الفصل 5 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل الخامس 5 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
16
كلمة
6,560
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

ساد صمت طويل وهو يتطلع إليها بنظرات أسد يصارع الموت. من كلماتها التي ذبحته دون شفقة أو شعور، ولكنه أغلق عينيه قليلاً كأنه يحميها من تهوره الذي كاد أن يفتك بها، وهي تخبره بكل وقاحة بعشقها لغيره، وهو الذي بقي على حبها كل سنواته الماضية. فتح عينيه وقد ظهر بهما شر العالم كله وهو يصرخ بغضب أعمى: "إزاي؟

إنتي كذابة، إنتي لسه بتحبيني. رعشة إيدك قالتلي، عنيكي قالتلي، حتى شفايفك اللي كل شوية تبليهم بلسانك من توترك وضعفك قدامي قالولي، دقات قلبك اللي صوتها واصل لوداني قالتلي." لم ترد عليه وهي تتابع مظاهر غضبه المجنون على وجهه. وهو يتابع بنبرة ذبيحة: "واللي يحب مرة.. ما يقدرش يحب تاني." ابتسمت علا ابتسامة خافتة على زاوية فمها وردت عليه ساخرة: "والكلام الأهبل ده بتقنع بيه نفسك مش كده؟

عشان ما تحتقرهاش زي ما أنا احتقرتك زمان. طارق ده ضفره برقبتك.. سامع؟ ضفره برقبتك. هو اشتراني وعمل المستحيل عشان يسعدني، لكن إنت بعتني وبعتني بالرخيص كمان، وجاي دلوقتي تديني درس في الحب؟ ده إنت بجح يا أخي." صك أسنانه بقوة، وما أن فتح فمه لينال عليها به حتى انتبه على طرقات على باب المكتب. فنفضت علا ذراعها من بين قبضته التي سحقته، ثم صاحت قائلة: "ادخل."

دخل العامل يحمل القهوة. وضعها على الطاولة الصغيرة أمام مكتبها وانصرف. ما أن خرج حتى مال عليها سامر مرة أخرى وقال وقد تطاير الشرر من عينيه بقوة: "أنا بعتك بالرخيص؟ كنتي عايزاني أعمل إيه وأنا شايف صاحبي وأخويا بيتقدملك؟ كنت هعمل إيه، ما قدرت أأذيه. كنت هقوله إزاي إني بحبك وإنتي بتحبيني؟ أجرحه إزاي بالشكل ده." ابتسمت بسخرية وقالت بنبرة متألمة لدرجة لم يسمعها منها من قبل:

"تخسره هو لأ.. تخسرني أنا آه.. تجرحه هو لأ.. تجرحني أنا آه.. تأذيه هو لأ.. تأذيني أنا آه.. إنت إيه يا أخي؟ إيه اللي رجعك لحياتي تاني؟ ابعد عني ومش عايزة أشوفك." زم سامر شفتيه للأمام واستقام واقفاً. وتمشى قليلاً ثم عاد بعينيه إليها وقال بهدوء مستفز: "أنا الشيطان اللي غدرت وبعت، لكن إنتي ملاك. تصدقي صعبتي عليا والله، نفسي أصفقلك." اقترب منها وعلى شفتيه ابتسامة شجن واستند بظهره على مكتبها وسألها بحزن: "ليه ما قولتيش لأ؟

ليه ما وفرتيش علينا تعب السنين اللي فاتت دي كلها وقولتي لأ؟ ليه وافقتي كأنك كنتي بتنتقمي مني؟ ليه دايماً كنتي بتطلبي منه إني أنا اللي أزفكم، وأنا اللي أحجزلكم شهر العسل، وأنا اللي أكون شاهد على كتب كتابكم؟ ليه ما صعبتش عليكي؟ بالله عليكي ردي عليا، عملتي فيا كده ليه؟ ليه؟ لم تشعر بتلك الدموع التي انسابت على وجنتيها تحرقهما، لكنها كفتهم بقوة وقالت بحدة:

"لو سمحت سيبني في حالي وابعد عني. حتى بنتي ابعد عنها، مش عايزها تتعلق بيك وتسيبها في الآخر. اخرج من حياتنا، أنا عمري ما كنت ولا هكون ليك." اكتسى وجهه بحمرة رجولية منفعلة وهدر بها بصوت عالٍ أربكها: "بصي بقى ومن الآخر كده، إنتي بتاعتي سواء بإرادتك أو غصب عنك. والغلطة اللي غلطتها زمان مش هغلطها تاني. لازم تعرفي إني بحبك وعمر قلبي ما دق لغيرك ولا عيني شافت غيرك، وهتبقي ليا صدقيني. خليكي فاكرة كلامي ده كويس قوي."

ثم حدجها بقوة وغضب وانصرف مسرعاً، صافعاً الباب خلفه بقوة. لتنهار بعدها باكية. تطلعت لصورة طارق بدموعها وقالت برجاء: "سبتني ليه؟ أنا محتاجاك دلوقتي قوي.. محتاجة أترمى في حضنك.. وحشتني وحشتني قوي." *** خرجت وعد من مكتب الأستاذ عبد الصمد تستعد للرحيل. ثم وقفت بتثاقل أمام المصعد وهي تطالعه برهاب شديد. وابتعدت بعينيها قليلاً وهي تتطلع للأسفل للدرج. بينما كان هو الآخر ينتظرها لأنه خشي أن تتعرض لنوبة الرهاب مرة أخرى.

