أطلق "علي" مزيدًا من الزفرات الحانقة، وتساءل في نفسه متى سيطلق عمه سراحه. كان لديه الكثير من المشغوليات، وذاك ما أن بزغ الفجر أرسل في طلبه ولم يتركه حتى الآن، يجلس أمامه بشرفة شقته. يحاول مرارًا وتكرارًا الاتصال بهاتف "رزق"، ولكن عبثًا الخط مغلق. "يا عمي، ورحمة الغاليين تليفونه مقفول. زن عليه ده مش هايجيب أي نتيجة. هو أول ما يفتح هاتجيلي رسالة ف هاتصل بيه علطول. إنما كده فرهدة بصراحة يعني!
هكذا عبر "علي" عن نفاذ صبره، ولكن بطريقة مجردة تمامًا من أي لمحة حنق أو عصبية. في المقابل، يهز "سالم" رأسه عابسًا واهنًا وهو يتمتم: "أنا بس خايف عليه.. أحسن يكون جراله حاجة! طمأنه "علي" بفتور: "لأ بعد الشر لو في حاجة كنا عرفنا.. هو أكيد عند الحتة التانية بتاعته. إنت عارف مين! هذا احتمال ورد إلى ذهنه بالبداية، لكن قلقه غلب كل الظنون المتوقعة، ولم يستطع إلا تصوّر الأسوأ. تنهد "سالم" بحرارة وقال مستسلمًا:
"طيب ماتقطعش معاه. حتى لو تليفونه مقفول.. خليك وراه." "علي" بإنصياع: "حاضر يا عمي.. أنا وراه لحد ما يرد. بالإذن أشوف إللي ورانا. في شغل كتير متأخر... "إستنى يالا! " استوقفه "سالم" أثناء نهوضه. نظر له "علي" متسائلًا بضيق واضح: "خير يا عمي!!! قام "سالم" واقفًا بدوره وقال بجمود وهو يلقي بعباءته المفتوحة فوق كتفيه: "إنسالي الشغل إنهاردة.. أنا عايزك معايا في مشوار." "مشوار إيه ده؟! سالم وهو يرمقه بصرامة متحدية:
"رايحين نجيب مصطفى من المستشفى! وهنا تبدل تعبير "علي" تمامًا وتغيرت نظرته لتغدو أكثر قتامة، لما حضر ذكر "مصطفى". وحين أيقن أن مشيئة عمه وإن كانت لا تسير وفق إرادته هو سوف تتحقق. ماذا سيفعل؟ هل بإمكانه أن يرفض أو يكسر كلمة عمه!
بالطبع لا. وفي النهاية سيجد نفسه مصافحًا يد "مصطفى" التي اغتالت أخته، ومعانقًا إياه أيضًا. الرجل الذي اغتصب أخته على مرأى ومسمع منه تحت مسمى الزواج. وهو لم يخرج بيده أي شيء، وقف متفرجًا، يا له من عار.
تنتحب بصمت، دموعها تنهمر كالشلال من مآقيها الحمراوين، جفناها متورمان من شدة البكاء لليلة كاملة. كانت هذه حال "نسمة" منذ ليلة الأمس، عندما عاد إليها "رزق" غارقًا بالدماء في مشهد مروع، لولا أن كتمت صراخها بيديها لسمعها قاطني العقار والجيران بالحي الراقي قاطبة. للوهلة الأولى ظنت بأنه مصاب أو مجروح، كان قلبها سينفطر عليه وهي تجري عليه مفتشة بجسمه عن موضع جرح. فإذا به يمسك بيديها قائلًا بوداعة مخيفة:
"نسمة.. أنا جعان. فين العشا إللي وعدتيني بيه؟ كم أصرت عليه أن يغتسل أولًا على الأقل، لكنه أصر أن يتناول عشاؤه كما هو، وجهه ويديه ملؤهما الدماء. وللغرابة، أنه أكل بنهم كبير وأنهى الصحون كلها.
