لم يتوقع ذلك بما أنه تلقّى الأوامر قبل مغادرته وسمع أبيه يشدد على أنه سيكون بانتظاره مع إبنة عمه حتى بصفي الخلاف الحرج الذي نشب بينهما في أول لقاء. كانت الشقة التي يسكن بها "سالم الجزار" بمعزلٍ عن بقية العائلة، على رأس المنزل المشترك. حيث هجر الجميع إلى هذه الخلوة المريحة للأعصاب. حتى زوجته "هانم" لا يسمح لها بالدخول إلى هنا. فقط أبناؤه إذا كان الأمر عاجلًا، أو إذا طلب هو أحدهم للمثول أمامه.
وها هو "رزق" يلج بنسخة المفتاح التي حصل عليها من والده، مضى للداخل باحثًا بعينيه. رغم الهدوء لكنه استعد لرؤيتها معه بأيّ مكانٍ هنا. إنما خاب ظنّه.
عندما تناهى إلى سمعه صوت "سالم" منبعثًا من جهة المضافة الواقعة على بعد أمتار قليلة خلفه. استدار "رزق" متجهًا إلى هناك دون ترددٍ. كانت دهشته تزداد مع كل خطوة. إذ ميّز لهجة أبيه المغايرة للعادة. فهو قلما يسمعه يتحدث بكل هذا القدر من الود واللطف. ربما تأكد الآن بأنه لا يتحدث إلا لها هي. لكنه تفاجأ كليًا حين وقف عند عتبة الباب المزدوج وأكتشف بأنه لم يكن يتحدث إلا لصغيرته. وأخته هو بنفس الوقت!
كان "سالم" يجلس فوق مقعده الوثير الأشبه بكرسي العرش، وكانت إبنته "سلمى" البالغة من العمر ثلاثة عشر عامًا تجلس فوق قدمه تبكي بحرقة بينما يهدئها ويقبل رأسها ويربت على كتفها بحنانٍ. "خلاص بقى يا سلمى. عشان خاطر بابا كفاية عياط.. هاتشوفي هاعملك فيهم كلهم إيه! تمخطت الفتاة الرقيقة في منديلٍ قدمه لها والدها، لتقول ردًا على كلماته بصوتٍ كالأنين:
"محدش من إللي تحت عمل معايا حاجة. هو مصطفى بس. مصطفى مسكني من شعري جامد وزقني. وزعقلي وكان هايضربني بس أمي لحقته." زم "سالم" شفته وهو يستعرض السبب الذي دفع إبنه الأوسط لفعل ذلك بأخته، وبما أنها لاقت التعنيف المناسب فلم يشأ أن يزيد عليها. فواصل أسلوبه السلس معها وقال بتفاهمٍ: "طيب يا حبيبتي مش أنا قلت قبل كده اللبس ده ماينفعش تظهري بيه قصاد حد تاني؟ وأشار إلى فستانها عاري الكتفين والقصير.
"حتى لو وسطنا هنا في البيت.. إنتي مابقتيش صغيرة يا سلمى." "وآه هنا إنتي وسط إخواتك وعمامك. لكن ماتنسيش إن في "علي". إبن عمك.. مايصحش يشوفك كده. إنتي صغيرة أنا عارف وهو مايقدرش يبصلك بصة مش كويسة. بس لازم تتعودي على كده عشان لما تكبري أكتر و تبقي أنسة حلوة كده محدش يقدر يبص عليكي ولا يشوف حتة منك حتى." إزدردت الصغيرة لعابها وهي تفكر بكلام والدها، ثم صاحت فجأة وكأنها تلقي عليه بحجة:
"بس إنهاردة أنا شوفت ليلة بنت عمي ناصر الله يرحمه لما جت.. كانت لابسة فستان ضيق وعريان.. كانت مغطية كتفها بس." إنقلب تعبير وجهه في هذه اللحظة عندما تذكر الصورة التي رآى عليها إبنة أخيه. تمهل للحظاتٍ قبل أن يقول لها بحزمٍ: "ليلة كانت عايشة في مكان مختلف عن البيئة بتاعتنا.. بس طالما جت هنا كل إللي إتعودت عليه هايتغير. و هاتشوفي بنفسك! ثم ابتسم باللحظة التالية بخفةٍ، وقال وهو يمسح لها بقايا دموعها:
"خلاص بقى إحنا إتفقنا إننا هانسمع الكلام ومش هاتلبسي الهدوم دي تاني. أما بالنسبة لمصطفى ف حسابه معايا. واللّيلة مش هاتعدي إلا وهو جاي يبوس على راسك ويتأسفلك يا ست البنات.. يا حبيبة أبوكي إنتي." نجح بسهولة أن يضحكها بمداعبته الحنونة، فتلقائيًا رمت ذراعيها حول عنقه وضمته بشدة. فبدوره عانقها وهو يضحك بوقارٍ.
