألف ليلة وليلة، ليلة محدش شافها ولا هايشوفها. ومش ليلة واحدة. وحياتك سبع ليالي ورا بعض. وقتها الدنيا ماتتسعنيش من فرحتي بيكي يا قلب أبوكي." تقلصت قسماتها الخمرية الجميلة بتعبيراتٍ أليمة وهي ترد عليه بخوفٍ بيّن: "أنا مش عايزة يجرالي زي بطة يا بابا."

مجرد طرح المقارنة وإمكانية حدوث ذلك لابنته. مجرد تخيلها مكان "فاطمة" في تلك الليلة ورؤية وجهها مذعورًا وسماع صراخها من خلف باب غرفة، وحدها مع رجل حتى ولو كان زوجها. هذا التصور وحده الذي أُجبر على استعراضه بمخيلته مرتين حتى الآن، جعل النيران تتأجج من أعماقه متصاعدة، حتى طالت قمة رأسه وكادت تذهب بعقله كليًا، لولا أنه أدرك بأنها لا تزال بين يديه. تمالك "سالم" أعصابه بجهد، ثم نظر لعينيها بعمق وخاطبها بهدوءٍ واثق:

"سلمى، عاوزك تبقي واثقة من حاجة واحدة بس في الدنيا دي كلها. لو حد فكر يمسك بسوء أنا أمحيه من على وش الأرض في ثانية. وقبل ما يجرب يخطي ناحيتك خطوة. إوعي تخافي أبدًا. اللي حصل لبطة كان غلطة عملها أخوكي واتحاسب عليها. بس عمرها ما تحصل معاكي طول ما أنا وإخواتك عايشين وبنتنفس. مصدقاني؟ سلمى بقليلٍ من التردد: "مصدقاك. بس أنا برضه خوفت أوي! رقت نظراته كثيرًا وهو يحتضن جانب وجهها بكفه الضخم متمتمًا: "من إيه بس يا حبيبتي؟

عضت "سلمى" على شفتها السفلى قبل أن تقول على استحياء: "إمبارح، لما كنت واقف تحت شباك رزق، ورمى المنديل الصغير. ساعتها شفتك بتضحك ومبسوط أوي. وبعدين خدته وأديته لستي دلال وبرضه شفتها بتضحك وتحطه على وشها وبتزغرط. وأنت وعمامي واقفين كلكم بتضحكوا. أنا خوفت منكم كلكم يا بابا!

أمعن "سالم" النظر بقسماتها الأنثوية الجميلة والشبيهة قليلًا بقسماته. ضايقه أن يرى حقًا تعابير الخوف تستبد بها بهذا الشكل. فسحب نفسًا عميقًا ثم قال دون يغير من وضعيته شيئًا:

"بصي يا حبيبتي. إنتي لسه سنك صغير عشان تفهمي اللي حصل ليلة امبارح ده. بس أنا هاختصر عليكي وأقولك إنها حاجة ضروري تحصل لأننا عايشين في وسط شعبي. لينا عادات وتقاليد. يمكن الحكاية قاسية شوية، بس لا بد منها. عشان الراجل والست الاثنين يقدروا يمشوا قدام الخلق راسهم مرفوعة. البني آدم يا سلمى ما يساويش حاجة لو فقد شرفه وكرامته. لما تكبري وتبقي عروسة إنتي أول واحدة هاتصمي على حاجة دي. وهاتبقي فخورة بنفسك. بس مش أكتر مني أنا يا قلبي."

وضمها إلى صدره الواسع بشدة حنونة مضيفًا: "وعلى أي حال متخافيش. سلمى بنت سالم الجزار مش أي حد ياخدها. واللي هاياخدها هايحطها تاج على راسه. عمري ما أسمح لمخلوق يزعلك أو ينزل دمعة واحدة على خدك. آكل قلبه! أجفلت الفتاة بخوفٍ من ذاك الوصف الأخير، لكنها ما لبثت أن ابتسمت أخيرًا، عندما شعرت وتأكدت من صدق أقوال أبيها. إذ نعم وألف نعم. إنها "سلمى"...

ابنة "سالم الجزار". وشتان بين "سالم الجزار" وبين الناس جميعًا، حتى لو إخوته، هو الأكبر قيمة ومقامًا. عليها أن تؤمن بأنها لن تضام أبدًا ما دام اسمها مقترنًا باسمه. هكذا طوال حياتها ستظل تنعم بالحماية والأمان التام. *** لا! لم يبرد قلبها بعد، حتى بعد رؤيته وهو يتعذب ويُهان على مرأى من الجميع ومسمع. لا زال جرحها أشد عمقًا وألمًا من أن تداويه خمسون جلدة، أو حتى إذا أتم الثمانون.

