الفصل 2 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل الثاني 2 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
15
كلمة
6,639
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

للحياة وجوه عدة تترك آثارها على شخصياتنا. وحين نتغير، نسأل أنفسنا: كيف لنا أن نتحول بهذا الشكل، من النقيض إلى النقيض أحياناً؟ مشاعر تطفو فجأة، ومشاعر تندثر أسرع. دائماً ما تكون مشاعرنا كشمعة تنتظر من يشعلها لتضيء نفوسنا وتتملك منا. وهناك شموع لا تكتفي بالإنارة فقط، بل قد تسبب الحروق أحياناً، واشتعالها يترك ندبات لن يمحوها الزمن. الزمن والحياة...

قد يظنهما البعض وجهين لعملة واحدة، ولكن هذا لضعيف البصيرة. فالزمن مجرد وقت قد مضى، ووقت قادم سيصبح ماضياً بيوم ما. أما الحياة فهي رحلة بزمنها وأشخاصها وأماكنها وتحولاتها، شاملة، كاملة. إن أخطأنا بها خطأً واحداً، سندفع ثمنه باقي الزمن بعمرنا. لم يكن يعبأ بحمله الذي يزداد ويزداد، وتلك الحقائب تكاد تلتهمه من كثرتها. وعقله يخشى أن ينسى أحد، وحينها ستقوم الحرب ولن تهدأ. استمر تسوق مالك وجاسم لوقت طويل، ليقول جاسم بإرهاق:

"أنا بستسلم، تعبت خلاص." ضحك مالك ضحكة عالية وقال ساخراً، مشيراً لتلك الحقائب الكثيرة التي يحملها: "يا ابني، هو حد يجيب هدايا بالكم ده؟ لأ، وكلها حريمي." ارتمى جاسم بجسده على أحد المقاعد ورص حقائبه بجواره قائلاً بضحكة ساخرة: "ده أنا لو نسيت واحدة منهم هيعلّقوني. أنا في بيت كله حريم. أنا وأبويا اللي فلتنا. هو أخو علي بنتين، كل خلفتهم بنات. وأنا أخو علي بنت واحدة ومخلف كمان بنت. ده غير أمي." قهقه مالك عالياً

وقال بسخرية مازحة: "ديك البرابر يعني." امتعض وجه جاسم وطالعه من طرف عينيه قائلاً بتذمر: "برابر؟ الملافظ سعد." تنهد مالك بقوة فاقداً صبره وقال بجدية: "بلا سعد بلا مسعد. وقوم بقا. لسه هدية روضة ووعد. بس هدية روضة هجيبها من مصر. يبقى لسه وعد، ودي مهمتها صعبة قوي."

تطلع مالك حوله على واجهات المحلات مستلهماً الصبر، لأنه يبحث عن شيء لا يعرفه. حتى جحظت عيناه واتسعت ابتسامته بفرحة، فقد وجد ضالته. وجد هدية لوعد تتمناها كثيراً. فقال مسرعاً: "لقيتها." التفت جاسم برأسه ليرى ما شد انتباه مالك لهذه الدرجة، حتى علا التعجب ملامحه. وقال بدهشة: "بتهزر؟ وده هتعمل بيه إيه إن شاء الله؟

حمل مالك الحقائب الخاصة به وتوجه مسرعاً لذاك المحل، ووقف يتأمل هذه الهدية الثمينة وهو يتخيل ردة فعل وعد لرؤيتها. وقف جاسم بجواره بعدما حمل حمله الثقيل وقال موضحاً: "بس ده أكيد غالي. وانت صرفت كتير." غمز له مالك بعينيه وقال برجاء: "ما انت هتقف جنب صاحبك. ولا إيه يا معلم؟ ضيق جاسم عينيه وهو يدعي عدم الفهم وقال بمكر عابث: "مش فاهم يا معلم." رفع مالك عينيه بملل وهو يقول: "لأ فاهم يا جاسم وما تستعبطش."

هز جاسم رأسه بابتسامة متحيرة لحال صديقه وقال بإنصياع: "حاضر يا سيدي. يلا بينا ندخل نشتريه." *** خرجا من المحل وسعادة شديدة منتابة مالك وهو يتأمل هدية وعد بشغف، متخيلاً ردة فعلها عندما تراها. مؤكد ستقفز من الفرحة، وربما ستسقط مغشياً عليها. ربت على ذراع جاسم وقال بامتنان: "مش عارف أشكرك إزاي. أول ما نرجع مصر هحضرلك الفلوس اللي دفعتها." ابتسم جاسم بمكر وهو يقول بنبرة خبيثة:

"مستعد ماخدش منك مليم لو قولتلي ليه اخترت الهدية دي بالذات؟ لمعت عينا مالك وهو يقول بسحر: "لأنها بتحب تغني. وصوتها سبحان الله يجنن. لما بتغمض عينيها وتغني، انت تنسى الدنيا من كتر ما صوتها حلو قوي." "بتغني؟!!! " قالها جاسم وهو يزداد تعجبه، وحيرته، وشعور غريب من الفضول يمتلكه. بينما تابع مالك بابتسامته الهادئة قائلاً:

"أيوة يا سيدي بتغني. وكانت دايماً بتروح قصر الثقافة وتحضر حفلات. لغاية ما دخلت الجامعة وقررت إنه مش هتغني قدام حد غريب تاني. عرفت بقا أنا جبت الهدية دي ليه." ابتسم جاسم بشغف وقال مغيراً للحوار ليخفي اهتمامه بها: "عرفت. يلا نرجع الأوتيل تعبت. وبكرة اجتماعنا الأخير مع مستر خافيير علشان شحنة الخشب الجديدة. المصيبة إني هقابل القنبلة النووية بنته. ربنا يثبتني بقا." ضربه مالك على صدره القوي بقوة وقال بصرامة:

