الفصل 1 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل الأول 1 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
18
كلمة
6,692
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

آه من تباريح الهوى والمباح بالحب. إنه و لا ريب طابع الجاذبية على القوة، لأن الحب يريد أن يثبت للجميع أنه الحب. ببساطة، لم أرها من قبل، و لم تتكحل عيناي برؤيتها. و لكنها تجسدت من أوصاف حب بارعة. خُصصتُ أنا بعلمها، أنا وحدي، و لا يمكن أن يُهتدى إلا فيها وحدي.

ألم بي طيفها في وحدتي و اقتحم بناء قلبي الذي رفعته لأحميها به. و ألقيت شغفي في أساسه حتى لا ينهار و لا يتصدع، و شددته بثقتي و رغبتي. و بت غارقا في نعيم الهوى، كالمحب الذي يحطم قلبه على امرأة، لأنه وجد الحب بجنونه و جموحه. ليسقط صريعا في عالم معذب من الهواجس و الخيالات المعشوقة متسلبا الإرادة.

فلا نهاية لسعادة تتصل بها، و لا نهاية للذة تخالطها، و لا نهاية لعشق حبيبة لم أرها. و لكنها بخيالي كبعض الممكنات الخيالية التي لا تخرج أبدا من القلب. و كيف تخرج منه و لا مكان لها بالواقع؟ و رغم ذلك، أنا أريدك في حياتي و واقعي، لا في خيالاتي العاشقة. أخبريني، هل تحيا قبلتي لك في خيالاتي أم ستحيا على شفتيك، يا من لم أرها؟ ***

السعادة قرار، و الاحتراس غير كاف للأمان الدائم و النجاة من عقوبة الحب. فمن يجمعه الله لا يفرقه بشر، لأن الله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. نختار، فنفقد، فنظن أنها النهاية. وذلك لجهلنا بفن الحياة و الرضا بالواقع. فلماذا لا تأتي السعادة إلا بعد مكابدة العذاب؟ لأن فطام الهوى امتحان لقوى النفس. من أي شئ تهربين؟ من وحشة الأيام بعدي أم من الذكرى وأطياف الحنين؟ من لوعة الأشواق والحلم المسافر؟

وإنطفاء الضوء في القلب الحزين. لاشئ بعدي غير حزن صامتين ساب في عينيك حين تفكرين. لا شئ بعدي وإسألي العشاق كيف يطول ليل العاشقين؟ فلتهربي ما شئت عن عيني فإنك في الضلوع تسافرين. فاروق جويدة ***

في رومانيا بالتحديد في العاصمة بوخاريست، داخل فندق متوسط المستوى، كان مستلقياً براحة و خيالات سريعة كومضة عين تمر به و صور مبهمة تضرب عقله و دماء تغطي يده حتى باتت تقطر أرضاً و صراخ و عويل حوله. و صورة واحدة هي ما تمر بباله بشروده، بغفوته، بنومه. تركت آثارها و شوهت ذاته أكثر و أكثر.

و شئ ما يدغدغ أنفه. أشاح بيده ليبعد ذاك الشئ عنه، و خشي أن يصطبغ وجهه بتلك الدماء التي بيده. حتى شعر بذلك الشئ يمر على أنفه مرة أخرى. و تلك الخيالات تختفي من أمام عينيه التي فتحها بنظرات ناعسة فرآها أمامه. أغلق عينيه مستسلما لنومه ثم فتحهما مجددا بسرعة من ذعره و قد اتسعتا بجنون. و انتفض جالسا مستنداً بظهره على ظهر فراشه و قال بتعجب: -يخرب بيتك، إنتى بتهببى إيه فى أوضتى، هو أنا مش هخلص بقا.

تطلعت إليه بحب واشتهاء واقتربت منه وقالت بنبرة ملتاعة وعيونها تقطر شوقا: -I .. want ... you ... gasem. ضرب جاسم رأسه بيده وقال ساخرا: -يا ... صلاة ... النبي. ثم نهرها جاسم قائلا بغلظة وهو يقاوم نعاسه: -إنتى إيه اللي دخلك أوضتي ودخلتيها إزاي.

عقدت حاجبيها غير مدركة ما يقوله بالعربية. ولكنها لامست وجهه بأناملها الناعمة وتمتمت بكلمات لم يفهمها. لكنه استنتجها دون شك. أزاح يدها عنه وابتلع ريقه متوترا من لمستها. ثم قال بصوت مضطرب من قربها به كل الرجاء: -أبوس إيدك ابعدي عني، أنا حايش شيطاني عنك بالعافية.

عادت لتمتمتها مرة أخرى وهو لا يفسر شيئا مما تقول بلغتها. ولكنها فاجأته ووقفت ثم فتحت معطفها وكانت شبه عارية. جحظت عيناه وأزاحهم عنها ووقف مسرعا واتجه ناحيتها في حركة واحدة كمن لسعه ثعبان وأغلق معطفها وهو يهدر بها قائلا بقوة: -هي وصلت لكده، استري نفسك يا مجنونة.

تعجبت من رد فعله. ورفعت ذراعيها نحوه ولفتهما حول عنقه وزاد تمسكها به. فدنت منه وقبلت شفتيه برقة. ذابت معها أعصابه. ولكنه تمالك نفسه وابتلع ريقه بتوتر وجبينه صار يقطر عرقا. ودفعها بعيدا عنه في حركة واحدة وعنفها قائلا بتلعثم: -out .. أخرجي من هنا فورا .. يالا.