ما أن وقف المصعد حتى وقف خلفها. لمحته بطرف عينها وفتحت الباب ودلفت وهي تخفي رعبها. وقف جاسم بجوارها وقال بنبرة هادئة: "ما تقلقيش من حاجة، أنا معاكي. تمام." أومأت وعد برأسها متفهمة. فأغلق المصعد وضغط زر الهبوط. لثوانٍ اختفت أنفاسها كالعادة. لكنه سألها مسرعاً: "عملتي إيه مع أستاذ عبد الصمد؟ ردت عليه بصوت متحشرج: "فهميني حاجات كتير." تابع حديثه معها ليخرجها من حالة الذعر التي انتابتها قائلاً بهدوء:

"على فكرة مرتبك هيبقى أربع آلاف جنيه." أومأت برأسها ثانية وابتسمت ابتسامة خافتة وقالت بامتنان: "متشكرة يا فندم.. إن شاء الله أبقى عند حسن ظن حضرتك." بادلها ابتسامتها وقال وهو يشعر برعبها يقتله: "هتيجي بكرة الساعة تمانية بالظبط، مفهوم؟ أي تأخير مش هسمح بيه." صكت أسنانها برعب وهي تقول مغمضة عينيها: "حاضر." وقف المصعد. فقالت براحة واطمئنان وهي تتنفس الصعداء: "الحمد لله." دفعت الباب بيدها وخرجت تتنفس مطولاً.

ثم التفتت لجاسم وأهدته أجمل ابتسامة قد رآها بحياته وقالت: "بعد إذن حضرتك." تنهد مطولاً وهو يتابع تلك اللوحة التي أمامه ببهائها ورقتها. ثم قال بخفوت: "مع السلامة." سارت باتجاه الدرج المؤدي للطريق. حتى وجدها تشير بيدها لشخص ما. انتابه الذهول والضيق وهي تقترب منه وهو يقابلها بنظرات حب وشوق. فقال جاسم بضيق: "مين ده كمان؟ مش كفاية مالك." وقفت وعد بفرحة أمام عمرو وهي تقص عليه ما مرت به خلال يومها الأول بعملها.

لاحظ عمرو وقفة جاسم المتفحصة لهما. فطالت نظراتهم حتى التفتت وعد لترى ما شغل عمرو عنها لتجده يطالع جاسم بتعجب متبادل. فقالت مسرعة: "ده مستر جاسم صاحب الشركة يا عمرو." اقترب جاسم منهم بعدما وصلت لمسامعه أنها ذكرته. فابتسم إليه عمرو ومد يده ليصافحه قائلاً بود: "أهلاً وسهلا يافندم." صافحه جاسم وهو ما زال محتفظاً بوجهه المتعجب من وقفتهم سوياً بأريحية كبيرة. ثم قال ببرود: "أهلاً بيك."

لاحظ عمرو نظرات الحدة والتعجب ونظراته الموزعة بينه وبين وعد. فقال معرفاً بنفسه: "أنا عمرو القاضي أخو وعد." ابتسم جاسم براحة وشدد قبضته على كف عمرو وقال براحة: "أهلاً وسهلا يا أستاذ عمرو.. بسمع عنك من مالك وسامر. حضرتك موظف في المينا صح؟ أومأ عمرو برأسه مؤيداً وقال: "أيوه يا فندم.. أنا بتعامل مع الأستاذ سامر أكتر في الشغل، بس مالك أكتر من أخويا." تطلع عمرو بوعد ثم سأل جاسم بفضول: "يا ترى وعد اتقبلت في الشغل؟

تطلع جاسم لوعد مطولاً ثم قال بسخرية: "يا ريت هي تقبلنا معاها في الشركة.. دي هتبقى أهم فرد في التيم بتاعي أنا متأكد." ابتسمت وعد بفخر وعمرو يحتضن كفها بين كفه يبثها فرحته بها. ثم قال بابتسامته الهادئة: "إن شاء الله يا باشمهندس جاسم.. وفرصة سعيدة إني قابلت حضرتك." بادله جاسم ابتسامته وهو يرمقها مسرعاً: "أنا أسعد يا عمرو.. ويا ريت دي ما تكونش آخر مرة.. بعد إذنكم."

ارتدى جاسم نظارته الشمسية وانطلق نحو سيارته الحمراء ذات السقف المفتوح. وانطلق بها مسرعاً. تطلعت وعد للسيارة ومصمصت شفتيها بإعجاب وقالت: "شوفت العربية يا عمرو تجنن." فتح عمرو باب السيارة وقال وهو يصعدها: "لو جاسم رحال ما ركبش العربية دي مين اللي هيركبها؟ اركبي يلا يا قمر." صعدت السيارة وقالت وهي تطير من الفرحة: "مرتبى أربع آلاف يا عمرو.. أنا فرحانة قوي." أدار عمرو سيارته وانطلق بها وهو يقول بابتسامته:

"ما شاء الله.. ربنا يباركلك فيهم. الواحد مش عارف يشكر مالك إزاي." تنهدت وعد مطولاً سببها اسم مالك. وفكرت بفكرة سريعة. ثم قالت برجاء: "عمورة ممكن أطلب منك طلب." قرصها بوجنتها وقال مداعباً: "إنتي تأمري يا عمري." فقالت بخجل على إثره احمرت وجنتيها بشدة وفركت أصابعها توتراً: "كنت عايزة أجيب لمالك هدية بسيطة أشكر بيها لو سمحت." أومأ عمرو برأسه وقال مؤيداً: "عندك حق.. يلا بينا لمحل يجنن اختاري اللي انتي عايزاه."

ردت بامتنان وفرحة: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي." توجها سوياً لمحل هدايا. ابتاعت منه وعد ميدالية فضية بسيطة مكتوب عليها {الله خير حافظ}. أعجب بها عمرو كثيراً وخرجا سوياً متوجهين لمنزلهم. صف عمرو سيارته وصعدا الدرج سوياً. ثم طرقا باب شقة سراج والد مالك. فأتاهم صوت روان قائلة: "مين." ابتسم عمرو بشدة وقال متنهداً شوقاً: "أنا عمرو يا روان."