"وراك رجالة. ومش هسيبها تستفرد بيك ثانية." عدل جاسم من وضع حقائبه وحملها على كتفه وهو يقول بتنهيدة ساخنة: "يا ريت. لأني حاجة تانية منها وهتجوزها عرفي وقتي." دفعه مالك أمامه وقال بحزم: "عرفي... قدامي يا أخويا، يلا." تعالت ضحكات جاسم وهو يسير أمامه نافضاً صورتها الجميلة من خياله، وهو يتابع الواجهات بتركيز، لربما نسي واحدة من أسرته، وهو لا يريد وجعاً لرأسه. ***

في الصباح، جلست روضة وعمرو وجدتهما على طاولة الإفطار. فسأل عمرو جدته على نواقص المنزل، فأعطته ورقة ومبلغاً مالياً. فسألها مستفسراً: "هي حوالة الشهر ده وصلت من الكويت؟ أومأت روضة برأسها وقالت مؤكدة: "أيوة وصلت. وأنا استلمتها امبارح. انت عارف هما مش بيتأخروا علينا بالفلوس. دي حتى كانت زايدة الشهر ده." تنهد عمرو بأسى وقال بحزن: "وآخرتها إيه؟ مش هيرجعوا بقا؟ على الأقل علشان الغلبانة وعد." خرجت وعد على ذكر اسمها

من غرفتها وقالت بضيق: "ومين قالك إني عايزة أشوفهم أصلاً؟ إحنا مرتاحين من خناقهم وعايشين أحلى عيشة." سحبت كرسيها وجلست بمكانها. ومالت على عمرو وقبلته بوجنته وقالت بحب: "ربنا ما يحرمني منك يا حبيبي. شكراً على الشوكولا والأيس كريم." احتضن عمرو رأسها بذراعه وقبل مقدمة رأسها وقال بحب: "انتِ تؤمري بس يا بنوتي يا حلوة." فسألتها روضة بتعجب: "إيه اللي صحاكي بدري يا وعد؟ لفت وعد ذراعيها حول خصر أخيها وقالت

وهي تشد من احتضانها له: "حلمت حلم مش حلو. وما عرفتش أنام تاني." فقالت لها الجدة بإشفاق: "استعيذي بالله يا حبيبتي وقومي صلي الضحى هترتاحي." أومأت وعد برأسها وقالت بابتسامتها الشقية: "كنت هعمل كده. بس محلوة انتي النهارده يا إمتثال." ضحكت الجدة وأشاحت بيدها قائلة: "ياني عليكي وعلى بكشك." وقفت روضة وأنزلت نقابها على وجهها وقالت مسرعة: "يلا يا عمرو علشان توصلني للحضانة لأني اتأخرت." وقف عمرو وحمل هاتفه وقال بجدية

وهو يبتلع آخر ما في فمه: "يلا يا حبيبتي. سلام يا دودو." ودعتهم وعد قائلة: "باي يا قلبي. خلوا بالكم من نفسكم." ردا الاثنان سوياً: "حاضر. السلام عليكم." ردت وعد والجدة: "وعليكم السلام." تنهدت وعد بأسى وهي تطالع صحنها، بينما سألتها جدتها بقلق: "مالك يا وعد سرحانة بإيه يا حبيبتي؟ رفعت عينيها ناحيتها ووضعت مرفقها على الطاولة وأسندت وجنتها على كفها وهي تقول بملل:

"أنا اتخرجت من الجامعة علشان أقعد بالبيت كده. لا شغلة ولا مشغلة." ربتت الجدة على كفها وقالت بحنو: "بكرة تشتغلي يا حبيبتي وتحققي كل اللي بتتمنيه بإذن الله." ابتسمت وعد بخفوت ووقفت وعادت لغرفتها. حملت منشفتها وهي تتذكر كلمات عمرو عن عودة والديها. ثم تمتمت بخفوت: "وهل يعد مثلهما والدين؟ فهما مثال للصلف والجحود، وخاصة تلك المسماة... أمها." ***

انهمكت روضة بعملها الذي تعشقه رغم أنه ليس تخصص دراستها. ولكن من يعمل بشهادته في بلدنا مؤخراً. مرت بين المقاعد وعلى ثغرها ابتسامة هادئة وهي تتابع رسومات الأطفال. اقترب منها طفل صغير وأشار إليها قائلاً: "شوفي يا ميس أنا رسمت حضرتك." تطلعت روضة للرسمة وقالت بفرحة: "حلوة قوي يا حبيبي." قبلته بوجنته وقالت بصوت عالٍ: "يلا يا حبايبي كفاية رسم. علشان نسمع سورة القدر اللي حفظناها."

لملم الأطفال ألوانهم ودفاترهم، وبدأوا في تلاوة سورة القدر بإشارة من روضة، وهي تبتسم لإتقانهم وتحمد ربها أن جعلها سبباً لحفظهم آياته. صفقت بيدها إليهم وهي تقول بزهو: "أحسنتم. كلكم شاطرين. طب مين هيقولنا ليلة القدر دي بشهر إيه؟!! رفع الصغار أذرعهم بحماس، بينما أشارت هي لطفل والذي وقف مزهواً بنفسه لأنها اختارته هو عن البقية وأجاب: "شهر رمضان المبارك." صفقت له وأشارت لباقي زملائه بأن يصفقوا معها وهي تقول: "شاطر يا باسل."

