الفصل 13 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
18
كلمة
3,838
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

ملأت الزغاريد الدار والصيحات المهللة في كل مكان. كان كل هذا بمثابة طعنات تنفذ إلى بدنها. لحظة وقوع الخبر على مسامعها، لم تتحمل وهرعت راكضة إلى شقة أبيها. ظنها الجميع خجلة، إلا أنها في الحقيقة كانت مصدومة، مرعوبة. بالطبع، ما المتوقع منها؟ بعد أن علمت بأن عمها الزعيم الكبير قد قرر أن يزوجها من ابنه بعد أيام قليلة! أيعقل بأن يكون زفافها هي خلال تلك الفترة القصيرة وعلى أكثر إنسان تمقته في حياتها!

لا، والأدهى، الأقسى على الإطلاق كان علمها بخبر زواج الرجل الذي أحبته من صميم قلبها من أخرى. عذاب طافح يكاد يخنقها حتى الموت. ارتمت فوق الأريكة تصك أذنيها بيديها وهي تذرف الدموع بصمت. لا تستطيع تقبل هذا، لا تتحمل سماع صوت الأفراح والاحتفالات. إنها ليست زيجة كما يعتقدون، بل جنازة! "بطة! كان هذا صوت أمها، السيدة نجوى. قد لحقت بها وها هي تلج عبر باب الشقة بابتسامة من الأذن للأذن. أغلقت الباب خلفها بسرعة وهي

تقول مستديرة ناحية ابنتها: "يا فرحة عمري.. الليلة نازلين نجبلك أحلى شبكة يا قلب أمـ... بترت جملتها حين وقعت عينيها على فتاتها التي بدت في حالة شنيعة من البؤس والحزن الشديد. انطلقت صوبها وهي تهتف بجزع ملتاع: "مالك يا فاطمة.. مالك يابنتي فيكي إيه؟!!! وجلست على طرف الأريكة بجوارها، أحاطتها بذراعيها وضمت جسمها المرتعش إلى أحضانها الحنونة متمتمة بقلق:

"إيه إللي صابك يا قلب أمك. جرالك إيه بس يا بطة.. ردي عليا يا حبيبتي إيه إللي فيكي!!! "أما! .." نطقت فاطمة بصعوبة من بين دموعها. نجوى بتلهف: "عين أمك ياختي! أرخيت ذراعيها من حولها عندما شعرت بأنها تريد الارتداد للخلف قليلاً، بينما تتطلع فاطمة إلى والدتها والدموع ملء عيناها. تنتظر هنيهة، ثم تقول بلهجة مرتجفة: "آنا.. أنا مش عايزة أتجوز مصطفى!!! حملقت نجوى فيها ببلاهة بادئ الأمر، ثم ما لبثت أن سألتها مذهولة:

"مش عايزة تتجوزي مصطفى؟ ليه يا بطة؟ هزت رأسها للجانبين مغمغمة بمرارة: "مابحبوش ياما.. عمري ما حبيته. أنا كنت مفكرة الكلام إللي بسمعه من صغري ده لعب عيال.. بس لما توصل لجواز و بالسرعة دي. لأ.. لأ ياما ونبي. شوفيلي حل." عمدت نجوى إلى تهدئتها في الحال وهي تربت على كتفها قائلة باقتضاب:

"طيب بس إهدي. إهدي يابنتي.. دي أكيد عين و صابتك. هو إنتي حظك شوية. ده إنتي فاطمة بنت إمام الجزار و كمان جمعة هاتبقي على ذمة مصطفى إبن عمك سالم الجزار كبير الجزارين و الحي كله بتاعه. هاتبقي ست الستات يا حبيبة أمك... "مش عايزة أبقى ست الستات أنا !!! إنفعلت فاطمة بشدة مقاطعة كلام أمها. إنتفضت مبتعدة عنها نهائيًا وهي تصيح بعصبية مفرطة: "أنا مابحبش مصطفى.. بكرهه. سامعة ياما. و لو إتجوزته هموت نفسي...

