خائفة ومرتبكة، جلست نسمة إلى جوار رزق بسيارته ملتزمة الصمت، بينما كان يقود عائدًا بها إلى حي الجزارين. كانت تستبد بها حالة غريبة من الخرس منذ أن طلب منها حزم الأمتعة والاستعداد للعودة. بالأحرى كانت مصدومة. وفي الحال وردت إلى ذهنها أبشع الظنون. لوهلة فقدت ثقتها المهزوزة به، خاصةً بعد تلك الليلة التي فيها أتى إليها مغطى بالدماء لسبب تجهله.
صارت تخاف منه مؤخرًا. هذه المشاعر تزعجها، تنغص عليها قصة حبها، تساهم في زيادة قلقها وخوفها. هي لا تريد أن تقلق، لا تريد أن تخاف منه. إنه ملاذها الوحيد، حبيبها، كل شيء بالنسبة لها. ماذا يمكن أن يكون قد فعل؟ وعلام ينوي بها يا ترى؟ "إحنا راجعين ليه؟ تقطع نسمة الصمت فجأة بسؤالها الآلي. لم تكن تنظر إليه، بل وجهت ناظريها للأمام مباشرةً، مسبلة جفنيها قليلًا كأنما هي منتشية، أو لا مبالية.
التفت رزق نحوها وألقى عليها نظرة فاترة، ثم قال وهو يشيح بوجهه تجاه الطريق ثانيةً: "وضعك مابقاش زي الأول.. ماينفعش أسيبك لوحدك تاني." نظرت له بسرعة هاتفة بلهجة أقرب للذعر: "إنت مرجعني معاك عشان تسقطني عند أهلك؟ مش عايز العيّل إللي في بطني وحابب تخلص منه بالسرعة دي وهو لسا مادبتش فيه الروح يا رزق؟ إنعقدا حاجباه بشدة وهو يلتفت ناحيتها مرةً أخرى مرددًا بغضبٍ: "إنتي بتخرفي بتقولي إيه؟ مين قالك الكلام ده؟
إنتي متصورة إني ممكن أقتل روح بريئة؟ وكمان حتة مني؟ إبني ولا بنتي؟ إنتي اتجننتي يا نسمة! تلبكت كثيرًا مع سماع كل كلمة توبيخ من فمه الذي ودأنه فوّهة بركانٍ وانفجر. أجفلت قائلة بتوترٍ: "أومال طيب إنت واخدني هناك تاني ليه؟ أنا عارفة إن أهلك معترضين عليا. وبصراحة أنا خايفة من أبوك أحسن يأذيني هناك. خايفة على ابني! وبسطت كفها فوق بطنها التي لم تظهر حملًا بعد. أغمض رزق عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بثقة صارمة يسكّن
روعها: "ماتخافيش يا نسمة. محدش يقدر يمسّك ولا يمس إللي في بطنك طول ما أنا عايش وبتنفس. وبعدين ماتنسيش. إنتي شايلة إبن رزق الجزار. حفيد سالم الجزار. مهما كان أبويا جبروت. عمره ما يفرط في دمه ولحمه." أرادت بشدة أن تصدق كلامه وأن تطمئن على الأخير، لكن هناك العديد من العوائق لا تنفك تقفز أمام عينيها واحدة فواحدة. ومع كل هذا لم يسعها إلا أن تفكر بصوتٍ عالٍ علّه يفتها بكلمات تقضي على هذا القلق كله: "طيب وعروستك!