وظلت تطرح عليهم الأسئلة وتعطيهم الحلوى لتحمسهم أكثر، حتى أنهت عملها وذهبت لغرفة المعلمات. ارتمت بجسدها على مقعدها وقالت بتعب: "بسبب غياب ريهام أنا شلت اليوم كله." ردت زميلتها ومعلمة مثلها خلود قائلة بابتسامة مشرقة: "قدها يا رودي. والعيال بيحبوكي جدا." أنزلت روضة نقابها على وجهها عندما رأت تقدم أحد المدرسين نحو غرفتهم. وقف الأستاذ مصطفى أمامهم وقال: "أستاذة سميرة عايزكم بعد الدراسة ضروري." ردت خلود بامتعاض:

"حاضر يا مستر مصطفى." تطلع مصطفى صوبهم مطولاً. ثم تركهم وابتعد. زفرت خلود بضيق وهي تقول بحنق: "أعوذ بالله. أنا مش بطيق الراجل ده خالص." ردت روضة بعقلانية: "دعي الخلق للخالق. وما تجيبيش سيرة حد وهو مش موجود." أومأت خلود برأسها وقالت بإنصياع: "حاضر. بس تفتكري ميس سميرة عاوزانا في إيه؟ مطت روضة شفتيها وقالت بحيرة: "مش عارفة. ربنا يستر." "طب يلا نلم حاجتنا ونستعد الجرس قرب يضرب. خلي دادة تسلم الولاد لأهلهم."

وقفت روضة بعدما لملمت أشيائها وحملت حقيبتها وقالت بهدوء رزين: "هروح أقولها وأأكد عليها لما تكوني خلصتي." ***

اجتمعت الأستاذة سميرة مديرة المدرسة بهيئة التدريس للمدرسة الابتدائية والروضة لمناقشة آخر التطورات الخاصة بخطتها الجديدة للدراسة والوقوف عند آخر المستجدات. بدأت المشاورات وإبداء الآراء بما تم تنفيذه بالفعل وما لم يكن يصلح من البداية. استمع الجميع إلى الآراء الجديدة وتناقشوا حولها. حتى جاء دور روضة الأطفال، فاقترحت سميرة بعض الأفكار الجديدة، ومنها تكليف الأستاذ مصطفى بالاهتمام بحصص اللياقة البدنية للأطفال. وقفت

روضة بتبرم هادئ وقالت: "بس يا ميس سميرة الأولاد في المرحلة دي بيفضلوا التعامل مع سيدات أكتر من الرجالة. أنا طبعاً معنديش أي اعتراض على شخص الأستاذ مصطفى بس هيبقى صعب الولاد يتأقلموا على الوضع الجديد." فكرت سميرة بكلمات روضة قليلاً ثم قالت بهدوء: "ممكن كلامك يبقى صح، علشان كده التجربة خير دليل. إحنا هنجرب ونشوف الولاد هيتقبلوا ده ولا لأ."

ارتسمت ابتسامة شيطانية على ثغر مصطفى. فقد وصل لمبتغاه بسهولة كبيرة ودون أي عناء. فمريض مثله لا يجب وضعه بين تلك الملائكة الصغار. بينما وقفت خلود محتدة وقالت باندفاع: "يا أستاذة سميرة دي روضة أطفال مش حقل تجارب. وبالعقل الولاد هياخدوا وقت لغاية ما يتعودوا ويمكن لأ كمان. يبقى ليه نجرب أصلاً." احتلت نظرات سميرة ناحيتها مما جعلها تجلس ثانية بإحراج، بينما أجابتها الأخرى بإصرار:

"يا أستاذة خلود. إزاي واحدة بنت منكم هتقعد تتنطط مع الولاد بالتمارين الجسدية؟ البديهي هنا إنه راجل اللي يعمل كده." خرجت كلمات خلود دون رقابة ثانية وهي تقول بسخرية: "أي راجل تاني إلا ده." وقف مصطفى وقال بغضب: "ليه بقا إن شاء الله؟!! وخزت روضة خلود بذراعها، بينما ضربت سميرة سطح مكتبها وهي تقول بنبرة قاطعة: "مش عايزة كلام بالموضوع ده. ده قرار وهيُنفذ. اتفضلوا الاجتماع خلص."

انتهى الاجتماع وغادر الجميع. سارت روضة وخلود قليلاً لتنفجر الثانية قائلة بضيق: "بصي بقا أنا عارفة إنك مش بتحبي تتكلمي عن حد. بس أنا مش مرتاحة للي اسمه مصطفى ده ولا للقرار. وقلبي مقبوض وابقى افتكري كلامي ده." فكرت روضة قليلاً بكلمات خلود، فمصطفى ذاك الجميع يعلم أن تصرفاته يشوبها بعض الشكوك ونظراته لزميلاته تتسم بالوقاحة والجرأة. ولكنها استغفرت ربها وقالت بداخلها: "إن بعض الظن إثم. أستغفرك ربي وأتوب إليك."