في جهة أخرى كان "رزق" لا يزال هناك. على مقربة منهما يراقب ما يجري في صمتٍ. وصولًا إلى ذلك الحد تنحنح بخشونةٍ، فتباعد كلًا من الأب والإبنة. نظرا معًا نحو "رزق". ليقول "سالم" داعيًا إياه بصلابة: "خش يا رزق.. تعالى! إنصاع إلى أبيه ودخل بخطواتٍ ثابتة. كان يبتسم لأخته. ما إن وصل قريبًا منها حتى انحنى ليقبلها على خدها قائلًا: "لوما.. وحشتيني. بقالي يومين مش بشوفك! ردت الفتاة لأخيها الابتسامة وقالت برقةٍ:
"إنهاردة كان أخر يوم امتحانات وكنت بذاكر لوحدي في الأوضة." "إممم. عشان كده متشيكة ولابسة فستان يعني.. بس ده فستان مايتلبسش حتى في أوضتك يا لوما. عيب يا حبيبتي. مش عاوز أشوفك بحاجة زي كده تاني. إتفقنا؟ أومأت له بوداعة، فغمز لها تلك الغمزة المزدوجة بعينيه. "طيب يا ست سلمى!
قالها "سالم" متنهدًا وهو ينزل إبنته عن قدمه. أعجبته ملاحظة "رزق" المترفقة بأخته، فكر أنه لو كان فعل "مصطفى" مثله لكان أفضل. لكنه ما لبث أن تجاوز الأمر كله وتخطاه قائلًا: "يلا بقى على تحت.. انزلي غيري فستانك ده وشوفي هاتعملي إيه. أنا كمان شوية ونازل عند تيتة دلال. إبقي تعالي أقعدي معانا يا حبيبتي." أذعنت الفتاة لوالدها وانطلقت تعدو بتوثبٍ. ليبقَ "رزق" الآن بمفرده. وجهًا لوجه مع أبيه. "هاه!
لقلق "رزق" محطمًا الصمت وهو يهز كتفيه بحركة تنم عن الحيرة. حتى الآن لم يبدو على محيا الأخير سوى المعالم الجوفاء. إلى أن هب واقفًا فجأة وهو يدفع بطرف الشال الثمين الذي يغطي كتف عباءته الداكنة. "إقلع! هتف "سالم" بوجومٍ دون يرتد له طرف. "نعم! أعمل إيه؟! كرر "سالم" بصوتٍ أكثر حدة وصرامة: "بقولك إقلع هدومك يالا! كيف له أن ينقلب هكذا بلحظة؟ رباه.. علام ينوي أبيه بالضبط! "هو في إيه بس يابويا؟ تساءل "رزق" باقتضابٍ.
سالم بجمودٍ مهدد: "مش هاكرر الكلام ده تاني! إنه لأول مرة يأنس من والده تصرفات كهذه. حرفيًا كان هذا وجهًا يراه للمرة الأولى. لكنه مع ذلك لم يخافه. لم يكن يفقه معنى كلمة خوف أصلًا. وكله بفضل أبيه.
تنفس "رزق" بعمقٍ واتخذ وجهه تعبيرًا قاسيًا. مد يده اليسرى لينتزع الساعة أولًا، ثم رفع أنامله الصلبة وشرع يفك أزرار قميصه. خلال لحظة كان قد خلعه وألقاه أسفل قدمه، لم يحيد بناظريه عن عيني والده ثانية واحدة. وعندما جاء ليسحب طوق خصره أشار له "سالم" حتى يتوقف: "بس.. كفاية كده! تصلّبت يداه فوق إبزيم الطوق وظل يحدق في أبيه بسكونٍ هكذا. ليتقدم الأخير صوبه على مهلٍ وهو يقول: "لحد إمتى؟!
قطب "رزق" حاجبيه جاهلًا ما يرمي إليه والده. بينما يقف الآن أمامه مباشرةً، كان يمسك بيده عصا ثمينة يتوكأ عليها أحيانًا. رفعها فجأة ووكزه برأسها المدبب بصدره المليء بالكدمات المتفرقة. كتم "رزق" آنة متألمة وهو يشد على فكيه بقوة، فكما اعتاد.. مهما بلغ به الألم يتحمله، بل وينشده في كثير من الأوقات. "أنا عاوز أعرف أخرتها إيه في إللي بتعمله في نفسك ده!!!
كان السؤال الذي طرحه "سالم" مدخرًا منذ وقتٍ طويلًا، وها هو يفصح عنه الآنه بكل فضولٍ وإلحاح. "جاوبني يا رزق.. أنا عمري ما سألتك عن حاجة بتعملها. بس إللي بيحصل ده زاد عن حده. الخطر إللي بتركبه وبتسيب له نفسك ده.. إنت كده بتنتحر. عاوز إيه يعني؟ عاوز تموت؟!!!