قامت نجوى واقفة قبالتها وقد تملكها الغضب وهي تهتف بها زاجرة: "إيه يا بت الفجر إللي بقيتي فيه مرة واحدة ده. هتموتي نفسك يعني إيه.. هاتلوي دراعنا. يابنت الموكوسة إنتي تطولي ضفر مصطفى أصلًا. لأ ده أنا أندهلك أبوكي يشوفله صرفة معاكي. كمان شوية رايحين نجيب شبكتك يابنت الـ****!! فاطمة بصراخ جهوري: "مش هـاتجوووووززززززه!!! "إيه ده في إيه؟!!

ينضم لهما صوت إمام في هذه اللحظة. نظرت معًا، فإذا به يلج عبر باب الشقة وأخيه الكبير في إثره. كانت نظرة مريبة تعتلي محياه. ظل يتبع شقيقه إلى الداخل وهو يحرك مسبحته بين أنامله ونظراته لا تحيد عن إبنة أخيه، بينما ترد نجوى بتوتر ملحوظ وهي توزع نظراتها بين الجميع: "مافيش حاجة يا سي إمام سلامتك. ده أنا قاعدة بحايل في بطة بس.. أصلها زعلانة أوي و متعصبة! يخرج سالم عن صمته المدروس في هذه اللحظة قائلاً بصوته الرصين:

"كفى الله الشر.. مالها عروستنا الحلوة. إيه إللي ممكن يزعلها و عمها سالم الجزار موجود على وش الدنيا؟ إبتسمت نجوى مغطية على ارتباكها وهي ترد عليه: "نعمة و فضل وجودك فوق راسنا يا سي سالم. هي بس ماكانتش عاملة حسابها على شرى الدهب الليلة.. ماعندهاش حاجة يعني عليها القيمة تلبسها و هي ماشية معانا و مع خطيبها! وألقت نحو ابنتها نظرة متوسلة ملؤها الهلع مما قد تتفوّه به...

على الطرف الآخر، يقترب سالم بضعة خطوات من إبنة أخيه وهو يقول مبتسمًا: "يا سلام! بقى هو ده إللي معكنن عليكي و مطلع صوتك كده يا ست البنات.. بصي يا بطة. إنتي لو لبستي خيش هاتبقي أحلى بت شافتها المنطقة دي كلها. مع ذلك عمك مش هايحرمك من حاجة. و لا تحملي هم.. هابعت معاكي الولا بندق بعربيتي شخصيًا و تنزلي تنقي إللي يعجبك." "الله يخليك لينا يا كبير! هتفت نجوى بحبور شديد. "مانتحرمش منك يارب."

أومأ سالم مرةً واحدة، ثم مد كفه الضخم ومسد على خد فاطمة الرطب قائلاً: "أهم حاجة عندي تبقي جاهزة قبل الساعة 9.. الساغة كلها هاتكون فاضية عشانك. تدخلي أي محل و تختاري أحلى و أغلى شبكة. إن مكفاش مصطفى عمك يكفي و زيادة يا بطة! وجمع مسبحته بقبضته ليمسك بكتفيها ويقترب أكثر ليطبع قبلة أبوية فوق جبهتها... في المقابل تقف نجوى بجوار زوجها شادة على يده بقوة خشية تصرفات ابنتها المستقرة إلى الآن باعجوبة.

يلاحظ إمام تصلّب ابنته وعدم نطقها بكلمة حتى هذه اللحظة، كما لا يخفى عنه توتر زوجته. استشف أن حتمًا هناك خطبًا جلل، لكن حدسه نبئه بأن ليس من المصلحة أن يثير جدلاً الآن. فلينتظر قليلاً.. على الأقل ريثما تمر هذه الليلة! *** كانت منهمكة في أعمال المطبخ حين سمعت أصوات الزغاريد من كل حدب وصوب. وكأنها نواقيس الإعدام...

