الفصل 9 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل التاسع 9 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
19
كلمة
1,709
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

تلك الرائحة الغالية.. العزيزة على قلبه وخاطره، لا ينساها أبدًا، في عمق ذاكرته موجودة كما توجد هي بملامحها وعبقها المميز الذي يحفظه كخطوط كفيه منذ طفولته. النهار المعتدل الساطع بحي "سان ستيفانو".. صباح منعش بروائح مختلطة... عطر أمه.. تبغ أبيه.. ووجبة الفطور الأساسية المؤلفة من الخبز الطازج المخصوص الذي لا يخرج بمذاق أكثر روعة إلا من يدي والدته الجميلة فقط...

الشاي الأخضر بالقرنفل خاصتها.. قهوة والده.. والحليب بالكاكاو.. مشروبه هو المفضل دائمًا. كانت العادة أن يستيقظ كل يوم بين أحضان أمه حتى لو لم يغفو إلى جوارها، لم تدعه أبدًا أن يرى شيئًا في بداية يومه سوى وجهها، وأن يشم رائحتها وتحتضنه وتقبله. كان يحب هذا بشدة، أن تحتضنه وتغرقه بالقبلات وكأنها لتأكله إن جاز ذلك، لطالما استشعر حبها الكبير له بهذه الطريقة وغيرها.

وبدوره كان يعبر لها عن حبه بأن كان طفلًا مهذبًا للغاية، مطيعًا ومتعاونًا.. فبينما يكون أبيه جالسًا بالتراث المطل على البحر مباشرة يقرأ صحيفته بانتظار الفطور.. يكون هو برفقة أمه بالمطبخ يلبي لها متطلباتها البسيطة. -بتعمل إيه يا رزق؟! تفاجأ بسماع صوتها من خلفه، انتفض بقوة وغمره الارتباك، إذ لم يتوقع أن تلاحظه الآن.. فلم يمر عليه منفذًا خطته السرية سوى ثلاث دقائق بالضبط. لمح الصغير "رزق" طيف والدته يقترب من الوراء،

فصاح يجمدها محلها: -لأ يا مامي.. إوعي تبصي دلوقتي بليزززز!!! عبست "كاميليا" وقد أذعنت لطلبه ولم تقترب أكثر، لكنها سألته باهتمام: -طيب قولي بتعمل إيه.. لو في حاجة باظت منك وخايف إني أشوفها Don't Worry حبيبي. فداك أي حاجة... رد الصغير بتصميم: -مافيش حاجة باظت. خليكي بس مكانك ثواني.. ثواني! احترمت أمه رغبته وبقيت بانتظار ما يعده سرًا.

ورغم أنه استغرق أكثر من ثوانٍ، لكنها صبرت.. إلى أن استدار ناحيتها حاملًا بيديه الصغيرتين طبقًا كبير فوقه قطعة كبيرة من الخبز الفرنساوي وقد زيّنه بحبات الكرز الأحمر مشكلًا كلمة Happy Birthday Mommy. -surpriiiiiiise!!! صرخ "رزق" بحماسة كبيرة وهو يمد يديه لها. تدلى فكها من المفاجأة، وسرعان ما أطلقت ضحكة مدهوشة وهي تقترب منه أكثر قائلة: -إيه إللي عملته ده يا رزق!! تلاشت ابتسامة الصغير تدريجيًا وهو يقول بخيبة: -ما عجبكيش!

أنا عارف إنها مش كيك. بس أنا كنت عاوز أعملك مفاجأة قبل بابي! رقت نظراتها كثيرًا وهي تنحني صوبه ممسدة على شعره الأشقر، وتقول بصوتها الحنون: -حبيبي دي أحلى مفاجأة. إنت لوحدك أحلى حاجة في حياتي.. أنا قصدي أقولك يعني إنك مش محتاج تعمل أي حاجة عشان تعبرلي عن حبك. أنا عارفة إنك بتحبني.. وأنا بموت فيك يا روحي... وأحاطت وجهه بكفيها ودنت منه قليلًا لتقبله على خديه، ثم قالت بنصف عين تشاكسه:

-إنت بقى قولتلي عملت كده قبل بابي.. يعني إنت عارف إن عيد ميلادي لسا بالليل الساعة 12 ف قلت تقولي كده دلوقتي وبالطريقة دي قبل ما بابي يجي ويقولي Happy Birthday الأول صح؟ أومأ لها برأسه مقرًا صحة كلامها. فابتسمت بحب وحملته لتجلسه فوق الطاولة الرخامية أمامها، أخذت منه الطبق وقالت برقة: -طيب إيه رأيك مافيش تورتة النهارده ومش هانطفي الشمع إلا على الكيك بتاعتك دي! -بجد يا مامي؟! .. سألها غير مصدقًا.

لتؤكد له وهي تداعب خصيلات شعره الملساء الشذية: -طبعًا.. إنت عارف إن باباك كل سنة بيجبلي دهب وألماظ. بتشوف كده صحيح؟ -أيوة بشوف. وبيبقى نفسي أكبر بسرعة عشان أقدر أجبلك زيه!

