خلال نصف ساعة تقريبًا، كان قد تجرّع لترين من الماء المعدني آملًا بتنقية دماغه وذهنه من جرعات الخمر المركّز التي خدرت جزءًا من قنوات عقله العصبية والمتحكّمة بإدراكه ونسبة سيطرته على تصرفاته. كان لا بد أن يفعل ذلك، خاصةً بعد اعترافها الصاعق له بالحب. يقف الآن أمام حوض المياه بقاعة الحمام المترف وفقًا لاختياره أثناء توضيب شقة الزوجية، لا يعرف كم المرات التي لطم وجهه بالماء البارد ليؤكد على صحوته التامة من مفعول الثمالة.
رفع وجهه قبالة المرآة أخيرًا، كانت أزرار قميصه العلوية قد حُلّت بالكامل، وكان صدره يخفق ويختلج بانفعالات شتّى، والماء المنداح من شعره ووجهه تلتمع قطراته فوق عنقه القوي جاريًا حتى بلغ بطنه ذي العضلات السداسية، شعر برجفة جليدية تسري بجسمه. بالطبع، إنه كانون الأول، منتصفه تحديدًا. لطالما كان متهورًا ومقصرًا بصحته، لكن كالعادة، لم يكن هناك من شيء يؤثر به، كما لم يكن يعبأ مطلقًا لأي نوع من التهديدات، كان شديد البأس طوال عمره.
يخرج "رزق" إلى الصالة ثانيةً وهو يمسك بمنشفة في يده، أخذ يجفف وجهه ويفرك شعره بقوة باحثًا بعينيه عنها، لم يطل وقت عثوره عليها، إذ شاهدها تجلس باسترخاء فوق أريكة عريضة هناك أمام التلفاز المطفأ. كانت تلتهي بخصلة من شعرها، تلفها حول إصبعها مضيعة وقتها بدونه، ما إن شعرت بوجوده حتى أدارت رأسها صوبه هاتفة: "خصلت؟ تعال. تعال اقعد جنبي هنا يا رزق." وربتت على مكانٍ فارغ بجوارها.
لم يجعلها "رزق" تكرر طلبها مرتين، ألقى بالمنشفة جانبًا ومضى نحو "ليلة" بخطى حثيثة، لم يحيد بناظريه عنها حتى جلس إلى جوارها. نظر إليها بصمت غريب غير مفسّر. لقرابة الدقيقة يتبادلان النظرات دون حرف واحد، إلى أن كسر الصمت أخيرًا، ليقول لأول مرة بعد أن اعترفت له: "عيدي اللي قلتيه تاني! بدون أي مجهود فهمت جيدًا ما عناه، فقدمت له أجمل ابتساماتها وهي تكرر بذات الرقة على مسامعه المرهفة: "بحبك يا رزق! لم يقتنع بهذه السهولة،
فقال بحدة بائنة: "و حبتيني إمتى بقى! أنا كل مواقفي معاكي زفت. ولا مرة أساسًا حسيت إنك بتحبيني. ولا حسيتها في كلامك ولا تصرفاتك! عقّبت "ليلة" مستديرة بالكامل ناحيته: "ما هي دي الـ Point. أنا مش عارفة حبيتك إمتى. وليه.. بس كل اللي أعرفه إنك لما نطقت بكلمة الطلاق. ولما حسيت إني ممكن أخسرك بجد. اتهزيت أوي.. لأول مرة في حياتي خوفت. تصدق لو قولتلك إن عمري ما خوفت زي دلوقتي؟!
لم يرد وبقيت عيناه فقط تفتّشان بسبر أغوار مشاعرها من خلال تعابيرها وحركاتها. لتستطرد "ليلة" ضامة حاجبيها بأسى: "حبي ليك ما اتولدش النهاردة. لو ده اللي شاغلك ومخليك شاكك فيا.. لأ. أنا حبيتك من بدري أوي. يمكن من أول نظرة. يمكن من قبل ما أشوفك حتى.. مش انت قولتلي إنك أول واحد مسكني لما نزلت للدنيا دي؟ مش انت اللي سميتني؟ ولما كبرت كنت من نصيبي؟ معقول كل ده صدفة يعني؟!
