الفصل 6 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل السادس 6 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
16
كلمة
8,877
وقت القراءة
45 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

هناك صدمات قادرة على أن تحملك على غيمات لأعلى الجِنان على أجنحة من الفرحة والسعادة. وهناك صدمات كفيلة أن تطيح بك لأسفل السافلين من شدتها وهي تذيبك بآلامها وأوجاعها. بالنهاية لا شيء يدوم ولا صدمات تؤثر على المدى البعيد. فقدرة التخطي عندنا باتت تستقبل الصدمات بصدر رحب للأسف. يبقى الأثر بندوبه على أرواحنا مهما تصنعنا اللامبالاة. وبعد ذلك تفسر أنها عرض من أعراض المرض النفسي.

بعد يومين، انتظمت وعد بعملها وتجاهلت مالك قدر إمكانها. فما كانت تشعر به يزداد ويزداد حتى أنها باتت تخشى أن تخونها مشاعرها وتظهر للعيان. بينما دائماً ما كانت تلتقي بجاسم بالمصعد. كثرت مصادفاتهم، ولكنها دائماً ما شعرت بالراحة والأمان بجانبه. لم تجهد عقلها بالتفكير حول اهتمامه ونظراته الدافئة، وكانت تمررها على عقلها مرور الكرام. استعد الجميع للذهاب للمصيف، وحزمت الحقائب، وتوجهوا لشاطئ رأس البر.

وقفت السيارات أمام شاليه يطل على البحر مباشرة. ترجلوا جميعاً من السيارات وقد بدأت الشمس في المغيب. بحث سراج عن المؤجر حتى وجده وأخذ منه مفتاح الشقتين المقابلتين، وأعطى عمرو المفاتيح الخاصة بهم. وحمل كل فرد حقائبه وصعدوا جميعاً بنشوة عجيبة مصدرها رائحة اليود التي خلفتها نسائم البحر الهادئة. في المساء، اجتمع الجميع بالشرفة الواسعة المزدوجة والمطلة على البحر. وقفت روضة تستنشق رائحة البحر بقوة وقالت بإعجاب:

"سبحان الله، المنظر يجنن." وقف مالك بجوارها وقال مؤكداً: "عندك حق، بس في الشروق بيبقى أحلى." التفتت إليه روضة وهي تتأمل شروده، ثم قالت وهي تبعد عينيها عنه: "إيه رأيك نتفق كلنا وبعد الفجر نقعد شوية ونشوف الشروق، بما إن بكرة أجازة لينا كلنا." أومأ مالك برأسه وقال بابتسامته الهادئة: "فكرة حلوة، صحيح جهزتوا كل حاجة لعيد الميلاد بكرة." ضربت روضة جبهتها وقالت بضيق:

"وأنا قاعدة أقول نسيت إيه، البلالين، يا ترى هنلاقي مكان نشتري منه." زادت ابتسامة مالك وهو يطالع رعبها واتساع عينيها اللذيذ، ثم قال مسرعاً: "ما تقلقيش، بكرة الصبح وأنا بجيب التورتة والجاتو، هعدي على المول اللي على النيل وهلاقي إن شاء الله. المهم جهزتوا الهدايا ولا هتقلب بعكننة من الكونتيسة وعد." ضحكت روضة بخفوت وقالت:

"أكيد طبعاً، إحنا مش قد زعلها. تعرف يا مالك نفسي أعمل لها أي حاجة عشان ما أشوفش في عينيها أي زعل تاني. أنا عارفة إنها لغاية دلوقتي مش قادرة تنسى اللي بابا عملوه فيها لما وقفت قدامه وضربها لغاية ما حاجبها اتفتح وعمرو جرى بيها على المستشفى. والأصعب لما ماما اختارت تسافر مع بابا وسابتها وهي في المستشفى من غير حتى ما تطمن عليها." ثم حركت نقابها في حركة تمسح بها دموعها بهدوء، ومالك يتابع حزنها بضيق مسبباً خنقة بصدره. ثم

أردفت قائلة بنبرة منكسرة: "يومها لما رجعت وعرفت إن ماما سافرت وسابتها رغم إنها وقفت قدام بابا عشانها، حسيت إنه في حاجة في عينيها انطفت أو اتكسرت. ومن يومها وهي زي ما هي، رغم شقاوتها وضحكها بس لما بتيجي تنام في حضني وهي خايفة ببقى هموت عشانها." تطلع مالك للبحر بشرود حزين ثم قال بنفسه: "وعد مني يا وعد هسعدك ولو هعمل المستحيل. ربنا يقدرني يا حبيبتي." كففت روضة دموعها وقالت بابتسامة باهتة لتغير حالة الحزن التي أحاطتهم:

"مش هتقولي أنا إيه هي هديتك السرية اللي مخبيها عن الكل." ابتسم مالك وهو يلتف ويستند بظهره على الشرفة يفكر بشرود، ثم قال هامساً: "أقولك ويبقى سر." أومأت روضة برأسها وهي تستمتع بصوته الهامس ونظراته العفوية. ليقول هو بهمس أكبر بعدما تطلع حوله بخوف: "أنا جبتلها......... وضعت روضة يدها على شفتيها وقد اتسعت عينيها بفرحة وقالت: "يا نهار أبيض، ده حلم عمرها. أنا من دلوقتي هموت وأعرف ردة فعلها لما هتشوفه." تطلع إليها مالك

بنظرات تحذيرية وقال بحدة: "إياكي، ثم إياكي تضعفي قدامها وتقوليلها حاجة يا روضة تمام." عدلت روضة من ياقة قميص وهمية وقالت بثقة: "عيب عليك، وراك رجالة يا أستاذ." ابتسم مالك على حركاتها المداعبة. بينما هامت هي بضحكته وتنهدت مطولاً وهي تدعو الله بداخلها أن يزرع حبها بقلبه. تناول الجميع عشائهم، فطلب عمرو من سراج بخجل متوتر: "معلش يا عمي ممكن آخد روان و... ونتمشى شوية ومش هنتأخر." أومأ سراج برأسه وقال مسرعاً:

"طبعاً يا عمرو، دي في حكم مراتك يا ابني، بس ما تتأخروش." ابتسم عمرو بفرحة وقال شاكراً: "شكراً يا عمي، وإن شاء الله مش هنبعد ولا هنتأخر."