التزمت الاستغفار طوال الطريق، حتى استقلت سيارة أجرة. ترجلت منها روضة عند الوصول لوجهتها وودعت خلود واتجهت لمنزلها. صعدت الدرج بإرهاق، وفتحت باب شقتها لتجد وعد أمامها بابتسامتها الشقية. نسيت روضة كل آلامها الجسدية والذهنية وبادلتها الابتسام. ثم رفعت نقابها وقبلت وعد بوجنتها وقالت بنبرة حنونة: "وحشتيني يا قلبي." احتضنتها وعد بشوق وقالت بحب:

"انتي وحشتيني أكتر. ادخلي خدي شاور يفوّقك على ما يكون عمرو رجع من الشغل ونتغدى سوا." ربتت روضة على ظهرها وقالت وهي تبتعد عنها: "حاضر يا حبيبتي. هدخل أطمن الأول على تيتة." تطلعت إليها وعد بحب ثم عادت لجلستها أمام التلفاز وهي شاردة كعادتها، وخواء نفسها وعقلها وأيامها بات كالصوت المزعج للصمت. هو ذلك الصوت الأقرب للصفير وهو يدوي ويدور برأسنا عندما يصمت كل شيء حولنا. ***

وقف بسيارته الفارهة أمام تلك البناية العالية الحديثة الإنشاء والتي لم يسكن أغلب شققها. صعد درجات الدرج الرخامية ثم استقل المصعد، ليتوجه به صوب شقته. بعد قليل ترجل منه بهدوء ووقف أمام الباب وأخرج مفتاحه من جيبه وفتح الباب ودلف للشقة يبحث بعينيه عنها. ثم صاح بنبرة حادة: "رحاب.. يا رحاب." خرجت من إحدى الغرف سيدة بمنتصف الثلاثينيات، ترتدي فستاناً قصيراً وضيقاً جداً يبرز مفاتنها بقوة. اقتربت منه وعلى ثغرها ابتسامة شوق.

وقالت بدلال: "أخيراً جيت. وحشتني قوي يا بيبي." دنت منه وقبلته برقة على شفتيه. فأبعدها عنه وقال بصرامة: "بقالك أسبوعين بتلعبي عليا وأنا زهقت ومش عايز أزعلك مني يا رحاب." ارتجفت فرائصها وقالت مسرعة: "ليه كده يا أمير؟ أنا قولتلك اطمن البنتين هيخرجوا بعد بكرة من الدار. لأنهم تموا الواحد وعشرين. وأنا مطمناهم إني هشوفلهم شقة وشغل ووثقوا فيا. ده غير إنهم أيتام ومجهولي النسب ومالهمش حد. يبقى فين المشكلة بقا؟

أخرج من جيب سترته علبة سجائره وأشعل إحداها ونفث دخانها بوجه رحاب وقال محذراً: "قدامك يومين. يومين وساعة ما تلوميش إلا نفسك." طوقت رقبته بذراعيها وقالت وهي تحدجه بنظرات اشتهاء: "يا أمير ما قولتك اطمن. هي يعني أول مرة. بس المرة دي البنتين صواريخ. ولسه بورقتهم. يعني عمولتي هتبقى الدوبل يا بيبي." ابتسم أمير بمكر وقال وهو يفترسها بعينيه: "وأنا موافق. وتحت أمرك. انتي مش متخيلة هيتدفع فيهم كام دول كنز." لمعت عيناها ببريق

شيطاني وهي تقول بحماس: "أحلى حاجة إنك هتبعهم مرتين وبالمرتين إوعى تنسي حصتي بالفلوس." ألقى سيجارته على الأرض ودعسها بحذائه وهو يقول بإيماءة من رأسه: "أكيد طبعاً مش هساكي." همست أمام شفتيه بقوة: "وحشتني قوي. مش يلا بقا."

لم يعد يمتلك أمير صبراً على حركاتها المغوية، فاعتقل خصرها وانحنى بجذعه قليلاً وحملها متوجهاً بها لغرفة من غرف الشقة. وأغلق ورائه الباب بقوة، لينغمسوا سوياً بالمحرمات. كان يبادلها شغفها وهو لا يراها تقريباً، فعقله دائماً ما يصور له أي أنثى معه على أنها... علا. التي رآها أول مرة بخطبتها على أخيه الوحيد لتسلب قلبه قبل عقله، وسعى بكل جهده أن يمتلكها، ولكن لم يجد حلاً للتخلص من أخيه سوى بإزاحته من طريقه. ***

في اليوم التالي برومانيا. استعد جاسم ومالك للذهاب للاجتماع مع مورد الخشب إليهم خافيير. توجهوا لمكتبه الخاص ودلفا إليه ومالك يحمل أوراق الاتفاقية. تنفس جاسم مطولاً بعدما رأى ديانا تقترب منه. فاقترب من مالك وقال بتوجس: "ورينا شطارتك يا معلم." وقفت ديانا أمام جاسم وقالت بلوم: "لماذا تركت الأوتيل جاسم. لقد بحثت عنك كثيرا." التفت جاسم لمالك وسأله بتعجب: "بتقول إيه دي؟!! مال مالك ناحيته وقال بخفوت:

"بتقولك سبت الأوتيل ليه. وإنها دورت عليك. أستغفر الله العظيم البت دي فتنة." ضحك جاسم ضحكة عالية وقال: "ماشي يا سيدي خلينا نشوف شغلنا أحسن." ثم انتبه لدخول خافيير فاقترب منه مرحباً، ولحق به مالك. استمرت مناقشاتهم حتى اتفقا ووقعوا العقود. تنفس جاسم براحة، وصافح خافيير مودعاً. واقترب من ديانا وقال بتماسك: "أراكي قريباً ديانا. مع السلامة." تنهدت ديانا بضيق وقالت: "سوف أشتاق إليك كثيراً جاسم."

تنهد جاسم مطولاً وهو يطالعها بهيام، بينما دفعه مالك أمامه قبل أن يضعف وهو يقول ضاحكاً: "يلا قدامي مش عايزين مشاكل أبوها هنا." خرجا سوياً ووضع مالك الأوراق بحقيبته الجلدية وقال براحة: "الحمد لله خلصنا. يلا بينا على الأوتيل علشان نجهز نفسنا للطيارة بالليل." أومأ جاسم برأسه وقال مؤكداً: "عندك حق. يلا بينا نتغدى أول في مطعم قريب من هنا أكله يجنن."

