الفصل 43 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
32
كلمة
2,403
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

تلك الأناهيد المعبرة عن ضيقه ونفاذ صبره مع مرور الأيام، فقط بضعة أيام لم تكن بالشيء الجسيم عليه. وكأن الزمن أصبح له حسابًا آخر منذ التقى بهذه المراهقة الشابة. رغم أن والده وعده بأن يزوجها إليه، بل وقد ذهب على الفور لأبيها كي ما يخطبها لابنه البكري، لم يكن هناك ما يستدعي قلقه، خاصةً مع علمه ببعض المشكلات العائلية التي غزت بها عائلة "الجزار" مؤخرًا. لكن عقله السليط المتسلط أبى أن يفهم شيئًا كهذا، لينعكس كل هذا الضغط سلبًا على حياته قاطبةً. عمله، بيته، حتى في نفسه. أهمل كل شيء ولبث يفكر بها فقط. كأنما هي جنيّة وتلبسته. ولكن أليست كذلك؟

إنها جنيّة بالفعل، جنيّة صغيرة، جميلة. "وبعدهالك يا عاصم؟ انتزع صوت "رضوان السويفي" الخشن "عاصم" ابنه من أفكاره المؤرقة حتى هنا، على مائدة الغذاء. لينظر الآخر إلى والده متسائلًا: "عايز حاجة يابا! رضوان باستخفاف: "سلامتك.. انت هاتفضل كده كتير يابني؟

تنهد "عاصم" مغمضًا عينيه، لم يعجبه أن يستفتح أبيه موضوعًا كهذا أمام بقية أفراد الأسرة. والدته وإخوته الذكور الثلاثة الذين كما توقع، رفعوا رؤوسهم يصوبون نحوه نظراتهم الفضولية. "مالي يابا ما أنا زي الفل أهو! " كان جواب "عاصم" مقتضبًا ملمحًا لضرورة عدم التطرق لأي أحاديث تخصه. إلا أن "رضوان" عاند ذلك وكأنه لم يفهم رسالة ابنه: "زي الفل إيه. بتضحك على مين ياض؟

ده انت حالك لا يسر عدو ولا حبيب وفي الطناش من كل حاجة بقالك أكتر من أسبوع. كل ده عشان بنت سالم الجزار؟ ما قولتلك إتنيلت روحت لابوها وكلمته ولقيت منه ترحيب كمان. إن ماكنوش شوية المشاكل اللي عندهم كنا روحنا خطبنهالك وخلصنا." كان صرير فكّي "عاصم" مسموعًا ومرئيًا أثناء حديث والده. احمرّ وجهه انفعالًا وتمتم زاجرًا: "أظن مش وقته كلام في الموضوع ده يابا ولا مكانه! "بتقولي أنا قول لنفسك!!! " صاح "رضوان" مهاجمًا.

"الشغل اللي انت عامله بتاع التلامذة ده مش عاجبني. ده أنا ماشوفتكش عملت كده أيام ما كنت ور ور وشنبك يدوب بينبت. إيه يعني حتة بت مفعوصة قدرت تلحس دماغك؟ فووووق.. انت عاصم السويفي." "حسنًا... لقد ضغط عليه بما فيه الكفاية. لم يعد يتحمل أكثر من ذلك! "طيب يابا. بالإذن أنا! وقام عن مقعده متهيئًا للرحيل، ليستوقفه والده محتدًا: "رايح فين ياض؟ بدون أن ينظر إليه أجاب "عاصم" بصلابة متخذًا طريقه مسرعًا خارج المنزل كله:

"رايح أشوف شغلي. كفاية شغل تلامذة.. ولا إيه؟! واختفى خلال لحظات. لتميل الوالدة صوب الوالد هامسة: "شديت عليه أوي يا رضوان! رد "رضوان" بصوت عالٍ فيه من الغلظة: "أحسن. ولا يعجبك ابننا الكبير يطلع خايب. تيجي واحدة اسمها مراته بعد الجواز تمشيه على هواها!!! "أنا ماقولتش كده."

"مش شايفة عيال سالم الجزار عاملين إزاي. وبالخصوص ابنه الكبير رزق.. ده ماسكه شغله كله وممشيه بصباع رجله مش محمّله هم حاجة ولا عمره سوّد وشه في حاجة. تقوم انتي تقوليلي دلوقتي على المحروس ابنك شديت عليه أوي يا رضوان. ما يولع!! "بعيد الشر! " عقبت الزوجة قبل أن يتمم الأخير جملته. بزفر "رضوان" مطولًا وهو يطرق برأسه محدقًا بصحنه الكبير، ثم يتمتم لنفسه:

"أما أشوف أخرتها معاك يابن رضوان السويفي.. هاتطلع زي سبع زي ابن سالم الجزار ولا هاتوكّسني وسط الخلق!