لم تتحرك من مكانها وظلت ترجوه بعباراتها الناعمة. فجذبها من ذراعها بالقوة وتوجه ناحية باب غرفته وهي تجذب يدها منه وتحاول التمسك بأرضية الغرفة. بينما فتح هو باب غرفته ودفعها فاصطدمت بالحائط خلفها. وقفت تتابعه بنظرات لائمة. رفع سبابته في وجهها وقال محذرا بنبرة حازمة رغم ضعف روحه وجزء منه لا يصدق أنه يرفض هذا الجمال: -ابعدي عني .. go من هنا .. مفهوم. اقتربت منه وحاوطت رقبته مجددا بيديها وقالت بحزن:

-I love you gasem .. l want you .. really. أزاح ذراعيها عنه وهو يقاوم سحرها ورغبته بها. ثم ابتعد عنها وهو يقول بقوة: -go .. روحي ال home بتاعك .. يالا go. وأغلق الباب بوجهها وصدره يعلو ويهبط بقوة من أثر لمساتها وقبلتها ورؤيتها عارية. أغمض عينيه وهز رأسه بقوة كأنه يخرج صورتها منها ومرر أنامله بشعراته ثم اجتذبها كأنه سيقتلعهم من جذورهم. حتى انتبه على رنين هاتفه. توجه صوب الفراش وحمل هاتفه ورد مسرعا بنبرة غاضبة:

-بقيت فين يا زفت انت. أتاه الرد بنبرة ساخطة: -زفت في عينك .. تصدق أنا غلطان اللي عبرتك وجيت .. أنا هرجع مصر على أول طيارة راجعة. رد عليه جاسم بإستمالة ومكر وهو يرتمي على فراشه: -أهون عليك يا مالوكي .. ده انت صاحبي وأخويا وعشرة عمري. ضحك مالك ضحكة عالية وقال ساخرا: -أيوة كده هات ورا .. صحيح انت نازل في نفس الأوتيل. تمدد جاسم بجسده على الفراش ولوى ثغره وهو يقول بإمتعاض: -أيوة للأسف. جذب مالك حقيبته ورائه

وتابع حديثه قائلا بهدوء: -تمام .. أنا خارج من المطار أهو.. انت بعتلي السواق. أجابه جاسم بتأكيد: -آيوة .... أول ما هتخرج هتلاقيه.. تعالا على الأوتيل على طول بلاش لف .. تمام. رد عليه مالك بتعجب بادٍ بصوته وهو يقول: -مش فاهمك الصراحة .. جايبني على ملا وشي .. وبتستعجلني هي إيه الحكاية بالظبط. تذكر جاسم تلك المغوية وصورتها الجامحة التي لا تغادر عينيه وقال بتنهيدة طويلة ملتاعة: -لما تيجي هحكيلك يالا سلام. حرك

مالك كتفيه بإستسلام وقال: -سلام يا صاحبي. وأغلق الهاتف. وخرج من المطار ليجد السائق بإنتظاره. حمل عنه الحقيبة ووضعها بالسيارة. وفتح له الباب الخلفي للسيارة. ولكن مالك فتح الباب المجاور له وركب بجواره. ***

في محافظة من أجمل محافظات مصر، محافظة دمياط تلك البلد المثابرة. والتي ستظل شابة بأهلها الجاديين بعملهم منذ نعومة أظافرهم، سواء بصناعة الأثاث أو الحلويات أو الصيد وصناعة السفن. بشواطئها الفاتحة ذراعيها لأي مصيف سواء غني أم فقير، لا تحتاج لأي قوانين أو تعقيدات للاستمتاع بشواطئها. عادت روضة من عملها منهكة. دلفت لشقتها ورفعت نقابها لتتنفس قليلا. وأغلقت ورائها باب شقتهم وصاحت قائلة بإرهاق: -يا تيتة .. انتي فين.

خرجت من المطبخ سيدة في العقد السادس من عمرها ولكنها مازالت تحتفظ ببعض من لياقتها، تجفف يدها بمنشفة المطبخ. ابتسمت براحة وقالت بتعب: -كويس إنك جيتي يا روضة .. تعالي يا حبيبتي ساعديني علشان نخلص الغدا قبل ما عمرو أخوكي يرجع. وضعت روضة حقيبة يدها على طاولة بجوارها وتركت مفاتيحها وهي تبحث حولها متسائلة بضيق: -هي وعد هانم لسه نايمة برضه. هزت الجدة رأسها مؤكدة وقالت برجاء هامس:

-أيوة .. سبيها نايمة يا روضة دي كانت سهرانة طول الليل قدام التليفزيون. ضربت روضة كفيها ببعضهما وقالت مستنكرة تدليل جدتها لشقيقتها الصغيرة: -بتتعب برضه .. طول الليل سهرانة .. يا تيتة حضرتك مدلعاها جدا. ضحكت الجدة بخفوت وربتت على ذراع حفيدتها الحنونة وقالت بسخرية: -أنا اللي مدلعاها برضه .. ده انتي لو طولتي تديها عين من عنيكي مش هتتأخري. ارتمت روضة بحضن جدتها الحنونة وضحكت قائلة بحب وتقدير:

-ربنا يخليكي لينا يا حبيبة قلبي. ابتعدت عنها قليلا ورفعت حاجبها بتوعد وقالت بنبرة شيطانية مازحة: -أنا دلوقتي هدق طبول الحرب وهشن هجوم مفاجئ على الكونتيسة وعد .. وإدعيلى بقا أخرج سليمة من هذه المعركة ما أخدش فازة في وشي .. أو الموبايل في دماغي. قهقهت الجدة وقالت من بين ضحكاتها: -الله يروق بالك يا روضة .. سمي الله وادخليها.