ركبا سيارتهما وتوجه بهما السائق للمطعم. بينما لم تترك عقل مالك كلمات جاسم عن احتمالية عشقه لوعد دون أن يشعر. فتذكر شغبها وابتسامتها الشقية لتبتسم شفتيه بشوق لم يشعر به من قبل. انتبه جاسم على شروده وابتسامته الوالهة. فابتسم هو الآخر لتأكده من شكوكه بأن مالك غارق بعشق تلك الوعد دون أن يشعر. لكن ما شغله هو ذاك الشعور بالضيق من فكرة عشق مالك لها. فقال بداخله:

"أنا متضايق ليه ما يحبها. وبعدين هو أنا أعرفها أصلاً. أنا مش هخلي مالك يحكي عنها قدامي تاني. كفاية كده." *** في المساء اجتمعت الفتيات في غرفة روضة. وقفت روضة بفخر تعلق تلك الرسمة التي رسمها لها أحد الأطفال على حائط الرسومات عندها. فقالت روان بابتسامتها الهادئة: "دي رسمة جديدة يا روضة." أومأت روضة برأسها وقالت بفخر: "أيوة. ببقى فرحانة قوي لما الولاد يقولوا إنهم بيحبوني. ما بالكم بقا لما يحاول يرسمي واحد منهم."

ما أن انتهت من تعليقها حتى انفجرت وعد ضاحكة ضحك هستيري. ثم تمالكت نفسها وقالت بصعوبة: "يا نهار أبيض. وانتي إيه اللي حرقك كده يا روضة... ههههه." قطبت روضة جبينها بضيق وقالت بحدة: "بطلي ضحك يا سخيفة. ده هو بيشوفني دايماً بالنقاب. فرسمني زي ما بيشوفني." اعتذرت وعد وهي تخفي ضحكاتها وقالت بخفوت: "آسفة. مش هضحك تاني. عموماً زي القمر يا رودي." مصمصت روان شفتيها وقالت بمزاح: "فعلاً بقا روضة زي القمر. دي أحلى واحدة فينا."

ردت روضة بامتنان: "لأ يا روان انتي أحلى." ردت وعد بغضب: "لأ والله. بقا خطافة الرجالة دي أحلى مني." حملت روان الوسادة وضربت بها وعد وهي تقول بغضب: "بقالي أنا خطافة رجالة يا قليلة الأدب." ردت وعد وهي تحمي نفسها بذراعيها من هجمات روان قائلة بتأكيد: "أيوة خطافة رجالة. مش خطفتي عمورة مني." جلست روضة تتابع مناكشاتهم بابتسامة هادئة. بينما دلف عمرو لغرفة روضة فجأة وهو يقول: "روضة حضريلي طقم علشان خا...

قطع كلماته وهو يتطلع لحرب الوسائد بين وعد وروان التي خجلت من رؤية عمرو لها بتلك الوضعية. فاحمرت وجنتيها بخجل وأطرقت رأسها وتركت الوسادة من يدها وتنحنحت بحرج قائلة: "أنا هنزل أنا. بعد إذنكم." أوقفها عمرو قائلاً وعيونه تبثها شوقه بشدة: "لأ. خليكي أنا هغير هدومي وهنزل على طول." ثم تطلع لروضة وقال بجدية: "تعالي معايا يا روضة لو سمحتي." سارت روضة ناحيته وهي تقول: "حاضر يا حبيبي." طالت نظرات عمرو لروان، فلوت

وعد ثغرها وقالت بتنهيدة: "يلا يا عمرو لتتأخر على ميعادك." انتبه عمرو على كلمات وعد فتنحنح قائلاً بإحراج: "هاه... آه تمام." تركهم وانصرف. لتضع روان يديهما على وجنتيها تتحسس حرارتهم الزائدة وقالت بخجل: "كده يا وعد. أهه عمرو شافني وأنا بضربك يقول عليا إيه دلوقتي." ضحكت وعد على حالتها وقالت ساخرة: "هيقول هبلة طبعاً. بس خلاص هو اتدبس واللي كان كان." صكت روان أسنانها بغضب وهجمت عليها قائلة:

"بقالي أنا هبلة. طب أنا هوريكي الهبل على أصوله." ركضت وعد من أمامها وهي منهارة من الضحك. بينما ابتسم عمرو وهو يستمع إليهم. كم يتمنى أن يحظى بمحادثة روان دون أي تكليف وخجل كما تتحدث مع أي أحد سواه. ولكنه يمني نفسه بها عندما تصبح زوجته فعلياً. لا يريد أن يستبق أي شيء سيصبح ملكه. إلا عندما يمتلكها في منزله. تنهد مطولاً فربتت روضة على ذراعه وقالت بحنانها اللانهائي:

"هانت يا حبيبي وهتبقى ليك. شقتك قربت تخلص. وساعتها بقا عوض كل كلمة نفسك تقولهالها ومحرمها على نفسك." احتضنها عمرو وابتسم براحة قائلاً: "ربنا ما يحرمني منك يا نصي التاني. مش عارف بتقدريني تفهميني إزاي." ابتعدت روضة قليلاً عنه متطلعة داخل عينيه وقالت: "لأنك نقي زي المية. فا كل اللي جواك باين على طول."

