كان بطبيعته سريع وغزير التعرّق من أقل مجهود. والآن خاصةً في ساعة المران اليومية، هنا فوق أعلى قمة بمنزل "الجزارين"، حيث يقطن ويتعايش كما لو أنه بشقته الخاصة، رغم أن ما هي إلا غرفة بسيطة بالسطح. لكن أبيه جعل الطابق كله ملائمًا له، وزوّده بماكينات الرياضة الحديثة، كي ما يشبع هوسه بتنمية عضلاته والاهتمام بلياقته البدنية التي تبهر الجميع، وتزرع في قلوب أعتى المجرمين مهابة منه.
يقف "سالم" على رأسه منذ الصباح حتى الظهيرة هكذا. لا يزال يحاول إقناعه بإلغاء حدث الليلة المنتظر، ويعرف أن مجهوده من غير طائل، لكنه لا ينفك يطالبه تارة بلطف وتارة بحدة. "رزق، أنا كلمتي لازم تتسمع. من إمتى بتعصيني؟ كان ضغط دماؤه مرتفعًا بشدة والعرق يسيل حارًا من مسام جسمه ويقطر فوق الأرض. كان يتمرن بانفعالٍ كبير ويحمل أثقالًا لا يتحملها أي شخص. لكن مع ذلك رد على أبيه وأنفاسه المهتاجة تتدافع من فمه:
"ولا بعصيك دلوقتي، بس ده مش موضوع يستاهل تؤمر وتنهي فيه. إنت عارف إني بلعب Boxing كده كده ومش ناوي أبطلها. هاتفرق في إيه لاعبت مصطفى، زيه زي غيره." أحمّر وجه "سالم" انفعالًا وهو يصيح به: "هاتقف قصاد أخوك؟ هاترفعوا إيديكوا على بعض؟ الكلام ده مش هايحصل طول ما أنا على وش الدنيا، سامع؟! رفع "رزق" حاجبه وقال باستخفافٍ: "وإنت جاي تقولي أنا الكلمتين دول؟ لو خايف على مصطفى روح أنصحه ينسحب. ده أحسنله و الله!
وترك "رزق" الأثقال من يده، ليمضي نحو كرسي الرياضة العريض المبطن بالفايبر الثمين. إرتمى فوقه ممسكًا بمنشفة صغيرة وطفق يجفف وجهه وعنقه من العرق. بينما لا يزال "سالم" على وضعيته، مصدومًا في ابنه وكلماته. إلا أنه يلتفت إليه بالأخير ويرميه بنظراتٍ غير مصدقة. يلاحظ "رزق" هذه الانفعالات بوضوحٍ، فيضحك بخفة وهو يلقي بالمنشفة ليلتقط قارورة المياه الباردة ويقول بمرحٍ:
"ماتبصليش كده يابويا. قولتلك مصطفى أخويا الصغير، إستحالة آذيه! ثم فتح القارورة وشرب منها باستفاضة، وأردف بعدها بجدية: "بس في نفس الوقت ماتعودتش أخسر، وإلا هيبتي زي ما بتقول تتهز وسط أهل الحي." نطق "سالم" بحدة منهيًا معه الحوار: "طيب يا رزق، أعمل إللي إنت شايفه. بس كنت فاكرك أذكى من كده! وأولاه ظهره عازمًا الرحيل. ليجمده صوت "رزق" لبرهةٍ وهو يقول بلهجة ذات مغزى:
"ما أنا عشان ذكي مصمم أنزل قصاد مصطفى المرة دي. طول عمري نفسي أجيب م الأخر معاه. فاهمني يابويا؟! بالطبع يفهمه. هل كان ليغرق بقلقه طوال تلك الأيام القليلة الفائتة إذا لم يكن يفهم! يعلم جيدًا نوايا "مصطفى" ومدى الكراهية التي يضمرها لأخيه الأكبر. لعله لا يعرف الأسباب تحديدًا، لكن ما يهمه هو "رزق" فقط. ولده البكري طيب ورؤوف وفي نفس الوقت قاسٍ وذو بأس. لكنه لن يؤذي أبدًا إخوته. أما إخوته... "مصطفى" بمعنى أصح.