ألقت نسمة ما بيديها وأسرعت إلى الخارج، حيث تركت رزق يجلس بالصالون متابعاً إحدى قنوات الأفلام الغربية ذات الطابع الحركي الأكشن. لكنها لم تجده حيث تركته تماماً، بل أنه كان يقف عند النافذة، متخفياً وراء الستار السميك، بدا أنه يراقب ما يجري بالأسفل وحول منزل عائلته الجليل. "إيه الصوت ده يا رزق؟! بالطبع كانت تعرف ما هذا الصوت وما هو سببه، لكنها تظاهرت بالبلاهة حتى آخر لحظة. بينما يرد عليها دون أن يلتفت

وبلهجة تكنف غضب مضمر: "ماعرفش يا نوسا.. بس باينه جاي من بيتنا! كانت ستجذب معه أطراف الحديث أكثر عساه يفصح لها سهواً أو تحت الإلحاح عما يعرفه. لكن هاتفه دق فجأة. فاستدار رزق تاركاً مكانه عند النافذة، مشى ناحية سترته الملقاة هناك فوق كرسي الصالون، نبش في الجيوب الداخلية حتى استل الهاتف. هتف مخاطباً نسمة وهو ينظر مطولاً إلى رقم أبيه الذي أضاء شاشة هاتفه: "أنا لازم أرد على المكالمة دي.. هادخل أتكلم جوا. إوعي صوتك يطلع!

وولّى من فوره تجاه غرفة النوم... أما هي، فحثت الخطى نحو النافذة، وطفقت تتأمل معالم الفرح المقام بالأسفل وهي تعض شفتها السفلى بقوة. تجمعت دموع الغيرة والحسرة بعينيها. ماذا لو خاب سعيها؟ ماذا لو تمت تلك الزيجة؟؟؟ ماذا ستفعل لو حدث هذا!!!! *** يغلق رزق باب الغرفة وراءه بإحكام. يبتعد قليلاً بحيث لا تتمكن نسمة من التقاط أي كلمة قد ينبس بها. فتح الخط ورد بصلابة شديدة: "آلو! جاء صوت سالم الجزار قوياً وهادئاً في آن:

"إيه يا عم الرايق.. ينفع كل يوم أصحى ألاقيك بايت برا البيت. إنت فين يا رزق؟ تجاهل رزق تحقيقات أبيه وقال بصوت أجش: "مش مهم أنا فين. إيه إللي أنا سامعه عندك ده.. إنت عملت إيه يابويا!!! "عملت إيه يابني. مش قولتلك ليلة إمبارح عندنا دخلتين الجمعة الجاية.. إنت و أخوك مصطفى! "و أنا قولتلك مش موافق. بتحطني قدام الأمر الواقع يعني.. أنا مابجيش بالطريقة دي و إنت عارف."

"طيب بس هدي خلقك شوية. هانقعد تاني و نتفاهم و هاريحك.. مش هاتنزل إنهاردة مع أخوك و تجيب شبكة لعروستك زيه. مش هاحطك في الموقف ده لو مش عاوزه. بس تجيلي و نتكلم. أنا مش بضغط عليك يابني يا حبيبي.. أنا كل أملي أشوفك مبسوط و مرتاح بس! وها قد نجح سالم بكلمتين بامتصاص غضب ابنه... تنهد رزق بثقل، ثم قال: "أنا مش هعمل حاجة مش مقتنع بيها يابويا.. مش هاتجوز واحدة غصب عنها." طاوعه سالم قائلاً:

"طيب بس تعالى.. تعالى و أنا هاعملك إللي إنت عاوزه. وحياتك عندي هاعملك إللي إنت عاوزه." وافق رزق في الأخير: "تمام.. أنا جاي دلوقتي! يخرج رزق من الغرفة مرتديًا قميصه، كانت نسمة تنتظره بالصالون. رمقته وهو يهم بارتداء سترته هاتفة باستنكار: "إنت ماشي؟! نظر لها متمتماً باعتذار: "أنا أسف يا نوسا.. لازم أمشي. في مشكلة في الشغل و أبويا عازوني حالاً." تهدلت قسماتها... "و الغدا إللي بحضره بايدي عشانك!!