لم تترك عينيه وجهها ولو للحظة. ظل متابعاً أدق تفاصيلها. كلما أغمضت عينيها عندما مرت نسمة باردة على وجنتيها. وكلما فتحت عينيها وهي تبتسم بعفوية وبراءة. تردد كثيراً قبل أن يطاوع قلبه ويحتضن كفها بينما دفعتها الرياح بلؤم. واتفقت مع صخرة صغيرة بالأرض اجتذبتها الرمال بداخلها لأن تتعثر بهم روان كي تميل بخوف ليلتقط عمرو كفها بكفه وتقترب رأسها من صدره لتسمع تلك النغمات الساحرة التي خلفها قلبه المجنون بحبها. اعدلت

في وقفتها وقالت بخجل: "أنا آسفة، ما خدتش بالي." ابتسم عمرو وهو يشكر القدر الذي حقق حلمه واحتضن كفها الصغيرة أخيراً. لاحظ توترها وخجلها، فقال هامساً: "يا رب ما تاخدي بالك على طول." ابتسمت بخجل وتطلعت بكفها التي استكانت بخفة داخل كفه وكأنها وجدت الأمان معه. لاحظ عمرو نظراتها فأردف قائلاً بقوة: "خلاص دي بقت بتاعتي النهاردة." تطلعت روان للبحر بابتسامتها الرقيقة. ثم تابعوا سيرهم حتى أوقفها عمرو قائلاً:

"إيه رأيك نقعد على الكراسي المدادة دي قدام البحر." أومأت برأسها موافقة. ثم جلسا سوياً وهو ما زال محتفظاً بكفها. اقترب منهم النادل وسألهم قائلاً: "تحبوا تشربوا إيه يا فندم." مال عمرو نحوها وسألها هامساً: "تشربي إيه يا حبيبتي." اختفت أنفاسها للحظات وهي تستعيد بذهنها كلمة حبيبتي. لاحظ عمرو شرودها فالتفت للنادل مسرعاً وقال: "اتنين كولا لو سمحت." "حاضر يا فندم."

ابتعد النادل بينما رفع عمرو كف روان وقبلها برقة وهو يستمتع بملامسة شفتيه لها للمرة الأولى لهما. بينما شهقت روان شهقة خفيفة وهي تشاهده يقبل كفها وهو مغمض عينيه كأنه يستنشقها. ثم فتح عينيه وتطلع بقوة نافذة ليس فقط داخل عينيها بل لداخل داخل قلبها. ابتلعت ريقها بصعوبة وضغطت شفتيها بقوة، وتنهدت مطولاً وهي تبعد عينيها عنه. لا تدري كم مر من الوقت وهي تتأمل البحر المزدان بتلك الأنوار البعيدة والمتناثرة عليه كالألعاب النارية.

لم تغفل عينيه ولو لثانية عن جمال ابتسامتها التي تزيد من شوقه لها. كانت عينيها تلمع مع تحديقها في تلك الأنوار البعيدة التي ملأت البحر. كم يتمنى الآن أن يخطفها على متن سفينة من تلك السفن ويبتعد بها عن الجميع. هو، وهي، وفقط. طاوع قلبه في ملامسة وجنتيها فانتبهت إليه بخجل وتطلعت نحوه بنظرات تحمل اللوم عن تماديه. فقال هامساً كأنه يخشى أن تسمعه تلك الموجات: "بحبك."

رفعت كفها تغطي بها وجهها المحتقن وبشدة من خجلها، وابتلعت ريقها بتوتر شديد. بينما شدد هو من احتضانه لكفها وقال متابعاً همسه: "عارفة يا رونى، أنا عرفت بنات كتير قوى، بس أول ما شوفتك حسيت إن روحي بتنسحب مني، كأنك كنتي تايهة عني ولاقيتك. قلبي دق بشكل غريب عليا، زي طفل بيطنط عشان لقى اللعبة اللي هو عاوزها. وكل ما كنت بقرب منك كنت بتأكد من إحساسي، إني عمري ما حبيت ولا هحب حد غيرك."

كانت تتلقف كلماته الرقيقة من بين شفتيه بعينيها. ثم استجمعت قوتها وقالت وهي مطأطأة رأسها وتلعب بالرمال بقدمها: "ربنا يخليك ليا يا عمرو، انت نعمة بحمد ربنا عليها كل يوم." لامست أنامله ذقنها ورفع وجهها برقة ناحيته وهو يتطلع بعشق داخل عينيها ثم سألها بفضول قاتل: "بتحبيني يا روان."

ذابت هي مع تحديقه الواله بها، فأطرقت برأسها مجدداً وهي تشعر بإشتعال الجو من حولها بالرغم من تلك النسائم الباردة والتي تطوف حولهما كملائكة صغيرة مرفرفة بأجنحتها. ثم قالت بصوت يكاد يكون مسموع: "أيوة." رفع وجهها مجدداً نحوه وسألها ولكن بحدة تلك المرة: "أيوة إيه." زفرت بضيق وهي تهز ساقيها بتوتر ثم قالت بتأفف وضيق: "أوف بقى، حرام عليك يا عمرو بجد." غمز لها بعينه وقال مداعباً: "هو أنا اسمي حلو كده؟

طب وحياة عمرو عندك لتقوليها." ضغطت على شفتيها بخجل ووقفت مسرعة وقالت بعبوس: "أنا هرجع بقى اتأخرنا." وجذبت كفها وابتعدت مسرعة. وقف هو الآخر ووضع مبلغ مالي على الطاولة وركض ورائها. احتضن كفها مسرعاً، لتبتسم شفتيها بخفوت. وسارا مرة أخرى والصمت يسودهما، حتى وصلا صعدا الدرج سوياً فودعها عمرو قائلاً وهو يأبى ترك كفها: "تصبحى على خير." كانت مستمتعة بمداعبة أنامله لكفها برقة، فقالت بصوت متلعثم: "وإنت... من أهله."