تنفست روضة مطولا وتوجهت لغرفة شقيقتها. فتحت الباب لتجد الغرفة مظلمة كليا وساكنة. فأضائتها. ولكن الضوء لم يحرك ساكنا. اقتربت روضة من الفراش ودنت من شقيقتها وقبلتها بوجنتها وهي تقول بنبرة حانية: -وعد .. وعد قومي بقا يا حبيبتي. تململت وعد في غفوتها ووضعت الوسادة فوق رأسها تحجب عن عيناها نور الغرفة المضاء. وقالت بضيق: -اطلعي برة يا روضة واطفى النور .. ولما ترجعي من الشغل صحيني. ضحكت روضة ضحكة عالية وفالت باتزان:

-يا دودو يا حبيبتي أنا روحت الشغل وخلصت ورجعت وانتي لسه نايمة. رفعت طرف وسادتها عن رأسها وفتحت عينيها بتثاقل ورمقت شقيقتها بنظرات شك وقالت محذرة: -عارفة لو طلعتي بتشتغليني هعمل إيه. عقدت روضة ذراعيها أمام صدرها وقالت بابتسامة ماكرة: -شوفي ساعة موبايلك وانتي تتأكدي. أزاحت وعد تلك الوسادة وحملت هاتفها وتطلعت لشاشته فتأكدت من حديث روضة. فجلست على فراشها بتثاقل وتمطأت بكسل وقالت وهي تلوى فمها على مضض:

-صباح الخير يا رودي. قبلتها بوجنتها وقالت بحب: -صباح الفل والياسمين عليكي يا قلب رودي .. قومي يالا صلي الضهر عشان العصر قرب يأذن. أومأت وعد برأسها وقالت بابتسامتها الرقيقة: -حاضر. تركتها روضة وخرجت. وقفت وعد وحملت منشفتها. وخرجت من غرفتها وسارت قليلا حتى وصلت للمرحاض. اغتسلت وتوضأت وخرجت. سارت لغرفتها مرة أخرى. ارتدت إسدالها وصلت في هدوء. *** عودة لرومانيا. انتبه جاسم لطرقات على باب غرفته. فوقف وراءه وقال متوجسا:

-who. ضحك مالك ضحكة عالية وقال بتعجب من حال صديقه: -أنا يا معلم .. ما تفتح على طول انت عليك تار يا ابني. فتح جاسم الباب وجذب مالك للداخل عنوة. وأغلق الباب مسرعا. جذب مالك ذراعه ومسده قائلا بتألم: -دراعي يا عم .. وباعدين مالك كده مش على بعضك. ترك جاسم حقيبة مالك وزفر بضيق وهو يقول براحة واطمئنان: -كويس إنك جيت .. حمد الله على سلامتك. لاحظ مالك ارتباكه وتخبطه فسأله بقلق: -مالك يا جاسم قلقتني يا صاحبي. أشاح

جاسم بيده وقال متأففا: -ما فيش دي البتاعة اللي اسمها ديانا بنت الراجل اللي متعاقدين معاه عشان يورد لنا الخشب. ابتسم مالك ببرود وقال بضيق: -مش فاهم حاجة برضه هي بتضايقك لسه. أجابه جاسم وهو يحك ذقنه قائلا بسخرية: -لا يا معلم دي جابت من الآخر ولقيتها فوق راسي وأنا نايم .. وفجأة عرضت نفسها عليا وفجأة برضه بقت من غير هدوم. ابتلع مالك ريقه ورمش بعينيه عدة مرات قبل أن يرد بتقزز:

-إيه اللي بتقوله ده .. أستغفر الله العظيم .. وطبعا سيادتك ما صدقت. أسبل جاسم عينيه وقال بإستعطاف: -على فكرة انت ظالمني .. انت تعرف عني كده. أجابه مالك بإيجاز سريع: -أيوة. نظر له جاسم بعتاب وهو يقول بفتور: -إخص عليك .. طب والله والله ما جيت جنبها وطردتها واتصلت بسيادتك عشان تبقى معايا .. لأني مش هقدر أمسك نفسي كتير. جلس مالك بإرهاق على الفراش ثم تمدد وقال ساخرا:

-وأنا اللي كنت فاكرك جايبني عشان أبقى مترجم لسيادتك يا أمي يا جاهل. ابتسم جاسم بسخرية وقال بسخط: -خفيف ياض .. ما أنا متخرج من نفس الكلية اللي سموك متخرج منها. -بس جاهل لغات .. يا أمي. حدجه جاسم بنظرة محذرة وقال بتحدي: -قد كلامك ده يا دكر. ابتلع مالك ريقه بإرتباك شديد فهو يعلم قوة صديقه جيدا. وقال بنبرة متوترة: -بهزر يا صاحبي .. صاحـبك وغلط .. ما هو لو مافيش حد بيغلط ما كانوا حطوا فوق القلم أستيكة. ضرب جاسم

كفيه ببعضهما وقال مبتسما: -ده آخرة قعادك مع الأراجوز الأستاذ سامر. انتبهوا لطرقات على باب الغرفة. أشار جاسم لمالك وقال هامسا: -افتح انت ولو البلوة اللي اسمها ديانا وزعها وقولها مش هنا. ور كض واختبئ بالمرحاض. ضحك مالك على حال صديقه وتوجه للباب وفتحه فانفغر فاه من هول ما رأى. كانت تقف أمامه فتاة أقل ما يقال عنها حورية من حوريات الجنة. تطلع إليها مطولا ثم جاهد نفسه وخرج صوته متحشرا قائلا ببلاهة: -من انتي.