رد فعلها هايبقى إيه لما تشوفك داخل عليها بضرة وهي لسا ماربعتش حتى. لأ وإيه ضرة حامل كمان! وإخواتك وعمامك والست دلال. لاهوي يا رزق إنت بتحطني تحت القطر! سمعته يزفر بحنقٍ واضح، ثم انتفضت بخوفٍ حين صاح بنفاذ صبر وهو يشدد قبضته العصبية حول المقود: "أوووووووف بقى.. قولتلك خلااااااص. لو حد جه كلمك إبقي اشتكي براحتك. لكن ماتصدعنيش من دلوقتي. كلمتي تتسمع وبس. سامعة؟
حملقت فيه شاخصة العينين وردت على الفور بدافع الرعب من شخصه الغريب كليًا عليها: "حاضر.. حاضر! ونكست رأسها ضاغطة على شفتيها بقوة تكبح نشيجًا مريرًا من الإفلات. فهو قد فاجأها حقًا، هذا ليس رزق. هذا ليس الرجل الذي أحبته. إنه رجلًا آخر. *** "فات أسبوع بحاله.. مش ناوية تعقلي بقى وتطلعي تطمني على جوزك؟ بهذه العبارة جلبت نجوى على نفسها طوفانًا من الغضب المستطير الذي نزل على ابنتها فاطمة وهي تقفز من مرقدها صارخة:
"إن شاء الله يموت ولا يغور في ستين داااااهيــــــة.. أنا مش طالعة لحد. كمان عايزاني أطلعله برجلي؟ أنا نفسي أعرف إنتي أم إنتي؟ والله حرام عليكي. مش قادرة أنطق والله! بلغت نجوى عتبة باب الغرفة بلحظة وهي تهتف بحدة شديدة: "جرى إيه ياب بت هاتفضلي عايشة الدور ده كتير ولا إيه؟
هو كان إيه اللي حصل لكل ده.. وإن ماكنش أصلًا الواد خد جزاته قصاد الخلق كلهم. هو إذا كان غلط فهو غلطان في حاجة واحدة. لما شكك في عرضك بالباطل. لكن غير كده هو راجل و من حقه اللي عمله." تدلى فك فاطمة وهي تنظر لأمها بذهول، ونطقت غير مصدقة: "من حقه اللي عمله؟ إنتي شايفة كده ياما؟ بجد.. يعني هو من حقه يمسكني يكتفني بطرحة فستاااااني ويغتصبني وإنتوا كلكوا قاعدين ورا الباب وسامعين؟ ردددددي عليا من حقه بجد؟
بعينٍ قوية ردت نجوى بقساوةٍ فجّة: "أي راجل مكانه مراته تستعصى عليه في ليلة زي دي يعمل كده وأكتر من كده. انتي لسا صغيرة يا حبيبة أمك وماتعرفيش حاجة عن الجواز. ماتعرفيش أصلًا أبوكي عمل معايا إيه ليلة دخلتنا. بس الست المحترمة المتربية بتسكت لمصلحتها. باين دي غلطتي فعلًا على رأي ستك. كان لازم أقعد أفطمك كويس على إللي بيجرى." هزت فاطمة رأسها بعنفٍ مغمضة العينين وهمهمت بحرقةٍ: "بس بس بس...
مش طايقة أسمع أكتر من كده.. حرام عليكي. أنا مش مسمحاكوا كلكوا. ليوم الدين. لحد الموقف العظيم.. هاقف قدام ربنا وهقوله مش مسمحاكوا! وانهارت مجددًا باكية فوق سريرها، تئن وتشـهق بصوتٍ مكتوم، وهي تدفن وجهها بوسادتها التي شربت دموعها أيامًا وليالٍ. بالجهة الأخرى تقف نجوى ناظرة إليها بأسى، وفي الوقت ذاته لا تجرؤ على مد يد المواساة لها. فلئن فعلت تشبثت ابنتها أكثر بموقفها واعراضها عن زوجها.
لن تفعل ذلك، لن تساهم في هدم استقرار بيت ابنتها، ينبغي أن تصر على رأيها، وأن تكف فاطمة ولو رغمًا عنها عن عنادها. زمت نجوى فمها واستعادت قسوتها من جديد لتملي إرادة الجميع القاهرة فوق ابنتها، لكنها لم تكد تفعل. إذ بزغ ضجيجٌ مفاجئ بالخارج. فاضطرت للذهاب إلى الشرفة المطلة على باحة المنزل لترى ماذا يجري. *** داخل مقهى الحي الشهيرة.
خلف منضدة المالك الاشبه بالمكتب الاداري، جلس سالم أمامه كوب الشاي المخصوص، بينما يسحب نفسان عميقان من مبسم النرجيلة خاصته، لينفثهما عاليًا على شكل سحابة كبيرة من الدخان الرمادي. ثم إذا به ينظر إلى ضيفه الجالس قبالته تمامًا مبتسم المحيا.. على قدر من الترقب أيضًا. "قلت إيه يا معلم سالم؟!