طعناته لها كانت أقل، ولكنها تعادل مليارات من صنوف وأشكال الوجع والأذى الجسدي والمعنوي، فضلًا عن عدم تقبلها إياه. صارت تكرهه وهي التي لم تكن تحبه يومًا ولا حتى تبغضه. اليوم، بل انطلاقًا من الأمس "مصطفى الجزار"... زوجها... أمسى ألد عدوًا لها. مهما حدث لن تعود إليه. لن تنظر في وجهه ما دامت حية!!! كانت تجلس منذ الظهيرة، منذ أتى "رزق" وأمام عينيها أنقذ "مصطفى" من العقوبة الواقعة عليه. لم تبارح مكانها هنا عند النافذة.

جلست فوق كرسي مبطن بالإسفنج، تسند رأسها إلى إطار النافذة المزدوجة، تراقب المارة بالأسفل ودموعها تسيل في صمتٍ على خديها الشاحبين، رأسها متخمًا بالأفكار. لكنها لا تستطيع أن تنبش بها، فإذا فعلت حتمًا سيصاب عقلها بالشلل كما حدث لجسدها ليلة أمس، من شدة العذاب الذي نزل به لم يتحمل وتخشّب تخشيبًا. "بطة! ارتعدت بذعرٍ حين سمعت النداء المبهم.

لكنها سرعان ما اطمأنت حين التفتت ورأت زوجة عمها تقف عند عتبة باب الغرفة. ابتسمت لها ابتسامة لم تصل إلى عينيها وقالت بعتبٍ واضح: "أيوة يا أبلة عبير. نعم؟ شملتها "عبير" بنظرات العطف المحبة وقالت: "أمك وأبوكي قاعدين برا يا حبيبتي، عاوزين يدخلوا يشوفوكي! انسحبت الدماء المسحوبة أصلًا من وجه "فاطمة" وقامت من مكانها فورًا متحاملة على جميع آلامها. "لأ يا أبلة عبير!!

" هتفت "فاطمة" معترضة وهي تعرج على قدم وقدم وصولًا للجهة الأخرى من الغرفة. "لأ مش عاوزة أشوفهم. لا أمي ولا أبويا. ماتخليهمش يخشوا هنا ونبي." نظرت لها "عبير" بعجزٍ، ووقفت تلتفت خلفها مرارًا حائرة، هكذا لمدة دقيقة كاملة. إلى أن تفاجأت "فاطمة" برؤية أمها أولًا، ثم لمحت أباها في إثرها.

بإذعانٍ شديد أفسحت "عبير" لهما ليلجا، بينما تتراجع "فاطمة" للوراء حتى التصقت تقريبًا بالجدار. اكتنفتها نظرات أبويها المتلهفة فور وقوع عينيهما عليها. وكانت "نجوى" أول من تحدثت بتلك اللهجة الكسيرة: "فاطمة! يا بنتي يا حبيبتي.. عارفة إن دي كانت أطول ليلة تمر عليا؟ غيابك قاطع بأمك يا نور عيني. تعالي يا حبيبتي في حضن أمك." "إوعي تقربي مني!!! " صرخت "فاطمة" بوجوههم جميعًا موسعة دائرة تحذيرها.

جمدت "نجوى" محلها مصدومة، لتستطرد "فاطمة" مصوبة نحوهم نظرات العداء الصريحة: "أنا ما عدتش طايقة أشوفكم كلكم أساسًا. إزاي. وبأنهو وش جايين تشوفوني؟ رررردددوا عاوزة أعرف إزااااي؟؟؟؟؟ "مش كده يا فاطمة! " قالتها "عبير" بتأثرٍ بالغ وهي تمضي نحو "فاطمة" مسرعة. أمسكت بها وحاولت تهدئتها: "ما تضغطييش على نفسك بالطريقة دي يا بنتي. إحنا مش ناقصين تتعبي تاني." طغى صوت "إمام" القوي على الأجواء المتوترة في هذه اللحظة:

"سبيها يا عبير. سبيها تخرج كل اللي جواها. أحسن. عشان لما يرجع مصطفى وترجع هي كمان معاه تبقى هادية وراسية عن كده." "أرجع مع مين؟؟؟؟!!! " تساءلت "فاطمة" مذهولة حد الجنون. وما لبث أن تحول هذا الذهول إلى انفعالٍ هز كيانها هزًا وهي تصرخ من نواصيها: "لأ.. لأااااااااااا. مستحيييل. إنت جاي تقولي أرجع لمصطفى بعد كل اللي عمله فيا؟؟؟ ده أنا أموت نفسي وما أرجعلوش!!!! تدخلت "نجوى" الآن وقد ظهرت عليها المفاجأة فعليًا:

"إيه اللي بتقوله ده يا إمام؟ إحنا ما جبناش سيرة الكلام ده قبل ما نطلع هنا. وحتى لو قلتلي قبلها. أنا مش موافقة. بنتي عندي أهم من أي حا آ ا... "اسكتي إنتي يا ولية! " قاطعها "إمام" مخشوشنًا. "مافيش كلمة بعد كلمتي." "أنا مش هارجع!!! " صرخت "فاطمة" ثانيةً مطرقة الرأس. فاستشاط "إمام" غضبًا وصاح: "وأنا قلت كلمة. أول ما يرجع مصطفى إنتي كمان هاترجعي بيتك معاه. مش هانفرج الناس علينا أكتر من كده. كفايانا فضايح."

رفعت "فاطمة" نحوه عينين مغرورقتين بالدموع، وانتحبت قائلة بمرارةٍ وهي تتشبث بذراع زوجة عمها: "يا بابا حرام عليك. هاترجعني عنده تاني. ده اغتصبني قدامكم كلكم وأنتم ساكتين وسبتوه! انتفض "إمام" مغمغمًا عبر أسنانه: "اخرسي يابت بلا قلة حيا على رأي ستك. مافيش راجل بيغتصب مراته. إنتي عايزة حد يفوقك!!! وجاء ليخطو خطوة نحوها وهو يرفع يده مهددًا، فاعترضت "نجوى" طريقه فورًا صائحة بهلعٍ: "هاتعمل إيه يا إمام؟؟؟؟؟

كوّر "إمام" قبضة يده، بينما تنطق "فاطمة" بأسى مزدري: "سيبيه يا ماما. مش هاتفرق لو عايز يضربني. أنا كده كده ميتة. إنتوا كلكم دبحتوني ومعايا بقيتوا اسم على مسمى!! كلماتها مست أفئدة الجميع المجروحة حقًا لجرحها، وإن لم يبدوا ذلك كليًا. في المقابل أبوها يغمض عينيه ليخفي مدى تأثره باتهاماتها الصحيحة. وعوض ذلك وضع نظره بالأرض وهو يرفع نبرة صوته قائلًا بصرامةٍ:

"أول ما يرجع مصطفى من المستشفى هاتطلعي شقتك وتستقبليه بنفسك كمان. انتهى! وأولاهم ظهره ثلاثتهن وغادر ممزق الصدر مغمومًا. *** الآن... صوته هو الذي بلغ جنابات البيت إلى حد سمعه أهالي الحي القريبين وأمام الباحة. لم يسيطروا على فضولهم وهم يتطلعون لأعلى، حيث نافذة شقة الكبير. "سالم الجزار". بالداخل...

كان هناك "رزق". يقف في مواجهة أبيه أمام الشرفة المفتوحة. عيناه الزرقاوتين صارتا الآن أقرب إلى السواد وهو يحدق بعينيّ "سالم". سواد لا يختلف البتة عن قميصه الملتصق بجزعه القوي. وقف "سالم" ضده هادئًا، باردًا كالعادة، وبأعصابٍ كالجليد استمر يستمع إلى صياحه الغاضب المصم:

"اللي إنت عملته وفاكر إنه من الحكمة وفرض سيطرة على الكل للأسف قدام ها يخيب ظنونك دي. مصطفى من غير حاجة سوداوي وأعصابه بتحكمه. ما فكرتش هيبقى إيه الوضع لما يرجع ويستوعب اللي جراله؟؟؟؟ هز "سالم" رأسه نفيًا وقال بفتورٍ: "لأ.. ما فكرتش. كل اللي فكرت فيه إنه كان لازم يتربى. مصطفى ما غلطش غلطة واحدة. مصطفى بقاله فترة سايق العوج ومعايا أنا بالذات. كان لازم يفوق." رزق بغضب شديد: "وأنت كده فوقته؟؟؟؟

إنت أهنته. كسرت عينه قصاد أهل المنطقة اللي المفروض بيحكمها زيه زينا. الناس تحترمه تاني إزاي؟ لما ضيعت هيبته وسطهم ترجع تاني إزاي؟! "أنا أبـــوه! " صاح "سالم" محتدًا وقد صارت نظراته أكثر قتامة الآن.