ثم بعد ذلك، هو من تلقاء نفسه، ولج إلى الحمام المبحق بغرفة النوم، ملأ المغطس البيضوي بالماء الساخن، وبدون أي أضافات أخرى. ركض بداخله ومَدَّد لقرابة الساعة حتى بردت المياه. وجاءت هي من خلفه وشدت سدادة المغطس لينسحب الماء الذي تحول لونه الشفاف إلى اللون الأحمر القاني، لون الدماء. فتحت الدش، ثم جلست على حافة المغطس وأخذت تحممه بيديها مفرغة فوق الرأس الصابون، وراحت تفرك كتفيه وظهره مزيلة كل آثار الدم عليه.
بالرغم من أنها اطمأنت عندما تأكدت من سلامته، لكنها لم تستطع إنكار خوفها ورعبها مما قد يترتب على ما رأته. والسؤال الذي لم يبرح يطرق ذهنها مثيرًا بها كافة سجايا الهلع والذعر. ترى ما الذي اقترفه "رزق"؟ إن حالته النفسية غريبة ومريبة، ولا يتكلم، لا يفتح فمه بحرف واحد. فماذا فعل بحق الله؟
لم تجد لأسئلتها جوابًا غير البكاء الصامت وهي لا تزال تقف فوق ذات المغطس، ولكن من أجل أن تغسل ثيابه الناضحة بالدماء، والتي لا تستجيب لأي محاولة لتنظيفها. "نوسا! انتفضت بقوة لحظة سماع ندائه فجأة، واستدارت إليه بغمضة عين. كان وجهه غير مقروؤ، لكنه سألها بلهجة طبيعية وهو يمرر أنامله بين خصلات شعره الشقراء الثائرة: "مالك يا نسمة.. إيه الخضة دي كلها؟ خوفتي مني ولا إيه؟ بقليل من التوتر ردت "نسمة" عليه: "أخاف منك!
لأ طبعًا.. أنا بس كنت بحاول أنضفلك قميصك من الدم ده وإنت ظهرت فجأة ف خضتني مش أكتر." ورفعت كم القميص من وسط الرغوة الحمراء. نظر "رزق" من طرف عينه لثيابه المعدة للغسل، أطلق نهيدة مقتضبة من صدره ثم أمسك بيديها قائلًا بلطف: "سيبي من إيدك.. أنا مش هارجع ألبس الهدوم دي تاني خلاص." أومأت له مغتصبة ابتسامة وقالت:
"طيب إللي يريحك. عمومًا زي ما قولتلك إمبارح أنا شايلالك قميص وبنطلون في دولابي.. هاطلعهم أكويهم عشان تلبسهم لما تحب تنزل في أي وقت." "بس أنا مش نازل خالص! " قالها هامسًا وهو يطوقها بذراعيه ملصقًا إياها بجسمه نصف العاري. تبدد خوفها وارتيابها من تصرفاته الأخيرة، ما إن شعرت بالاحتواء بأحضانه وبالدفء المنبعث منه ومن صوته الذي انسَل إلى عمق حواسها:
"قصدي يعني إني قاعد معاكي.. حاسس إنك وحشاني أوي. ف لو ماعندكيش مانع.. تستحمليني كام يوم لازق فيكي بالشكل ده منغير ما تزهقي! بزغت ابتسامة مرتعشة فوق شفاهها وهي تتنشق أنفاسه الحلوة بكل ما وسعها، ثم رفعت كفيها وأحاطت وجهه المشعر بلمسات رقيقة متمتمة: "كلمة زهق عمرها ما تحضر في وجودك. وأنا كلي على بعضي ليك ورهن إشارة واحدة منك.. إلزق فيا براحتك. أعمل كل إللي إنت عايزه يا حبيبي...
أشرق وجهه أخيرًا بابتسامة خفيفة أذابت طبقة الجليد عن محيط عينيه شديد الزرقة، ليدنو منها تاليًا بغية تقبيلها. إلا أنها تلقت بوجهها للوراء، فيتجمد هو عن الحركة منتظرًا تبريرها في الحال. فلم تمر ثانية إلا وهي تقول بتلطيف: "بس في الأول محتاجة أطمن عليك.. رزق. أنا مانمتش طول الليل.. شكلك لما رجعت إمبارح كان فظيع. لدرجة افتكرت إن فيك حاجة... أرجوك طمني. قولي روحت فين ليلة إمبارح وإزاي رجعت بالشكل ده؟!