ردت عليه ديانا وعينيها تتجول بالغرفة ورائه باحثة عن جاسم: -أنا ديانا .. جاسم هنا. تنهد مالك مطولا وقال هامسا بلغتها التي تعلمها بسهولة: -لا .. هو ليس هنا .. خرج. علا الحزن ملامح وجهها الساحر ولويت ثغرها واقتربت من مالك وهي تهمس بالقرب من وجهه: -أرجوك .. أخبره أني أريده وبشدة .. وأني أحبه جدا.

كان مالك هائما بها. وجاسم يتابع حوارهم من وراء باب المرحاض. كتم ضحكته وهو يتابع انهيار أعصاب صديقه المتدين. بينما ابتعد مالك وقد غزى عطرها وجدانه وفعل به الأفاعيل وقال متصنعا القوة: -حسنا .. سوف أخبره .. إلى اللقاء ديانا. وأغلق الباب مسرعا ليحتمي خلفه. خرج جاسم من المرحاض وهو منهار من الضحك على حال صديقه. اقترب منه وهو مازال يحتمي بباب الغرفة وفي حالة شرود وهيام. مرر جاسم يده أمام وجه مالك وقال ساخرا:

-مالك يا صاحبي .. أمال أنا أعمل إيه يا شيخنا. وضع مالك يده على قلبه وتنف س مطولا وزفره بهدوء وقال بإعجاب: -إيه البت دي .. انت قاومتـ ها إزاي يا معلم. مرر جاسم أنامله بشعراته البنية الناعمة وقال متنهدا: -لا يا معلم كله إلا كده .. أنا أصاحب آه .. أكتر من كده ما أقدرش .. صحيح مقصر في صلاتي بس هييجي يوم وهتوب .. لكن زنا لأ. أومأ مالك رأسه بتفهم. ثم قال فاقدا صبره:

-إحنا لازم نسيب الأوتيل ده فورا .. ونروح واحد تاني .. وأول ما تتفق مع أبوها على الشحنة الجديدة نسافر فورا. صمت جاسم برهة يفكر بما قاله مالك. ثم قال بجدية: -عندك حق .. أنا هجهز شنطتي حالا. *** خرجت وعد من غرفتها. وتطلعت لجدتها التي ترص أطباق الطعام على المائدة. اقتربت منها وقبلتها بوجنتها وقالت بابتسامتها الشقية: -صباح الخير يا إمتثال. ابتسمت الجدة وقالت بضيق مفتعل: -قدك أنا ولا بلعب معاكي في الشارع يا وعد هانم. قرصت

وعد وجنتيها وقالت مداعبة: -وهو أنا لسه بلعب في الشارع يا إمتثال .. كبرنا على الحاجات دي. أزاحت جدتها يديها عن وجهها وقالت متأففة: -الجو حر يا بت انتي ابعدي عني. خرجت روضة من المطبخ وهي تحمل أطباق الطعام بيديها. وصوت ضحكاتها يسبقها على شغب شقيقتها. ووضعتهم على الطاولة. بينما لمعت عيني وعد وعضت شفتيها وقالت بفرحة: -كفتة ومكرونة وبطاطس محمرة .. أحمدك يا رب. جلست روضة بمقعدها وهي تقول بتذمر:

-أول مرة أشوف واحدة تفطر مكرونة وكفتة. زفرت وعد بملل وقالت بحدة وهي تسحب كرسيها: -طب أعمل إيه مخلصة الكلية بقالي كام شهر .. وعاطلة عن العمل .. فا أنام براحتي وأسهر براحتي وأفطر كشري عادي برضه. امتدت أنامل وعد لالتقاط صباع كفتة. فصفعتها روضة على يدها وقالت بمرح: -إيدك .. مش هتاكلي حاجة غير لما عمرو يرجع من شغله. عقدت وعد ذراعيها أمام صدرها وقالت بضيق: -يووه بقا .. هو هيتأخر.

فتح باب شقتهم ودلف منه شاب. أغلق ورائه الباب. وأغلق عينيه وهو يشتم رائحة الطعام الشهي. ثم فتحهما بإبتسامة مشرقة وقال بتلذذ: -الله الله .. كفتة تيتة العالمية. زفرت وعد بفقدان صبر وهي تضع كفها أسفل وجنتها قائلة بتذمر: -اخلص يا عمرو واغسل إيديك بسرعة وتعالى .. جعانين وبنستناك يا أخي. انتصب عمرو في وقفته وأدى التحية العسكرية وقال بجدية: -تمام يا فندم. واستدار مسرعا صوب المرحاض. غسل يديه جيدا. وعاد للمائدة

جلس مكانه وقال بهدوء رزين: -بسم الله الرحمن الرحيم .. يالا يا جماعة بالهنا والشفا. بدأوا في تناول طعامهم. فقالت وعد بمكر: -عمورة حبيبي وأخويا وكل حاجة ليا. تطلع عمرو صوبها بطرف عينيه. وقد فهم من دلالها أنها تنوي طلب شئ ليس بالهين. ابتلع ما في فمه وقال بفضول: -هاتي اللي عندك يا وعد بلاش دخلة السهوكة دي. وضعت معلقتها جانبا وقالت برجاء:

-عيد ميلادي كمان أسبوعين .. وانت وعمو سراج وعدتوني إننا هنحتفل بيه لما هنصيف في رأس البر. نظر إليها عمرو بتركيز وقال بهدوء مستفز: -مش عارف هينفع ولا لأ .. لأن مالك مسافر رومانيا في شغل. ردت بعصبية شديدة. وهي تقف وأنفاسها تتلاحق. وقد احمرت عيناها غضبا وقالت: -ماليش فيه .. انتوا وعدتوني .. أما بقا مالك فا ليلته سودة لأنه عارف إني هحتفل بعيد ميلادي السنة دي في المصيف. هدأتها روضة وهي تربت على كفها:

-اقعدي كملي أكلك يا وعد .. وأكيد مالك مش هيتأخر في سفره وهايجي قبل عيد ميلادك. تركتهم وعد ودلفت لغرفتها. ارتدت إسدالها وخرجت وقفت أمامهم وقالت بحزم: -أنا هنزل لعمو سراج وهخليه يشوفلي حل في الموضوع ده .. هو وعدني وأنا ماليش دعوة. ثم توجهت لباب شقتهم فتحته وهبطت الدرج مسرعة. وطرقت باب شقة جارهم سراج. فتحت لها فتاة الباب وقالت بابتسامة رقيقة: -دودو هانم بذات نفسها تكرمت وتعطفت وشرفتنا بالزيارة.