"سالم" لا يثق فيه البتة!!! "أعمل إللي يعجبك! كانت هذه أخر كلمة يلقيها "سالم" إلى "رزق" قبل أن يرحل ويتركه. ندت عن "رزق" تنهيدة ثقيلة وهو يشعر بجسده يبرد. ليقفز من مكانه فورًا مستعيدًا نشاطه قبل أن يخمد كليًا. وقبل أن يشرع بممارسة المزيد من الرياضة، يظهر "علي" فجأة عند قمة الدرج صائحًا: "يا أخي إتهد شوية بقى. مش معقول كل ما أشوفك ألاقيك شايل. إيــــه مابتتعبش!!! يرمقه "رزق" بنظرة جانبية مغمغمًا:
"قل أعوذ برب الفلق. مالك يا حبيبي في إيه؟ ما تقول ما شاء الله." أقبل "علي" صوبه وهو يحك مؤخرة رأسه قائلًا: "أقول ما شاء الله وبعدين تيجي تدرب فيا. صحيح يا ناس. آخرة خدمة الغز علقة! ابتسم "رزق" بجاذبيته المعهودة وقال ناظرًا إليه: "تعرف المثل ده كانوا المصريين مطلعينه على الأتراك. إنت قاصدها و لا إيه؟
"يا راجل على أساس إنت مش مصري. لحد إمتى هاتفضل تتغر علينا بأصلك التركي وجدك الباشا يالا.. ده إحنا أسياد البلد دي. إنت شايل إسم الجزارين يا زوز." "شرف عظيم! " علّق "رزق" ماطًا فمه في حركة تنم عن سخرية. لم يعطِ فرصة للرد لابن عمه وترك ما بيده متوجهًا نحو غرفته. خلع كنزته الخفيفة في طريقه، بينما يتبعه "علي" قائلًا: "أنا شوفت أبوك وهو نازل من عندك. بردو ماعرفش يقنعك تلغي الماتش ده؟! "ولا إنت هاتقنعني!
" قالها "رزق" بحزمٍ وهو يسحب خزانته ملابس جافة نظيفة. إلتفت نحوه مضيفًا: "ريح نفسك. كل الكلام إللي ممكن تقوله سمعته من أبويا. وبكررها للمليون. مافيش حاجة من ناحيتي لمصطفى. أنا مش حاطه في دماغي. هو إللي عاوز يوصلَّي حاجة، وأنا هاعرفها الليلة." هز "علي" كتفيه قائلًا بصدق: "أنا بس خايف عليك! رزق بتهكمٍ: "إنت كده بتشتمني. خايف عليا من مين؟ مصطفى ده أنا لو كحيت في وشه هايقع." قهقه "علي" بانطلاقٍ وقال رابتًا بقوة
على ذراع ابن عمه المفتولة: "ماشي يا عم الجامد. هانشوف الليلة دي مطحنة. وربنا يستر بقى! طمأنه "رزق": "لا ماتقلقش. مش هاتوصل لكده." "ياريت بجد. أحسن أبوك شكله على آخره. أنا أول مرة أشوفه كده! عقد "علي" حاجبيه عندما انتبه بأن الأخير لا يصغي إليه، بل وينظر في موضعٍ آخر بجواره. صوّب نظراته حيث ينظر "رزق". ليكشف بأنه لم يكن شاردًا إلا في ذلك الإطار الخشبي الصغير الذي أحاط بصورة أمه. "وحشتك؟!
تفاجأ "رزق" بسؤاله وما لبث أن أفاق من شروده. نظر إليه بصمتٍ، ولم يحاول إخفاء مشاعره عنه باعتباره أقرب صديق له وليس ابن عمه فقط. أومأ له برأسه أن نعم، فقال "علي" بلطفٍ: "بس لو تسمع كلامي. قولتلك سيبلي الموضوع ده وأنا هادورلك عليها. هلاقيها يا رزق لو فين صدقني! قست ملامح "رزق" في هذه اللحظة وهو يهتف بصرامةٍ: "لأ.. لأ يا علي. لا إنت ولا أنا ولا أي حد ينفع يوصل لأي معلومات عنها." "ليه بس.. ليه فهمني؟!