كانت قد ارتمت فوقه تقريبًا بشكلٍ أذهله، بل صدمه، وطوّقت عنقه بذراعيها محدقة بعينيه بنظرات تصميمية. "إنتي مش في حالتك الطبيعية! " قالها "رزق" مقررًا وضعها وفي نفس الوقت قد فك ذراعيها من حوله. أبعدها عنه بالقدر الكافي وهو يقول بصلابة: "إنتي مش عارفة تاخدي قرار. لو خايفة من أي حاجة اطمني.. مش هتخرجي من هنا إلا وإنتي جاهزة نفسيًا. وهوهعدك إني هحاول أتكلم مع أبويا بخصوص ميراثك و... "أنا مش عايزة حاجة! " قاطعته بغضب.
فصمت وتركها تستأنف على نفس الوتيرة المنفعلة: "مش عايزة حاجة.. عايزاك إنت يا رزق. ولا إنت اللي مش عايزني.. ما بقتش مليا عنيك بعد ما عرفت اللي حصل معايا؟! بدءً من تلك اللحظة، شعرت "ليلة" بأن قفصها الصدري قد انطبق، وتنفسها قد ضاق، ذلك عندما هجم "رزق" عليها في ثانية وجثم فوقها مقيدًا حركتها.
لم تكد تستوعب تصرفه، أمسكت يداه برأسها موجهًا فمه نحو فمها ليقبّلها قبلة شبقية بحتة، لأول مرة يقترب منها إلى هذا الحد، لأول مرة يتماسا على هذا النحو. كان الأمر بلا شك مثيرًا بالنسبة إليه، وقد استعذب احتواء قدّها الطري بين ذراعيه ومداعبة مواضع حساسة بجسمها، كان يفعل ذلك متعمدًا لكي يقيس ردة فعلها. لكن للعجب!
لم تبدِ أي اعتراض، استلقت أسفله باستكانة واستسلام تام، فآثر هو التوقف بسرعة، حيث لم تدُم لحظاتهما الحميمية السطحية الأولى سوى بضع ثوانٍ. تراجع عنها متوثبًا وهو يتنفس بصعوبة، كلاهما متوردان ومنفعلان، لكنه لم يتحسر على النظر إليها بنفس اللحظة. ظل موجهًا لها ظهره وهو يغمغم بصوت لاهث خشن: "أديكي عرفتي الإجابة. أنا مقدرش أنكر إنجذابي ليكي ومن أول يوم فعلًا.. آه. أنا كمان عاوزك.. بس مش غصب عنك. ولا تحت أي ضغط."
تساءلت "ليلة" متخبطة ببعض ارتجافات وتشنجات خلّفها اشتباكهما المحموم: "أثبتلك إزاي إني جتلك بإرادتي زي ما سبق وقلت بلسانك؟! التفت نحوها الآن ورمقها بنظرة مطوّلة، ثم قال: "لو هنكمل مع بعض. في حاجة لازم تعرفيها.. ولازم تقبليها." أومأت له ولا تزال على وضعيتها: "قول! "أنا متجوز قبلك! بهذه البساطة شد فتيل العبوة المفخخة، ثم فجّرها حين تابع: "ومراتي حامل! نهضت بلحظة عقب جملته الأخيرة بالأخص. نظرت إليه ملء عينيها، ثم قالت
بهدوء يناقض عنف نظرتها: "هي اللي شوفتك معاها قبل كده وصورتكم.. صح؟ أومأ لها مرة واحدة. بينما أعوزها الأمر بعض الوقت لتستقر المفاجآت القالبة للموازين بعقلها، والفضل.. كل الفضل لشخصيتها العنيدة المثابرة على بلوغ أهدافها. وجدت القدرة لتتجاوز ما صارحها به للتو. رفعت وجهها متطلعة إليه وقالت بنفس الهدوء يزيد عليه ثقة كبيرة بنفسها: "مين فينا ميّال لها أكتر.. أنا ولا هي؟ جاوبها "رزق" بكل صراحة: "إنتي!