فتحت له الباب بابتسامتها الرقيقة التي تفقده الصبر على تلك الأيام التي تفصلهما عن تحقيق حلمهما. لم يشعر بنفسه وهو يتأملها بلهفة وهي تبادله نظراته المتلهفة بخجل يزيدها جمالاً. زمت وعد شفتيها بملل وقالت ساخرة: "جرى إيه يا جماعة؟ هو أنا رجل كنبة واقفة." تنحنحت روان بخجل وقالت وهي تشير بذراعها مبتعدة عن باب الشقة: "آسفة.. اتفضلوا ادخلوا." دلفا إلى شقة سراج الذي استقبلهما بفرحة وهو يداعب وعد كعادته.

فقالت آمال قاطعة حالة المزاح السائدة بأي مكان تكون به وعد: "نكمل هزارنا وكلامنا على السفرة لو سمحتم." أخرج عمرو من حقيبته التي يحملها بعض دعوات لزفافهم. وأعطاهم لروان قائلاً بفرحة: "دي دعوات فرحنا يا روان.. اختاري واحدة منهم." فقالت آمال بفرحة: "ما شاء الله.. إنت حجزت للفرح يا عمرو؟ أومأ عمرو برأسه وقال: "أيوه يا طنط كمان شهر إن شاء الله." خرج مالك من غرفته بعدما اغتسل وبدل ملابس عمله وقال بتعجب: "في إيه يا جماعة؟

أعطته روان الدعوات بفرحة وقالت بابتسامتها التي تأخذ عقل عمرو معها: "شوف يا مالك عمرو حجز للفرح ودي الدعوات هختار منها واحدة." قبل مالك مقدمة رأسها وقال بضيق: "خلاص يا رونى عمرو هياخدك مني." وضعت رأسها على صدره وقالت: "ده اللي هيبعدني عنك دور واحد بس.. يعني هنشوف بعض كل يوم." ضمه إليه وقال بفرحة: "مبروك يا حبيبة قلبي.. ربنا يهنيكم ويسعدكم.. إنتي هتتجوزي راجل بكل معنى الكلمة." ابتسم عمرو بتقدير وقال شاكراً:

"حبيبي يا مالوك.. عقبالك إن شاء الله." اتجهت نظرات مالك لتلك التي انهمرت دموعها بهدوء وهي تتابع حوارهم بتأثر. وقد اعترف بحبها لنفسه دون تردد أو تفكير وقال: "إن شاء الله." لاحظت وعد نظرات مالك إليها والتي تخبرها بشيء أصبحت تتمنى تصديقه. حتى رأته يتقدم منها ببطء، فهد متريث يرمق فريسته بشغف. لاحظت انشغال الجميع بدعوات زفاف عمرو وروان. فوقف مالك أمامها وقال وهو يتأملها بحب: "عقبالك يا وعد." أطرقت رأسها

بخجل وهزت رأسها قائلة: "شكراً." ثم مدت يدها نحوه وقالت بخجل شديد: "اتفضل." تطلع مالك للهدية التي تحملها بيدها وسألها بفضول: "دي ليا أنا؟ أومأت وعد برأسها وقالت وهي ما زالت مطرقة رأسها بخجل: "أيوه.. دي حاجة بسيطة أقولك بيها شكراً على الشغل، يا رب تعجبك." أخذها منها بابتسامته الساحرة وقال بفرحة: "متشكر جداً.. بس ليه تعبتي نفسك؟ "ما فيش تعب ولا حاجة." فتحها مالك بشغف وفضول حتى رأى تلك الميدالية الجميلة.

فرفع رأسه لوعد وقال هامساً: "دي أغلى وأحلى هدية حد هداني بيها في حياتي....... لأنها منك إنتي يا وعد." رفعت عينيها نحوه لترى نظرات العشق أصبحت واضحة وضوح الشمس بعينيه. فقالت مسرعة وهي تبتلع ريقها بتوتر: "أنا هطلع بقى.. السلام عليكم." ولم تعطِ لأحد فرصة لإيقافها وخرجت مسرعة تهرب من نظراته التي أصبحت تشعرها بأنها لم تخلق سوى لتراها عينيه كما يراها الآن. أغلقت ورائها الباب تحتمي به من شعورها اللذيذ الذي أصبح يمتلكها.

ثم صعدت الدرج مسرعة لشقتهم. *** تنهد مالك مطولاً وهو يحمل بين يديه هديتها الجميلة مثلها. ثم حمل مفاتيحه ووضعها بتلك الميدالية الجديدة لتصبح معه طول الوقت تذكرة بها. ولو أنه لا يحتاج لشيء يذكره لأنها دائماً معه. سأله عمرو بفضول: "عجبتك الميدالية يا مالك؟ رد عليه بفرحة غريبة: "عجبتني قوي.. بجد تجنن." واحتضنها بكفه وهو يُمني نفسه بالحصول على صاحبتها. لابد أن يفكر مجدداً بفكرة الارتباط بوعد قبل أن يسبقه غيره إليها.

فهي أصبحت ملكه من اليوم وصاعداً. متسائلاً كيف تسللت لروحه بتلك السرعة. هو موقن أنها كانت له منذ البداية ولكن كل تأخيرة وفيها خيرة. فلينتظر للوقت المناسب للتأكد من مشاعرها ليعترف لها بحبه. *** جلست علا على فراشها تتذكر كلمات سامر المؤلمة والتي نبشت بجروح ظنت أنها طابت، لكنها اكتشفت أنها ما زالت تنزف وبقوة. وقفت وتوجهت لخزانتها وأخرجت منها صندوق صغير. حملته ووضعته على فراشها ثم فتحت قفله الصغير.

وأخرجت منه تلك الرسائل الخفية والتي تحتفظ بها لماضٍ لطالما أسعدها. تذكرت كلماته الناعمة والمثيرة مثله وهو يعترف لها بحبه. حتى زياراته الخاطفة لها بجامعتها واتصالاتهم الهاتفية ليلاً في الخفاء خوفاً من توتر علاقته بصديقه وأخوها جاسم. مررت أناملها على تلك الرسائل بشوق لأيام كانت دائماً حائل بينها وبين زوجها. فهي تعلم أن طارق قد بذل جهداً كبيراً لاستمالة مشاعرها نحوه بكل الطرق. وكم كانت تقدر تلك الروح المثابرة بداخله.