"أنا عملت كل ده عشانها. أنا لسا قاعد هنا وما مشيتش عشانها وعشان إللي خدته أو خدتها معاها. أنا لوثت إيدي وبقيت شخصية قذرة. كل ده عشانها. إستحالة أرضى ترجع وتعيش هنا تاني. مكانها مش هنا يا علي... تقلصت عضلاته على نحوٍ غير إرادي، فشد على قبضتيه وهو يستطرد بخشونةٍ:
"لو شافتني دلوقتي مش هاتحب الصورة إللي هاتشوفها. مش هاتصدق إني ابنها. مش هاتصدق إن دي تربيتها وتربية أبوها إللي إداني كل حاجة وعلمني. أنا خلاص. غرقت في المستنقع ده عشان أنقذها هي. مابقاش ينفع أخرج منه." علي باستنكارٍ: "إنت ليه مشيل نفسك فوق طاقتك يا رزق.. ليه بتعمل في نفسك كده. إنت عارف.. واحد غيرك كان خد موقف منها هي. هي ليه سابتك؟ ليه مارجعتش عشانك؟ إنت إبنها بردو مش بس إللي كانت حامـ آ ...
قاطعه "رزق" واضعًا سبابته فوق فمه، ثم قال زاجرًا إياه: "حذرتك 100 مرة. الكلام ده مايتنطقش. محدش لازم يعرف السر ده غيرنا. ماتخلنيش أندم إني حكيت لك! أجفل "علي" مرتبكًا وقال: "أنا مش قصدي. إحنا لوحدنا يعني ومحدش سامع. يا سيدي خلاص حقك عليا. مش هانطق حرف في الموضوع تاني... ثم قال دافعًا إياه بكتفه على سبيل المزاح:
"ولو إنك منكد على نفسك وعلينا ومش راضي بعيشتنا. أنا عارف جدك الباشا ده طنش ولا سألش ليه على عمي قبل ما يجوزه أمك! ابتسم "رزق" بازدراء قائلًا: "مات وما عرفهاش بردو. حقيقة أبويا. عادي. زيه زي غيره. هو إحنا مين يعرف حقيقتنا غير الناس إللي تحت رجلينا. إنت ناسي إن ده قانون الجزارين! "بالهنا والشفا يا تيتا! قالتها "ليلة" بعد أن نجحت دون غيرها بإعطاء جرعة الدواء كاملة إلى جدتها.
وكأنها حققت إنجازًا عظيمًا، ناولتها السيدة "عبير" كأس المياه وهي تقول ببهجة: "والله يابنتي سرك باتع. من ساعة ما دخلتي علينا والفرح هالل. شبكة مصطفى على بطة. وكمان أما دلال بقت صحتها عال أوي. كنتي فين من زمان يا ليلة! قربت "ليلة" الكأس من فم جدتها وساعدتها على إنهائه وهي ترد على زوجة عمها في آن: "أديني جيت لحد عندكوا أهو. كل شيء بأوانه و لا إيه يا طنط عبير."