قبّلها بمقدمة رأسها وتركته وخرجت. ارتدى عمرو ملابسه المكونة من بنطال جينزي أزرق وقميص أبيض وحذاء رياضي أبيض. ووضع عطره. وخرج مسرعاً. استنشقت روان عطره وأغمضت عينيها بشوق. تأملتها وعد وقالت ساخرة: "يا عيني على الحب." رمقتها روان بنظرة تحذيرية وقالت بقوة: "احترمي نفسك أحسنلك يا سنجوبة انتي." ردت عليها وعد بضيق: "يوووه بقا. هو مالك يمشي وانتي تستلميني." اعتدلت روان بجلستها وقالت بفرحة:

"صحيح مالك راجع بكرة الصبح. وحشني قوي."

لملمت روضة شعراتها التي تناثرت على جبهتها ووضعتهم خلف أذنها تخفي ارتباكها عندما علمت بعودة مالك. فقد اشتاقت إليه كثيراً. كم تفتقد حديثهما عندما تحتد بينهما المناقشة على كتاب معين تقرأه روضة ثم يأخذ منها الكتاب ليقرأه لمناقشتها مرة أخرى. فهي تحتفظ بكل الكتب التي لمستها أنامله. ومرت عينيه البنية على أحرفها. بل وعلق عطره بهم. ابتسمت رغماً عنها. بينما قفز قلبها بفرحة لأن فترة عذابه ستنتهي ويرى ساكنه.

بينما قالت وعد بامتعاض: "أهلاً هو راجع. طب والله مرتاحة منه ومن نقاره. أخوكي ده استغفر الله مستفز استفزاز." وخزتها روان بذراعها وقالت بغضب: "اتلمي يا بت انتي. هو في زي مالك. وجمال مالك. بزمتك عمرك شفتي واحد أبيضاني وشعره بني وعينيه بني وقمر كده زيه." ردت وعد بسخرية: "لأ يا أختي. ما فيش أحلى من الراجل الأسمراني. بعيونه السودا وشعره الأسود هااااه. راجل راجل يعني." ضربتها روان على رأسها وقالت بضيق:

"قصدك إيه يا زفتة انتي." ردت وعد بضحكها المستفز: "دي آراء. آراء." زفرت روضة بضيق لأنهم أخرجوها من حالة الهيام والشوق التي أخذتها لمنطقة وردية. ثم قالت بحدة: "اطلعي برة انتي وهي. عايزة أنام." زمت وعد شفتيها بطريقة طفولية ووجهت حديثها لروان وقالت: "عاجبك كده أهي طردتنا. قومي يا أختي نسهر قدام الفيلم الجديد."

خرجت الفتاتان وتركت روضة بمفردها. فتوجهت لمكتبتها وحملت إحدى الكتب. وقربته لأنفها وهي تشم عطره. ثم أغلقت عينيها وهي تدعو الله أن ينتبه ذلك المتحجر القلب عليها. منذ رأته أول مرة وقد تحرك بداخلها شعور ثمين تعلم أنه يستحقه. وقد زاده ذلك الشعور بالتوافق بينهما كأنهما نصفين وكلا منهما يكمل الآخر. مالك... والذي ملك قلبها بأدبه وشخصيته الرقيقة المحبة لأسرته واجتهاده بعمله وثقافته رغم صغر سنه. ***

في صباح اليوم التالي هبطت الطائرة القادمة من رومانيا لأرض الوطن. تجول مالك وجاسم داخل المطار حتى عثر مالك على وجهته. فالتفت لجاسم وقال بجدية: "تعالى معايا يا معلم نجيب هدية روضة." أشار إليه جاسم قائلاً بضيق: "اتفضل يا أستاذ لما نشوف آخرتها معاك. مرة وعد ومرة روضة." ابتسمت شفتي مالك بشرود وهو يقول: "روضة دي جوهرة. تعرف البنت اللي بيحلم بيها أي شاب. هي بقى روضة."

هز جاسم كتفيه بتسليم ودلفا لمحل يبيع المشغولات الفضية. واستمر مالك في بحثه عن شيء يرى به روضة والتي لم يرها بحياته. ولكنه رسمها بمخيلته كلما تحدث معها. أو على وصف والدته وروان. ابتسمت شفتيه وهو يرى سلسال دائري يحاوطه فصوص لامعة صغيرة. ويتوسطه لفظ الجلالة [الله]. وقف جاسم بجواره وقال مجاملاً: "ذوقك حلو على فكرة." تأملها مالك كثيراً وسأله: "عجبتك." أومأ جاسم برأسه وقال مؤكداً:

"أيوة. يلا اشتريها خلينا نمشي. عربيتي في جراج المطار." ابتاع مالك السلسال. ثم خرجا وركبا سيارة جاسم. سيارة شبابية فارهة. فتح سقفها وانطلق في اتجاه دمياط. في الطريق التفت مالك لجاسم وقال له برجاء: "بقولك يا صاحبي. ما تخلي هدية وعد عندك لما ييجي عيد ميلادها." شعر جاسم بالضيق فور سماعه لاسم وعد. فتغاضى عن شعوره وقال مطالعاً الطريق أمامه: "تمام." ضحك مالك ضحكة عالية وقال وعينيه تلمع بإشراق:

"أموت وأشوف وشها لما تشوف هديتها. أكيد هتفرح جدا." قاوم جاسم فضوله في متابعة أسئلته عن وعد. ولازم الصمت. أو الحديث عن أشياء أخرى. بعد ثلاث ساعات. وصلا لوجهتهما. صف جاسم السيارة أمام منزل مالك. وساعده في حمل حقائبه. وودعه قائلاً: "خد بكرة إجازة وارتاح ونتقابل في الشركة بعد بكرة. ده سامر أكيد هياكل دماغنا." تعالت ضحكات مالك وهو يقول بمزاح: "ده سامر ده عسل شلتنا." ثم رفع عينيه للسماء وقال: "سامحني يا رب عالكذب ده."