بل وبادلته حبه بحب أكبر وهو التقدير والعشرة. صحيح لم تحبه ذلك الحب الذي ملأ قلبها واكتفى به لسامر، إلا أنها استسلمت لطارق في كل شيء. وإن عاد بها الزمن مرة أخرى لأعطته أكثر لأنه أكثر شخص منحها دفئاً وسعادة. لم تفتح أي من تلك الرسائل، بل أعادتها لذلك الصندوق تدفنها به كما دفنت مشاعرها من قبل. أعادت الصندوق مكانه وألّمت نفسها كيف لها نسيان طارق بتلك السرعة والعودة لمشاعر مجنونة لم تعطها سوى الألم.

مجرد نظرة داخل عينيه الخضراوين لتنهار كل مقاومتها بتلك السهولة. فقط الاستماع لصوته الرجولي الساحر لتتلذذ أذنها بهذا الشكل المنفّر. تريد الآن عقاب نفسها وبشدة. ليعود قلبها ويسألها بسذاجة تقتلها هل ستراه مجدداً. اجتذبت شعراتها بقوة كادت أن تقتلعها من جذورها من قوتها. كأنها تصرخ بداخلها لا تقوى على المواجهة. مواجهة نفسها. يا الله، مجرد دقائق قلبت حياتها رأساً على عقب. وتهديده لها بأنها ملكه، ماذا كان يقصد؟

انتبهت على طرقات ناعمة على باب غرفتها. فابتسمت شفتيها براحة وقالت: "ادخل." فتحت ريتال باب غرفتها وركضت نحوها وضمتها بقوة قائلة: "وحشتيني يا مامى." ضمتها علا بقوة وغاصت بأنفها بشعراتها الطويلة تشمها بحب. ثم قالت بتنهيدة طويلة: "إنتي وحشتيني أكتر يا قلب مامى.. قولولي عملتي إيه النهارده في الكي جي." جلست ريتال بجوارها وقالت بامتعاض: "كويسة.. بس أصحابي بيتريقوا عليا عشان مس بعرف أتكلم زيهم." شهقت علا وهي تتصنع الغضب.

ثم قالت بحدة مداعبة: "يا نهار أبيض.. إزاي الولاد دول يتريقوا على حبيبة مامى؟ لأ لأ بكرة هاجي الكي جي وأتكلم معاهم." ابتسمت ريتال وقالت وهي تهز ساقيها بطفولة لذيذة: "بس ميس روضة كلمتهم وقالتلهم إن كده حرام.. وهما صالحوني وجابولي بونبون." قبلتها علا بقوة في وجنتها وقالت بامتنان: "برافو عليها الميس روضة.. إنتي لازم بكرة تقولي لها شكرا." أومأت ريتال برأسها وقالت بهدوء: "حاضر يا مامى.. هقوم أعمل الهوم وورك بتاعي.. سلام."

تركتها ريتال لتعود لأشجانها مرة أخرى. لتعود لتلك العيون الزيتونية وتلك الذقن الذهبية التي زادته بهاء وسحراً. لم تنتبه لجاسم الذي جلس بجوارها وهو يتأمل شرودها بتعجب. ثم قال بخفوت هادئ ورغم ذلك أفزعها وهو يعيدها لأرض الواقع مرة أخرى: "مالك يا علا.. سرحانة في إيه كده." ابتسمت إليه بهدوء وقالت برقة: "ما فيش بس بفكر في الشغل شوية.. قولي بقى ليه ما جيتش الشركة تشوف التصميمات بنفسك."

تنهد جاسم مطولاً ومال على فراشها متمدداً. ثم قال بصوت ضائع: "هموت يا علا." عقدت حاجبيها بتعجب وقالت مسرعة: "بعد الشر عنك يا جاسم.. في إيه مالك." وضع يده تحت رأسه وقال وهو يتطلع لسقف الغرفة بشرود: "حتة بنت تقول للقمر قوم أقف وإنت بتكلمني." كورت قبضتها وضربته في صدره بضيق وقالت لائمة: "حرام عليك يا أخي.. والله خفت." تأوه قائلاً وهو يمسد صدره من قوة ضربتها:

"آه.. حرام عليكي يا بنتي.. أصل إنتي مش فاهمة حاجة.. الموضوع معقد جداً." مطت علا شفتيها بتبرم وقالت: "مش هتبطل جري ورا البنات.. اتقي ربنا بقى يا أخي." تجهم وجهه وهو يسمعها ثم قال بحدة: "اخرسي خالص واسمعيني للآخر، فاهمة." أومأت علا برأسها وهي تتابع غضبه وتعلم أن السكوت الآن أفضل بكثير. فتابع شروده وقال بهمس:

"المشكلة إني حلمت بالبنت دي من وصفها واللي وصفها ليا حبيبها.. وأنا اللي نبهته إنه بيحبها.. لأ وجابها تشتغل معانا كمان.. كان نفسي تطلع مش قد الشغل بس للأسف تستحق إنها تشتغل معانا.. بتجنن لما بشوفها.. لأ والنهاردة أول يوم أشوفها وعامل كده.. أمال لما يعدي فترة هتبقى حالتي إيه بس." صمتت لبرهة تفكر ملياً بما قاله. ثم سألته بفضول قائلة: "مين ده اللي بيحبها؟ فرك ثغره بحركة ثابتة وقال بضيق:

"ما هي دي المصيبة يا علا.. تخيلي مين.. مالك." شهقت علا بصوت عالٍ وقد عادت إليها ذكرياتها القديمة مع سامر وطارق وقالت بتشنج كبير: "ابعد عنها يا جاسم.. مالك ده أكتر من أخوك.. إوعى تخسره وتاخد حاجة مش حقك.. صدقني إنت أكتر واحد هتندم." أخذ نفساً طويلاً وزفره مرة واحدة وهو يجيبها بصوت متعب ومتألم:

"عارف إن عندك حق.. بس دي بنت عمري ما شوفت زيها في حياتي.. تخيلي ما سلمتش عليا وقالتلي إنه حرام.. ورفضت تقفل باب المكتب وإحنا لوحدنا.. ده غير لبسها المحترم.. وذكية وعندها كرامة وكبرياء ولسان أطول منها.. رغم إنها لما تشوفيها تقولي دي عيلة صغيرة." صرخت به علا بغضب وقالت وهي تحذره بقوة: "بس.. اخرس خالص لازم توقف كلام وتفكير في الموضوع ده إنت فاهم.. هي مش ليك ومش من حقك تفكر مجرد تفكير فيها.. إنت بتخون صاحب عمرك كده."