اقترب رزق منها ودنى ليطبع قبلة فوق خدها هامساً: "معلش.. الجايات أكتر." سألته بشك: "متأكد؟! لم يفطن للمغزى وراء سؤالها، فقال فوراً: "طبعًا.. أنا ماستغناش عنك أبدًا. هابقى أكلمك لما أخلص! وودعها بقبلة أخيرة فوق شفاهها، ثم تحاوزها ماضياً تجاه الشرفة الخلفية المطلة على المهرب السري الذي يعتمده منذ فترة طويلة. لتبقى هي محلها. تنظر في أثره الفارغ، تشعر أنها بعد كل هذا أيضاً... لا تزال خالية الوفاض! ***

وقف وسط شباب الحي ورجاله منتفخ الصدر. ما برحت التهنئات الحارة تنهال فوق رأسه وهو يستقبلها مسروراً، لا يستطيع أن ينكر السعادة التي ملأته، فهذا كان حلمه الجميل منذ صباه.. أن يتزوج فاطمة. الحب الذي زرعه والده بقلبه حتى عصى عليه اجتثاثه عندما كبر، لدرجة أنه لم ينساق أبداً وراء أي علاقة غرامية. فقط فاطمة التي بقيت كنجمة صعبة المنال، حتى حين.. حين يقرره والده. وأخيراً قرر أن يزوجه إياها. إن هي إلا أيام قليلة وتصير على اسمه.. اسمه هو.. للأبد!

كان على بُعد أمتار من المنزل، عندما لمح خطيبته تخرج برفقة أمها وتمشيان ناحية سيارة أبيه الفارهة. اعتذر من رفاقه وهرع نحوهما هاتفاً: "على فين العزم يا مزز؟!! ضحكت نجوى لمداعبته، بينما فاطمة تقف خلف أمها واجمة، لا تتحمل حتى مجرد رؤيته. وتسمع أمها تجيب سؤاله تالياً... "رايحين مشوار بعربية أبوك يا جوز بنتي! ابتسم مصطفى باتساع قائلاً: "يسمع من بؤك يا حماتي! وألقى نظرة صوب فاطمة مكملاً بلهجة تشتعل حماسة:

"و لو إن مش فاضل كتير.. بس الشوق مغلبني أوي." ضحكت نجوى ثانية وهي تضربه في كتفه مازحة... "يا واد إتقل مش كده. و بعدين عدينا بقى.. مش عايزين نتأخر." مصطفى باهتمام: "رايحين فين طيب؟ "أبوك المعلم سالم الله يخليه لينا يارب باعت معانا بندق لحد السوق. هانشتري طقم حلو كده لبطة عشان مشوار إنهاردة.. إيه في مانع إن شاء الله؟ حتى لو في ماتقدرش عشان أبوك قال كلمته خلاص." مصطفى ضاحكاً بخفة:

"بتهتيني بابويا..ماااشي يا حماتي. خافي على بنتك بقى! وقهقه عالياً... في الخلفية فاطمة تلوي فمها ازدراءً من ذلك الهزل السمجو تقف كما لو أنها فوق صفيح ساخن، حتى مرت أمها لتستقل السيارة من الجهة الأخرى. مدت فاطمة يدها مجتذبة باب المقعد الخلفي لتلج بجوار والدتها، إلا أن مصطفى بسط ذراعه مانعاً إياها. وهنا اضطرت لرفع وجهها والنظر بوجهه حاد الملامح.

كانت ابتسامة خبيثة تتراقص فوق ثغره وهو يرمقها بنظرات فاحصة، جريئة. ابتلعت ريقها بصعوبة ونطقت بصوت أخز: "عديني لو سمحت! تحركت حدقتيه البنيتان وهو يتأمل قسمات وجهها كلها، ثم حنى رأسه قليلاً كي ما يهمس لها بصوت جمد أوصالها رعباً:

"إوعك تفكري إني نسيت كلامك.. أنا فاكر كل حرف سمعته منك. فاكر و مش ناسي.. ردي على الكلام ده هاتشوفيه بعنيكي فعل بعد أربع تيام من دلوقتي. و حياة غلاوتك عندي لا تعرفي الفرق الحقيقي بين مصطفى الجزار و حبيب القلب التاني... عدي يا بطة! و تراجع مفسحاً لها طريق المرور... لم يكد يرتد لها طرفها إلا ورأته و قد ابتعد عائدًا من حيث أتى!!!

