الفصل 39 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
31
كلمة
5,375
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

هكذا ظننت! كان ينتظره هنا، في تلك الزاوية المظلمة، وسط الرطوبة والروائح الكريهة. هنا حيث تصطف مجموعة من حاويات القمامة المعدنية! المكان معتم وبارد، ولكن دون حتى أن يأبه لكثافة الرائحة البشعة، وقف ثابتًا بمحاذاة الجدار نصف المهدوم. لقد مر خمس دقائق حتى الآن، وهو يعلم يقينًا بأن الأخير لن يتأخر أكثر من ذلك الوقت. إن هي إلا لحظات وسيظهر.

ما من سبيلٍ آخر يسلكه ليصل إلى الوجهة التي كلفه أبيه أن يذهب إليها عاجلًا. حتى لو تأخر، فهو يدخر له صبرًا يفوق التخيلات، صبر دام عشرين عامًا. لن يتزحزح من مكانه، إنه باقٍ، ليتصيّد فريسته الجديدة.

بغتةً، بينما يقف ساكنًا وكأنه قطعة من الظلام، سمع وقع خطوات خفيّ عمه ولمح ظله يقترب من الخلف. بالمباغتة نفسها، وفي أقل من ثانية وقبل أن يتخذ العم خطوة واحدة أمامه، قبض على ياقة جلبابه وجرّه ملصقًا إياه بلحظة إلى جدار الحيّز المقفر والذي يدعى بـ"الخرابة".

يطلق العم سبة غاضبة حين أُخذ بهذا الشكل. تلقائيًا تسللت يده إلى غمد سلاحه بالمخبأ الخفي تحت عباءته. كان يظن بأن الذي أوقفه ما هو إلا وغدٌ من أوغاد المنطقة أو المناطق المجاورة. وبدون تردد كان قد سحب السلاح ليصوبه نحو مهاجمه ويطلق عليه في الحال. لكنه جمد كليًا، عندما تبيّن فجأة من خلال ضوء الليل الشحيح وجه ابن أخيه المشدود وعيناه البرّاقتين. "رزق! " هتف إمام مدهوشًا. "في إيه يابني مالك؟ واقف هنا ليه وماسكني كده ليه؟

حصل إيه ألا تكون متعارك! ماتنطق يابني! غير مصغٍ لتساؤلات عمه، أمال رزق رأسه للجانب قليلًا وهو يقول بوداعة مريبة: "خير يا عمي.. على فين العزم كده الساعة 2 الصبح. راجع المستشفى ولا رايح حتة تانية؟ رفع إمام أحد حاجبيه مرددًا: "إنت يابني مش معانا في الدنيا ولا إيه. ده انت كنت واقف ساعة إللي حصل.. مالك في إيه؟ ثم رمقه بنظرة شك قائلًا:

"إوعك تكون شارب حاجة يا رزق. أبوك لو عرف حاجة زي دي حسابك معاه هايكون شديد أوي.. إوعى يابني انت عارف هو مابيتهاونش في الحاجات دي بالذات... لكن ما من رد أيضًا. ليضيق إمام ذرعًا به ويطلق زفرة مختنقة. ثم يحاول دفعه عنه مغمغمًا: "إسمع يا رزق إنت ترجع البيت طوالي على شقة ستك دلال. إنزل تحت الدش كده وفوق.. إياك أبوك لما يرجع يشوفك كد آ اا...

لم يستطع إكمالها، حيث قبل أن يفلت منه تمامًا، أمسكه رزق من تلابيبه بقبضةٍ فولاذية وبقوة غير متوقعة ألصقه بالجدار أكثر من ذي قبل، وبمعصم يده الأخرى يضغط على رقبته بطريقة جعلت أنفاسه تختنق. ومضت عينا رزق بلمحة إجرامية من اللون الفضي المزرق وهو يركز جمّ انتباهه على عمه. جحظت نظرات الأخير وهو يحدق فيه عاجزًا عن التنفس، وكل ما استطاع فعله هو الإمساك بكتفي ابن أخيه وب لطفٍ عساه يهدئ نوبة غضبه غير المفهوم بالمرة. "أمي فين؟

كلمتان فقط خرجتا على شكل سؤالٍ هادئ من فم رزق المتشنج انفعالًا. لوهلةٍ بدت الصدمة جليّة على وجه إمام. لكنه قمعها فورًا قائلًا بصعوبة بصوت أشبه بالفحيح: "أمك! أنا مش فاهم حـ حاجة. تقصد إيه يا رزق؟! لم يكن رزق الآن في وارد أي مزاح. علاوةً على أنه أعطاه الجواب الخاطئ، ما اضطره لسحب سلاحه الأبيض والأكثر فعالية.. مديته الحادة القاطعة!