أغمض جاسم عينيه بإرهاق وتنهد مطولاً ثم وقف وخرج بهدوء دون أن ينطق بأي حرف. توجه لباب الشقة وخرج مسرعاً. علا معها حق إنه يخون أكثر صديق مقرب منه. والأصعب أنها فعلاً ليست من حقه. فالواضح من عينيها أنها تكن مشاعر لمالك. سأل نفسه بهدوء هل يقوى على التنازل وتركها إليه أم أنه يستحقها أكثر. سيتركها للأيام ويرى ما ستؤول إليه. *** اجتمع الجميع على سطح البناية كعادتهم.

تفاوت حديثهم مابين الإعداد لزفاف عمرو وروان والذهاب للمصيف والتحضير لعيد ميلاد وعد. لكن وعد نفسها تلكأت للصعود حتى تبتعد عن مالك ولو قليلاً، فمشاعرها نحوه تتطور بسرعة تقلقها. بينما كانت روضة شاردة تفكر في ذلك الذئب الكامن وسط أطفال هم أمانة برقبتها. ربت سراج على قدم عمرو وسأله بقلق: "بس إنت مش شايف إن شهر قليل يا عمرو؟ ده غير أسبوع المصيف.. هتلحق تخلص اللي وراك إمتى يا ابني." ابتسم عمرو بثقة وقال:

"ما تقلقش يا عمي.. الموبيليا هاتيجي الأسبوع اللي هنكون فيه في المصيف.. ولما نرجع مش هيبقى قدامنا غير الفرش وده مش هياخد وقت كبير." أردف سراج قائلاً: "طب والمصاريف مش هتبقى كتير عليك يا عمرو." اعتدل عمرو في جلسته وقال بابتسامة متزنة: "لأ الحمد لله كله تمام وأنا عامل حساب كل حاجة.. حتى فلوس الفستان والكوافير ولوازم روان عاملها جمعية كبيرة وهقبضها الأسبوع ده إن شاء الله.. وينزلوا البنات يحجزوا كل حاجة." مالت

آمال على عمرو وقالت بحرج: "يا حبيبي إحنا أهل لو محتاج فلوس شبكتك موجودة تقدر... قاطعه عمرو قائلاً بحدة ناهياً للحديث: "شبكة إيه بس يا طنط.. دي هديتي لروان وعمري ما هحرمها منها إن شاء الله.. عاوزاكم تطمنوا أنا عامل حساب كل حاجة." فسأله سراج بخوف من إجابته: "عرفت باباك ومامتك يا عمرو؟ تنهد عمرو بأسى وقال مستجمعاً قوته:

"أيوه كلمتهم وهينزلوا قريب.. وهيكلمونا كمان شوية.. بس ربنا يستر من وعد بقى.. نفسي ربنا يهديها من ناحيتهم." ابتسمت جدته بسخرية وقالت بضيق: "كتر خيرهم إنهم هيحضروا الفرح.. إنما إنت عامل إيه ومحتاج إيه مش مهم.. تصدق بالله وعد معاها حق." أنهى عمرو هذا الحديث المؤلم وهو يتصنع الابتسام قائلاً: "المهم إننا هنفرح كلنا.. مش عاوزين حاجة تخرجنا بره مود الفرح." ربت مالك على ظهره وقال بود:

"ربنا يهنيكم يا عمرو.. عاوزين ننزل نشتري بدلنا إحنا كمان مش البنات يتشيكوا وإحنا لأ." ابتسمت روضة بشدة وقالت مداعبة: "أهه لبسنا كلنا كوم.. حتى فستان العروسة.. إنما فستان وعد ده هيبقى كوم لوحده دي هتلففنا محافظات مصر كلها أنا عارفاها." ضحك الجميع فسأل مالك عليها قائلاً بشوق مخفي: "صحيح هى فين." ردت روضة وهي تقف وتتجه لسور السطح: "دلوقتي تطلع." لاحظ مالك حالتها المتغيرة وشرودها المتكرر فانتابه القلق حيالها.

اتجه إليها ووقف بجوارها مسنداً بذراعيه على السور وقال متعجباً: "إنتي كويسة يا روضة." أغلقت عينيها للحظات مستمتعة باسمها من بين شفتيه. وقلبها قد عصاها للمرة المليون وهو ينبض بعنف. هو سؤال واحد ملح من عقلها لهذا القلب الضعيف. متى سيراك متحجر القلب الذي تعشقه بكل كيانك. إلا أن الجواب سأعشقه حتى لو لم يعشقني هو. أردف مالك قائلاً بتعجب أكبر مصاحب بفضول: "ياااااه.. للدرجة دي.. ده الموضوع باينه كبير قوي."