والتفتت لتدلف للشاليه خاصتهم. ولكنها وقفت فجأة والتفتت إليه مجدداً. سارت نحوه بهدوء قاتل. ووقفت أمامه ثم قالت بسرعة كأنها تفجر قنبلة يدوية قبل أن تركض: "أيوة بحبك." وبسرعة الريح انطلقت من أمامه. تابعتها عينيه المندهشة. ثم علت ملامحه فرحة عارمة. استند بمرفقيه على سور الشرفة وهو يتابع تأمله للبحر كأنه يشكره على تلك الدقائق التي ساعدته لاقتناص تلك الكلمة الساحرة من براثن الأسد. تنفس مطولاً وقال بداخله:

"أخيراً يا روان، أنا اللي بموت فيكي والله." في الشروق وبعد أن صلى الجميع الفجر، جلس الشباب على البحر لمتابعة الشروق كما تمنت روضة ومالك. لبى طلبها كما يفعل دائماً. تأملت روضة جمال السماء والتي بدأ يغزوها اللون البرتقالي الممزوج بالأحمر كحال شعرات وعد الطويلة. تنفست مطولاً وزفرته بهدوء وقالت براحة غريبة: "سبحان الله، المنظر يجنن." ابتسم مالك بهدوء وهو يتأمل الشروق بتلذذ ويتأملها ثم قال:

"عندك حق يا روضة، سبحان الله على الجمال." استمر نقاشهم حول ما ينقص لحفل زفاف عمرو وروان وكيفية فرشهم للشقة في أسبوع على الأقل. ثم العودة للحدث الرئيسي اليوم وهو عيد ميلاد وعد. التي ابتسمت براحة وقالت وهي تتثاءب وعيونها قد أوشكت على الإنغلاق. واحمر أنفها بشدة: "أخيراً هعرف هدية مالك ليا، ده أنا الفضول هيموتني." ابتسمت روضة بمكر وقالت بعفوية: "هموت وأشوفك لما تعرفي إيه هي هتعملي إيه."

ضرب مالك جبهته وهو يعلم أن روضة أطلقت الوحش بعفوية دون أن تدري. تأكد حدثه وهو يرى تلك الزوبعة والتي بات يعشقها بكل تفاصيلها قد اتسعت عينيها وتخلت عن رداء النوم. وهبت واقفة وقد علا وجهها البريء ملامح من عاد لينتقم. ثم رفعت ذراعيها وتمسكت بخصرها وقد رُفع حاجبها بسخط وهي مقطبة جبينها بغضب وهتفت قائلة: "لا والله، وحضرتك عارفة من إمتى يا أستاذة روضة." انتبهت روضة للخطأ الفادح التي وقعت به فقالت وهي تتطلع لمالك الممتعض:

"آسفة يا مالك... زلة لسان والله." ضيق مالك عينيه بتوعد لروضة وقال: "طب إيه رأيك بقا يا أستاذة روضة عقاباً ليكي إنك مش هتفارقيني النهاردة، لأن عارفك هتضعفي من زنها وهتقوليلها وهتحرقي المفاجأة." تنهدت روضة مطولاً وهمست بخفوت: "يا رب تعاقبني كده كل يوم." بينما قالت وعد وهي تتصنع البكاء كالأطفال وزامة شفتيها بحدة: "ماشي، أنا مخصماكم كلكم." وقف عمرو مسرعاً وقال بضيق:

"لأ، أنا ماليش دعوة أنا عريس وفي عرض كل مليم، خاصمي مالك ورضة." ضربت وعد الرمال بقدمها وزفرت بضيق وابتعدت عنهم مسرعة. وقد تركت خلفها كائناً مشتعلاً بعشقها وبكل تفصيلة ولو صغيرة كزمة شفتيها التي تأخذ أفكاره لمنطقة يبتعد عنها بشدة. ولكنها تجذبه إليها دون أن تشعر. ليدخلوا جميعاً في نوبة ضحك عالية على حالتها. وقف مالك أمام روضة وهو يخفي ضحكاته ويتصنع الجدية:

"اتفضلي قومي نامي مع روان وأنا هنام في التراس، مش هسيبك ترجعيلي على جثتي." ثم التفت لعمرو المتابع ضحكه. وقال: "بعد إذنك طبعاً يا عمرو." رد عمرو من بين ضحكاته العالية: "موافق طبعاً بس بشرط." زم مالك شفتيه وقال بضيق: "والله انتوا عيلة مستغلة بشكل، وبعينك ما هتعرف الهدية إيه، وروضة هتنام الكام ساعة دول مع روان سواء وافقت أو لأ." أشار مالك بيده لروضة وروان وأردف قائلاً بقوة:

"قدامي انتي وهي، وحضرتك يا أستاذة روضة هاتيجى معايا وأنا بجيب التورتة والجاتو والبلالين وكل اللي ناقص." رفعت روضة كفها وهي تضحك بخفوت وقالت بنبرة عسكرية: "تمام يا فندم." ليتابع عمرو ضحكاته التي استفزتهم بشدة فتركوه بمفرده وانصرفوا. انتبه لإنصرافهم فوقف مسرعاً وقال بصوت عالٍ: "استنوني، تصدقوا انتوا عيال." عليه مالك وهو موليه ظهره: "خليك انت اضحك يا ظريف."