كانت إشارة صريحة لإتاحته فرص النيل منه وسط حلبة المصارعة. يعلم "رزق" أن الجميع لديه نفس التساؤلات حول تلك العادة الغريبة. لكنه نوى منذ البداية أن يحتفظ بالأسباب لنفسه. "مش غريبة! قالها "رزق" مغمغمًا بسخرية، وأردف بنفس الأسلوب: "خايف عليا وأنا بلعب على الحلبة.. ومش خايف لما بتبعتني مشاوير الشغل. في الحالتين فيها موتي يا معلم سالم." "رزق!!! صاح "سالم" زاجرًا إياه بتحذيرٍ. ليرد الأخير بعينٍ قوية:
"إيه بقول حاجة غلط.. إنت مش سامع نفسك يابويا؟ جايبني ومذنبني زي العيال الصغيرة وبتحاسبني على تفاهات. كان ممكن أسمع منك لو ماكنتش سقط في قاع أسوأ وأقذر من كده. هايحصل إيه أكتر من إللي أنا شوفته معاك وفي شغلك.. ما ترد؟! يصمت "سالم" في المقابل متفاجئًا بردود إبنه. لم يتخيل بيوم أن يسمع منه ذلك وأن يلقي بوجهه بكل الحقائق بهذا الشكل. حتى أنه يعجز الآن على قول كلمة واحدة. فقط بقى يرمقه بغرابةٍ هكذا.
يفرج "رزق" عن ابتسامة مريرة وهو يستطرد لما طال السكوت: "أنا عمري ما فتحت بؤي.. عمري ما حسستك إني ناقم على الحياة دي. بالعكس. قبلتها وإختارتك من الأول.. ماتردتش لحظة وأنا بختارك." "قول بقى إنك ندمان! قاطعه "سالم" بحدة. "صحيح كنت لسا عيل صغير.. بس دلوقتي يا رزق. لو ظهرت في حياتك تاني وخيّرتك هاتختارها هي صح؟ لم يترك له فرصة الرد عليه وتابع بتهديدٍ وذلك الألق الشيطاني يبرق بعينه:
"ولا ليه تستنى لما تظهر وجايز مايحصلش.. تحب أدوّرلك عليها؟ لو قلت آه أوعدك بكرة خبرها هايكون عندي! إحتقن وجه "رزق" انفعالًا، ذكّره بعنفٍ مكبوتٍ: "إنت وعدتني.. مش هاتتعرضلها طول ما أنا جمبك! إنزوى فم "سالم" بابتسامة خبيثة وقال بلهجة مستخفة: "ماتخافش. أنا عند وعدي. سالم الجزار مايقولش كلمة إلا و ينفذها لو على رقبته!
ولفت نظره ما يتدلى من قلادة "رزق". نظر فإذا به يرى خاتم، على الفور تعرف عليه، ذلك الخاتم الذي يعود لزوجته الثانية وحب عمره، كان قد سقط من يدها في تلك الليلة المشؤومة وعثر عليه "رزق" ومن يومها يحوزه. "لسه محتفظ بده؟! قالها "سالم" وهو يرفع كفه ملامسًا الخاتم. لكنه وقبل أن يمسه قبض "رزق" على معصمه بقوةٍ مغمغمًا من بين أسنانه المطبقة بشدة: "ماتلمسش ده.. إوعى تلمسه!!!
وتبادلا نظرة تحدي شديدة الوطأة دامت للحظاتٍ طويلة، خال أحدهما الآخر بأن المنزل كله سينفجر من حجم التوتر المتفاقم بينهما. لكن ما لبث "رزق" أن انفصل عنه فجأة يحني جزعه ليلتقط قميصه، ألقى به فوق كتفه وسحب ساعته. رمى والده بنظرة غضبٍ يغلفه خذلان عميق، ثم قال كلمته الأخيرة: "فلوس بضاعتك تحت في شنطة العربية.. وأنا إنهاردة Off. سلام يا كبير! وأولاه ظهره ماضيًا إلى الخارج.
سرعان ما تلاشى من أمام ناظريّ "سالم". مع ذلك بقى بمكانه حتى سمع باب الشقة يصفق بعنفٍ كبير. تيبست ملامحه بمسحة ألم مجهول المصدر. كل شيء إلا هو. كل شيء إلا "رزق". ماذا فعل؟ ماذا قال وكيف نطقه. بعد كل الذي مرا به.. لا يمكن أن يخسره بأيّ شكل. لا يمكن أن يخسر الإبن والرجل والصديق والعمر الذي يتمثل فيه كليًا. ما فائدة حياته دون "رزق"؟ ما من فائدة على الإطلاق!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!