الفصل 26 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
22
كلمة
1,856
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

يجلس الآن بشقة أمه، صدره يخفق باللهاث، السوط الذي مزق به جسم إبنه لا يزال في قبضته، يقطر دماء "مصطفى" حتى هذه اللحظة فوق الأرض عند قدمه. بينما قبضته الأخرى والملطخة أيضًا بنفس الدماء مفرودة أمام عينيه، لا تكف عن الارتعاش لا إراديًا. عجبًا! لما كل هذا الإنفعال الآن؟ أليس هو الذي صمم أن ينزل بولده هذا العقاب الشديد أمام أعين رعاياه قاطبةً؟ وهو بذاته الذي أراد إذلاله ثأرًا لشخصه هو بالمقام الأول.

إذ كثرت أخطاؤه أمامه بالآونة الأخيرة وصار يتبجح عليه بجرأة ملفتة للأنظار. بالنسبة إليه مئة بالمئة قد استحق "مصطفى" ما حاق به. ولكن... بعد كل ما جرى.. بعد محيئ "رزق" تحديدًا وإنقاذه لأخيه من قبضته.. لماذا هو مبعثر الفكر هكذا؟ لماذا يشعر بالارتباك وهو نادرًا ما يحدث له بحياته!!! "ارتحت يا إمام إنت وبتك؟

هدر صوت الجدة "دلال" بكل هذا القدر من الغضب والحسرة في آن. كانت الدموع بعينيها تترقرق مهددة بالسقوط في أي لحظة. بينما يقف إبنها الأوسط أمامها مطرق الرأس كتلميذ معاقب يستمع لتوبيخها المتواصل. "بهدلة مصطفى قصاد الخلق بردت قلوبكوا؟ لو كان أبوه خلص عليه خالص كنتوا هاتتبسطوا أكتررررر؟ حاول "عبد الله" الذي انضم إليهم حديثًا أن يتدخل وهو يغلق باب الشقة الآن حتى لا يصل الحديث إلى الخارج.

"ياما إهدي شوية. مش حلوة العصبية دي عليكي.. إللي حصل حصل بقى خلاص." دلال بصراخ منفعل: "لأاااااا. مش خلاااااااص.. أنا قلبي ده قايد ناااار. أول مرة تحصل. أول مرة أسمع وأشوف. الراجل يتجلد ويتقل منه عشان حرنان على شرفه؟ وبتك يا إمام إللي تستاهل كسر رقبتها. قسمًا يمين بالله أنا لو كنت بصحتي كنت طلعت أنا وجبتها من شعرها تحت رجلي. إللي تقفل على روحها باب الأوضة وقال إيه خايفة خااااايفة من إيه الـ××××× دي؟

إللي أصغر منها عنيهم بجحة وما يصدقوا يشوفوا راجل أصلًا وإنتوا تخيل عليكوا الحركات إللي عملتها السافلة قليلة الرباية. الله يرحمه أبوك لو كان عايشلها ماكنش طلع عليها صبح. إنتوا خيبتوا كلكوا خلاص. مابقتوش رجااااالة... "خلاص يامــــا!!! صاح "سالم" مقاطعًا إياها فجأة. رفع رأسه مصوبًا نحو أمه نظراته المحتقنة بمشاعره المتضاربة كلها، ثم قال بحدة رعناء:

"الموضوع ده إنتهى. محدش هايجيب سيرته تاني أصلًا وإن سمعت بيه هاقطع لسان وخبر أي حد ممكن ينطق بكلمة تانية.. حتى لو كان من أهل البيت ده!! وهب واقفًا بلحظة ساحبًا شال عباءته على كتفه، ثم مضى كعاصفة من بين أخويه، فتح باب الشقة وعبر خلاله قاصدًا شقته بالأعلى.