استيقظت وعد بالظهيرة. تمطت بكسل وجلست بفراشها ولملمت شعراتها ووقفت حملت منشفتها ودلفت للمرحاض. اغتسلت وتوضأت وعادت لغرفتها فوجدت جدتها تستقبلها بحضنها وقالت بحنو: "يا صباح المسك." استسلمت وعد لضمتها وقالت: "صباح الخير يا إمتثال... فين الناس اللي هنا مش شايفة حد." ردت إمتثال وهي تملس على شعراتها: "الشباب راحوا يجيبوا حاجات عيد ميلادك، وعمك سراج نزل البحر، وأنا وطنطك آمال بنستناكي عشان نفطر سوا." أومأت وعد برأسها

وقالت وهي ترتدي إسدالها: "هصلي على ما تجهزوا الفطار." تركتها جدتها وخرجت. ارتدت إسدالها ووقفت بخشوع بين يدي الله. تلك اللحظات أكثر اللحظات التي تستمتع بها لقربها من خالقها. ففي هذه المنطقة تنسى همومها وعقدها وشوقها لوالديها والتي تكابر في إظهاره وتحاول جاهدة أن توأده بداخلها. وضع مالك الكعكة بسيارته بهدوء وساعده عمرو نسبة لكبر حجمها. وجلست بجوارها روان للاطمئنان أنها لن تتحرك. زفر مالك براحة وقال بإرهاق:

"خلصنا، بقية الحاجات خدها في عربيتك انت يا عمرو." أومأ عمرو برأسه وقد تعلقت عينيه بروان التي تتمسك بعلبة الكعكة بخوف كأنها طفل وتخشى عليه. فابتسم بهدوء وقال: "ما تقلقش يا مالك، وبما إننا خلصنا نرجع بقى عشان ننزل البحر شوية، النهاردة آخر يوم في الإجازة." ارتدى مالك نظارته الشمسية وقال: "طب يلا بينا." أوقفته روضة قائلة بقلق: "كلمت صاحبك يا مالك عشان يجيب هدية وعد." ضرب مالك جبهته وقال بضيق:

"يا نهار مش فايت، أنا إزاي نسيت، هكلمه حالا." أخرج هاتفه من جيبه وهاتف جاسم وانتظر رده. ثوانٍ قليلة ووصله صوته قائلاً بسخرية: "افتكرتك نسيت، كان هيبقى يومك أصفر." ضحك مالك ضحكة عالية وقال بتأكيد: "عندك حق والله دي كانت طربقت الدنيا على دماغي، إوعى يغرك هدوئها انت ما تعرفهاش." بادله جاسم ضحكاته وقال: "ما تقلقش على العشا كده هجيبه وأجي." ودع مالك عمرو وروضة وصعد سيارته وقال: "هات ريتال معاك وحشتني." "حاضر، يلا سلام."

أغلقا المكالمة وانطلق مالك بسيارته. بينما وقف جاسم في شرفة مكتبه وهو شارد بكل لحظاتهم سوياً من مشادات، وذعر وخوف، وعملية شديدة منها. ثم انتفض فجأة وقرر أن يشتري هدية لها وأخذه تفكيره لهدية هو موقن بإعجابها بها. فحمل هاتفه ومفاتيحه وخرج من مكتبه مسرعاً. ثم ركب سيارته وانطلق بها. بعدما ابتاع هديتها عاد لمنزله. استوقفته عمته نجوى وقالت بابتسامة متسعة: "إنت فين يا جاسم، ما فيش مرة تيجي تسأل عليا." ربت جاسم على ذراعها

وقال بابتسامة هادئة: "الشغل والله يا عمتو، بس برضه أنا آسف ومش هعملها تاني." خرجت ابنتها على حوارهم وقالت بدلال زائد: "مش معقول جاسم، أخيراً شوفتك، على فكرة أنا زعلانة منك، ومش هصالحك غير لو خرجتني في يوم ورحنا رأس البر سوا." أخفى امتعاضه وقال وهو يصعد الدرج مسرعاً: "إن شاء الله، يلا سلام عشان مستعجل." زفر بضيق وفتح باب شقتهم ودلف إليها وهو يصيح بقوة: "ماما، إنتِ فين." ردت دولت من غرفتها، وهي تضع

الملابس النظيفة بالخزانة: "أنا هنا يا حبيبي تعالى." دلف جاسم لغرفتها ودنا منها وقبل جبينها وقال بفرحة غير معهودة عليه: "أخبارك إيه يا دولت." ضربته على كفه وقالت بضيق: "قولتلك كذا مرة ماما، بطل دولت دي." ابتسم جاسم بخفوت وقال بمداعبة: "ماشي يا دولت، بقولك خلي علا تجهز ريتال عشان ها تيجي معايا لعيد ميلاد وعد جارة مالك." تنهدت دولت بأسى وقالت بحزن غلف ملامحها الطيبة: "علا...

مش عارفة مالها بقالها كام يوم، بترجع من شغلها مش بتكلم حد وبتقعد في أوضتها بالساعات، ربنا يهديها ويرزقها بابن الحلال اللي يعوضها." تنهد جاسم بأسى وقال: "طب أنا هروح أشوفها وأقعد معاها شوية." ربتت دولت على كتفه وقالت بحنو: "روح لها يا حبيبي، يمكن تقدر تخرجها من الحالة اللي هي فيها، صحيح ما تاخدها معاك عيد الميلاد ده يمكن تغير جو." فكر جاسم قليلاً، ثم قال باقتناع: "تمام هكلم مالك أسأله ولو ينفع هاخدها معايا."