تنهدت روضة مطولاً وهي تتأمل النجوم اللامعة بسماءها الصافية. لطالما كانت تشبه مالك بنجمة بعيدة منيرة يكفي أن تستمتع برؤيتها من بعيد. حتى تمنت أن تصبح لها وملك يديها تنير حياتها. وطالما ناجت ربها وطلبت منه أن يجعله من نصيبها. فسألها مالك بقلق هذه المرة: "روضة إنتي إيه اللي مخليكي سرحانة كده.. لو حاجة خاصة أنا هفهم وهسكت." قاطعته روضة مسرعة وقالت: "لأ بالعكس أنا محتاجة أتكلم مع حد." حثها على المتابعة وقال برقته التي

تذيب عظامها قبل أعصابها: "طب اتكلمي وأنا هسمعك وهقولك رأيي بصراحة زي ما اتعودنا." ابتسمت بهدوء وتنهدت مطولاً ثم قصت عليه شكوكها بأمر زميلها مصطفى وتلك الحملة التي شنتها ضده بهدوء وتوعية الأطفال لحمايتهم. ومراقبتها له أغلب الوقت. حتى قال مالك بضيق: "إزاي تسمحوا لحيوان زي ده يبقى قريب من الولاد أصلاً." وضعت روضة كفها أسفل وجنتها مستندة على السور وقالت بضيق:

"ما فيش في إيدي غير اللي عملته.. وما أقدرش أحكي لحد على اللي بيعمله غير لما يكون معايا دليل." حدجها مالك بنظرات غاضبة أثارت رعبها وهو يقول بحدة: "الواد ده اطاول عليكي قبل كده." شهقت روضة شهقة خفيفة بداخلها وقالت بنفسها: "يسلملي اللي خايف عليا يا رب." ثم ابتلعت ريقها بتوتر وعدلت من نقابها وهي تقول بجدية قاطعة: "ولا يقدر." لكنه لم يتخل عن نظراته الغاضبة وهو يقول عابساً وقد احمر وجهه بشدة:

"لو زودها عرفيني وأنا هعرف أتصرف مع الحيوان ده.. وديني همسح تصنيف دكر من بطاقته." أومأت روضة برأسها وهي تعود بعينيها للسماء. ربما تلك النجوم ليست بعيدة كما نظن. فخوفه عليها ربما تكون غيرة. ربما ولما لا. صعدت الزوبعة الصغيرة بشغبها المعتاد لتلفت جميع الأنظار إليها بصوتها الناعم الموسيقى مثلها وهي تقول بصوت عالٍ: "متجمعين عند النبي." التفت إليها الجميع بابتسامة شقية مثلها.

بينما تجاهلت هي تلك العينين اللتين تخترقان جلدها من حدتها وقوتها. واقتربت من سراج وهي تقول بدلال: "جهزت كل حاجة للمصيف يا سروجتي." اتسعت ابتسامة مالك على دلالها المثير والذي يمني نفسه بتذوقه. حتى رد عليها سراج وهو يداعب وجنتيها الوردية دائماً والتي تدعوك لقضمها: "كله تمام يا قلب سرجوتك." امتعض وجه روان وزمت شفتيها باشمئزاز وقالت بغضب: "يع.. بجد علاقة مقززة." اشتعلت عينا وعد وقالت محذرة:

"اتقي شرّي يا خطافة الرجالة إنتي." صكت روان أسنانها بغضب وقبضت كفها تكافح أن تطالها وتنزع شعرات رأسها شعرة شعرة بيديها. وقالت بعصبية غير مبالية بمن حولهما: "في مرة هقصلك لسانك ده حتة صغيرة وهرميه لكلاب السكك." ضحكت وعد ضحكة عالية وقالت برقة لاستمالة مشاعر عمرو وإغاظة روان أكثر: "شايف يا عموري الكيوت الرقيقة اللي إنت هتتجوزها.. أهي بانت على حقيقتها معلمة في المدبح."

تأففت روان وغمغمت بكلمات رفضت الخروج من بين شفتيها لكي لا تخسر ما تبقى من تعقلها. بينما قال عمرو مداعباً لتهدئة الوضع من حولهم بتعقل: "مالكيش دعوة بروان يا وعد.. مفهوم." وقفت وعد وهي تبتسم بخبث ثم دنت من روان وقبلتها بوجنتها مطولاً. ثم قالت بصدق: "تعرفي يا خطافة الرجالة إنتي لو عمرو لف الدنيا مش هيلاقي واحدة زيك.. ربنا أكيد بيحبه إنه رزقه بيكي يا رونى." جذبتها روان لحضنها وضمتها بقوة وقالت بابتسامتها الرقيقة مثلها:

"وأنا بحبك يا مجنونة هانم.. ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي." ابتسم الجميع على تلك الحالة الغريبة التي سيطرت على مشاحناتهم. ولم العجب فوراء تلك الحالة وعد ويكفي. قطع حالتهم الهادئة رنين هاتف عمرو الذي قال بتوجس وهو يتطلع لشاشة هاتفه: "ده بابا بيتصل." تشنجت ملامح وعد وزفرت بضيق وابتعدت بهدوء جالسة على أرجوحتها. أغمضت عينيها وانتقلت لعالم آخر بعقلها كأنه يرفض التفكير فيما يدور حولها.

فل يسموه جحود.. عقوق.. ولكن من يحاسب الوالدين على عقوقهم. حين يحدث ذلك ويستقيم ميزان العدل. حينها فقط تستطيع المسامحة. رد عمرو على هاتفه بهدوء: "السلام عليكم...... أخبار حضرتك إيه يا بابا....... وماما عاملة إيه..... كلنا كويسين الحمد لله..... حجزت خلاص طب كويس جدا....... تيجوا بالسلامة..... أيوة أنا جهزت كل حاجة ما تقلقش....... الله يبارك في حضرتك....... أيوة روضة جنبي ثواني وتكلم حضرتك."

مد عمرو هاتفه ناحية روضة وقال وهو ما زال متصنم الوجه لا يبدو عليه الضيق أو الفرح. فقط برود متناهٍ: "روضة كلمي بابا." أخذت روضة الهاتف وقالت بنفس النبرة المتجمدة: "السلام عليكم..... أنا كويسة يا بابا.... وعد... هي كمان كويسة والنهاردة أول يوم تشتغل فيه.... معلش يا بابا هي مش حابة تتكلم.... لا مش هقدر أغصب عليها سيبها براحتها لو سمحت........ معلش المهم هتنزلوا إمتى........ معقول يا بابا قبل الفرح بأربع أيام بس........