ولكي يحثه على النطق الصحيح صعد بالنصل من بطن الأخير وصولًا إلى نحره، فضغط هناك حتى اخترق طبقة من الجلد وطفرت الدماء وسالت على صدر إمام. شعر بها جيدًا وتفاقم فزعه. مع ذلك حاول أن يستمر بادعاءاته الباطلة: "يابني عيب إللي بتعمله ده.. أنا عمك يا رزق. وبعدين أنا مش عارف بجد ذنبي إيه ولا إيه علاقتي أصلًا.. أنا هاعرف مكان أمك منين بس! "أنا سمعتك إنت وأبويا بتتكلموا!!!! " صرخ رزق بوجهه كوحشٍ كاسرٍ.

جف حلق إمام وهو يسأله مذعورًا: "سمعت إيه بالظبط!!! استحكم به رزق الهائج كليًا وهو يهزه صائحًا: "ماتلفش وتدور عليا وإنطق بسرعة. والله صبري عليك نفد.. إنطــــــق أمي فـــين؟؟؟؟ •••••••••••••••••••••••••••••••••• قبل ثلاثون ساعة>>>> بجسمٍ محموم ووجهٌ قاتم الحمرة بالكامل، هبط رزق الدرج وصولًا إلى شقة جدته. كان الباب مفتوحًا فدلف على الفور.

لم يجد أحدٌ هنا مما أشعره ببعض الراحة. ولكن فجأة ومن حيث لا يدري قفز صوت أخته الصغرى.. سلمى من خلفه. "رزق! إلتفت بلحظة فإذا بها تجلس وسط غرفة المعيشة. ما إن رأته حتى قامت ضامة يديها للأمام، وراسمة على ثغرها الممتلئ ابتسامة رقيقة. وسم على وجه رزق طابع الدهشة بادئ الأمر، ثم ما لبث أن تجاوزها هاتفًا: "سلمى.. في حاجة يا حبيبتي؟ مالك قاعدة لوحدك هنا ليه؟ فين نينا ونوسا؟! أخذت تقترب منه مجيبة اسئلته:

"تيتة لسا مدخلاه تنام من شوية. ونسمة ماخرجتش من الأوضة خالص.. وبصراحة أنا كنت قاعدة مستنياك انت! "خير يا حبيبتي! " استوضحها باهتمامٍ وقد استدار كليًا نحوها. مد لها يده، فأقبلت وأودعت كفها براحته الضخمة بلا ترددٍ. تطلعت إليه بنظراتها المتوترة وقالت: "بص يا رزق. أنا عارفة إن أبويا بيسمع لك.. وأنا والله مش قصدي أحطك قصاده في حاجة.. كنت ممكن أروح أقوله من نفسي. بس خايفة بصراحة!

عقد حاجبيه وهو يرفع كفه الآخر ليحتضن خدها الناعم قائلًا بقلقٍ خفي: "خايفة! من إيه يا حبيبتي؟ إتكلمي وقوليلي. سيبك من أبويا لو في أي حاجة مضايقاكي وخايفة تحكيها لحد. قوليلى أنا وماتخافيش خالص. أي مشكلة ممكن تواجهك. أنا أخوكي الكبير جمبك دايمًا وأحلهالك مهما كانت... ابتسمت أمام محاولاته لكسب ثقتها والتي تمنحه إياها بالفعل. وضعت يدها الأخرى فوق معصمه ليصبحا متشابكين تمامًا الآن، ثم قالت بصوتها الحلو:

"انت قلقت عليا على الفاضي.. مافيش حاجة أطمن وأنا ماعنديش أي مشكلة الحمدلله." هز رأسه حائرًا: "أمال طيب! مابقتش فاهمك يا سلمى. عاوزة إيه بالظبط؟! صمت قصير... وأفصحت سلمى بتوجسٍ من ردة فعله هو أيضًا: "بصراحة أنا عايزاك تكلم أبويا وتقنعه يسمحلي أروح المدرسة! أعوزه الأمر لحظات ليستوعب الوجه الحقيقي للحديث، ثم عدل وضعيته الآن وبقى ممسكًا بيدها فقط وهو يقول مستوضحًا: "هو إنتي مش في المدرسة يا سلمى؟

أنا فاكر إنك لسا خارجة من امتحانات بقالك كام شهر.. ولا حد خرجك من هنا ولا إيه؟! "لأ بص يا رزق أنا في مدرسة آه وكل حاجة. بس من أول يوم وأنا بدرس في البيت. عمري ما روحت المدرسة غير في الامتحانات.. زهقت بقى. خصوصًا إني شاطرة وبجيب الدرجات النهائية. نفسي أبقى زي كل البنات. حتى البنات إللي في الحتة هنا بيروحوا المدرسة إشمعنى أنا بس؟! "إمم.. خلاص فهمتك يا سلمى." "فهمتني يعني إيه. هاتكلم أبويا صح؟

نظر لها مبتسمًا ببطء، ثم قال مفرجًا عن ضحة صغيرة: "هاكلمه يا حبيبتي.. عمومًا ده حقك أصلًا. وأكيد لو فضلت متفوقة كده مش بس هاقنعه يسيبك في المدرسة لأ. أنا بنفسي هساعدك تسجلي في الجامعة إن شاء الله." صرخت سلمى بابتهاجٍ غير مصدقة ما سمعته للتو، لتقفز على أخيها باللحظة التالية وتتعلق به كقردٍ فوق شجرة. يضحك رزق بانطلاقٍ وهو يحيطها بذراعيه متمتمًا: "خلاص. إهدي يا سلمى ماحصلش حاجة...

وواصل الضحك عاجزًا عن إيجاد كلمات ليهدئها. أتت على ذلك من نفسها، فاستكانت نسبيًا بعد قليل ونزلت على قدميها ثانيةً ممسكة يديه بكلتا قبضتيها، ومحدقة في ملء عينيها بسرورٍ جمّ. "أنا مش عارفة أقولك إيه يا رزق. أنا يجد محظوظة عشان إنت اخويا.. مش عارفة حياتي وحياتنا كلها كانت هاتبقى إزاي لو انت مش موجود!! رمقها بتعاطفٍ ورّبت على رأسها بحنوٍ. "حبيبتي.. إللي إنتي عاوزاه كله عليا. احلمي بس.. أنا عندي كام لوما؟

وتعانقا مرة أخيرة، ثم أطلقها رزق لتصعد إلى شقة والدتها مجددًا موصيًا إياها بالاهتمام بنفسها وبدراستها.. وها قد صار وحيدًا. ليس لوقت طويل، تأكد من غلق باب الشقة، أطفأ الأضواء، ثم جذ الخطى نحو الغرفة التي دفع بزوجته إليه ظهر اليوم، ولج بعد أن قرع مرتين. كانت الأجواء هادئة بالداخل، وزوجته كانت نائمة بالفعل، لكنها استيقظت بغتةً عندما أغلق باب الغرفة بهدوء.. تلك الحركة البسيطة كانت كافية لايقاظها. "رزق!

" غمغمت نسمة وهي تحاول القيام من أسفل الغطاء. إتجه رزق نحوها وشد الغطاء عليها مرةً أخرى مغمغمًا: "زي ما انتي يا نوسا.. خليكي نايمة." عاودت إلقاء رأسها فوق الوسادة ثانيةً وهي تقول بصوت متحشرج: "أنا كنت مستنياك. اتأخرت عليا يا رزق! "معلش كان في كام حوار بنجهزه.. أول ما خلصت جيت أهو." "طيب إحنا لازم نتكلم. أنا مش هقدر أستنى هنا كتير.. أنا خايفة أوي يا رزق...