-أمام مرآتها الضخمة، وقفت "فاطمة" تضبط وشاح رأسها الأسود وتتأكد من غلق أزرار عباءتها العلوية. كانت في عجلة من أمرها. أوردت قدميها النعلين، والتقطت حقيبة يدها، ثم استدارت مهرولة إلى خارج الغرفة. في طلّتها تهادى إلى سمعها صوت زوجها من وراء باب الشقة. فإذا بها تتجمد بمنتصف الصالة. لتمر الثواني ويلج "مصطفى" مستخدمًا مفتاحه الخاص، وقد تبيّنت "فاطمة" أيضًا بأنه لم يكن يتحدث سوى بهاتفه. راقبته في صمت وهو يتحرك أمامها ولا يزال يتحدث عاقدًا حاجبيه وغير ملاحظًا

وجودها: "آه.. أيوة يا معلم رجب.. إن شاء الله البضاعة تكون عندك قبل الليلة.. أنا هاوصلها بنفسي.. لأ رزق أخويا في مشوار تاني.. أبويا موكّلني أنا ليك المرة دي.. على راسي.. تمام أشوفك على خير.. مع السلامة... وأغلق الخط معيدًا الهاتف إلى جيبه، بينما يرفع بصره محدقًا بزوجته، ثم قال على الفور بصوته الهادئ: "على فين كده؟ تنحنحت "فاطمة" متطلعة إليه بشجاعة واهية كعهدها أمامه دومًا:

"أنا رجعت مع أمي من ساعتين كده عشان أجيب كام هِدمة لخالتي هانم وأعملها لقمة تتقوّت بيها.. من ليلة امبارح وهي على لحم بطنها." رفع "مصطفى" حاجبه معلقًا: "وكنتي نازلة تاني وماشية من غير إذني؟ أجفلت من ملاحظته الحادة، استجمعت نفسها بسرعة وقالت بصوت محايد: "أنا قلت جيت مع أمي وهارجع مع أمي برضو وبعدين إحنا كده كده كنا مبيتين في المستشفى من امبارح وانت كنت عارف!

ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تجاهد لتبقى نظراتها صامدة أمامه حدقيه الثاقبتين. بعد برهة طويلة تعمّد "مصطفى" أن يبث فيها ذبذبات سيطرته لئلا تظنه زوجته متساهلًا في أمور كتلك، فك تشنجات جسمه أخيرًا وأقبل نحوها متحدثًا بمرونة: "اقعدي. مرواحك ملوش لازمة.. أبويا رايح يجيب أمي على المغربية كده." فاطمة باستنكار: "رايح يجيبها إزاي؟ المفروض تقعد شوية تحت الرعاية." بدا باطنيًا تضامنه مع رأيها، لكنه قال كمن لا حول له ولا قوة:

"أبويا مصمم تطلع وإحنا نراعيها هنا... وأضاف بعد تردد وهو يشيح بوجهه ويمسد على مؤخرة رأسه بكفه: "وكمان هو مجهز لها مكانها فوق.. معاه في شقته! انفتح فاها على مصراعيه وهي تعقب مدهوشة: "إيه!! مجهز لها مكانها معاه في شقته؟ معقولة؟! أدار "مصطفى" رقبته ونظر لها بحدة قائلًا: "مش معقولة ليه؟ هي مش مراته؟! فاطمة بشيء من الاضطراب: "أيوة مراته.. بس يعني... "بس يعني إيه!!! " صاح بها متغالظًا، وأردف بفظاظة:

"الطبيعي إن أي راجل ومراته بيعيشوا سوا تحت سقف واحد.. انتي ولا غيرك متوقعة إيه من أبويا؟ أمي كانت سايباه وقاعدة معانا عشان تاخد بالها مننا.. لكن هي دلوقتي اللي محتاجة حد ياخد باله منها. ومافيش إلا جوزها أولى بده. وهو أولى بيها.. دي الأصول يا.. بنت الأصول! ورماها بنظرة كالسهم المارق، ثم تولى عنها ماضيًا إلى غرفة النوم. صفق الباب بقوة في وجهها.

انتفضت رغمًا عنها وبقيت مكانها تنظر إلى الباب المغلق بينما كلماته ترن بأذنيها، ولم تستطع إسكات لسان حالها الذي بدأ يواجهها بالحقائق: "هي دي المعاملة اللي تستحقيها يا بطة.. انتي اللي بإيدك اخترتي مصيرك الأسود ده. لو ماكنش عرف أي حاجة.. لو كنت استسلمتي للأمر الواقع. كان فضل شايلك على راسه زي ما كان وبيتمنى لك الرضا... حبك لرزق فادك في إيه دلوقتي. هو فين رزق أصلًا. لا طولتيه ولا طايلة الراحة مع أخوه!