نظرت لها وعد وعلى وجهها وجوم حزين وقالت بنبرة خافتة: -عمو سراج هنا يا روان. لاحظت روان عبوسها فتسائلت بقلق: -مالك يا وعد .. حد زعلك. أتاهم صوت من خلفهم يقول بابتسامة ماكرة: -عارف زعلانة ليه .. تعالي يا وعد ادخلي. دخلت وعد وهي محتفظة بملامحها الحزينة وقالت بلوم: -مش انت وعدتني يا سروجتي إنك هتحتفل بعيد ميلادي واحنا بنصيف في رأس البر. قهقه سراج عاليا وقال مازحا: -سروجتك .. كلي بعقلي حلاوة .. آآآخ منك انتي. اقتربت منه

وقالت وهي تتصنع البكاء: -يعني هتنفذ كلامك ولا هنتخاصم. خرجت من المطبخ سيدة في نهاية عقدها الرابع. تخفي ضحكاتها. واقتربت من وعد وربتت على ذراعها وقالت بحنان: -ما تقلقيش يا دودو .. إحنا مجهزين كل حاجة زي ما وعدناكي. اتسعت عيني وعد من الفرحة وقالت بإشراق: -بجد يا طنط آمال. أومأت آمال برأسها وقالت بتأكيد: -بجد يا روح طنط آمال. مصمصت روان شفتيها بضيق وقالت: -أنا بغير على فكرة .. وانتوا مدلعين البت دي قوي. أخرجت وعد لسانها

لروان لتغيظها وقالت بلؤم: -حقودة .. مش كفاية أخدتي مني عمورتي وخطبتيه .. يا شريرة. ابتسمت روان رغما عنها وقالت بحدة: -أنا اللي خطبته برضه .. ولا انتي اللي فضلت تزني على وداني عشان أوافق أتخطب ليه. قالت وعد وهي تلوى فمها على مضض: -انتي كنتي تطولي .. هو في زي عمورة .. طول بعرض .. وشغال في المينا .. وعنده شقته .. وبيجهزها .. وأخلاق .. وقمر .. ده كفاية إنه شبهي. اتسعت ابتسامة آمال وقالت بمداعبة: -قوليلها يا وعد البت دي.

-ما أنا بقولها أهه يا طنط .. طب وهو الأستاذ مالك هيرجع إمتى. جلس سراج على أريكته وقال مؤكدا: -كام يوم بس وهيكون هنا بالسلامة .. أنا أجرت عشتين قصاد بعض .. على البحر على طول وإسبوع كامل يا ستي .. هاه مبسوطة. دنت منه وعد وقبلته في وجنته وقالت بفرحة: -مبسوطة جدا يا حبيبي .. ربنا يخليك ليا يا كايدهم.

وتطلعت صوب روان التي تتصنع الغضب. وما أن فتحت فمها لترد على سخافتها حتى علا رنين هاتفها. فقطبت كلماتها وحملت هاتفها. لتبتسم عينيها بفرحة وردت مسرعة: -مالك حبيبي .. وصلت بالسلامة. وقف مالك بشرفة غرفته الجديدة. ورد عليها بشوق: -وحشتيني الكام ساعة دول يا رونى. تجمعت العبرات بعينيها وقالت بشوق: -وانت كمان وحشتني .. يا رب ما تتأخرش المرة دي. عاد لغرفته. وجلس بجوار جاسم وهو يشاهد التلفاز ورد عليها بإبتسامته هادئة:

-مش هتأخر إن شاء الله .. كام يوم وتلاقوني عندكم .. انتي ناسيه عيد ميلاد وعد .. دي ممكن تهد الدنيا على دماغنا. ضحكت روان ضحكة عالية وقالت ساخرة: -ما هو ده اللي حصل لما عرفت إنك سافرت .. خد كلمها و طمنها. أعطت روان الهاتف لوعد التي انفجرت به بصياح وصل لمسامع جاسم ولفت انتباهه: -ماشي يا مالك .. والله لهخليك تصرف اللي وراك واللي قدامك على الأيس كريم والشوكولا عشان أتكرم وأتعطف وأصالحك.

ضحك مالك ضحكة عالية وهو يبعد الهاتف عن أذنيه. ثم أعاده وقال مسرعا: -إهدي يا سنجوبة.. يومين تلاتة بالكتير وهرجع مصر .. وأنا مجهز كل حاجة أصلا للمصيف ولعيد ميلادك. هدأت نبرتها وهي تقول بحدة وتوعد: -برضه مش هصالحك غير بأكبر كمية أيس كريم وشوكولا. تنهد مطولا وقال بنبرة مداعبة: -ده انتي بتتلككي بقا. لاحظ جاسم طريقته الهائمة في الحديث. فاعتدل في جلسته والتفت إليه بوجهه يتابع حديثه الشيق. بينما ردت وعد بنبرة حاسمة ومؤكدة:

-أيوة بتلكك .. عشان تبطل تقوللي سنجوبة تاني. ضحك مالك ضحكة عالية وقال لإغاظتها: -ليه بس .. ما انتي سنجوبة بجد. اشتعلت عيني وعد دليل على غضبها. وصاحت به مجددا: -أعوذ بالله منك .. فعلا مالك رخامة إستايل. تابع حديثه المستفز وقال: -انتي بتتلفظي ألافيظ مش حلوة على فكرة. صكت وعد أسنانها وقالت بضيق: -ألافيظ .. تعرف لولا إن التليفون ده أخويا اللي شاريـه لروان .. كنت دشدشته على دماغ أختك حبيبة قلبك يا رخم.