أخرج هاتفه وهاتف مالك الذي أجابه مسرعاً وقال: "أيوة يا معلم." رد عليه جاسم بتوتر: "مالك هو أنا أقدر أجيب علا معايا، عشان بقالها فترة حالتها النفسية مش مظبطة." زفر مالك بضيق وقال مسرعاً: "إنت عبيط يا جاسم، طبعاً تشرف وتنور، ساعات بستغرب غبائك ده." امتعض وجه جاسم وقال بضيق: "طول لسانك براحتك، ما هو انت لو قدامي دلوقتي كنت خليتلك لسانك ده كاروهات." ضحك مالك ضحكة عالية وقال بقلق:

"تعملها والله، عموما ما تتأخرش بقى عشان مدام علا تقعد مع البنات وقت طويل." "أومأ جاسم برأسه وقال مؤكداً: "تمام يا برنس، أشوفك بالليل سلام." "سلام." توجه جاسم لغرفة علا التي تعاقب نفسها منذ أيام على خيانة قلبها لطارق، بعدما استسلم لذلك الذي تركه يتألم دون أي شعور بالندم. طرق جاسم باب غرفتها فقالت بصوت واهن: "ادخل." دلف جاسم لغرفتها وقال بقوة دون سابق إنذار أو استئذان:

"قدامك ساعتين تكوني لبستي ولبستي ريتال عشان رايحين عيد ميلاد وعد ومش عايز مناهدة ولا مناقشة." تطلعت إليه ببلاهة وقالت بحدة: "ده اسمه إيه ده." رد عليها ساخراً: "ده اسمه الهجوم خير وسيلة للدفاع ومش عايز كلام كتير." لوحت له بذراعها وقالت بضيق: "إيه لوك لوك لوك لوك... ابلع ريقك." وضع يديه بجيب بنطاله وقال بابتسامة هادئة: "بلعته، جهزي نفسك بقى بعد الغدا تمام." عقدت علا ذراعيها أمام صدرها وقالت بتعجب:

"يا سلام، عاوزني أروح لناس ما أعرفهمش عادي كده." أومأ برأسه بقوة قاطعة وقال بثبات: "أيوة." زفرت بضيق وقالت بفقدان صبر: "اطلع بره يا جاسم أنا مش فيقالك." جلس جاسم بجوارها على فراشها وقال وهو يعبث بشعراتها: "آهه عشان مودك المتغير بقالك كام يوم ده هاتيجى معايا، وريتال كمان زهقت من حبسة البيت وأوعدك إنك مش هتندمي." تنهدت مطولاً ثم أغلقت عينيها نصف إغلاق وقالت بمكر: "قلتلي بقى عيد ميلاد وعد، هو انت لسه بتفكر فيها."

زم شفتيه بمعنى لا أعرف. ثم قال بضيق: "مش عايز أتكلم في الموضوع ده، قومي بقى ناكل لقمة عشان نمشي بدري تمام." فكرت علا قليلاً، ثم قررت رؤية تلك التي أوقعت جاسم رحال بحبها دون أن تشعر. فقالت برضا: "تمام هاجي معاك." قبل جاسم جبينها وقال بفرحة: "أيوة بقى، هقوم أنا أغير هدومي وأشوفك على السفرة."

تركها وخرج لتعود لتفكيرها المرهق مرة أخرى. لا تقوى على إزالته من عينيها. بهيئته الجميلة فهو من أجمل ما رأت من الرجال. بعيونه الزيتونية الجريئة، وتلك الذقن الذهبية التي زادته وسامة وجاذبية مهلكة. فابتسمت شفتيها دون أن تشعر.

وقفت وعد أمام البحر تتأمله، وهي شاردة كعادتها. لمحها مالك من نافذة غرفته، فركض مسرعاً ليخرج مباشرة متوجهاً نحوها وقد قرر أن يحرر مشاعره ويكسر قيدها الذي آلمه الفترة القصيرة الماضية. اقترب منها بهدوء وهو يتأملها بابتسامة عاشقة. وقف بجوارها ولاحظ شرودها فقال هامساً: "سرحانة في إيه يا سنجوبة." التفتت إليه وعد بذعر وقالت بضيق: "حرام عليك يا مالك خضتني." تنهد مطولاً وقال وهو يلتهمها بعينيه: "بعد الشر عليكي من الخضة."

لاحظت عودته لتلك النظرات الوقحة ونبرته الهيمانة وهمسه المثير. فقالت وهي توليه ظهرها عائدة: "أنا هرجع بقى ورايا حاجات كتير." أوقفها مسرعاً وهو يقول بضيق: "استنى هنا." التفتت إليه بقلق من نبرته الجادة وقالت بخوف: "عايز إيه." لاحظ عبوسها وخوفها فابتسم على حالتها اللذيذة وقال مداعباً: "مالك خايفة كده ليه." تصنعت القوة وقالت بجدية: "عادي، عايز إيه بقى."

اقترب منها قليلاً وهو يغوص بعينيه داخل عينيها التي باتت عشه الذي يأوي إليه، وطنه الذي يضمه في وقت سعادته وحزنه وضعفه. انتبهت لنظراته التي باتت تخترقها بسهولة وتزلزل كيانها. تسارعت دقات قلبها وهي تراه يقترب منها بهدوء ينوي الانقضاض عليها. ولكنه وقف ووضع يده بجيب سترته وقال برقة: "عايز أقولك حاجة مهمة جدا، ممكن تسمعيني." أومأت برأسها دون أن تنبس ببنت شفة. انتظرت حديثه المهم كما قال حتى قال أخيراً وهو يحدقها بشوق أسرها:

"وعد، أنا بصراحة معجب بيكي جدا." رفعت حاجبيها للأعلى بذهول وهي تستمع إليه. لاحظ اندهاشها فخشي أن تركض وتتركه فأردف قائلاً بسرعة: "بصي هو مش إعجاب بالظبط، هو حاجة أكبر." زادت دقات قلبها ها هو على وشك الاعتراف بحبه إليها. كانت تستمع إليه بفرحة وقلبها يقفز بداخلها كأرنب مذعور. حتى قال أخيراً بهدوء مميت: "أنا بحبك يا وعد."