انسابت دمعة ساخنة على امتداد خدها أزالتها بسرعة وهي تعاود نزع وشاح رأسها ثانيةً. ما من داعٍ للذهاب إلى أي مكان كما قال زوجها. -إنه تقريبًا نسخة مطابقة. لعل الشكل مغاير، لكن الأسلوب نفسه. حتى عنوان القرية. استطاع من قراءة لقب عائلته على لافتة كبيرة عند تخومها. ( قرية أولاد الجزار ) . الاسم هل هو مدعاة لكل هذا الفخر؟ إن يكن.. هو لا يفخر به البتة خاصةً الآن.

كان منزل "النشار" في وسط القرية تمامًا، قصر، يُطلق عليه "دوّار" بلغة أهالي الصعيد. لم يكن العثور عليه شاقًا. سرعان ما وصل. بعد أكثر من ثلاثة ساعات في الطريق. ها هو قد وصل بمفرده، وجالسًا في حضرة شيخ البلد وحاكمها. "النشار" بشحمه ولحمه. إنه حقًا من دماء "الجزارين". يرث نفس التباهي والكبرياء، القوة وتلك الهالة المهيمنة المحيطة به. كم كان مؤذيًا لمشاعره الآن أن يذكره هذا الرجل بالشخص الوحيد على وجه البسيطة الذي يكن له كرهًا عظيمًا. "سالم الجزار".. أبيه!!!

"يا مراحب بالغالي ابن الغاليين! " هتف "النشار" بحفاوة حارة وهو يعانق "رزق" عناق الرجال الشداد. "منوّر يا رزق.. حقيقي. ضلمت عند الجزار ونوّرت هنا عند النشار.. بجد مش مصدق عنيا. اقعد يابني واقف ليه؟ وجه "رزق" الناضب من الحياة، أوحى له بالكثير، لكن "رزق" قطع عليه تفحصاته وعاجله قائلًا بصرامة واضحة: "النشار عمنا وأبو الكرم والضيافة. بس أنا مش جايلك أضايف المرة دي للأسف يا عم إبراهيم. أنا جاي عاوز أختي!

جاء رد "النشار" مفاجئًا وهو يقول مبتسمًا: "أبوك كلمني يا رزق وحكالي كل حاجة! "حكالك؟! " علّق "رزق" بآلية. "ويا ترى حكالك على اللي عمله فيا وفي أمي؟ حكالك إنه خبى عني أختي؟ وانت كمان يا عمي كنت عارف يا ترى إنها أختي.. كنت عارف القصة دي كلها؟! "ممكن تقعد الأول بس. مانا مش سايبك الليلة دي على الأقل دي أول مرة تحط رجلك هنا. بص أنا آ ا... "أنا عاوز أختي! " هتف "رزق" منهيًا كافة سبل النقاش، وأضاف بحزم:

"مافيش كلام قبل ما أشوف نور.. بعدها وافقت تفضل هنا هاسيبها. حبت تيجي معايا هاخدها.. انتهى!

-بالمضافة الفخمة حيث هو. يجلس فوق كرسي من خشب "الأرابيسك" الأثري. يدوس بساط من جلد البقر. وحيدًا الآن. لا يدري ما أصابه بعد أن فارقه "النشار" كي ما يذهب ويأتي له بأخته. كان هادئًا. أما الآن يستطيع أن يسمع خفقات قلبه، وطنين أعضاؤه كلها في أذنه. حرارته ارتفعت بشدة. لا يطيق الترقب أكثر من ذلك. لا يمكنه أن يظل جالسًا هكذا دون أن يفعل شيئًا.

وفي اللحظة التي هب واقفًا فيها، انفتح الباب المزدوج من خلفه محدثًا صريرًا مسموعًا، مع شعوره بقلبه ينتفخ بصدره. أخذ "رزق" يلتفت رويدًا رويدًا. حتى أتم استدارة كاملة وقد استقرت نظراته عليها. هذه هي.. أخته... شقيقته.. هذه الملاك! أجل بالتأكيد هي، إنها هي بحق الله وعزته، إنها هي.

يرقة في ثوب فضفاض أسود اللون، في غمضة عين صارت فراشة وهي تخطو بالداخل. شعرها المموّج الحريري يتهافت حولها. عيناها الرماديتان تتألقان بخضرة نادرة وقد لمح فيهما طبقة دموع. الثريا المشعة تعكس على بشرتها الناصعة لونًا برونزيًا فاتحًا يخلب البصر. وفوق كل هذا.. هيئة أمه. كأنه يرى طيفها.. أو... شبحها! لثانية أصابه ذعر مجهول حين سمع صوت أمه ينبثق من فمها فجأة: "رزق!!!

واعتقد بأنها تتوجه نحوه فقط، إلا أنه تفاجأ بهجومها العاطفي عليه، إذ قفزت عليه حرفيًا وعانقته بكل قواها كالغريق الذي يتشبث بطوق النجاة. كان يشعر بالدوّار، وكان التركيز صعبًا كثيرًا، لكنه استطاع سماع الشجن الذي هو صوتها فعليًا بشكل عجيب: "أيوة.. انت رزق.. انت أخويا... أنا.. كنت مستنياك!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...