بمهارةٍ نقلها رزق للجانب الآخر من الفراش دون أن تشعر حتى، ثم اتخذ مكانه إلى جوارها بعد أن خلع سرواله وحل أزرار قميصه. حمل جذعها بأحضانه وهو يهمس لها مهدئًا: "خايفة من إيه وأنا جمبك؟ أنا عمري خذلتك يا نسمة؟! شعر بها تهز رأسها سلبًا، فرد على نفسه وهو يهدهدها كطفلٍ: "انتي بنتي وشايلة ابني او بنتي. مافيش أب يتخلّى عن ولاده ولا يسمح لحد يئذيهم.. إطمني خالص. طول ما أنا حي إوعي تشيلي هم!

رضخت نسمة واستسلمت لاحساسها باحتوائه دائم البعث على الثمالة، رغم إنها لم تستثغ وصف علاقته بها بالبنوة، لكنها كانت منهكة وبحاجة إلى وجوده هكذا إلى جانبها. فلم تفه بكلمة، إنما تركت نفسها له كما تفعل دومًا.. وما هي إلا لحظات معدودات إلا واستغرقت بنومٍ عميق تحت هدأة أمانه ومواطن حنانه اللا متناهي. °°°°°°°°°°°°°°°°°°°° ظل الغضب مستبدًا بـ"هانم"... غضب يصاحبه الرهبة منه كلما وقفت أمامه هذا الموقف!!!

كلما عانت من مشاعرها تجاهه، خاصةً في هذه اللحظة، حين نطقت بكلمة الانفصال وطالبته بها.. لعلها توقعت جزءً من ردة فعله. وتمثلت الآن في انقلاب تعبير وجهه إلى أقصى درجات الشر والقتامة، لتجعلها ترتعش قليلًا وتشعر بمعدتها وكأنها تُعتصر بشدة.. بينما كان يطالعها "سالم" بنظراته الحمراء المنذرة بعاصفةٍ قوية جدًا ستشهدها لأول مرة بحياتها. وبالفعل، لم يخيب ظنها، إذ طفا غضبه المتراكم كله من الجميع ليصبه عليها وحدها صائحًا

بصوته المخيف: "إيـــــــــه!!!! قولتي إيه تاني كده سمعيني. قولي كمان أصلي ماسمعتش.. عايزة تطلّقي؟؟؟ برغم الذعر الكامن باعماقها منه، برغم حبها له وكل شيء أجابت برباطة جأش دون أن تهتز: "أيوة يا سالم. أنا عايزة أطلق.. خلاص. عشرتنا خلصت لحد هنا." سالم برعونةٍ فجّة: "لا يا شيخة. بقى عشرتنا خلصت فعلًا؟ وده سببه إيه في رأيك كده قوليلي!! حدقت به ووجدت الشجاعة الآن لتقول له بتحدي:

"سببه إني ست يا سالم. ست عاشت طول عمرها محسوبة على راجل وهو مش طايق حتى يبص في وشها. راجل سابها وعاش مع واحدة غيرها ورمها حتى لما غيرها دي سابته. عاش ناسك على ذكراها.. بس أنا خلاص.. طهقت من العيشة دي. ماعنتش قادرة أستحمل. من حقي أعيش إللي باقي من شبابي وأكون مع الراجل إللي يقدرني بجد ويعرف بقيمتي ويـ آ ا...

لم تحسن إكمال الجملة، فإذا بها تتلقى تلك الصفعة العنيفة التي توقعتها مئة بالمئة، بسببها ارتّدت خطوة للخلف وقبل أن ترتد الثانية أحست بقبضته تطبق على رسغها وتجتذبها نحوه لتصطدم بصدره الصلب متأوهة. وتاليًا شعرت بشيءٍ بارد أسفل فكها، لتجاهد من أجل النظر بوضوح.. اكتشفت بأنه وضع فوهة السلاح الذي كان ينظفه على عنقها. ثم سمعت صوته ذي اللهجة المستوحشة يهدر بنفس اللحظة ويغرس أصابعه القاسية بلحم ذراعها:

"خلاص فجرتي يا هانم. وبتقولي في وشي؟؟؟ بقى عايزة تطلقي وتتجوزي تاني. بعد ما بقيتي مرات سالم الجزار إزاي جتلك الجرأة تفكري في راجل تاني. ده أنا أقتلك وأدفنك بإيديا!!!! كانت الدماء تسيل على حافة فمها الآن وهي تحدق فيه دامعة العينين وبوجه متوّرد، بابتسامة مريرة ردت عليه بجرأة أكبر بينما صدرها يعلو ويهبط بسرعة:

"ده حقي. ده حقي يا سالم وربنا سامحلي بيه.. لو على الطلاق أنا كنت ممكن أطلبه من زمان. بس أنا الغبية فضلت ساكتة وصابرة وفي الآخر هوا. ولا حاجة.. لا العبد ولا المعبود يرضوا بالظلم ده. إنت ظلمتني في حياتي معاك. ومن إنهاردة أنا بطلت أظلم نفسي.. أنا مصممة على الطلاق يا سالم. يجرى إللي يجرى بس هاطلق منك بردو!!!

كانت كلماتها مثل البنزين فوق النار، جعلته مجنونًا من الغضب وهو يلقي بالسلاح من يده، لينشغل بالاعتداء عليها ممزقًا ثوبها عن منطقة الصدر. "لا وعلى إيه. أنا مايرضنيش. خراب البيوت. إثبـــتي كـده!!! وعمد إلى إقحام يديه بأكثر المناطق الحساسة بجسمها معيثًا فيها فسادًا وقاصدًا إهانتها بالمقام الأول، صرخت مما يفعله بينما يطغى صياحه المرعب على كل احتجاجاتها:

"مش إنتي عاملة كل ده عشان كده.. وبتطلبي الطلاق عشان محتاجة راجلك. كنتي تعاليلي من الأول وقوليها بصراحة. قوليلي إنك تعبانة كده وأنا أريحك.. مش صح بردو. مش إنتي على آخرك ومش قادرة زي ما بتقولي. مش كـــده؟؟؟؟ هذه المرة قاومت بشراسة، بالأخص وهي تستمع إلى كلماته المهينة، ظلت تتخبط باهتياجٍ بين ذراعيه صارخة: "إووووووعـــى.. شيـــل إيدك عنـــي. إنـت حقير.. إنت حــيـواااااااااان. سيبـــــنـي بـقولـك...

تركها سالم تفلت.. عندما أدرك بأنها استهلكت جهدها كله. واستعادت "هانم" حريتها، تقهقرت بضعة خطوات، لم تهرب مثل المرة السابقة، بل وقفت في مواجهته مشعثة الشعر وبالثوب الممزق فوق جسمها. بقيت تلهث وخفقات قلبها المتسارعة تضج بشرايينها قاطبةً، صرخت بوجهه بقهرٍ بينما ترتجف ساقاها ويداها معًا: "بكرهـــــك. بكرهك يا سالم يا جزار. ومن اللحظة أشوف عزرائيل ولا أشوفش وشـــــك!!!

واستدار منطلقة إلى الخارج بأقصى سرعتها كأنما الأشباح في إثرها. بينما ظل "سالم الجزار" بمكانه، هذه المرة وقف يراقبها حتى اختفت بطرفة عينٍ. كان ذهولًا يعتريه، وقدرٌ من الندم.. لعل كل شيء مشوشًا الآن. لكنه واثقٌ من أمرٌ واحد فقط.. لا شيء بعد هذه اللحظة سيغدو كما كان. °°°°°°°°°°°°°°°°°°°° مساء اليوم التالي...

عادت "ليلة" برفقة "رزق" إلى الحي، بعد أن ذهبا ليطمئنا على صحة زواجهما، تبين أن فسد تمامًا، لكن لحسن الحظ كانت هناك إمكانية للرجعة. بشروطٍ من ضمنها أن يعقدا القران من جديد، وهذا ما فعلاه دون أن يخبرا أحد، ثم قفلا راجعين إلى بيتهما، تحت أنظار أعين القوم الفضولية مشيا جنبًا إلى جنب، وقد علّقت "ليلة" رسغها بذراع زوجها المتراخي دلالة على عدم اكتراثه.