كاميليا بجدية: حبيبي.. صدقني كل المجوهرات اللي جبهالي سالم دي ولا ليها قيمة عندي. وأنا قولتله كتير الكلام ده. قولتله إنها مجرد حجارة بالنسبة لي. وإن حبه واحترامه ليا دول بس اللي يهموني.. وإن إنت أجمل وأغلى هدية منه. رغم كده ماسمعش كلامي وعمره ما بطل يجيبلي الحاجات دي.. بيقول إن قيمتي أكتر منها وإن الغالي للغالي.. ممكن ماتكونش لسا فاهم كلامي وقصدي كويس. بس خليك فاكره. وكمان عاوزاك توعدني وعد. ممكن! رزق بتأكيد شديد:

-Sure! نظرت "كاميليا" بعينيه مباشرةً وقالت كأنما تنقش على جدار ذهنه كلماتها: -أكبر هدية ممكن تقدمهالي طول العمر. أكتر حاجة ممكن تبسطني وتخليني طايرة وفخورة بيك دائمًا.. إنك تبقى راجل. راجل ذكي. قوي. حنون.. جامع كل الصفات اللي بحاول أغرسها فيك من صغرك. عاوزاك تبقى بطل يا رزق. بطل حكايتي. علامة ليا في الدنيا دي.. توعدني؟ بتلقائية وسذاجة الأطفال نطق دون أن يعي وقتها أنه قد أبرم ميثاقٌ: -أوعدك! °°°°°°°°°°

التصادم بينهما قد تم بالفعل... اشتبكا من جديد والبطش الأعظم كان من نصيب "رزق" هذه المرة، حيث أمعن في أخيه ضربًا مبرحًا ولكمات مدمية ومحطمة. وكأنه كان عاميًا، كان يضرب فيه كل أعدائه دفعة واحدة، والدنيا... الدنيا كانت أكبر عدو له، واقعه الذي يرفضه ويعيشه قسرًا عنه، كل شياطينه السوداء وكوابيسه البشعة كأنما تجسدت كلها في "مصطفى"... فلم يرحمه "رزق" لحظة واحدة.

حتى أجهز عليه بالكامل.. ولولا مجيء أبيه المفاجئ وصعوده شخصيًا إلى الحلبة لكي يحول بينهما ما كان ليتركه قبل أن تفيض روحه في يديه... -رزق!!! .. صاح "سالم" بضراوة شديدة يضع كفه فوق كتف ابنه. جمدته تلك الحركة وجعلته يكف بالفعل عن جنونه. أفاق مذهولًا على صورة أخيه من تحته، وجهه المثخن بالجراح النازفة.. كان مغميًا عليه... رخوًا بشكل مزري. أما الخلفية، كيث العائلة والجمهور...

كان الصمت مطبقًا على الأجواء، فجأة لم تعد للمباراة أي أهمية.. بدا المشهد وكأنه مسرحية... مسرحية فجر الخليقة.. الأخوان.. وأول الأعداء من جنس البشر على وجه هذه الأرض. كان الجميع يترقب.. هل حقًا سيشهدوا موت أحدهما الآن؟ هل سيكرر التاريخ نفسه مرة أخرى ضمن ملايين المرات وأمام أعينهم؟! لكنهم لم يكونوا على علم تام، بأن هذا من المستحيل أن يحدث طالما "سالم الجزار" على قيد الحياة... مستحيل! -قوم عن أخوك!!!!

.. برز صوته الغليظ وحده مثل السهم يشق الصمت شقًا. لم يجعله "رزق" يكرر كلمته مرة ثانية. وثب قائمًا من فوق "مصطفى".. كان يتنفس بعنف وهو ينظر لأخيه الغائب عن وعيه... ثم ينظر إلى أبيه عابس الوجه. كان غضبه واضح جدًا، رغم ذلك قابله "رزق" بابتسامة خبيثة.. ثم استدار وعبر أسفل حواجز الحلبة... وهكذا غادر المباراة محسومة النتيجة. لقد فاز... لكنه خسر الوعد مجددًا!!!

_عادت إلى بيتها محملة بصدمة عمرها، عمرها الذي لم يبدأ أصلًا إلا حين رأته، وحتمًا هو الذي سيضع حدًا لهذا العمر أن ينتهي بيوم من الأيام! الآن فقط. عندما صارت بمفردها أخيرًا، وبعد أن شاهدته يتغلب بسهولة على أخيه ويحقق فوزه.. بعد أن اطمأنت عليه. دلفت إلى غرفتها وتركت العنان لدموعها أن تهطل وتغرق وجهها، حتى أنها قطرت فوق الأرض.. لكنها لم تعد تعبأ لأي مطلق شيء، كانت لا ترى أمامها سوى مصيبتها.

أملها الوحيد يتحطم والدمار يصيب حياتها على غفلة منها، إذن هو يخطط للزواج؟ لا يعلم بأنها صارت على معرفة بذلك. عظيم... لم يترك لها خيار آخر!!! اتجهت "نسمة" صوب خزانتها، فتحتها وسحبت أحد الأدراج الجانبية، عبثت بداخله حتى عثرت على بغيتها.. قنينة دواء صغيرة، تحوي حبوب منع الحمل. قبضت عليه بشدة، وبكل غضب اندفعت للخارج قاصدة دورة المياه، أفرغت محتوى القنينة كله بالمرحاض وسربت عليه الماء، ثم عادت إلى غرفتها وأمسكت بهاتفها.

كتبت له رسالة: "عاوزاك ضروري.. لو ما عرفتش تجيلي الليلة هستناك بكرة. ضروري يا رزق! "... وبعثت بها دون تردد. ارتمت فوق سريرها وطفقت تبكي وهي تدفن وجهها بالوسادة التي يضع رأسه عليها، لم تستخدمها قط خشية أن يذهب عبقه منها... الآن صارت كل مخاوفها ألا يترك لها أي أثر منه. إذا قرر أن يرحل ببساطة، إذا فشل مخططها... ماذا ستفعل.. كيف تعيش بدونه!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...