مد سالم يده آخذًا حفنة من حبوب المكسرات من صحنٍ خزفي أمامه، أسقط البعض بفمه وراح يطحنهم بأضراسه وهو يصوب نظراتٍ ثاقبة إلى عينيّ نظيره قائلًا بتحفظ: "في إيه يا معلم رضوان؟ علّق رضوان السويفي مدهوشًا: "في إيه؟ الله! إنت مش معايا ولا إيه يا معلم. معقول ماسمعتش إللي قاعد أقوله من الصبح؟! تنهد سالم بصبرٍ وقال:
"لأ سمعت.. بس في أصول. وإنت سيد من يعرف الأصول يا معلم رضوان.. كلام زي ده ماينفعش يتقال هنا. على القهوة. وسط الخلق كده... لا مؤاخذة أنا كأني ماسمعتش حاجة. ماتستناش مني أي رد. أنا كنت فكرك ندهتلي على القهوة نلعب لنا دور طاولة. نشد حجرين وندردش سوا.. مش نتكلم في خصوصيات! أومأ رضوان وهو يزن كلماته بدقة، ثم قال مدركًا صحة رأيه: "لأ ليك حق يا معلم أنا غلطان ومحققولك." "ولا يهمك يا سيدي.. ماحصلش حاجة."
"طيب تحب أجيب عاصم والحجة ونيجي نزوركم امتى ان شاء الله؟ ابتسم سالم بفتورٍ قائلًا: "لأ يا رضوان مافيش داعي تتعب الحجة. لو مصمم استنى مني تليفون.. أول ما يرجع رزق بالمشيئة هاكلمك. إنت عارف ماليش غنى عنه هو إيدي ورجلي و الأمور دي كلمته تهمني بردو." وافق رضوان محبورًا: "ماشي كلامك يا سيد المعلمين. إن شاء الله نيجي أنا وعاصم لما يرجع الغالي.. موفق ان شالله راح على فين كده؟! كذب سالم بكل أريحية وبرود:
"بعته إسكندرية لأمه يشقر عليها. أصل حتى لو مطلقها.. هاتفضل أمه ولازم يودها ويسأل عليها." "صح صح. عداك العيب.. وبعدين هو راجلها بردو. لازم يبص عليها كل فترة كده." آيده سالم برفعة حاجب وهو لا يزال محتفظًا بابتسامته، ثم ما لبثا أن انخرطا بأحاديثٍ شتَّى، لا تمت بصلة لأيّ تفاصيل خاصة. *** وكأنه عرَّابًا سحريًا، وكأنه معجزة أو غيثٍ من السماء، ما إن هلَّ بالحي حتى اجتمع الـ...
من حوله يخبرونه بظهورهم دفعة واحدة بأنهم فردًا فردًا لاحظوا غيابه وتأثروا به. شبابًا وصغار، تقدموا من رزق ليلقوا التحية. لكن بعضهم بقوا بأماكنهم عندما لمحوا تلك الفتاة معه! إنهم يعرفونها جيدًا... هذه تُدعى نسمة. وكان هو بنفسه قد أحضرها وعرّف الجميع عليها وأوصاهم بها، أن يعاملونها كابنة وأخت. ولكن لماذا هي برفقته بعد أن شوهدت بأم العين وهي ترحل؟ مهلًا! لقد رحلت برفقته أيضًا. ماذا يعني هذا يا ترى؟ ما علاقتها به؟!!!
على كلٍ لم يطيل رزق مكوثًا بين القوم، أخذ نسمة واصطحبها معه إلى داخل المنزل، إلى شقة جدته تحديدًا. والتي ما إن رأت نسمة أمامها حتى أبدت امتعاضًا ورعونة كبيرة بالقول: "آه يا فاجرة يا و***! وأنا إللي كنت مفكراكي بت غلبانة وفرحت لما جابك وسطنا نستؤك ونراعيكي من كلاب السكك. أتاريكي *** بصحيح!!! الرد الوحيد الذي حصلت عليه دلال كانت تلك الدموع التي تتساقط من عينيّ نسمة في صمت، ورأسها المكرق بخزي وعار شديدين.