كانت تعلم أن سؤالها لن يلقى ترحيبًا منه، وهذا بالطبع ما أظهره بوضوح حين أفلتها فجأة وارتد خجوة للخلف قائلًا بصوته الأجش: "أطمني يا نسمة.. أنا صاغ سليم قدامك... مش ده كل إللي يهمك ولا أنا غلطان؟ أكدت فورًا: "طبعًا يا حبيبي. إنت إللي تهمني.. ويهمني أشوفك بخير وسيد الرجالة والناس كلها. إن شاء الله ماشوفك فيك شر أبدًا يا روحي! لم يبتسم ردًا على كلماتها المعسولة، بل عبس أكثر وهو يوليها ظهره صائحًا بقساوة:
"على كل حال أنا آسف إني جيتلك وأنا بالمنظر ده. أكيد كان لازم أراعي مشاعرك.. أوعدك إنك مش هاتشوفي حاجة زي دي تاني يا نوسا." وجاء ليعود إلى الغرفة مجددًا، فاستوقفته هاتفة دون تفكير: "أنا حامل!!! استدار بنفس اللحظة مرتعدًا وكأن صعقة أصابت جسمه، ثم وكأنما زلزال ضرب كيانه اندفع نحوها ثانية وهو يصيح بذهول مخيف: "حــامل!!! إنتي حامل؟؟؟ بجد ولا بتهزري؟؟؟ إنتي متأكدة؟؟؟؟؟؟؟
كان بنظرها أشبه بالوحش الكاسر، وأحست بالندم فورًا لتسرعها. لكنها وتحت تأثير ذعرها منه وخشية تهوره نطقت شاخصة العينين: "أيوة أيوة متأكدة.. أنا عملت الاختبار 10 مرات وطلع إيجابي. لو مش مصدقني نروح للدكتور ونتأكد سوا. أنا والله كنت باخد احتياطاتي بس أهو إللي حصل إرادة ربنا..... مالك يا رزق إتعصبت كده ليه؟ إنت دلوقتي بتخوفني منك بجد!!!!
ظل يرمقها بنفس النظرة المصعوقة، لم يسكت عنه الغضب للحظة، غضب غير محدد وبلا دوافع. لا يزال لا يعرف أهذا خبر جيد أم سيئ! لا يزال لا يعرف أيفترض أن يقبله أم يرفضه. كل ما يشعر به الآن هو الفراغ، والفراغ وحده. متخبط المشاعر، مضطربًا، غادر "مصطفى" المشفى منذ قليل برفقة والديه وابن عمه "علي". بقدر الآلام والجروح بجسمه والتي لم تبرأ بعد، لا يستطيع أن ينكر مدى دهشته وسعادته برؤية أبيه غير المتوقعة!
سعادة تشوبها كسرة، شرخ عميق بعلاقته المهزوزة أصلًا بـ"سالم الجزاء"، والذي بالرغم مما فعله به أمام الناس لا يزال يكن له الحب ويتمنى لو أنه كان الأقرب إليه. هو في الأساس لطالما تمنى أشياء كثيرة وتوسم بوالده آمال وأحلام لا تحصى، لكن كالعادة... شخص واحد فقط من يسد عليه الطريق دائمًا. شخص واحد فقط نجح بتحويله إلى ابن وأخ عدواني، عليل النفس، مريض بالحب والكراهية.
حتى أن عملية إنقاذه إياه من براثن "سالم" لم تشفع له مطلقًا، بل أنه في الحقيقة صار يمقت أكثر من السابق أضعاف المرات. لا يستطيع أن يتقبل بتاتًا فكرة أن عدوه هو الذي سعى لينقذه، حتى لو كان أخوه... "رزق" هو عدوه اللدود! "ألف بركة! "يا 100 نهار أبيض! "حمدلله على سلامته يا كبير! "نورت حتتك يا معلم مصطفى! هكذا تصاعدت الهتافات والمباركات من كل حدب وصوب لحظة دخول سيارة "سالم الجزار" تخوم حي "الجزارين".