"محدش بيعاير عيل لما أبوه بيجي يأدبه أو حتى لو ضربه علقة موت. اللي مد إيده على مصطفى يبقى أبوه مش واحد من الشارع. محدش يقدر يقل منه. ولا إنت يا رزق هاتبقى أحن عليه أكتر مني. ده ابني أنا. وأنت بالنسبة له حيالله نص أخ. وما تنساش حقيقة إن مصطفى عمره ما حبك وأنا اللي دايمًا بجبره يحترمك. جاي تدافع عنه دلوقتي؟!!! أومأ "رزق" قائلًا بقوة:

"أيوة بدافع عنه. لأنه أخويا. حتى لو هو نفسه مش شايفني كده أصلًا. أنا عمري ما أجي ضد مصطفى أبدًا. بالعربي يعني لو بالنسبة له مش أخ فانا حليفه. فاهم المعنى يا معلم سالم؟ ابتسم "سالم" بغموضٍ أمام ابنه، لكنه في قرارة نفسه كان قد أعجبه حديثه وأغاظه في نفس الوقت، أن يتفوق ولده عليه بالحكمة والدراية، بل ويجعله صغيرًا أمام نفسه حقًا بعد أن ظن أفعاله هي الصواب. ما دفعه للقول متعمدًا النقصان منه:

"إنت عشان معاك سلاح التعليم والثقافة فاكر نفسك هاتعلي عليا. لكن لأ. الحقيقة غير كده. إنت بسنين علامك والكتب اللي حشيت راسك بيها ودماغك دي كلها ما تجيش حاجة جمب خبرتي. أنا بيتقالي المعلم. إنت بقى يا رزق بيقولولك إيه؟ ردًا على ذلك، وإحباطًا للهجة الفخر في صوت أبيه قال "رزق" واضعًا النقاط على الحروف:

"طيب يا معلم سالم. يا كبير. لو حقيقي عندك حكمة وطول نظر. إزاي فكرت ولو لثانية تدخل مصطفى على فاطمة ويتقفل عليهم باب واحد وهو في الحالة دي؟ ما جاش في بالك أي حاجة ممكن تحصل أسوأ من اللي حصل؟ مثلًا البت ما تستحملش وتروح فيها وهي خايفة ومتوترة بالشكل ده! أو تكون حالتها مختلفة عن معظم البنات وما يتمش المراد اللي وقفتوا تستنوه ف مصطفى يشوف كده يتغابى عليها ويتجنن خالص فيموتها بإيده وهو لوحده معاها محدش يلحق يمنعه!!

ما فكرتش خالص في احتمالات زي دي يا معلم؟! على عكس التوقع، صمت "سالم" في المقابل وقد آمن الآن بأن معادلة القوة قد انقلبت لصالح ابنه، وأن "رزق" قد نجح وببساطة في إثبات جدارته، وأنه بالفعل أنسب شخص لتولي زمام الأمور من بعد أبيه. إنه حقًا ولي العهد. هو لا غيره. "إنت الغلطان! " قالها "رزق" بغلظةٍ مفاجئة، وأردف مشددًا على كلماته ومشيرًا له بسبابته:

"محدش غيرك ولع نار الفتنة دي. ومحدش غيرك يقدر يطفيها. وصدقني. لو معملتش ده في أسرع وقت كلنا هانخسر. وهانخسر كتير أوي." مثل مصارعٍ محاصر عند حواجز الحلبة، تلقى "سالم" كلمات ابنه دون أن يدفعها أو يردها عليه. فانتفض "رزق" عادلًا هندامه وهو يضيف مستعدًا للرحيل: "بالإذن. راجع المستشفى لأخويا. ياريت تفكر في كلامي وتشوف ممكن تتصرف إزاي قبل ما أجيب مصطفى وأرجع! وأدار له ظهره ماضيًا صوب باب الشقة كهبة عاصفة.

بينما بقى "سالم" محله، يفكر جديًا بحل ما كما نصحه ابنه. والحقيقة أنه وجد حلًا بالفعل. *** في دورة المياه المترفة كثيرًا، تشعر "نسمة" بساقيها تهاوى فتسقط بكل ثقلها فوق المرحاض المغطى. كانت تكمم فمها بكفها، بينما عيناها مثبتة على الأنبوب الطبي الصغير بيدها. كان شعورًا متضاربًا يضج بأعماقها، إذ أنها فعلتها من باب الصدفة، لا أكثر. لم يخيل لها مطلقًا أنها ستحصل على أي نتيجة إيجابية. ولكن ها هي... "حامل!

" غمغمت "نسمة" بصوتٍ هامس. وكررت غير مصدقة: "حامل! ابن رزق!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...