"آه طبعًا يا حبيبتي. بس مش آن الأوان بقى تقبلي دعوتي أنا وعمك وتطلعي تعيشي معانا في شقتنا. والله هانشيلك فوق راسنا. أنا مش هاخليكي تشيلي الياسمينا من على الأرض! "ليلة مش هاتسيبني يا عبير!! برز صوت "دلال" المتحشرج في هذه اللحظة. وجدتها "عبير" تحدقها بنظرة قوية وهي تستطرد بصرامة: "سبيلي بت ابني أشبع منها شوية. مش كفاية طول عمرها بعيدة عني!! عبير ضاحكة:
"ياما أنا مش هاخبيها. دي هي ليلة وفراقها صبح. يدوب هاتطلع تبات عندنا. وتاني يوم من النجمة تنزلك." دلال بعنادٍ: "لأ.. ولا ساعة واحدة. وكمان دول كلهم كام شهر ورزق هايتجوزها وياخدها مني خالص. كلكوا بقى مستكترينها عليا شوية تونسني وتملا عليا بيت الحزن ده! "عوافي ياستي دلال! كانت هذه "نسمة"!!! هكذا ومن العدم ظهرت عند عتبة الغرفة. ما إن رأتها "دلال" حتى تهللت أساريرها، ودعتها فورًا مرحبة:
"أهلًا يا أهلًا بحبيبتي الغالية. تعالي يا نوسا. خشي يابت. ياااااه ده إنتي وحشتيني أوي يا مغدورة! لم تحيد "نسمة" عن "ليلة" طرفة عين، وقد كان تعبيرها المصدوم متجليًا للعيان. لكنها إنصاعت لأمر "دلال" ودخلت بخطواتٍ متباطئة وهي تقول بصوت لا حياة فيه: "أنا كنت راجعة من السوق. ومعدية بالصدفة. قلت أدخل أسلم عليكي. باب السكة كان مفتوح! دلال موبخة: "جرى إيه يابت إنتي غريبة؟ المقفول يتفتح لك في أي وقت. يا هبلة."
ونظرت إلى حفيدتها مكملة: "دي بقى نسمة يا ليلة. مجايب رزق. بس ماقولكيش. ماتتخيّرش عنك بالنسبة لي. أنا روحي في البت دي لله في لله." عبست "ليلة" بادئ الأمر عند الإتيان على سيرة "رزق" وجمعه مع تلك الفتاة في جملة واحدة، لكنها سرعان ما تجاوزت الأمر لعدم أهميته بالنسبة إليها، ونظرت لها قائلة برقتها المعهودة: "أهلًا وسهلًا. تشرفنا يا قمر! إكتفت "نسمة" بإيماءة ردًا عليها ولا يزال التجهم يملأ قسمات وجهها.
ولكن قبل أن تلاحظ "ليلة" هذا أيضًا، دق هاتفها فجأة، فاستلته من جيب سروالها الواسع. وإنتفض قلبها رعبًا حين قرأت اسم المتصل. جاهدت بأقصى ما عندها من ثباتٍ كي ما تلفت إليها الأنظار. رسمت ابتسامة مقتضبة على ثغرها وقامت بسرعة وهي تقول: "I beg your pardon يا تيتالازم أطلع أرد على المكالمة دي. مش هتأخر! وبدون أن تسمع رد الجدة ركضت إلى الخارج في إثرها نظرات "نسمة" كسهامٍ سامّة. وقفت بوسط باحة المنزل الداخلية.