أغلق جاسم حقيبة سيارته وهو يضحك بسخرية هادراً بمزاح: "أساساً سامر ده من البداية لولا إنه معرفة طارق عمري ما كنت هطيقه." اختفت الابتسامة التي على وجه مالك حينما تذكر طارق رابعهما الذي اغتالته يد الغدر والذي أصابهم موته بصاعقة غيرت شخصياتهم جميعاً. خاصة جاسم. فهو لم يكن صديقاً وأخاً له فقط، بل كان زوج أخته الصغيرة والتي أصبحت أرملة.

ابتلع جاسم تلك الغصة بحلقه ووقف مشدوهاً يتذكر لحظة موته وكلماته الأخيرة ودمه عالق بيديه. لتشتعل عينيه بنظرات نارية وتعالى صدره مقاوماً تلك النيران التي تنهشه دون رحمة. حمل مالك حقائبه ولوح له بيده وهو يقول مغادراً من أمامه ومن أفكاره المؤلمة: "سلام يا صاحبي." عاد جاسم لباب سيارته وهو يقول بتنهيدة بائسة: "سلام."

ما إن صعد لسيارته حتى تمسك بمقود سيارته وضغط عليه بكل قوته كابحاً زمام صرخة مؤلمة حتى رفع رأسه لشقة وعد يطالعها بشغف. لوهلة لم يفهم حركة عينيه ناحية شقتها. هل هو أمر من عقله مثلاً؟ وهل هي بعقله من الأساس؟!!!

تنهد مطولاً ثم أدار سيارته وانطلق مرة أخرى في اتجاه منزله. بينما صعد مالك الدرج وهو مطأطأ رأسه بألم. فهو لم يهرب من جاسم ونظراته. بل هرب من طيف صديقه الذي اختفى من عالمهم فجأة دون سابق إنذار. وما يؤلمهم حقاً أنه مات غدراً على يد آخر شخص يتوقع منه الغدر. زفر بقوة نافثاً ما يشعر به وهو يطالع شقتهم شوقاً. طرق الباب مطولاً. ففتحت له روان التي ما إن رأته ارتمت بحضنه وقالت بفرحة: "مالوكي حبيبي. وحشتني وحشتني قوي."

احتضنها بقوة وقال بشوق: "انتي اللي وحشتيني يا حبيبتي." خرجت آمال من غرفتها على صوت مالك. فصاحت قائلة بفرحة: "ابني. حمد الله على سلامتك يا مالك." قبل كفها واحتضنها قائلاً: "الله يسلمك يا أمولة. وحشتيني قوي." ربتت على وجنتيه وقالت بسعادة: "وانت أكتر يا حبيبي." بحثت روان في الحقائب وقالت بلهفة: "جبتلي الحاجات اللي طلبتها منك يا مالك." ابتسم بهدوء وفتح حقيبته وأخرج منها بعض الأكياس. وحملها وأعطاها لروان وهو يقول:

"اتفضلي يا ستي." صفقت بكفيها بفرحة وقالت بحب: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي. وما يحرمني منك." أخرج مالك من حقيبته بعض الأكياس الأخرى. وأعطاها لوالدته قائلاً: "دي ليكي ولبابا يا ست الكل." أخذتهم منه آمال وهي تقول بامتنان: "شكراً يا ابني تعيش وتجيب." شبكت روان ذراعيها بذراعه وسألته بفضول: "احكيلي بقى عملت إيه المرة دي وبالتفصيل." طالعتها آمال بحدة وهي تقول بلوم: "سيبه يرتاح يا روان مش كده." أومأت روان برأسها وقالت بإنصياع:

"معاكي حق يا ماما." طالعتهما مالك بشوق وسحب حقيبته ودلف لغرفته. أغلق ورائه الباب وتوجه ناحية شرفة غرفته. فتحها واستنشق الهواء براحة ثم رفع رأسه دون أن يشعر ناحية شرفة وعد وهو يبتسم بخفوت ورغبة ملحة تنتابه في رؤيتها. استند على سور شرفته وأغلق عينيه مستمتعاً بنسمات الهواء المنعشة، ممنياً نفسه بالسيطرة على قلبه الذي يتصرف بغرابة في الفترة الأخيرة كلما تذكر... وعد. ***

صف جاسم سيارته أسفل عقارهم. ترجل منها وحمل حقائبه. وأخذ نفساً طويلاً وزفره بهدوء وهو يطالع منزلهم بامتعاض. ثم سار نحوه وهو يقول بضيق: "إستر يا رب من اللي مستنيني." صعد بهدوء حتى لا تسمعه عمته نجوى والقاطنة بالدور الأول. حتى وقف أمام شقتهم. طرق الباب بهدوء حتى لا يصدر صوتاً ينتبه إليه من بالمنزل. ثم تطلع صوب الشقة التي فوقهم والتي تقطنها عمته الثانية ألفت. حمد الله أنه لم ينتبه إليه أحد. حتى انفتح الباب واستقبلته

أخته قائلة بفرحة: "جاسم. حمد الله على السلامة." دلف مسرعاً للشقة وأغلق الباب ورائه بهدوء. ثم قال هامساً: "وطي صوتك يا علا. هتلمي علينا البعدا." ضحكت علا على حالته واحتضنته قائلة: "والله وحشتني قوي." ضمه إليه بشوق وقبلها. ثم تطلع داخل عينيها الحزينتين دائماً وقال بحزن: "وحشتني ضحكتك اللي من قلبك يا علا." ابتسمت بهدوء وملست على ذراعه وقالت وهي تداري حزنها:

"ضحكتي اللي بجد ماتت مع طارق يا جاسم. المهم عايزك تحكيلي كل حاجة عملتها الإسبوعين اللي سافرت فيهم. تمام." انتبها الاثنان على ركضة ريتال نحوهم والتي صرخت قائلة: "خالو. وحشتني." حملها جاسم وأخذ يقبلها بجنون وقال وهو يضمها ويشتم ريحها بشوق: "قلب خالو. وعقل خالو. وحشتيني وحشتيني يا توتا." "وانت كمان وحشتني." خرجت سيدة بالخمسين من عمرها من المطبخ راكضة فور استماعها لاسمه. وقفت أمامه تتأمله بعينيها التي ملأها الدموع.