لكنه جمد فجأة حين رأى إبنته "سلمى" تجلس بمنتصف الدرج، تلتصق بهيكل الدرابزون الحديدي وتبكي كالأطفال. فما إن رأت أبيها حتى قامت فورًا وراحت تتخبّط بمكانها باضطراب وهي تبكي بحرقة أشد. بينما يرمي "سالم" السوط المدمى من يده، ويهرع نحوها وهو يصيح متسائلًا: "سلمى! مالك يا حبيبتي؟؟ حاول أن يمسك بها بادئ الأمر، لكنه أقلع عن الفكرة حين شاهد الذعر منه بعينيها وشلّته الدموع الغزيرة التي أغرقت وجهها الجميل. فعوض ذلك

قال بصوت هادئ لاستمالتها: "سلمى. حبيبة أبوكي... إنتي خايفة مني؟ لا إراديًا وجدت الفتاة نفسها تومئ له أن نعم، فوقع عليه جوابها كقبضة حديدية اعصرت قلبه. أغمض عينيه بشدة للحظة، ثم فتحهما ونظر لها مرة أخرى. رسم ابتسامة خفيفة على ثغره وقال بلطف: "ماتخافيش.. إنتي بالذات إوعي تخافي مني. إنتي ماتعرفيش غلاوتك في قلبي إزاي.. أنا عمري زعلتك؟ عمري مديت إيدي عليكي ولا زعقتلك حتى؟!

هطلت دموع الفتاة على خديها أكثر وهي تهز رأسها للجانبين بقوة، فاتسعت ابتسامة "سالم" وهو يتقرب منها ببطء قائلًا: "ولا عمري هاعمل كده. أوعدك.. معقول مش بتصدقي أبوكي!!! ردت "سلمى" بين شهقتين مريرتين: "بصدقك! وارتمت بين ذراعيه.. محطمة ومقهورة بحزنها. ضمها "سالم" بحنان إلى صدره وغمغم مقبلًا رأسها: "حبيبة أبوكي إنتي.. حبيبتي وقلبي يا سلمى.. إوعي تخافي مني أبدًا. استحالة يطولك مني أذى.. إنتي بالذات! "مصطفى!!!

نطقت "سلمى" بصعوبة وقد تضاعفت شهقاتها. تنهد "سالم" بثقل وهو يربت على كتفها مواسيًا: "هايرجع. ماتقلقيش عليه.. أخوكي رزق معاه. مش هايرجع غير بيه.. ماتخافيش بقى.. يلا تعالي معايا! ثم حملها وصعدا معًا إلى شقته. *** في إحدى المستشفيات الخصوصي... حيث نقل "رزق" أخيه ودفع بالكارت البنكي مبلغًا طائلًا قبل أن يسمحوا لهم بالدخول. جاء طاقم التمريض بسرعة وحملوا "مصطفى" المغشي تمامًا إلى قسم الطوارئ.

أرادت "هانم" أن ترافقه لكنهم لم يسمحوا لها مطلقًا، فأبقى عليها "رزق" بجواره متحدثًا إليها بلباقته المعهودة: "سبيهم يشوفوا شغلهم يا مرات أبويا. أوضة الكشف متعقمة ماينفعش يدخلها إلا المصاب والدكاترة بس.. ماتقلقيش مصطفى هايبقى كويس! وبقي بمكانه أمام غرفة الفحص لم يتحرك أبدًا، بينما "هانم" تلقي برأسه فوق صدر إبنها الأصغر "حمزة" باكية. وإذ نجح الأخير في تهدئتها قليلًا.

أشار له "رزق" ليقترب، فترك أمه بوعد بالعودة إليها سريعًا. اقترب من أخيه أكثر، ليخاطبه "رزق" بصوت خفيض صارم: "إحكيلي إللي حصل كله يا حمزة. قولي أبويا عمل في مصطفى كده ليه؟ وإزاي عمامي سابوه؟ عض "حمزة" على شفته شاعرًا بالخجل مما هو على وشك البوح به، لكنه أمام تصميم أخيه الأكبر اضطر لسرد كافة الأحداث الأخيرة كلها عليه بإيفاء وإيجاز. "كل ده حصل وأنا نايم في الخط؟!!! علّق "رزق" مذهولًا عقب أن فرغ "حمزة" من حديثه.