لكن أيًا من هذا لم يلق صدى عند دلال التي راحت تتلاعب بحاجبيها مغمغمة: "بتعيطي! بتعيطي يا ***؟ ولا أنعي هم دموع التماسيح دي يا بنت الـ آ ا... "خلاص بقى يا نينا! صاح رزق مقاطعًا بحزم. تطلعت دلال إليه، فاردف وهو يضع يده فوق كتف نسمة: "مالوش لازمة الكلام ده من هنا ورايح. نسمة بقت مراتي.. ماينفعش يتقالها الكلام ده نهائي. من فضلك." رفعت دلال أحد حاجبيها معقبة: "والله يا سي رزق! بكل جرأتك بتقول كده وكمان جايبها لحدنا؟
إنت عارف لو أبوك شافها هايعمل فيها إيه؟! رزق بغلظة: "ولا يقدر يعمل أي حاجة.. نسمة مراتي. وشتيلة إبني!!! وفجأة انضم طرف رابع إليهم وصدح الهتاف العنيف والمصدوم من الخلف: "شايلة مين يا روح أمك! *** لم يكن أي شيء مستبعدًا في هذه اللحظة، لم يكن قد وضع أي حدود لتلك المواجهة المرتقبة، بل كان ينتظرها بشدة. وكأنه يتوق لكسر صندوق الادخار ذاك الذي اختزن بداخله كل خيباته ومرارته وأحزانه.
كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة كي ما يتحرر من الحالة البائسة التي سجن بها منذ بضعة أيام. الآن سيفعلها.. وربما بعدها يعود كما كان. "خشي جوا يا نسمة! نطق رزق آمرًا بثباتٍ يُحسد عليه. كان يشير لزوجته ناحية غرفة بأقصى الرواق الشمالي، بينما كانت الأخيرة تبكي وتكاد لا ترى بسبب الدموع الساخنة التي تغشى عينيها بالكامل. لكنها رأته وهو يرشدها، فبدون جدال حملت حقيبتها وشقت طريقها للداخل.
ليلـتفت رزق الآن نحو والده ونظرة الأحدي السافر تعتلي وجهه الوسيم. قابل نظرات سالم النضّاحة بالغضب ببرودٍ تام وهو يقول: "هي دي حمدلله على السلامة؟ لما فتحت الموبايل لاقيت اتصالات كتير منك.. ده أنا قلت وحشتك يعني! يتمالك سالم أعصابه بصعوبةٍ، كان يرتجف قليلًا وقبضتاه مطبقة، غمغم بينما تلوح بعينيه مشاعر العنف والحنق:
"بص يبني. بمنتهى الهدوء.. لو الكلام إللي قولته دلوقتي ده حقيقي ف انت مافيش قدامك غير اختيارين. يا تتعامل انت مع المصيبة دي وتصلحها بنفسك. يا تسيبني أنا أصلحها بمعرفتي." يعقد رزق ساعديه أمام صدره ويرفع رأسه مستوضحًا: "يسلام! طيب بغض النظر عن المصيبة إللي انت شايفها. متخيل مثلًا انت ولا أنا ممكن نصلحها إزاي؟ جاوبه سالم دون أن يرف له جفن: "يا تاخدها من سكات وبكرامتها تنزل العيّل ده عند دكتور يا إما أنا هانزله بطريقتي!
وقع صمت ثقيل بينهما لم يحيد كلاهما بنظرات الغضب العنيف عن بعضهما، ثم قال رزق سائلًا بلهجة هادئة: "هاتنزله بطريقتك.. عظيم! إللي هي إزاي بقى؟! قدم له أبيه جوابًا آخر بنفس الأسلوب المجرد من الرحمة والإنسانية: "ماعنديش في الحتة أكتر من النسوان إللي شغلتهم كده أساسًا.. أو عشان ننجز ويكون أسهل أكتر أخلص عليها خالص. وحالًا! وأزاح طرف عباءته مظهرًا غمد سلاحه الناري.
وهنا ينظر رزق إلى أبيه نظرة وحشية صِرف، تعلو حشرجة الهيجان في صدره للحظات، أخذ يضغط ويحك أضراسه بقوةٍ، وبعد صمتٍ سحيق... اقترب من سالم خطوتين، ومد يده لامسًا سلاحه بطرف أنامله وهو ينظر إليه بعينين ضيقتين. ثم قال بصوتٍ خالٍ من أي شعور: "في اللحظة إللي بتكلم فيها عن حتة مني بتكشف عن سلاحك؟ عاوز تقتل إبـنــي؟ سالم بغضبٍ: "وإيشعرفك إنه ابنك؟
يا أهبل يا إللي سمحت لبت زي دي تلبسك في جواز ودلوقتي في عيل. بت زي دي أخرها تكون ***ك. ***ك.. مش مراتك وأم عيالك! نظرا في عيون بعضهما البعض لبرهةٍ بدت دهرًا، حتى قطع رزق الصمت مشيرًا بسبابته بتحذيرٍ شديد اللهجة صوب كلًا من أبيه وجدته:
"بص يابويا. والكام لستي كمان.. كلمة بجرة خط.. نسمة مراتي وشايلة إبني. وهاتعيش في المكان إللي أنا عايش فيه. أي حد يفكر يمسها بسوء. بربي وديني.. تشوف بعينيك بحر دم هنا في مملكتك العزيزة. وانت عارف. اللي يعمل حاجة مرة.. يعملها مليون مرة! كانت إشارة صريحة لجريمة القتل البشعة التي ارتكبها قبل أسبوعًا. استطاع سالم أن يقيس بين نبرة ابنه ونظراته جسامة الأضرار المحققة لهذا الوضع.