اللمعت عيناها بألق مستثير، لتواصل أسئلتها وهي تقوم من مكانها بتمهل لا يخلو من حركات الغنج والدلال: "في اللحظة دي. نفسك تكون مع مين.. أنا ولا هي؟ كرر "رزق" وكأنه مبرمجًا على إطاعتها: "إنتي! طال الصمت خلال رحلة سيرها المتباطئة نحوه، حتى وصلت عنده، دون أن تتلامسا، اقتربت منه كثيرًا إلى حد اختلاط أنفاسهما. اشتبكت نظراتهما بإحكام الآن وهي تلقي بالكارت الرابح هامسة باغواء:
"لو هاتحب.. قلبك ممكن يبقى ملك مين فينا. أنا ولا هي؟ "لا إنتي ولا هي! كأنما تلقت صفعة. جحظت عيناه بصدمة لجزء من الثانية، بينما يضيف بقساوة مفاجئة اتسمت بها ملامحه ولهجة صوته معًا: "قلبي مش مادة للرهان. وإوعك تفكري فيها أصلًا.. مشاعري ناحيتك حاجة.. والحب اللي تقصديه حاجة تانية! هزت رأسها وهي تردد عاقدة الحاجبين: "أنا مش فاهمك! "ومش هتفهمي.. عمرك ما هتفهمي! ثم تراجع خجلاً للخلف وقال بصرامة وهو يعيد غلق أزرار قميصه:
"أنا طلقتك وقبلها ماكنتيش مراتي أصلًا.. الدخلة ما حصلتش. محتاج أسأل في الموضوع ده قبل ما آخد خطوة بجد معاكي في حياتنا.. قدامك لبكرة الصبح. فكري كويس.. لو فضلتِ عند قرارك ده هنتمم جوازنا وبكرة هتبقي مراتي قولًا وفعلًا.. ده شرطي عشان أردك لعصمتي. تسلميني نفسك برضاكي. من غير أي محاولة لخداعي.. لو حسيت بأي غدر صدقيني يا ليلة رد فعلي عليكي المرة دي مش هتتخيليه أبدًا!
وانحنى قليلًا ليجمع أغراضه الشخصية من فوق الطاولة، ثم قال أخيرًا: "اعملي بنصيحتي وفكري في الوضع كله. لما تبقي مراتي بجد.. مش هيبقى فيه أي طريقة ترجعي بيها عن القرار ده. وأنا استحالة أسيبك ساعتها أو اسمحلك تمشي من البيت ده. فاهمة؟ تصبحي على خير! واستدار متجهًا ناحية الباب.. باب الشقة. تركها بمفردها الآن. فما كان منها إلا أن وقفت محلها تحملق في أثره مدهوشة، هكذا.. بهذه السهولة.. قلب الدفة لصالحه هو! *** كالمرة السابقة.
ترك لها المفتاح بالقفل. هذا العطر اللعين الذي نثرت منه بسخاء يكاد يخنق أنفاسها، علاوة على هذا الثوب المنزلي الأحمر، إنه ضيق جدًا، يشد على جسمها إلى حد أخجلها. حيث أن قصته تتخذ نهج الإثارة والإغراء رغم أنه ليس ضمن الأثواب الداخلية، من الجائز أن يراها به أي فرد من أفراد العائلة. ولكن لسبب، كانت تشعر وكأنها عارية. فكم مر من الزمن ولم ترتدِ شيئًا كهذا يبرز مفاتنها الأنثوية بهذا الوضوح الصارخ؟
وهي للحق أنثى بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أنثى لم ينلها عبث الزمن، كانت لا تزال كما هي.. "هانم".. الفاتنة! أخذت نفسًا عميقًا وعضت على شفتها السفلى المطلية بقلم حمرة، ثم رفعت يدها للمفتاح، وأدارته فورًا بالقفل. على مد بصرها، هناك بالمضافة الرئاسية الأشبه بالصالون كما تعرف.. رأته جالسًا موليًا لها ظهره العريض المكسو بالجلباب والعباءة المفتوحة.