لولا نداء أمها بعد أن لاحظت مدة مكوثها وحيدة لكانت قضت دهرًا هنا متجمدة من شدة الخوف الذي بثه فيها... "يلا يا فاطمة! قست نفسها على الإذعان لأمها. استقلت إلى جوارها شاردة وشاحبة كثيراً... "مصطفى كان بيقولك إيه؟! تساءلت نجوى بريبة. هزت فاطمة رأسها سلبًا وقالت بما يشبه اللهاث: "ماقالش حاجة! *** بعد نجاحه الموثوق بعبور بيت عشيقته دون أن يلفت الانتباه.

مر بشكل طبيعي أمام أخيه وجماعته حتى بلغ عتبة المنزل، ارتأى أن تحون قبلته الأولى هي شقته الخاصة أعلى السطح. على الأقل ليستحم ويبدل ثيابه ليزداد ثقة وحضوراً كما هو عهده. و بالفعل... صعد الدرج في زمن وجيز حتى صار بمكانه، لكنه وقف كالصنم فجأة، هنا بمنتصف السطح. حيث وجدها بانتظاره، تجلس فوق المقعد الرياضي خاصته... "أنا قلت بردو إنك مختلف عنهم! هتفت ليلة مستقبلة إياه بكلمات مبهمة كهذه.

كانت تجلس باسترخاء وتبتسم، قامت من مكانها بتكاسل وهي تكمل ملوحة بكفها: "بس تصدق ذوقك طلع حلو.. اخترت أهدى مكان في البيت ده. و مصممه بشكل كويس. و طلعت فعلًا مهووس بالبوكسينج. ده إنت فاتح جيم هنا يعتبر! وضحكت... "إنتي بتعملي إيه هنا؟ سألها مباشرة. لتختفي معالم المرح كلها من محياها وهي تمشي صوبه ببطء قائلة:

"أنا وثقت فيك أول مرة.. لما قولتلي إن الموضوع في إيدك. و إنك تقدر تخلي أبوك ينسى حوار جوازنا ده.. بس يا رزق. إنت خيبت أملي! حاول أن يرد عليها ويشرح له الأمر. لتسكته باشارة من يدها وهي تقول بجمود: "أنا كنت عاملة حسابي By the way.. كده كده إنت مش أول واحد يخيب أملي و يخدعني! نظر لها بغرابة، لتظهر هاتفه باللحظة التالية وتعبث به لثوان. ثم تضعه أمام عينيه...

"إتفرج و ماتحاولش تخطف الموب من إيدي. أنا شوفت أفلام عربي كتير..و مش محتاجة أقولك إن عندي من الفيديو ده نسخ كتير." وضحكت من جديد... لم تمر لحظات إلا وتجلى له الأمر كله. بينما راقبت تعابير وجهه المصدومة بانتشاء، أبقت شاشة الهاتف أمام عينيه وهي تستطرد بانتصار لا يخلو من الخبث:

"إنت شكلك كنت فاكرني هبلة.. يا حبيبي أنا من الليلة إياها لما ظبطني و أنا بحاول أهرب مابطلتش أفكر إنت كنت هناك في المكان ده الساعة دي بتعمل إيه. من ساعتها و أنا براقبك.. لحد ليلة إمبارح شوفتك و إنت خارج من البيت متأخر. مشيت وراك لحد ما طلعت بيت. صاحبته إللي مقدرتش تصبر حتى لما تدخل و استقبلتك بالاحضان.. تخيل الفيديو لو وصل لسالم الجزار! في هذه اللحظة نظر إليها بقوة وقد صارت بشرته حمراء لاهبة من شدة الغضب...

"إنتي مجنونة!!! غمغم رزق محاولاً كبت عصبيته بجهد فائق الحد. تعيد ليلة الهاتف إلى جيبها وهي تقول بفتور مستفز: "منغير كلام كتير و غلط.. أنا مش هاستفيد حاجة من فيديو زي ده. بس لو ماتصرفتش و لاغيت الجوازة دي أنا مش بس هالعب بالكارت ده. لأ.. أنا هاقلب حي الجزارين ده كله حريقة. و صدقني. مش مجرد كلام! حدجها بنظرات لو أثرت لأحرقتها، لكنها على كل حال، لم تكن خائفة منه...