لحسن حظها كان الصخب بالخارج شديدًا والحماس على أشده استعدادًا لمنازلة الليلة المنتظرة. فتحت الخط وانهمرت الكلمات الحادة من فمها على الفور: "عاوز مني إيه تاني يا زبالة يا واطي. أنا مش قولتلك تنساني خالص وإلا هاندمك عاليوم إللي جيت فيه الدنيا دي!!! جاء صوت الطرف الآخر غليظًا كريهًا كما هو دائمًا: "الله الله الله. في حد يرد على خاله بقلة الأدب دي بردو. مع ذلك وحشتيني يا لولا! ليلة بعصبية:
"وحشك قبر يا حقير. عاوز مني إيه. إسمع. ورحمة أمي هافضحك... "ده جزائي يعني إنك وحشتيني وغيابك مأثر فيا. ليه قاسية عليا كده. وأنا إللي قلت أتصل وأحاول أرجعك! "أرجعلك! إللي كانت مصبراني ع قرفك ووساختك ماتت خلاص. دلوقتي ماعادش في حاجة باقية عليها. لو ماسبتنيش في حالي هاقتلك يا عزام يا وديدي. ورحمة أمي وأبويا هاقتلك." "يعني مافيش فايدة. بذمتك ماوحشتكيش طيب؟! إنفعلت عليه بشدة:
"إنت أوسخ بني آدم شوفته في حياتي. إنت مش بني آدم أصلًا. بص وده أخر كلامي. لو شوفتك صدفة أو سمعت صوتك تاني قسمًا بالله لافضحك هنا. هقول كل حاجة لسالم الجزار. وشوف بقى إللي هايجرالك! وأغلقت بوجهه وهي تسب وتلعن فيه بأحط الألفاظ. أمسكت لسانها عندما لمحت "حمزة" يهرول من الخارج وعلى وجهه ابتسامة واسعة. أعادت الهاتف إلى جيبها وتحكمت بسهولة بتعابير وجهها ومشاعرها الظاهرية، فصارت تبتسم مثله بارتياحٍ بينما يحل أمامها
الآن وهو يقول بحماسة: "إنتي هنا يا ليلة. ده الماتش خلاص هايبدأ! طلته الصبيانية المحببة أنستها المعاناة لوهلةٍ وهي تقول برقة: "أنا نفسي أعرف إنت في إعدادي إزاي يا حمزة. ما شاء الله عليك. إنت كنت بتاكل بني آدمين وإنت صغير؟! وضحكت. فابتسم قائلًا: "أنا عندي 18 سنة. بس أبويا دخلني المدرسة متأخر. أصلًا لولا رزق طلبها منه ماكنش وافق. وهو سامحلي أكمل لحد ما أخلص ثانوية بس! ثم قال بتعجل وهو يسحبها من يدها معه للأعلى:
"يلا بقى تعالي. هاتتفرجي كويس معانا من فوق! كان يجلس بالمنتصف. منتصف الشرفة، فوق كرسي وثير وكأنه كرسي العرش. عباءته السوداء تناسب مزاجه تمامًا، ملامحه العابسة متماسكة كقناعٍ صلدٍ محكم. على يمينه وشماله توزعّت العائلة. أما بالأسفل فالجمهور الغفير يحيط بالحلبة. وولديه بوسطها تمامًا! كلٌ منهما بطرف يتجهز على حدة. "رزق" عاري الجذع ويرتدي بنطالًا رياضيًا مرنًا ذي علامة تجارية شهيرة.
و"مصطفى" يرتدي كنزة ضيقة ذات حمالات عريضة وسروالًا قصير. أغاظه بشدة أن تملأ أذنيه الهتافات الصادحة باسم أخيه. أما هو.. فكأن لا أحد يلاحظه حتى. باسثنائها هي. "فاطمة". أجل. ها هو يراها من حيث تقف بالشرفة مع بقية العائلة. نحفت كثيرًا وشحب لونها مؤخرًا من قلة الغذاء. لكن لا تزال عينيها تلمعان معبرة عن شتى انفعالاتها. وقد كان الانفعال الذي قرأه بهما الآن هو الخوف. والخوف فقط. ولكن على من تخاف... يا له من سؤال ساذج.
هل يوجد غيره؟ أساسًا هل أحبت هي غيره طيلة حياتها؟!!! "ديشا! أدار "مصطفى" رأسه لينظر إلى "رزق". يبتسم له الأخير وهو يرتدي الجلافز قائلًا بلطفٍ: "دي أخر فرصة. لو تحب ننسحب إحنا الاتنين سوا. فكر بسرعة! كشر "مصطفى" عن أسنانه بابتسامة صفراء وقال: "أنا مانسحبش يابن الذوات. عايز تنسحب إنت دي فيها كلام تاني! ضحك "رزق" منه بقوة ورد: "تمام تمام. إللي إنت عاوزه. هاعملك إللي إنت عاوزه يا ديشا! وكعادته هو من يعطي الأمر بالبدء.