رد "حمزة" بتوتر جلي: "القيامة قامت في بيتنا إمبارح.. مصطفى كان زي التور الهايج بالظبط. محدش كان قادر يسيطر عليه.. تصور أنه رفع السلاح في وش أبويا!! اسودت زرقة عينا "رزق" فجأة وهو يغمغم بغضب مضمر: "أبوك غلطان.. محدش غلطان غيره! نظر له "حمزة" مدهوشًا ولم يتكلم. ليسمعوا بعد لحظة باب غرفة الفحص ينفتح، ثم يظهر من خلفه كبير الأطباء. كانت "هانم" أول من طارت تجاهه. بينما مشى كلًا من "رزق" و"حمزة" في إثرها.

"إبني في إيه يا دكتور؟؟ هتفت "هانم" بصوت أقرب للصراخ وهي تمسك بكم بزّة الطبيب المعقمة. "إبني كويس صح؟؟ كانت دموعها تتساقط من عينيها بلا انقطاع. في المقابل عمد الطبيب إلى تهدئتها قائلًا بلهجة متحفظة:

"ماتقلقيش يا مدام إبنك كويس أوي. مافيش أي حاجة تستدعي الخوف ده كله.. إحنا جوا كشفنا عليه مافيهوش أي إصابات غير آثار التعذيب الواضحة على ضهره. ودي تتعالج بكل سهولة وتشفي آثارها بسرعة كمان مع المواظبة على الأدوية إللي هانكتبهاله." تداخل صوت "رزق" الرزين مع صوت الأخير: "يعني هو يقدر يخرج معانا يا دكتور؟ نظر له الطبيب وأجاب:

"طبعًا يقدر.. بعد المحاليل إللي علقناهاله ما تخلص يقدر يخرج طبعًا. بس أنا من رأيي يقعد إنهاردة تحت الملاحظة خصوصًا لو حابين تقدموا محضر بالواقعة.. إللي أنا شوفته إن دي آثار تعذيب واعتداء بالضرب المبرح أدى لفقدان الوعي! لوّح "رزق" بيده بالهواء قائلًا بنفي جازم: "لالا مافيش محاضر هاتتقدم. أنا موافق يقعد إنهاردة تحت الملاحظة.. بس من غير محاضر ولا حاجة." هز الطبيب كتفيه:

"إللي تشوفه حضرتك.. عن إذنكوا طيب عندي عملية كمان ربع ساعة. يدوب أجهز." تمتم "رزق" مفسحًا له ليمر: "إتفضل! بينما جاءت "هانم" لتمضي ناحية الغرفة، فقبض "رزق" على رسغها وقال بحزم لطيف: "مش هاينفع تدخلي يا مرات أبويا. قولتلك أوضة الكشف مابيدخلهاش إلا الدكاترة.. هما شوية وهايطلعوه وينقلوه أوضة مخصوصة. إبقي شوفيه هناك براحتك." ثم التفت صوب أخيه مستطردًا: "حمزة.. تخليك جمب أمك ماتسيبهاش. أنا طالع وراجع تاني.. مش هتأخر."

"رايح فين يا رزق؟ "رايح لابوك! قالها "رزق" بصوت أكثر خشونة. وعبث في جيبه للحظة، ثم أمسك بكف أخيه ودس به بضعة من الأوراق النقدية قائلًا: "خلي دول معاك لو إحتاجتوا أي حاجة تتصرف بيهم.. أنا مش هتأخر زي ما قولتلك... قاطعته نغمة هاتف "حمزة" المألوفة، إذ سمعها "رزق" لأكثر من عشرين مرة خلال مجيئهم إلى هنا.. وحتى هذه اللحظة. "مين بيكلمك؟ سأله "رزق" باقتضاب. تأفف "حمزة" بنفاذ صبر وهو يستلّ هاتفه من جيب سرواله الخلفي مغمغمًا:

"كلهم.. كلهم بيكلموني. ستي و عمامي.. تخيل حتى عمي إمام بيكلمني. قال يعني عاوز يطمن على مصطفى! أمره "رزق" بصرامة حادة: "ماتردش على حد.. إوعى ترد عليهم. أنا بنفسي رايحلهم."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...