وهكذا دخلا معًا إلى المنزل، وضعا قدم على بداية الدرج، بل ونصف القدم الأخرى.. إنما قبل أن يصعدا تمامًا انبعث نداء "سالم" من داخل شقة أمه بالطابق الأرضي. "رزق! ألقى رزق نظرة على أبيه، ثم نظر إلى "ليلة". أبدت الأخيرة بعض الامتعاض بالبادئ، لكنها تخلصت منه سريعًا وهي تدنو لتكبع قبلة فوق شفاه زوجها هامسة أمام وجهه: "ما تتأخرش عليا! وغمزت له بشقاوةٍ، ثم استأنفت صعودها قفزًا.

أطلق رزق زفرة عميقة واستدار متوجهًا إلى حيث أبيه، وجده يجلس بالداخل يحتسي فنجان القهوة واضعًا ساق فوق ساق، وقد كان بمفرده، فتساءل رزق بغرابةٍ وهو يتلفت حوله: "مافيش حد هنا ولا إيه؟! أجابه سالم بفتورٍ آخذًا رشفة جديدة من فنجانه: "الست نوسا بتاعتك جوا في مع ستك في أوضتها بتغيرلها هدومها." أومأ رزق مودعًا يداه بجيبه وقال: "آه.. طيب. نادتلي كنت عاوز حاجة؟ "أيوة.. أقعد عشان عايزك في موضوع! "ماينفعش يتأجل لبكرة؟

"وراك الديوان يعني.. أقعد في كلام مهم هقولهلك!! مغتاظًا تململ رزق وانصاع إلى كلمة أبيه، جلس مقابله وهو يقول نافذ الصبر: "نعم! خير يابويا؟! ببرودٍ تأخر سالم بالحديث، ثم قال فجأة وهو يحدق بعينيّ ابنه الزرقاوين: "روحت فين إنت ومراتك يا رزق؟ بجرأة رد عليه كعهده: "وهل ده شيء يخصك يعني؟! سالم بحدة: "ما تحترم نفسك يالا!!

"لما تحترم خصوصيتي إنت الأول. أنا حر.. أروح المكان إللي يعجبني أي وقت. مش من حق حد يحقق معايا حتى لو إنت." شد سالم على فكيه مجبرًا نفسه على الصبر، ثم صاغ سؤاله بطريقة أخرى: "طيب. بلاش روحت فين.. ممكن أقول مبروك؟ رزق ببلاهةٍ: "مبروك على إيه؟! استحال هدوء سالم الآن إلى سلسلة من الانفعالات وهو ينفجر به منتفضًا بمكانه:

"ماتستعبطش عليا.. أنا عارف إللي فيها. وهرشت النمرة إللي عملتها ساعة دخلتك على ليلة.. قولي يالا دخلت ولا لسا؟؟؟ كانت عيناه جاحظتين غضبًا في هذه اللحظة وهو يجوب المكان ليتأكد بأن ما من أحد سمع تصريحات أبيه. لحظة وأخرى، ثم عاود النظر إليه مغمغمًا عبر أسنانه: "إنت عاوز تفضحنا. إيه يا معلم إللي إنت بتقوله ده عيب.. ومايصحش."

"واد إنت.. قسمًا بالله أطلع أنحرها فوق دلوقتي. مش على آخر الزمن شرفنا يتلعب بيه في الأرض.. أديك شوفت أخوك عمل إيه ليلة دخلتوا وكان سوء تفاهم. إنت بقى هانلبسك طرحة ولا إيه؟ "إنت عاوز إيه دلوقتي؟ "أشوف بعيني الامارة الحقيقية.. غير كده أنا حالف لاقتلها بإيدي. ومالكش فيه إنت. دي بنت أخويا أنا وأنا بس إللي في إيدي حكمها." فتح رزق فمه ليعترض، إلا أنه تفاجأ بثورة أبيه المندلعة بعنفٍ وهو يثب واقفًا مرةً واحدة

ويصيح بصوته القوي العميق: "بقولك إيـــــهالله في سماه. لو جاتلي الدنيا كلها. لو طلعوا الميتين من القبور بمن فيهم أبوها وحد حاول يمنعني ماهرجع.. يا الامارة يا موتها. ودي كلمتي الأخيرة. وإنت عارف الوش ده كويس! حقًا... كان يعرفه جيدًا، كان يعرفه إلى ذاك الحد الذي أبقاه عاجزًا عن مجادلته أكثر من ذلك.. لينتهي به الأمر واقفًا قبالته، ومانحًا إياه وعدًا مقتضبًا: "ماشي.. بكرة الصبح الامارة الحقيقية هاتكون عندك."