أشار بيده، فضرب غلامًا النحاس المدوي، لتنطلق المباراة. فيتحفز "مصطفى" من فوره ويتحرك في سيرٍ دائري بطيء. وكأنه فهدٍ يتصيد فريسة. ما أضحك "رزق" متعمّدًا إثارة أخيه. والفعل نجح. فهجم "مصطفى" صارخًا بغلظةٍ في هذه اللحظة وأنقض على "رزق" مكيلًا له لكمة ضاعت بالهواء، إذ إنحرف "رزق" برشاقة وتفاداها. فالتفت "مصطفى" وأعاد الكرة، ليشكل "رزق" أمام وجهه بساعديه علامة X.
فما إن لمسه أخيه حتى قام بدفعه بقوة أطاحت به حتى حافة الحلبة. لولا وجود الحواجز لسقط لا محالة. هدرت الصيحات من جديد، فحانت من "مصطفى" التفاتة نحو والده هذه المرة. ليجده كما هو، وكأنه يعرف نتيجة النزال سلفًا ويجلس ليراها فقط. أخذ صدره يهبط ويعلو بانفعالٍ جمّ. شحذ قواه كلها بعزمٍ وانتصب واقفًا في مواجهة أخيه مرةً أخرى. بصق فوق الأرض وهو يرمقه بنظرة محتقنة.
بينما يشير له "رزق" برأسه أن يقترب، فلبّى "مصطفى" طلبه وعاد خطوة للخلف. ثم انطلق منقضًا عليه ثانيةً، ليسقطا معًا فوق الأرض. كانت عضلات بطنه صلبة كالحديد، وكأنها تشكل درعًا واقيًا، فلم يتأثر بضربات "مصطفى" المتتالية. بل كان يضحك باستفزازٍ وهو يرقد هكذا بينما أخيه يجثم فوقه بوجهه وحشي القسمات. تملكه غيظٍ شديد عندما آلمته قبضته وفي نفس الوقت خصمه لا يتألم أبدًا. غلت الدماء بعروقه.
فإذا به يتجرّد من قوانين اللعبة ويخلع جلافز الملاكمة، ثم يشرع من فوره بتسديد لكماتٍ مميتة إلى ضلعيّ أخيه، بكل ما أوتي من قوة وبمنتهى الغل لم يتوقف. لتتقلص ملامح "رزق" مع ثاني لكمة أصابت ضلعه الأيسر، وازداد الوضع سوءً مع تلقيه المزيد من قبضة "مصطفى" العارية. فعقد القرار فورًا دون ترددٍ. زمجر بشراسة وهو يثني ساقه لتصيب ركبته بمنتصف معدة "مصطفى" تمامًا. أطلق الأخير صرخة ألم مخنوقة، ليدفعه "رزق" في كتفيه بكلتا قبضتيه.
طار "مصطفى" للخلف، وسقط على ظهره مرتطمًا بقسوة فوق أرض الحلبة الرملية. صدحت صيحات الجماهير باسمه فقط، وتصاعدت الصافرات المشجعة من كل حدبٍ وصوب، بينما ينهض "رزق" كماردٍ جبار وقد تخضبت بشرته البيضاء كلها بدماء الغضب اللاهبة!!! "كفاية كده يا مصطفى! " هتف "رزق" بخشونة محذرًا. وثب "مصطفى" قائمًا بطرفة عين رغم الألم الذي نزل به. ابتسم له وقال يستفزه هو هذه المرة: "خايف و لا إيه؟! لم يأبه لرده الآن، بل رفع ناظريه حيث والده.
كانت وضعيته في الجلوس قد تغيرت الآن، صارت أكثر تحفزًا، كما تعابير وجهه الناطقة بالقلق. ربما كان "رزق" ليتفهم رسالته، لكن هذا قبل أن يتغلب عليه القطب الآخر من شخصيته المظلمة. فيشيح بوجهه عن أبيه وينظر مباشرةً بعينيّ أخيه صامًا أذنيه وغاشيًا عينيه إلا عن خصمه. وبدون مقدمات يفعل مثله ويتجرد من الجلافز، ثم يرفع قبضته المشدودة، وبيده الأخرى يشير له بالاقتراب مجددًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!