كانت عينيها تلاحقان تلك الكلمات الناعمة على شفتيه، وتصعد لعينيه مجدداً لترى مدى صدقه. ازدادت حركة صدرها بقوة لتسارع أنفاسها، وهناك أيضاً رجفة شديدة تملكت من جسدها. لا تصدق إلى الآن ما سمعته. مضاف إليه حالتها الغريبة التي تخبرها وبقوة أنها باتت تعشق ذلك الرجل. شعر مالك بالقلق من شرودها وحالتها التي أصبحت مذرية. فقال بقلق: "آسف يا وعد، بس كان لازم تعرفي شعوري ناحيتك."

ابتلعت ريقها بصعوبة بعد شعورها بجفاف حلقها المفاجئ. ثم قالت بتلعثم وهي تطرق رأسها بخجل شديد: "أنا... أنا هرجع... عشان... و..... قاطعها مالك بحدة وقال بقوة ليربكها فيأخذ منها ما يريده:

"بقولك بحبك يا وعد، مش حابة تقوليلي حاجة انتي كمان. أنا عارف إني اتسرعت بس أنا ناوي أفتح عمرو بموضوعنا وهحاول بكل قوتي إني أدبر مبلغ أشتري بيه شقة لينا. وإن شاء الله مش هخليكي ناقصة أي حاجة، بس محتاج شوية وقت أدبر مبلغ لكل ده وأنا هتجوزك فوراً." اتسعت عينيها بخجل عارم عندما ذكر نقطة زواجهما. فسألها مرة أخرى وهو يتابع تخبطها: "موافقة عليا يا وعد... ولا....

عادت بعينيها للبحر وهي تتنفس بصعوبة. ثم أومأت برأسها بهدوء تخبره بموافقتها على الارتباط بها. وضع مالك أنامله على شفتيه وهو يبتسم براحة. ثم وقف أمامها وقال وهو ينتظرها بفارغ الصبر: "يعني... بتحبيني زي ما أنا بحبك." عقدت حاجبيها وعضت على شفتها السفلى كادت تدميها من شدة خجلها. ثم قالت بخفوت: "جواب سؤالك ده هتعرفه وأنا... وأنا مراتك."

وركضت مسرعة من أمامه. لم تمنه الوقت لإضافة المزيد. بينما وقف هو مشدوهاً من كلماتها المقتضبة الحازمة. حبيبته قالت أنها ستخبره بحبها عندما تصبح زوجته. يا الله ما أعذب تلك الجملة التي اكتفى بها عن كل شيء. تابعتها عينيه وهي تسير بسرعة وأقسم أنها تبتسم الآن بفرحة. رفعت وعد يدها لتلامس وجنتيها التي لو وضعت عليهما مقياس حرارة الآن لانفجر من شدة سخونتهما. بينما على ثغرها ابتسامة مشرقة. ثم قالت بنفسها:

"هديتك وصلتني يا مالك، كنت عارفة، وأنا كمان بحبك." دَلفت وعد للشاليه الخاص بهم. ووقفت أمام روضة التي كانت ترتب طاولة الطعام بالأطباق والأقداح. ثم قالت بتوتر: "روضة.. عايزة أقولك حاجة مهمة." عبست روضة بعينيها وقالت بضيق: "مش وقته يا وعد، روحي يلا جهزي نفسك مفيش وقت." قاطعتها وعد وهي تقول برجاء: "اسمعيني يا روضة أرجوكي." صاحت بها روضة بحدة وقالت ناهية لحوارهم:

"وعد قدامك نص ساعة وتكوني لابسة، ويا ستي أجلي كلامك بعد عيد ميلادك، ممكن." أومأت وعد برأسها بإستسلام. ثم دلفت غرفتها وهي ما زالت على حالتها من الارتباك والتوتر. فتحت خزانتها تنتقي فستاناً مناسباً. شعرت بالتخبط في قرارها. حتى فتحت روضة باب غرفتها ودلفت معها روان وآمال. اقتربت من وعد وقبلتها بوجنتها مطولاً وسألتها بمكر: "بتعملي إيه يا دودو." ردت وعد وهي ما زالت في حيرة من أمرها:

"محتارة ألبس الفستان الروز ولا الفستان التايجر." أعطتها روضة هديتها وقالت بابتسامتها العذبة: "طب شوفي الفستان ده يمكن يعجبك." حملت وعد تلك الهدية الملفوفة بورق لامع. مزقت الورق بلهفة وأخرجت الفستان لتتسع عينيها بفرحة وهي تتأمله ثم قبلت روضة وقالت: "يجنن... يجنن شكراً يا رودي." فقالت لها آمال: "بسرعة قيسيه يا وعد يلا."

ارتدته وعد مسرعة وساعدتها روان وروضة. وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها بسعادة. فهو عبارة عن فستان طويل باللون الأسود به تطريز من اللون الفضي. ضيق على جسدها قليلاً ومن منطقة الخصر ينسدل منه ذيل طويل من الشيفون الأسود. بدت به كأميرة تنتظر أميرها ليأخذها على حصانه الأبيض وذلك الذيل يطير من حولهما بالهواء. احتضنتها روضة بحب وقالت: "كل سنة وإنتِ طيبة يا حبيبة قلبي." ضمتها وعد بقوة وقالت بحنو: "وإنتِ جنبي ومعايا دايماً."