بالنسبة له لم ينتهِ الحديث إلى هنا.. ولكن ليبقَ هادئًا الآن. قليلًا فقط. *** كانت في قمة السعادة، غمرة الشغف، أوج الحماسة. تعيش مشاعر عنيفة، جديدة كليًا عليها، تجتاحها وكلماتٍ تسمعها تخفف من ثقلها، لتجعلها تطير وتحلق بسموات الغرام. لم تستطع أبدًا منع نفسها من الاستلام لهذا الإغراء، أن تستمع إلى صوته العذب الحنون، وحديثه الواعد وهي ترسم على وجهها تلك الابتسامة البلهاء:
"كنت خايف المرة دي ماترديش عليا.. طول الأيام إللي فاتت دي مافيش يوم ماحاولتش أكلمك. ولا حتى كنتي بتردي على رسايلي.. عارف إنك كنتي بتشوفيها كلها. بس ماكنتيش بتردي. رغم كده كنت مبسوط لمجرد إني بتخيلك بتقريهم... ماكنتيش مصدقاني؟ ويا ترى لسا مش مصدقاني يا سلمى؟ أكيد مصدقة. لو ماكنتيش واثقة في كلامي ماكنتيش هاتردي بعد ما بعتلك آخر رسالة وقولتلك وبكررها تاني.. أبويا راح طلبك ليا من أبوكي!
خفق قلبها بسرعة شديدة ومؤلمة، استطاع أن يسمع صوت لهاثها وأن يستشعر اضطرابها، فصمت لهنيهة قبل أن يقول باغواءٍ مدروس: "هاخطبك يا سلمى.. هاتبقي مراتي أنا... هاتبقي ليا وملكي لحد آخر يوم في عمري. مش قادر استنى اليوم إللي هاتكوني فيه على اسمي.. أنا من ساعة ما شوفتك مش ببطل تفكير فيكي. جننتيني خلاص يا بنت الجزار.. بحبك يا سلمى!
ارتعدت فرائصها فجأة لحظة انفتاح باب الغرفة، أسدلت شعرها على جانبي وجهها بسرعة لتخفي سماعتي البلوتوث، ثم التفتت لترى من المقتحم. فكانت أمها التي ولجت إلى غرفتها في الأصل حيث أن ابنتها هي التي تشاطرها إياها. "في إيه يا ماما؟! تساءلت سلمى محاولة أن تبدو طبيعية. بينما تعدو هانم حتى وصلت عند الخزانة، فتحتها وأخذت إحدى عباءاتها وهي تغمغم مجيبة: "أبوكي تحت بيزعق مع أخوكي رزق! تقفز سلمى في هذه اللحظة صائحة بابتهاجٍ: "رزق!
رزق جه... وتلاشت ابتسامتها وهي تكمل: "طيب أبويا بيزعق معاه ليه؟! زفرت هانم بضيقٍ وهي ترتدي العباءة على عجالةٍ قائلة: "أنا سامعة مصايب بتتقال تحت.. والمحروس مش راجع بإيده فاضية. ربنا يستر.. أنا قلبي مش مطمن من ساعة ما هج يوم صبحيته.. العيلة دي واخدة عين شديدة أوي!! عبست سلمى معلّقة بعدم فهمٍ: "هو إيه إللي حصل يا ماما مش فاهمة.. ورزق جاي ومعاه مين؟ لفت هانم وشاح الرأس حول وجهها بعصبيةٍ صائحة:
"خلاص يا سلمى مافياش دماغ لاسئلتك دي. أنا لسا ماعرفش حاجة أصلًا... تبتلع سلمى كلماتها كلها الآن، بينما تمضي هانم إلى الخارج مسرعة وهي تملي عليها بعض الأوامر: "الأكل على البوتجاز خمس دقايق وتطفي عليه.. وبعدين تسألي أخوكي مصطفى إن كان يتغدى وتشوفي طلباته لحد ما أطلع! *** بالكاد تبلل عروقها ببعض الطعام والشارب الذي يقدم لها يوميًا في المواعيد، إذ يبعث عمها بفتاةٍ من أبناء الحي تراها وتراعاها، ولكن دون أن تمس قيودها.