أومأ سالم وهو يذكّره بلا أدنى تهاون: "وخليك فاكرها. يا الامارة.. يا موتها. فاهمني؟ لم يسعه الرد هذه المرة. إذ صدح صراخ من الأعلى، وقد تبين بأنه صوت "سلمى" تستغيث بأبيها: "يا باباااااااا. يا باباااااا إلحقني يا بابااااااااا... في نفس اللحظة، انطلقا كلًا من "سالم" و "رزق" معًا باتجاه الأعلى، وأيضًا عندما وصلا كان الجميع قد أتوا على إثر صراخ ابنة البيت الصغرى. "في إيه يا سلمى؟؟؟ " تساءل سالم بقلبٍ مخلوع.

سلمى وقد كانت هيأتها المنهارة باعثة على الذعر، ردت من بين دموعها الغزيرة: "ماما! ماما من إمبارح قافلة على نفسها الأوضة وماكلعتش خالص.. ودلوقتي جاية أخبط عليها مش بترد. مش بترد عليا خالص... كان "سالم" قد انتقل إلى الداخل قبل أن تتم ابنته عبارتها، صارت الشقة مزدحمة الآن بأفراد العائلة كلهم، بينما "سالم" يقف أمام باب غرفة زوجته، يقرع عليه بقبضة حديدية وهو يهتف بصرامةٍ: "هــــانـم!

إفتحي يا هانم. إفتحي لو سامعة صراخ بنتك وصوتنا كلنا.. إفتحي يا هانم بقولك وإلا الباب ده هاكسره دلوقتي!!! بدأ القلق يساوره فعليًا مع عدم ردها، ليعقد قراره في الحال ويرجع خطوة للوراء، وبركلة واحدة من قدمه حطّم الباب. ليلج باللحظة التالية وتنزل عليه الصدمة، حين شاهد زوجته ملقاة فوق الأرض هناك بجوار السرير وقد قطعت معصميها بالطول!!!!

كان منظرًا فظيعًا جعل "رزق" الذي يقف خلف أبيه يلتفت بسرعة متلقفًا أخته الصغرى قبل أن تبلغ عتبة الغرفة ويغطي عينيها بكفه كي لا ترى هذا أبدًا.. بينما "عبير" زوجة الأخ الأوسط "عبد الله" انطلقت صرختها الملتاعة وفورًا سقطت وقد أغشى عليها لولا زوجها الذي لحق بها ونقلها إلى أقرب مقعد. الآن توافد إلى الغرفة "سالم" وأولاده من "هانم".. "مصطفى" و "حمزة" كلاهما وقد ابيضت وجوههما من شدة الشحوب والهلع على والدتهما.

صاح "سالم" فيهما آمرًا بينما يحمل زوجته بسهولة: "مصطفـــــى. إنزل بسرعة هات العربية قصادم البيت. حمـــــزة.. هاتلي حاجة نحطها على أمك. عباية بطانية أي حاجة. يلااااا بسرعـــــة!!!!!! كانا مجمّدين كالأصنام بفعل الصدمة، لولا صراخه فيهما ما تحركا.. وخلال لحظة كان "حمزة" قد أتى له بعباءة أمه السمراء. افترشها فوق جسمها نصف العاري حيث كانت لا تزال في ثوبها الذي صعدت به إلى شقة زوجها بغية إغرائه.

شق "سالم" بها الطريق للأسفل، خلفه تصاعد نشيج "سلمى" التي راحت تتوسل أخيها الأكبر: "عشان خاطري يا رزق أروح مع ماما. عشان خاطري خدني معاكوا.. عشان خاطررررري... جاوبها "رزق" وهو يحاول بأقصى استطاعته ليهدئها: "حاضر حاضر.. حاضر يا حبيبتي. إهدي بس. هاخدك بس إهدي.. هاتبقى كويسة. صدقيني يا سلمى...