وهنا وصل إلى مسامعها صوت سعال خفيف، وصارت خطوات واضحة ترتقي الدرج وصولاً إلى هنا. سارعت ليلة بالاقتراب منه قليلاً والهمس محذرة: "قدامك لبكرة عشان تيجي و تقولي إن الموضوع إنتهى.. و إلا و شرف أمي هاتندم! وأولته ظهره بسرعة متجهة صوب الدرج، لتصطدم بعمها هناك. قابلها الأخير بابتسامة قائلاً: "الله! ليلة. أول مرة أشوفك هنا. أيوة ياستي. طالعة لخطيبك مين أدكوا! وغمز لها... ضحكت ليلة ضحكة صفراء وقالت باقتضاب:

"أنا كنت بقول حاجة لرزق بس.. هو بقى ممكن يقولهالك. عن إذنك يا عمي! أفسح لها سالم... "إتفضلي يا حبيبتي! كان يحمل حقيبة جلدية صغيرة في يده، ما إن توارت عن ناظريه حتى تقدم نحو ابنه.. وإذ صار يقف قبالته تماماً، قال بصوته القوي: "مالك يالا.. جازز على سنانك أوي كده ليه؟! "مافيش حاجة!! نطق رزق بنزق حانق. ابتسم سالم مغمغماً بلهجة ذات مغزى: "أحسن يكون كلام البت دي أثر فيك و لا حاجة! تطلع له رزق مشدوهاً...

تنفس سالم بعمق وأفصح له مباشرةً: "أنا سمعت الحوار.. بس ماعجبنيش ردك. أو قلة ردك أصلًا.. إزاي تسيبها تكلمك بالاسلوب ده يابني. دي هاتبقى مراتك.. كده تركبك و تدلدل يا عبيط! عبس رزق بشدة وهو يقول مشيحاً بوجهه للجهة الأخرى: "إنت مش عارف حاجة." "لا ياخويا عارف.. و زي ما فهمت الفيديو اللي بتبتزك بيه يخص البت إللي جبتها هنا وسطنا و أويتها. كان اسمها إيه.. مش نسمة بردو؟! عاود النظر لأبيه ثانية... "كنت عارف؟؟!!

سأله بصدمة مضاعفة. رد سالم بثقة تغلفها قساوة: "طبعًا يالا.. أومال فاكر أبوك دق عصافير و لا إيه. أنا دبت النملة بتوصلني. آه كنت عارف. و من أول يوم بعلاقتك بالبت دي.. و سيبتك بمزاجي. كنت بقول كبر و بقى راجل و محتاج واحدة ست في حياته. بس خلاص.. آن الأوان و هاتتجوز. يبقى هاتقطع علاقتك بالبت دي نهائي. و هاتمشيها من هنا... "نسمة مش هاتروح في حتة! غمغم رزق بخشونة ملوحاً بسبابته. "و حذاري تقرب منها. سامعني يا معلم سالم؟!!!

زفر سالم بنفاذ صبر وقال: "طيب.. بكيفك. تقعد.. بس إسمع بقى إنت.. قسمًا بالله لو عرفت إنك روحتلها تاني أو قربت منها ماتلومش إلا نفسك.. أمين؟ اللهم بلغت! ثم أنهى النقاش بأن مد له الحقيبة الجلدية قائلاً: "أمسك.. الشنطة دي جواها شبكة عروستك! تناول رزق الحقيبة منه مستوضحاً: "إيه هو ده مش فاهم!! صمت سالم لدقيقة كاملة، وكأن الذكريات تجتاحه. حتى تمكن من القول:

"الشنطة فيها طقم ألماظ.. أول هدية جبتها لأمك. كانت بتحبه أوي. و في يوم قالتلي لما رزق يكبر و يتجوز هاتلبسه بايديها لعروستك... وتطلع إليه مضيفاً بجفاء: "أنا وصلت الأمانة بس! ثم استدار مغادراً وهو يلقي بآخر كلماته: "يلا أسيبك تشوف وراك إيه.. و فكر في كلامي كويس. لازم تأدب البت دي و تدبحلها القطة من أولها. خليها تعرف كويس إنت مين!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...