كانت سجينة هنا، لكنها لم تيأس، لم تتخل عن حياتها حتى. أيقنت أنها ستخرج من هنا في يومٍ قريب. كما ظنت خلاصًا من بين براثن خالها... خالها الذي لا تزال تجهل ما ألم به حقًا. وهل ما سمعته عنه صحيح أم كذب.. هل هو حي أم ميت؟ لا تدري. ولكنها ومن كل قلبها تشتهي أن يكون حيًا.. لكي تقتله هي بيديها. لا يجب أن يفعلها أحدٍ سواها!!! *** اليوم لم ترى وجه أحد بتاتًا.
الهزل الذي أحست به هذا الصباح والضعف كان شديد الوطأة، الطقس صار شتاءً، وملابسها باتت لا تقيها قساوة الجو، فضلًا عن احتقان أنفها وانسداد حلقها. شعرت بالمرض والهوان، وكانت تهرب من كل هذا بالنوم، إلى أن سمعت صوت المفتاح يدور بقفل باب الشقة. ظنت بأنها الفتاة التي تداوم على خدمتها. في نفس الوقت كانت تجلس على ذات الأريكة المقيّدة فوقها منذ أسبوعًا. كانت أشعة الشمس تضرب وجهها مباشرةً.
إذ كانت قد نسيت الفتاة الستار مفتوحًا فتسللت شمس الصباح هكذا وما برحت تحرقها حرقًا منذ مطلع الفجر. لكنها كعهدها دومًا، تحمّلت! استيقظت ليلة من غفوتها الثقيلة بصعوبة، لم تميّز أي حركة غريبة، بل وخرج صوتها متثاقل الأحرف ساخرًا: "لسا فاكرين؟ أنا كملت فطاري نوم.. مالهاش لازمة الوجبة إللي جايبنها. رجعيها للي باعتك يا مستكة... شعرت بخطبٍ ما عندما لم تحصل على ردًا في المقابل. فتحت عينيها ببطءٍ، وكان هو أو ما أبصرت عيناها...
بشحمه ولحمه!!!! انقطع نفسها واختلجت جميع أعضائها للحظاتٍ وهي تراه لأول مرة منذ أيامٍ لم تحصيها. كانت رؤيته الآن مبعثًا على التوتر والريبة والارتباك الشديد. على عكس ما خططت ودبرت لتلك المقابلة، انعقد لسانها ولم تنطق. بينما يغلق الباب من خلفه ويمضي نحوها بخطى حثيثة. تعـلّقت نظراتيهما وقد مضى وقت خالت بأنه دهورًا، حتى وصل عندها. وانبعث صوته لمسامعها جافًا غريبًا كأنها تسمعه للمرة الأولى: "شكلي كنت ندل معاكي بجد!
نظرت ليلة للقيد الحديدي بيديها، ثم تطلعت إليه مغمغمة بخشونة تعبة: "أنا متصالحة مع نفسي طول عمري.. كده كده عارفة إن ماليش حظ مع الرجالة. مش مستغربة أبدًا!! "رجالة! أفهم من كده إن كان في كتير في حياتك؟! "مش من حقك تسأل سؤال زي ده. إنت مالكش فيا حاجة فيا حاجة أصلًا.. ولا حد هنا له عليا سلطان. وحبسي هنا ده أبوك أول واحد هايندم عليه!!!
بعد هذا التهديد الجريء، شاهدته يومئ برأسه مرتان، ثم ينحني مطرقًا وهو يستلّ من جيبه مفتاحًا عرفته فورًا. وخلال لحظات كان قد فك قيودها. ثم نهض ثانيةً واتجه نحو باب الشقة من جديد هاتفًا بمتتهى الهدوء: "محدش حابسك من اللحظة دي.. إمشي. أوعدك محدش هايتعرضلك مننا يا ليلة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!