اقتربت منهم روان وقالت مازحة: "مش وقت نحنحة لو سمحتم، اتفضلي يا وعد دي هديتي." أخذتها وعد مسرعة وفتحتها لتجد بها حذاء سهرة أسود لامع بكعب مدبب عالٍ. فقالت لها بسعادة: "واو، ده يجنن، ده كمان شكله غالي جداً." احتضنتها روان بحب وقالت: "مفيش حاجة تغلى عليكي يا سنجوبة." امتعض وجه وعد وقالت بحدة: "تاني سنجوبة، هعديهالك النهاردة بمزاجي." أعطتها آمال هديتها وقالت وهي تحتضنها بحنان بالغ:

"كل سنة وإنتِ طيبة يا دودو، أنا جبتلك الحجاب والشنطة، يا رب ذوقي يعجبك." تطلعت وعد للحقيبة والتي تبدو باهظة الثمن أيضاً، وحجابها اللامع وقالت بفرحة: "مرسي يا طنط، أنا مش عارفة أشكركم إزاي." ردت روان بابتسامتها الرقيقة: "إحنا هنخرج دلوقتي وإنتي كملي لبسك." أومأت وعد برأسها وهي تحتضن هداياها بفرحة وقالت: "تمام."

أكملت وعد تجهيزاتها. ووضعت القليل من مستحضرات التجميل واكتفت بلون هادئ على شفتيها وارتدت حجابها. وحذائها. وتطلعت لنفسها بالمرآة لترى أنها أصبحت جميلة بكل معنى الكلمة.

ارتدى مالك بنطال جينز كحلي. وعليه قميص باللون الوردي ومن فوقهم سترة باللون الأسود. وارتدى حذاء رياضي أسود. ووضع عطره وصفف شعره البني الناعم. وخرج مسرعاً لاستقبال جاسم وعلا وحبيبته ريتال. وقف يتابع الطريق المؤدي للشاليه حتى لمح سيارة جاسم تقترب عليه من بعيد. استقبلهم بابتسامة هادئة حتى صف جاسم السيارة. وترجلت منها ريتال راكضة نحو مالك الذي انحنى ليلتقطها بحضنه وحملها. ضمته ريتال إليها بقوة. ثم قالت لائمة بضيق:

"أنا زعلانة منك يا مالك، ليه مس بتكلمني." قبل كفها وقال معتذراً: "آسف والله يا توتا، ومش هعمل كده تاني، ووعد مني هتصل بيكي دايماً تمام." أومأت ريتال برأسها وهي تأسره بابتسامتها الشقية والتي تذكره بابتسامة وعد حينما تريد منه شيئاً. قبلها بوجنتها وتوجه ناحية جاسم الذي صافحه قائلاً: "شوفت ريتال نسيتنا طبعاً." رد مالك عليه مسرعاً: "لأ طبعاً أنا أقدر، أهلاً مدام علا منورة الدنيا والله." ابتسمت علا بخفوت وقالت:

"شكراً يا أستاذ مالك." أشار إليهم مالك على الشاليه الخاص بهم وقال مرحباً: "اتفضلوا، يا أهلا وسهلا." أجلسهم مالك بالشرفة الواسعة المطلة على البحر وهتف قائلاً بقوة: "يا روان، روان تعالي لو سمحتي." خرجت روان إليه وابتسمت عندما لاحظت جاسم وعلا وقالت بفرحة: "أهلاً وسهلاً." أشار إليها مالك معرفاً وقال: "القمر دي يا ستي ريتال، وده جاسم طبعاً تعرفيه، ودي مدام علا أخته ومامت ريتال." رحبت روان بعلا واحتضنتها بود قائلة:

"أهلاً مدام علا." بادلته علا حضنها وقالت برقة: "قوليلي علا على طول تمام." "تمام." بينما حملت روان ريتال وقبلتها وقالت بإعجاب: "ما شاء الله، انتي زي القمر يا ريتال." فقالت لها ريتال ببرائة: "قوليلي يا توتا." "حاضر يا توتا، بعد إذنكم هاخد علا وتوتا وندخل جوة للبنات." رد مالك وجاسم: "اتفضلوا." خرج عمرو مسرعاً عندما رأى علا ليتركهم بحريتهم. ورحب بجاسم قائلاً: "أهلاً وسهلاً يا باشمهندس، منور الدنيا."

صافحه جاسم بود وقال متذمراً: "بلاش باشمهندس دي وقولي جاسم بس." أشار إليه عمرو بالجلوس وقال براحة: "تمام، اتفضل اقعد." "السلام عليكم." قالها سامر وهو يصعد درجات الدرج ليصل إليهم. فاستقبله عمرو قائلاً بترحيب: "أهلاً وسهلاً، واحشني والله يا سامر." صافحه سامر قائلاً بود: "وإنت أكتر والله." ثم صافح مالك وجاسم. وخرج إليهم سراج مرحباً. بينما عرفت روان علا بآمال وإمتثال. وصاحت بروضة ووعد. فخرجت روضة أولاً والتي ما أن

رأت ريتال حتى قالت بفرحة: "توتا، إيه المفاجأة الحلوة دي." ركضت ريتال نحوها وقالت بسعادة بالغة: "ميس روضة." احتضنتها روضة وحملتها وقالت بتعجب: "إنتي جيتي هنا إزاي." فقالت روان موضحة وهي تشير على علا: "دي بنت علا أخت الباشمهندس جاسم اللي بيشتغل معاه مالك ووعد." فرحت روضة بعلا وقالت بود: "أهلاً وسهلاً يا فندم، منورة الدنيا." صافحتها علا وقالت بامتنان:

"شكراً يا روضة، أنا كنت عايزة أجيبلك الروضة وأتعرف عليكي، ريتال دايماً بتحكيلي عنك وإنها بتحبك قوي." قبلت روضة ريتال وقالت بحب: "وأنا كمان بحبها جداً." خرجت وعد من غرفتها لتتفاجأ بعلا وريتال. فعرفتها روضة عليهم. ولم تغب عنها نظرات علا إليها. وكأنها تحذرها من شيء ما. صافحتها وعد بحذر واندعت مع ريتال بسرعة. فأعطتها جدتها هديتها قائلة بحب:

"أنا عملتلك هديتك بإيدي يا وعد، دي شنطة صغيرة من التريكو البسيها جوة هدومك وحطي فيها مصحف صغير عشان يحميكي يا حبيبتي." انحنت وعد وقبلت كفها وقالت بدموعها: "ربنا يخليكي ليا يا أحلى وأحن تيتة في الدنيا."