تعالت قهقه مالك. بينما وضعت روان يدها على رأسها وقالت بخوف: -وأنا مالي أنا. تمالك مالك ضحكاته وقال بجدية: -لا وعلى إيه المسامح كريم .. أو سليم. رفعت وعد عينيها بملل وقالت بضيق: -أنا غلطانة انتي بتعامل مع أمثالك .. سلام يا برنس. وأعطت وعد الهاتف لروان وقالت بضيق: -أنا هطلع أنا أكمل غدايا .. زمان عمرو أكل كل الكفتة .. سلام يا جماعة. تركتهم مسرعة وأغلقت ورائها الباب. والجميع يهز رأسه بيأس على شغبها المعتاد. ***

أنهى مالك مكالمته مع والديه وطمأنهم عليه. ووضع الهاتف بجواره وعقد ذراعيه خلف رأسه وشرد بالتلفاز. بينما مازال جاسم يتأمل شروده الهائم. فتنهد بقوة وقال ساخرا: -الله الله .. ده الموضوع كبير بقى. التفت إليه مالك بتعجب وقال مستفهما: -موضوع إيه اللي كبير. أضاف جاسم غامزا إياه: -يا واد على بابا .. مين اللي انت كنت بتكلمها دي. رد مالك بتلقائية: -ماما .. وبابا .. وروان .. وجارتي. أومأ جاسم بخبث وقال بعبث:

-امسك في جارتك بقا وقولي عنيك كانت بتلمع ليه وانت بتكلمها. مط مالك شفتيه بتبرم وقال بهدوء: -عينين مين اللي كانت بتلمع انت هتعمل فيها شارلوك هولمز. وخزه جاسم في ذراعه وقال: -عليا .. ده أنا خبرة .. شكلك بتحبها. ضحك مالك ضحكة عالية وقال بسخرية: -أحب مين .. وعد. قفزت نبضة من نبضات قلب جاسم بعدما استمع لإسمها. لم يدر ما جذبه بذاك الاسم الغريب بعض الشئ. ولكنه تغاضى عنها وقال مستفهما: -ليه في حاجة تمنع إنك تحبها. زادت ضحكات

مالك الساخرة وقال ببساطة: -يا معلم دي عيلة صغيرة. رفع جاسم حاجبيه وقال بفهم: -والله !!!! افتكرتها بنت كبيرة. أجابه مالك مسرعا: -طب ما هي بنت كبيرة وعندها ٢٢ سنة. قطب جاسم جبينه وقال بضيق: -انت بتشتغلني ياض .. ما ترسى على بر. هدأه مالك وشرد قليلا وهو يقول بابتسامة هادئة:

-أصلها ببساطة .. وعد .. بنت جميلة جدا وشها مدور قوي .. عمري ما شفت بنت وشها مدور كده .. زي القمر .. وبياضها غريب لأنه على وردي .. ومناخيرها صغننة جدا ودايما حمرة .. وشفايفها مرسومين سبحان الله .. وعنيها بقا حكاية .. واسعين ومتكحلين رباني .. ورغم كل ده .. هتفضل عيلة صغيرة عمرها ما هتكبر أبدا. تنهد جاسم مطولا وقال بهيام: -كل ده ومش بتحبها .. ده انت ضايع يا ابني. نظر له مالك كأنه يستلهم الصبر قائلا بتثائب:

-ده انت فايق وأنا بقالي يوم ما نمتش .. روح أوضتك يالا عاوز أنام. وقف جاسم وهو يضحك ثم غمز له وقال بمكر: -والله بتحبها .. بس بكرة تيجي لغاية عندي و تقر وتعترف .. سلام يا صاحبي. تركه جاسم وعاد لغرفته بينما فكر مالك بكلمات جاسم وسأل نفسه بجدية: -أنا بحب وعد ؟؟؟؟؟ هز رأسه نافيا وقال بسخرية: -أكيد لأ دي عيلة لسه .. أنا أقوم أنام أحسن. وقف وبدل ملابسه وتوضأ وصلى فرضه وقرأ ورده. ثم اندس بفراشه وهو يسأل نفسه مجددا ....

وعد ؟!!!! ... هز رأسه نافيا وتدثر جيدا ونام على الفور. *** انتبهت الجدة إمتثال على طرقات على باب الشقة فقامت بتثاقل وسارت ناحيته لتعرف هوية الطارق. فرأت أمامها روان بابتسامتها الرقيقة مثلها. وقالت بهدوء: -مساء الخير يا تيتة. أجابتها الجدة بابتسامة هادئة: -مساء النور يا حبيبتي تعالي ادخلي. هزت روان رأسها نافية وقالت بخجل: -مش هينفع عمرو موجود .. خلي البنات يطلعوا ورايا على السطح و ماما بتجهز شوية حاجات عشان نسهر فوق.