عمرو أكيد محتاجكم جنبه........ مش مشكلة يا بابا تيجوا بالسلامة .... لأ مش محتاجين حاجة.... هي فين ماما... آه حضرتك في البيت التاني... تمام ابقى سلملي عليها.... محمد رسول الله... مع السلامة." وأغلقت الهاتف وأعطته لعمرو وعادت لشرودها مرة أخرى. بينما اقترب مالك من وعد ودفع أرجوحتها كما يحب أن يفعل دائماً لتلتفت إليه بشكل يأسر لبه. وبالفعل التفتت إليه. ساحرة.. ساحرة دون شك. نظرات الحزن بعينيها تجعله يشعر بتمزق يؤلمه.

فقرر أن يغير حالتها الحزينة ويجذبها لعالمه الجديد المليء بالزهور والعصافير الملونة. ورائحة البحر المهدئة للأعصاب. كل هذا بداخل جنته التي يدلفها فور رؤيته لوعد. ابتسم بهدوء وهو يتابع تأملها لوجهه كأنها تتمسك بشيء ينتشلها من حزنها فقال: "عملتي إيه مع أستاذ عبد الصمد." لاحظ انعقاد حاجبيها ثم ارتفاعهما بسرعة كأنها ترسم مشاعرها على ملامحها. ثم قالت بهدوء: "جننته.. شوية وكان هيشيلني هيلا بيلا ويرميني بره مكتبه."

ضحك مالك ضحكة عالية متناقضة مع الجو العام المحيط به فجذب نظرات الجميع إليه. فأصبح مديناً بتوضيح عن تلك الضحكة العالية. ولكن رؤيتهم لوعد بجواره كان كافياً. حك أنفه بخجل ثم قال هامساً: "احكيلي عملتي في الراجل إيه." التفتت بجسدها ومالك ما زال يؤرجحها. وقالت ساخرة: "ولا حاجة.. عاوزني أفهم شغلكم كله في يوم واحد.. بس بعد كده أبهرته ده حتى قال للبشمهندس جاسم إني ييجي مني."

عقد مالك ذراعيه أمام صدره وهو يغوص داخل عينيها مخلفاً ورائه تورداً زائداً لوجنتيها وتمزق أصابعها من الفرك توتراً وخجل. ثم قال بفرحة: "أكتر حاجة مفرحاني بجد إن جاسم اقتنع بيكي بسهولة جدا.. لأ و خلاكي مديرة مكتبه مرة واحدة.. هموت وأعرف أقنعتيه إزاي." ردت ببساطة وغرور مع نبرة صوتها الناعمة لتجذبه إليها أكثر وأكثر:

"سألني عن رأيي في مشكلة بخصوص أرض هيعمل عليها مشروع سكني.. لناس مش عاوزين يبيعوا بسهولة.. فأنا ببساطة حلتالهاله." رفع مالك حاجبيه متعجباً وقال بفضول: "حلتيهالي إزاي.. ده إحنا تعبنا معاهم بشكل." ابتسمت وعد بمكر وقد لمعت عينيها بشدة. ثم قالت بقوة: "ممكن أقولك بس بشرط." هز رأسه غير مصدق لابتزازها المتوقع. ثم قال بقوة فارضاً سيطرته عليها: "خش في الموضوع على طول." فقالت مسرعة: "طب اخبط الأول.. ههههههههه." صفع

جبهته بضيق ثم قال بعصبية: "لأ.. كفاية عليا سامر.. قلش هنا كمان.. هاتي من الآخر شرطك إيه يا سنجوبة هانم." تصنعت التفكير قليلاً وعينيها تعبث حولها بنظرات ساخرة. ثم قالت: "عرفني هدية عيد ميلادي إيه وأنا هقولك." تعالت ضحكات مالك مجدداً. ولكن هذه المرة لم يلتفت إليه أحد. بينما سيطر هو على ضحكته عندما لمح بعينيها نظرات غضب قاتلة. فقال مسرعاً:

"ده بعينك.. هديتك هتعرفيها يوم عيد ميلادك.. واتكي على الصبر شوية عشان الهدية تستاهل." رفعت حاجبها بحدة وقالت بغضب: "بقى كده.. طب من هنا ليومها ما تكلمنيش خالص وهخاصمك." اعتدلت في جلستها وأولته ظهرها. فدنا منها قليلاً وقال هامساً: "تقدري." شعرت برجفة غريبة امتلكتها. وقد دغدغت نبرته الهامسة أذنيها مرسلة إشارات كهربية لقلبها الذي انتفض بقوة. ولكنها هدأت عندما شعرت بابتعاده عنها بهدوء.

تنفست مطولاً وزفرته بهدوء وقد ابتسمت برضا. مرة بعد مرة يؤكد لها أن ما تشعر به نحوه أكيد. وما تراه بعينيه أقوى وأكبر. فقالت بنفسها هامسة: "قلبك هو هدية عيد ميلادي يا مالك.. وصدقني لو جبتلي أغلى هدية في الدنيا مش هتسعدني أكتر من الهدية اللي بقيت مستنياها منك." *** في الصباح توجه الجميع لعمله. بينما خشيت وعد أن تطلب من عمرو أن يرافقها للأعلى بعدما أخرته على عمله مجدداً. فوقفت أمام المصعد ثانية تناجيه أن يرفق بحالتها.

حتى امتدت نفس الذراع الطويلة لتضغط زر لاستدعاء المصعد. التفتت لجاسم الذي ابتسم لها ابتسامته الجانبية الهادئة وقال: "صباح الخير يا وعد." بادلته ابتسامته وهي تقول بغضب لذيذ: "صباح النور يا باشمهندسسسسس." هذه المرة ضغطت أكثر على لقبه حتى ينتبه أكثر لعدم ذكر اسمها بدون ألقاب. ولكنه تجاهلها تماماً وهو يقول بقوة: "الأسانسير وصل." زفرت بضيق. ثم فتحت باب المصعد ودلفت بغضب. بينما تبعها هو ووقف بجوارها.