ثم قالت باختناق: "جاسم. ابني." ثم فجأة تعالت زغاريدها التي عبرت بها عن فرحتها بعودة وحيدها. اتسعت عيني جاسم بفزع. واقترب من والدته ليضغط زر الزغاريد هذا والذي سيجمع من بالمنزل جميعاً. وقف قبالتها وقال لإيقافها: "بس يا ماما أبوس إيدك. البيت كله هيتلم علينا. وباعدين بتزغردي ليه هو أنا راجع من عمرة." مالت ريتال على أذنه وسألته بتعجب طفولي: "هو إحنا عندنا فرح."

أنزلها جاسم بهدوء. بينما احتضنته والدته والتي يصل طولها لمنتصف صدره. فبادلها حضنها وقال بشوق: "وحشتيني يا دولت. الدنيا من غيرك وحشة." "وانت كمان وحشتني يا حبيبي. ده أنا كنت هموت من غيرك." قبل جبهتها وقال وهو يقبل كفها: "بعد الشر عنك يا قمر." فسألته علا بتعجب وهي تطالع هدية مالك لوعد: "بتاع مين ده يا جاسم." التفت إليها ثم قال مسرعاً: "ده بتاع مالك. معلش يا علا دخليه أوضتي وعينيه بعيد عن إيد حد." هزت كتفيها بعدم

فهم وحملته قائلة باستسلام: "حاضر." انتبهوا على طرقات أو بالأحرى تكسير لباب شقتهم. زم جاسم شفتيه ورفع عينيه بملل وهو يقول بضيق: "التتار وصل. كان لتزم تزغردي يا ماما." فتحت علا الباب لتدلف منه عمته ألفت تتبعها ابنتيها نورا وسندس. والتي اندفعت صوب جاسم وقالت بفرحة: "نورت بيتك يا حبيبي. حمد الله على سلامتك." رد جاسم بابتسامة مصطنعة: "الله يسلمك يا عمتو. أخبار عمو رضا إيه." "كويس يا حبيبي وبيسلم عليك."

بينما اقتربت منه نورا وهي تلهمه بعينيها وقالت بدلال ناعم: "وحشتني موت يا جاسم. إيه ما وحشتكش." فقال جاسم وهو يتابع دلالها الزائد المنفر وقال بداخله: "وحشك لورى يا بعيدة ويكون سواقه ضارب سجارتين استروكس." قال ببرود وهو يعبث بهاتفه: "أخبارك إيه يا نورا." تنهدت مطولاً وقالت بهيام: "أنا بقيت كويسة علشان شوفتك." تطلع جاسم بأخته علا التي تخفي ضحكتها. بينما قالت سندس: "حمد الله على سلامتك يا جاسم. هاه جبتلنا هدايا إيه."

مرر أنامله بشعراته بغضب. حتى انتبهوا على طرقات أخرى على ذلك الباب المسكين. لتدلف منه عمته الكبرى نجوى وابنتها داليا. اقتربت منه واحتضنته بقوة وقالت: "يا حبيبي. نورت الدنيا يا جاسم." رد عليها بضيق: "الله يسلمك يا عمتو." بينما وقفت أمامه داليا بثقة وقالت برقتها الزائدة عن الحد: "هو السفر بيحلى كده يا جاسم." حدجها بتعجب من جرأتها في الحديث. بينما ردت عليها نورا بضيق من نظراتها وحركاتها الفظة:

"جاسم طول الوقت زي القمر. سواء سافر أو لأ." اقتربت منه علا وقالت وهي تنقذه من بينهم: "تعالى يا جاسم. ادخل أوضتك ارتاح من السفر يا حبيبي." توجه نحو غرفته لتوقفه سندس قائلة بضيق: "فين الهدايا يا جاسم. ولا طنشت المرة دي." زفر بضيق ثم توجه لحقيبته وفتحها وأخرج حقيبة كبيرة وأعطاها لعمته ألفت وقال: "دي حاجة بسيطة يا عمتو يا رب ذوقي يعجبكم." أخذتها منه وهي تقول بامتنان: "يا حبيبي أي حاجة منك حلوة."

ثم أخرج من حقيبته حقيبة أخرى وأعطاها لعمته نجوى وقال: "اتفضلي يا عمتو." "ليه تعبت نفسك يا جاسم. ده انت هديتي والله." فكر قليلاً ثم قال مسرعاً: "أنا هروح للحاج المعرض. سلام." هرولت والدته خلفه وقالت بضيق: "استنى يا ابني. تعالى ارتاح من الطريق." رد عليها جاسم وهو يهبط على الدرج هارباً: "أنا هرتاح أكتر لما هخرج سلام." وقال بنفسه: "عيلة مجنونة رسمي. آل أنا أهبل وبريالة وهتجوز واحدة منهم. دي بقت حاجة تقرف."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...