أومأت الجدة برأسها وقالت مؤكدة: -حاضر يا حبيبتي .. اطلعي انتي واحنا هنحصلك. اجتمع الجميع على سطح البناية التي يمتلكها والد وعد عيسى القاضي. والذي يعمل بدولة الكويت منذ سنوات. ولكن لظروف مادية اضطر لبيع شقة من الثلاث لصديقه سراج والذي اشتراها وقطنها مع أسرته ورعى أولاده بغيابه ليعوضهم عن حنان ودفء الأب الغائب منذ سنوات. جلست وعد على الأرجوحة والتي صنعها لها مالك وعمرو. هزتها بقدميها وقالت بفرحة:

-شكرا يا عموري بجد المرجيحة دي تجنن. أجابها عمرو وهو يقف خلفها ويؤرجحها بحذر: -هي فكرة مالك .. بس عموما العفو يا ستي. والتفت برأسه صوب حبيبته الخجولة دائما رغم أنها تعد زوجته بعدما عقدا قرانهما. ابتسمت روان بخجل. وهي تستشعر نظراته تجاهها. بينما جلست روضة منزوية تقرأ كتابا بشغف. وامتثال وآمال وسراج يتجاذبون أطراف الحديث. انتهت روضة من قرائتها فتطلعت بوعد وقالت برجاء: -وعد .. علشان خاطري غني شوية. التفتت إليها وعد

وقالت بنبرة شريرة مستغلة: -تدفعي كام. تطلعت إليها روضة بضيق وقالت بحنق: -ما فيش حاجة لله أبدا .. لما ننزل يا ستي هديكي عشرة جنيه. ابتسمت وعد بشقاوة وأغلقت عينيها وخرج من بين شفتيها ذاك الصوت الساحر وهي تشدو:

-القلب يعشق كل جميل .. ويا ما شوفتي وياما شوفتي جمال يا عين .. واللي صدق في الحب قليل .. قليل .. وإن دام يدوم .. يوم .. ولا يومين .. ولا يومين .. واللي هويته اليوم .. دايم وصاله دوم .. لا يعاتب اللي يتوب .. ولا بطبعه اللوم .. واحد مافيش غيره .. ملا الوجود نوره .. دعاني لبيته لحد باب بيته .. وأما تجلى لي .. بالدمع ناجيته .. بالدمع ناجيته. كففت روضة دموعها الخاشعة. وصفقت لها ليشاركها الجميع تصفيقها. فتحت

وعد عينيها وقالت بخجل: -كفاية كسفتوني .. بس عجبتكم الأغنية. ردت الجدة بتنهيدة: -الله الأغنية حلوة قوي .. ربنا يكتبلنا زيارة بيته يا رب. أكد سراج على رجائها وقال: -آمين يا حاجة إمتثال .. ونكون صحبة يا رب. -يا رب. بينما قالت روان بإعجاب: -ما شاء الله صوتك يجنن يا وعد. ردت عليها وعد بثقة: -عارفة طبعا. صفعها عمرو على رأسها وقال مازحا: -ده إيه التواضع ده يا فنانة. زمت وعد شفتيها وقالت بغضب:

-بتضربني يا عمرو .. طب مخصماك ومش هكلمك تاني. تركتهم وهبطت الدرج مسرعة. ضحك عمرو ضحكة عالية وقال ساخرا: -واضح كده إن مخزون الشوكولاته والأيس كريم خلص معاها .. ربنا يعيني بقا. دخل الجميع في نوبة ضحك. بينما قال عمرو وهو ينصرف: -انزل بقا أنا على الورشة عندي شغل متأخر .. سلامو عليكو. رد الجميع: -وعليكم السلام. التفت سراج صوب إمتثال قائلا بفخر:

-عارفة يا حاجة .. أنا بحمد ربنا دايما إنه رزق بنتي براجل زي عمرو .. بالنهار في وظيفته في المينا .. وبالليل بيقف في ورشته .. كل ده عشان يقدر يجهز شقته بكل اللي تتمناه روان. ابتسمت روان وهي تحمد ربها على أنه رزقها زوج وحبيب مثل عمرو. بينما عادت وعد وجلست معهم وهي تضحك. سألتها روضة بفضول: -ممكن نعرف سبب انشكاحك ده إيه. جلست وعد على أرجوحتها مجددا وقالت:

-طلبت من عمرو حاجات ييجي بـ ١٠٠ جنيه .. أيس كريم بالمانجو .. ومشـبك .. وشوكولا. ضيقت روضة ما بين حاجبيها وقالت بضيق: -حرام عليكي يا وعد .. عمرو بيتعب بالفلوس دي. التفت إليها وعد برأسها وقالت بحدة: -لا والله .. طب إيه رأيك إنك هتجيبي زي عمرو وأكتر. ابتسمت روضة بحب وقالت بحنو: -ده أنا أديكي عنيا يا حبيبة قلبي.

أرسلت إليها وعد قبلة بالهواء وأغلقت عينيها بشرود. فروضة بالنسبة لها أمها وليست أختها رغم أن الفارق بينهما ثلاث سنوات فقط. إلا أنها تدللها وترعاها وتشملها بحنانها. أما عمرو فهو حبيبها وأخـيها وأبيها والسند. فالأمان هو عمرو. والطمأنينة هي عمرو. والدفء هو عمرو. ربما تشتاق لوالديها أحيانا. لكن أغلب الوقت سخطها وغضبها هما المسيطران عليها. حتى تحول قلبها لكتلة من الرماد. والتي تهدد بالاشتعال بأي وقت. ***

في اليوم التالي مل جاسم الجلوس بمفرده. فارتدى ملابسه وتوجه لغرفة مالك. طرق الباب فلم يأته الرد بالبداية. فطرقـه مجددا بقوة. حتى فتح له مالك وهو قد استيقظ للتو. دفعه جاسم بيده ودلف لغرفته قائلا بضيق: -يا معلم هو أنا جايبك عشان تقضيها نوم .. عايزين نخرج شوية زهقت. تثائب مالك وقال وهو يتمطأ بكسل: -ما نمتش بقالي يوم يا ظالم .. مستكتر فيا كام ساعة. جلس جاسم على الأريكة وقال ببرود:

-طب إخلص خد دش وإلبس عشان عازمك على الفطار .. وبعد كده نعمل شوبنج .. عاوز أجيب هدايا لعيلتي وخصوصا البت ريتال. ابتسم مالك بعذوبة وقال متحمسا: -ما دام فيها ريتال .. فأنا معاك يا معلم .. وأنا كمان عاوز أجيب هدايا .. خصوصا هدية عيد ميلاد الكونتيسة وعد. شعر جاسم بالفضول. فهو يريد أن يسمع عن تلك التي تسمى وعد أكثر. فسأل مالك بتركيز: -مهمة وعد دي عندك مش كده. ابتسم مالك وهو يتخيلها أمامه وقال بتنهيدة خاطفة:

-هي بتجبر أي حد بيتعامل معاها إنه يحس إنها مسئولة منه .. كأنها طفلة ومحتاجة إيد حنينة تطبطب عليها .. غصب عنك تبدأ تهتم بيها وترعاها. ابتلع جاسم ريقه متوترا من كلمات مالك المحيرة فسأله مجددا: -وإيه السبب ورا شعورك ده. تنهد مالك مطولا وجلس على فراشه وهو يثني قدمه تحته ويضم يديه ببعضهما وقال بحزن:

-لأنك أول حاجة هتلاحظها عليها رغم شقاوتها وضحكها .. هي ملامحها الحزينة مهما خبت ودارت .. بس عينيها شفافة لدرجة تخليك نفسك تطبطب عليها. أخرج مالك من تفكيره المتعمق صوت جاسم المتسائل بهدوء: -وإيه سبب حزنها بقى. لمعت عيني مالك وهو يتابع سرده بحزن:

-أبوها وأمها .. وهي عندها ١٦ سنة سافرت والدتها لوالدها الكويت .. وبعد شهر رجعوا بس والدتها كانت حالتها النفسية زي الزفت .. ووعد كانت متعلقة بيها جدا .. أول مامتها ما شافتها .. دخلت في نوبة عياط وانهيار وفضلت ماسكة في وعد لحد ما هديت .. جه عمو عيسى وحب يطبطب على مراته ويهديها .. هوب انفجرت فيه. نظر له جاسم بتركيز وقال بشغف: -إيه اللي حصل بعد كده. أخذ مالك نفسا طويلا وزفره في عجالة وأجابه قائلا:

-قعدت تصوت وتقوله تتجوز عليا يا عيسى بعد العمر ده كله .. هونت عليك وهانت عشرتنا .. طب كنت قولي .. مش ألبسك بدلة فرحك بإيدي وأنا معرفش .. حرام عليك .. وقفت وعد وهي مش مصدقة كلام مامتها وسألت باباها إنه بجد الكلام ده .. الصراحة الراجل ما كذبش وقال إنه محتاج زوجة معاه في الكويت .. صدمة وعد كانت أكبر من عمرو أخوها وروضة أختها .. وطلبت من والدتها إنها تطلب الطلاق منه .. بس والدتها رفضت .. وتحججت بيهم وبالبيت اللي هيتخرب

.. بس هنا بقا ووعد اتحولت كرهت باباها .. وللأسف احتقرت ضعف والدتها .. وبالذات لما والدتها سابتهم لجدتهم وسافرت عشان ما تسيبش جوزها لمراته الجديدة تستفرد بيه .. بقى جوة وعد كلكيعة كبيرة جدا .. إن أي راجل خاين .. مهما كان مين .. وإن الست لما تتجوز بتبقى لعبة في إيد جوزها.

وطال الصمت. إلا أن قال جاسم بتعجب: -انت قولت إن لها اخوات .. ليه ما اتأثروش زيها. -ﻷنها يا سيدي دلوعة البيت .. وحبيبة امها .. لما لقت أمها ضعيفة كده لأ وباعتهم وسافرت لجوزها .. نفسيتها تعبت لدرجة إنها مش بتكلمهم سواء في التليفون أو لما بيجوا زيارة. هتف جاسم بحيرة وقد تبدلت تعابير وجهه لتجهم: -غريبة قوي القصة دي .. بس أكيد بنت زيها بدلعكم الزيادة ده .. هتبقى مستهترة ومعتمدة عليكم لأ وبتستغلكم كمان. ضحك مالك

ضحكة عالية وقال موضحا: -بالعكس بقى.. دي قوية جدا .. ونجحت في كليتها بتقدير جيد جدا .. هي خريجة إدارة أعمال وبتدور على شغل .. ده غير إنها متدينة وتعرف ربنا. ابتلع جاسم ريقه وهو يقاوم فضوله أكثر عن تلك الشخصية الغريبة والتي يراها خيالية بعض الشئ. ربما تعاطف مالك معها وربما عشقه ما دفعه لوصفها بتلك الطريقة المشوقة والحزينة. لكنه نفض تللك الأفكار عن رأسه وقال مسرعا: -طب قوم يالا عشان نلاقي هدية قيمة للكونتيسة بتاعتك.

وقف مالك بابتسامته الهادئة وحمل منشفته ودلف للمرحاض تاركا جاسم شاردا بتلك الغريبة. والتي تحيره رغم أنه لم يعتد أن ينجذب لشخصية كشخصيتها. ثم وبخ نفسه لأنه متأكد من شعور صديقه ناحية تلك الوعد. فمالك يعشقها دون أن يدري.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...