ثم ضغط زر المصعد وهو ينتظر نوبة ذعرها. لم تمضِ لحظات حتى بدأت من جديد. فقال لها مسرعاً: "إهدي كده وصلي على النبي." ردت بتلعثم من تقطع أنفاسها: "عليه.. الصلاة.. والسلام." أخذ صدره يعلو ويهبط معها وهو يحاول أن يجعلها تتنفس بهدوء. ثم قال: "بشويش.. اتنفسي بشويش تمام." أومأت برأسها ثم قالت بخجل: "أنا آسفة.. بتعبك معايا." كان رده الهائم: "يا خلاصي يا ناس.. آه منك يا لوز مقشر إنتي." هذه الكلمات لم تفارق

شفتيه بينما قال بجدية: "ما فيش تعب ولا حاجة.. خلاص وصلنا." تنفست مطولاً ودفعت باب المصعد وخرجت تتنفس بهدوء. بينما وقف جاسم يتابعها وهو يسخر من حالته التي أجبرته أن ينتظرها بسيارته حتى رآها تدلف للمبنى. فانطلق ورائها يخشى أن تنتابها حالتها وهي بمفردها فيصيبها مكروه. بعدما هدأت التفتت إليه وقالت بتقدير: "متشكرة جداً يا باشمهندس.. بعد إذنك." تركته وابتعدت. تطلع إليها بضيق وقال هامساً: "إيه الكارثة دي." أوقفها قائلاً

بضيق: "وعد.. استني لو سمحتي." التفتت إليه وقالت بوجه ممتعض: "نعم يا باشمهندس." فقال مباغتاً: "كل سنة وإنتي طيبة." عقدت حاجبيها بطفولة وقالت بتعجب: "وحضرتك طيب.. بس إيه المناسبة." وضع يديه بجيب بنطاله وقال بثقة: "بمناسبة عيد ميلادك اللي بعد كام يوم.. حبيت أكون أول واحد." زاد انعقاد حاجبيها وقالت مستفهمة: "وحضرتك عرفت منين؟!!! ابتسم بهدوء وقال وهو يلتهم كل حركة منها بعينيه وتدور وتقف عند ذلك الجرح

الوردي الذي يشعله وبقوة: "أصلي كنت مع مالك وهو بيشتريلك هديتك وإحنا في رومانيا." لمعت عينيها بصورة شديدة أصابته بالتعجب ثم قالت بفرحة خبيثة: "إيه هي هديتي دي بقى." شعر جاسم باستغلالها الرخيص. فقال بابتسامته الجانبية الساخرة كالعادة: "مش هقولك.. مالك لو عايز كان قال.. بس أحب أبشرك إنها هدية غريبة وعجيبة وهو متأكد إنها هتعجبك جدا." مسحت جبهتها من الدوار. ثم قالت وهي تلتفت وتتركه بإحباط:

"مالك عنده حق.. لازم أتك على الصبر شوية.. لأ شوية إيه.. لازم أتك كتيييييير." اصطدمت وعد بمالك وهي تسير بشرود جراء شعورها بالدوار. أوقفها مالك قائلاً بقلق: "إنتي كويسة يا وعد." استنشقت عطره مطولاً وقالت بابتسامة منحته أحلى صباح: "كويسة الحمد لله." انتبه مالك لوقفة جاسم فقال مسرعاً: "صباح الخير يا معلم." صافحه جاسم مصافحتهم اليومية وقال: "صباحو عسل." فقالت وعد وهي تعدل من حقيبتها مستعدة للانصراف:

"بعد إذنكم أنا.. مش عايزة أتأخر على مستر عبد الصمد من أول يوم." ليقول جاسم بنفسه هائماً: "مستر.. عبد الصمد دوسيه بقى مستر.. حراااااااام.. اللي بيحصل فيا ده حرام.. بسكوتة والنبي." أوقفها مالك مسرعاً وهو يتأملها بشوق ولهفة: "وعد.. ممكن تيجي معايا شوية.. وأنا هكلم أستاذ عبد الصمد." زم جاسم شفتيه بغضب وقال مندفعاً: "عايزها في إيه إن شاء الله." غمز له مالك بعينه وقال منبهاً بضيق: "عايزها في شغل طبعاً.. اطلع إنت منها."

صك جاسم أسنانه وصاح بغضب: "يا أخي طلعت روحك يا بعيد.. عايز تعلق البسكوتة قدامي ده إنت نهارك مهبب ومطين على دماغك." وكالعادة لم تفارق تلك الكلمات شفتيه بينما قالت وعد بجدية: "معلش يا مالك هروح لمستر عبد الصمد الأول ولو فضيت هبقى أجلك.. بعد إذنكم." تركتهم واتجهت لغرفة عبد الصمد مسرعة. وعينيهم تتابعها بتنهيدة ساخنة. ابتسم جاسم بخفوت على رفضها لطلب مالك. فمبادئها انتصرت بالنهاية. بينما التفت إليه مالك بضيق وقال:

"جرى إيه يا هندسة إنت هتقطع عليا ولا إيه." عقد جاسم ذراعيه أمام صدره وقال بحدة: "مش فاهم." أشاح مالك بذراعه وقال بسخط: "ولا حاجة.. لما تعوزني اديني خبر." وتركه وانصرف. بينما أخذ جاسم يصفر بسعادة وهو يتجه لمكتبه بشرود عاشق. وقفت راندا تتأمل حالته الغريبة. لكنه تخطاها ودلف لمكتبه وأغلق ورائه الباب وهو يدندن بسعادة:

"آه يا ناس أنا دبت في دباديبه.. دباديبه.. دباديبه.. وأنا قلبي مشعلل بلهيبه.. بلهيبه.. بلهيبه.. أهه راح ولا جاش ولا كلمناش.. وأنا تني وراه ما هسيبه.. ما هسيبه.. ما هسيبه."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...