كان "سالم" يستقبل كل هذا مبتسمًا برزانته المعهودة، بينما كانت أكثرهم سعادة هي "هانم" التي جلست بالمقعد الخلفي محاوطة كتفي ابنها. ولم تطيق صبرًا كي ما تهمس في أذنه مبتهجة: "شوفت يا مصطفى! شوفت أبوك بيحبك أد إيه؟ وجه بنفسه المستشفى وخدك في حضنه وقدام الخلق كلهم ردلك كرامتك ومادخلش الحتة إلا وإيدك في إيده. أبوك بيحبك أوي يا مصطفى!!
عززت كلمات أمه المؤكدة على بادرة العاطفة الوليدة بينه وبين أبيه بابراز ابتسامة بسيطة على محياه وهو يلقي بنظرة صوب "سالم". لقد كانت أفضل وأجمل لحظات حياته بالفعل، عندما ضمه أبيه في صدره وأشعره لأول مرة بحنانه وحبه. كانت لحظة حقيقية، لا تخضع لأي شك، حتى أنه خلالها من شدة ذهوله نسي كل شيء حدث، وآثر التنعم بها فقط. "على مهلك يا ديشا! " قال هذه الجملة أحد أصدقاء "مصطفى" وهو يساعده أثناء ترجله من السيارة.
بينما يمضي "سالم" مباشرة نحوه ويسنده بنفسه قائلًا بصوته الجهوري: "خلاص يا شباب مافيهوش حاجة.. أهو صالب طوله وشادد نفسه وزي الفل. يلا مصطفى على شقتك علطول." وأخذ يربت على كتفه بقوة مشجعًا. إلا أن "مصطفى" ما لبث أن رد بصرامة: "لأ يابا.. مش طالع على شقتي! حدجه "سالم" بدهشة بادئ الأمر، ثم فكر بأنه ربما يحمل هم زوجته ويظن بأنها لا تزال تنفر من قربه. فأراد أن يطمئنه بقوله بصوت لا يسمعه سواهما:
"لو على مراتك ماتقلقش.. أبوها وأمها وعوها كويس وهي بنفسها مستنياك حالًا في شقتك." رد "مصطفى" بحزم غير قابل للجدل: "حتى لو كده مش طالع شقتي دلوقتي. أنا محتاج مساحة لوحدي كام يوم.. مش جاهز أخش عش الزوجية بالشكل ده لا إنهاردة ولا حتى بكرة! تمعن بسرعة بوجهة نظره اقتنع "سالم" في الأخير وقال موافقًا: "على راحتك يابني.. طيب يلا. شوف حابب تقعد فين.. لو مش قادر تطلع السلم خش عند ستك دلال." واصطحبه معه للداخل.
لتحل الصدمة على الجميع لحظة سماع صراخ أنثوي آتٍ من آخر طابق بالمنزل!!!! "إيه الصوت ده؟ مين إللي بيصوت كده؟؟؟ خرج السؤال من فم "هانم" أولًا، ليرد "سالم" بخشونة صارمة: "مافيش حاجة.. يلا كل واحد على شقته." ولكن قلق "هانم" دفعها للجدال: "بس متهيألي ده صوت ليلة آ ا... "قلت كل واحد على شقته!!! " صاح "سالم" بغضب بين. فخرست الألسنة وانفض الجميع من حوله خلال لحظات. بقي هو فقط، وقف أسفل الدرج، رافعًا رأسه
للأعلى وهو يردد بوعيد: "بس لما تجيلي يا رزق.. بموتها لو ماشوفتش المرة دي بعيني! ومر أسبوع كامل. حتى استطاع "رزق" أن يحسم قراره أخيرًا، فقام من الفراش وأيقظ "نسمة" بدفعتين بكتفيها: "نسمة.. نسمة... اصحي يا نسمـــة!! تململت "نسمة" مستجيبة لمحاولاته الملحة، وفتحت عينيها بتثاقل وهي تغمغم بكسل: "في إيه يا رزق.. بتصحيني كده ليه؟ الساعة كام أصلًا؟!
وتلفتت حولها بحثًا عن ساعة التنبيه التي نست أين وضعتها منذ يومين، بينما يرد عليها "رزق" وهو يرفع هامته معتمدًا أسلوب التحدي بدءً من الآن: "قومي إلبسي هدومك وجهزي شنطتك... هانرجع حي الجزارين!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!