لمحت من مكانها أدوات تنظيف الأسلحة وسمعت أصوات القرقعة المخيفة لصمامات الأمان لمختلف أنواع مواد القتل والدمار. أغلقت الباب خلفها، فانتبه لها أخيرًا وسمع هتافه العميق: "هانم! "أنا هنا يا سالم! " هكذا ردت عليه بعد لحظات قصيرة. ليقول دون يأتي بأي حركة أو التفاتة ناحيتها: "اتأخرتي.. أنا قايلك بعد صلاة العشا طول تطلعيلي. الساعة دلوقتي 10 ونص!! ارتعش صوتها وهي تبرر فعلتها: "معلش. أصلي كنت بعشي العيال! ثم سألته باهتمام:
"خير! كنت عايزني في إيه؟! "تعالي هنا قصادي." ازدردت ريقها بتوتر.. لكنها أذعنت لأمره على الفور ومشيت تجاهه مهرولة. "نعم يا سالم! قال مشغولًا بإعادة تركيب سلاح صغير أثري الطراز: "إنتي كنتِ حاضرة اللي حصل تحت عند أمي وسمعتي وشوفتي العكة السودا اللي رمانا فيها رزق.." "أيوة.. عرفت كل حاجة! "حلو. يبقى زي ما تعرفي بردو أنا قررت أقعد البت اللي اسمها نوسا دي هنا. خلاص بقت أمر واقع هي واللي في بطنها." "أكيد."
"استحالة أسمح لمخلوق يظن في حفيدي إنه ابن حرام ولا حد يفكر يلمح بكده حتى." "طبعًا. معاك حق.. محدش فينا يرضاها." "تمام أوي. بصي بقى.. واسمعيني كويس عشان هاتنفذي اللي هقولك عليه بالحرف. إحنا... وبتر كلامه فجأة، حين رفع رأسه لينظر إليها، ألجمته صدمة رؤيتها على هذا الشكل غير الاعتيادي. وجد نفسه يسألها بلا تفكير وهو يشير بسبابته لثوبها وشكلها العام: "إيه اللي إنتي عملاه في نفسك ده يا هانم؟! تظاهرت "هانم" بعدم الفهم
ونظرت إلى نفسها متمتمة: "إيه.. مالي يا سالم؟! "مـــالك!!! " صاح بعنف وهب واقفًا بطرفة عين. رمى السلاح من يده واتخذ خطوة نحوها مجمعًا طرف عباءته بيده كما يفعل بالتحركات المباغتة. لم يجفلها تصرفه، وقفت أمامه بشجاعة دون أن يرف لها رمش، بينما يقول مشددًا على أحرفه وهي يتفرس بوجهها وجسمها بنظراته الحادة: "إيه ده يعني. إيه بجد مش فاهم! حطالي أحمر يا هانم؟ وإيه دي كمان؟ ... ومد أنامله لعيـــــنــــــها قاصدًا تخريب زينتها.
"حطالي كحلة!!! كردة فعل جريئة ومتجاوزة للحدود لطمت "هانم" يده وهي تقفز خطوة للوراء مغمغمة بغلظة: "أنا مش حطالك إنت يا سالم." سالم برعونة فجة: "نعـــم!!! "أومال حاطة ولابسة لمين ياختي؟ انطقـــي بدل ما أنطقك بمعرفتي!!!! ردت بوقاحة لا تعرف أبدًا كيف صاغتها: "حاطة ولابسة لنفسي.. إيه يعني؟ ما أنا ست زي كل الستات." "ست! " علّق بسخرية ضربت كرامتها في الصميم. فلم تستطع ردًا، ليفرج "سالم" عن ضحكة هازئة مقتضبة وهو يقول منذرًا:
"هانم.. إنجري على شقتك حالًا. غيري المسخرة دي وامسحي اللي في وشك.. وبعدين اطلعيلي عشان نكمل كلامنا.. يـــلااااا." امتلأت حدقتاها الآن بدموع ابت أن تسمع لقطرة واحدة أن تهبط أمامه. مرت بينهما لحظات مشحونة بالتوتر والانفعال الشديد. ثم نطقتها "هانم" لأول مرة ومن أعماقها: "طلقني يا سالم!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!