أومأت له، ثم ألقت برأسها فوق صدره، بينما هو لم يكن واثقًا من كلامه.. لكنه لم ينفك يهون على الصغيرة ويلقي على مسامعها مزيدًا من الوعود فقط لكي تهدأ! °°°°°°°°°°°°°°°°°°°° كان شرطه حتى يذعن لها ويأخذها للمشفى حيث نقلوا والدتها أن تهدأ أولًا، وألا تصاب بالذعر أبدًا مهما حدث.. وإن كان هذا كلفها جهدًا مضنيًا... لكنه أصر أن يجعلها تتحكم بهذا.

حتى نجحت بالفعل وتغلبت على خوفها، انطلق بها إلى المشفى الخصوصي، أمرها باستبقائه بينما يأخذ سيارته ليضعها بالجراج... ثم تبعها متسائلًا عن مكان عائلته بقسم الطوارئ. وسيرًا على الارشادات، اتخذ المصعد إلى الطابق الثاني، وكان عليه أن يبحث عن قسم الفحص المتطور، لكنه لم يحتاج وقتًا طويلًا.. إذ التقطت مسامعه صوت والده من الجوار.. حيث لم يكن يفصلها سوى حائط مؤدي للرواق المؤدي للوجهة المنشودة... إلا أنه تجمد فجأة.

ذلك عندما ميّز اسم أمه وسط نزاع دائر بين أبيه وعمه "إمام". لم يفعل شيئًا إلا أن وقف وأرهف السمع. "بص يا سالم.. أنا بقولك أهو. هانم لأ.. سامعني؟ هانم لأ!! "إنت واخد بالك إنك واقف تهددني بمراتي يا إمام. فوووووق. إيـــــه!!! "لما توصل للوضع بتاع إنهاردة ده أهددك يا سالم آه. هانم دي مننا. وتبقى أم عيالك وست البيت بعد أمي.. شالتنا كلنا ولا ناسي؟ طول عمرك ممرمكها في البيت ومع العيال وفي الآخر تدفع تمن كل ده حياتها!!!

لا وألف لا. إنت إللي محتاج حد يفوقك ياخويا." "إنت يعني شوفتها ماتت!! ما الدكتور قال لحقوها. وبعدين تعالى هنا.. هو حد قالك مثلًا إن أنا إللي عملت فيها كده؟ "وأنا مش هاستنى لما إنت أو غيرك يوصلوها لكده. الست دي جمايلها على راسنا. الست دي من بيت وعيلة. وفي احترامها وأدبها مش هاتلاقي لو لفيت الدنيا يا سالم.. وأنا بتكلم باسمي دلوقتي. مش هاسمحلك تحولها للنسخة التانية من كاميليا! "إمـــــام!!!

ماتنطقش إسمها على لسانك تاني. سامع؟؟ "هأ.. مع إنك مابتفوّتش يوم منغيرها. مش بس بتنطق إسمها! عند استماعه للعبارة الأخيرة شحب كليًا، وخال بأنه وزنه قد خف كالريشة على مستوى الأرض، لولا أن تشبث بالحاجز المعدني من خلفه لترنح مكانه وربما سقط.

بعدها لم يجرؤ على الظهور بالوسط، وظل محله، إلى أن سمع أبيه يعطي أمرًا لعمه بالمرور إلى البيت ليأتي له ببعض المال.. حينها مشى في إثر "إمام" وبقي ينتظره بمكانٍ ما قرب المنزل. حث لم يسعه الرحيل من الحي إلا بالمرور عليه!!!! _الآن... أخذ "إمام" ينظر إليه هازًا رأسه وهو يقول بوهنٍ: "يابني مقدرش.. أبوك لو عرف إني قولتلك هاتبقى حريقة. البيت ده كله هايبقى حريقة يا رزق! غرس "رزق" نصل المديّة بعنقه أكثر صارخًا بوحشية:

"لآخر مرة بسألك أمــي فـــــــيـن؟؟؟؟؟ أصدر "إمام" صيحة متألمة وخشي على نفسه من بطش ابن أخيه الجنوني، ما دفعه إلى القول مجبورًا: "خلاص. خلاص.. هقولك.. هاقول... وأومأ له ليقترب، ثم همس عند أذنه تمامًا بالجواب الذي بث في جسمه رجفة زلزلته.. وأسقطت من يده تلك المديّة... ثم أسقطته هو على ركبيته فوق الأرض الترابية القذرة!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...