جهزت الفتيات الطاولة ووضعوا عليها الحلويات والمقبلات وقالب الكعك الكبير. ثم دعت آمال الجميع إلى الداخل لتطفئ وعد شمعاتها الثلاث والعشرون. وتبدأ عام جديد بأمنية جديدة. وقف الجميع ودلفوا إلى الداخل لينفغر فم جاسم وهو يطالع وعد بجمالها الصارخ. بينما وقف مالك مشدوهاً وهو يتأمل وعد بعين عاشق. فقد كانت جميلة بشكل آخذ للقلوب. وقد سكن قلبه بين يديها.

رفع سامر حاجبيه بتعجب وهو يرى علا أمامه بابتسامتها الصافية والتي تعكرت فور رؤيته. انكسر قلبه وهو يتابع امتعاض وجهها وضيقها. "أهلاً وسهلاً يا باشمهندس." رد عليها جاسم وهو يتأملها بشدة. طائفاً عليها كليتها. شاعراً بالغيرة الشديدة من رؤيتهم إليها بتلك الهيئة الشهية: "أهلاً بيكي، كل سنة وإنتِ طيبة يا وعد." لاحظت نظراته التي تحاوطها كأنها تعزلها عن العالم المحيط بها. فقالت مسرعة: "وحضرتك طيب." التفتت لسامر وقد زادت

ابتسامتها وقالت مرحبة: "أخبارك إيه يا سامر، منور الدنيا." امتعض وجه جاسم من تلك الكلمات المتحررة لسامر. بينما الألقاب والجدية له هو. رد عليها سامر بابتسامته الشقية: "منورة بيكي، بس إنتي النهاردة تتحسدي يا وعد ما شاء الله." أطرقت رأسها وقالت بخجل: "شكراً." اجتذبها عمرو من ذراعها وقال: "يالا يا بنتي عشان تطفى الشمع." أومأت برأسها وقالت: "حاضر، خلي ريتال تقف جنبي على كرسي عشان تطفى الشمع معايا." صفقت

ريتال بكفيها وقالت بسعادة: "أنا هقف جنبك بس وسامر سألني ممكن." اقترب سامر منها وحملها وقبلها قائلاً بشوق: "قلب سامر يا ناس، أنا أطول أشيلك يا عمري، وحشتيني موت يا توتا." قبلته ريتال بوجنته وقالت: "وإنت وحشتني أكتر، يلا بقى نغني لوعد ونطفي الكاندلز." التف الجميع حول الطاولة وأطفأت الأنوار وغنوا لوعد "سنة حلوة يا جميل". وقالت روان لوعد: "اتمنى أمنية يا وعد."

أغمضت وعد عينيها لثوانٍ ثم فتحتهم وهي تتطلع بمالك كأنها تخبره أنها تمنته هو. استقبل نظرتها برضا. ثم مالت على الكعكة هي وريتال وزفروا بقوة لتنطفئ الشمعات. صفق لها الجميع وعايدوها. وخرج الرجال للجلوس بالخارج. بينما أشار مالك لجاسم أن يأتيه بهدية وعد. فأحضرها جاسم من سيارته وأعطاها لمالك الذي أخفاها وراء ظهره وقال لوعد بصوت عالٍ: "وعد." التفتت إليه وقالت وهي تقطع قالب الكعك وتوزعه على الأطباق: "أيوة يا مالك."

ابتسم إليها بمكر وقال: "تعالى قربي مني، وغامضي عنيكي." صفقت بيديها وقالت بفرحة: "أخيراً هاخد هديتي السرية دي، ده أنا كنت قربت أمل." وقفت أمامه وهي تميل برأسها لليمين تارة ولليسار تارة علها ترى ولو جزء بسيط من هديتها. ولكنه حجبها بجسده العريض الرياضي وقال بضيق: "إنتي كده بتخمي، غمضي يلا." وقف الجميع يتابع ردة فعل وعد. بينما أغمضت هي عينيها وقالت بفارغ الصبر: "أديني غمضت لما أشوف آخرتها إيه."

أخرج مالك هديتها من وراء ظهره. فتعالت الهمهمات من حولها فقالت بفضول: "واضح إنها حاجة مهمة مش كده." تنفس مالك مطولاً وقال: "فتحي عنيكي." لم تتردد لثانية وفتحت عينيها لتتسع فرحةً. وفغرت فمها بدهشة. ثم اقتربت منه وقالت بامتنان: "جيتار... مش ممكن... ده كان حلم عمري... بجد يا مالك مش عارفة أشكرك إزاي." يده به نحوها وقال بسعادة: "كل سنة وإنتِ طيبة يا ست البنات."

أخذته منه وفتحت سحاب الغلاف الجلدي وأخرجت الجيتار. لامسته برقة كأنها تخشى على رضيعها. فقال لها عمرو بمكر: "كده يبقى لازم تغني يا وعد." أكدت روان كلماته وقالت بإصرار: "أيوة يا دودو غني أرجوكي." أومأت برأسها وقالت وهي تتطلع بمالك: "حاضر." جلس الجميع بالشرفة الواسعة في انتظار وعد التي أخذت تعبث بأوتاره كي تضبطها. بينما طلب منها كلا على حدا أغنية. فقاطع مالك حوارهم وقال بهدوء: "وعد هتغني اللي هي عايزة تغنيه، يلا يا وعد."

تنفست مطولاً وزفرته على مهل وعينيها تطوف على وجوه الجميع وهم يترقبون غنائها. فأغمضت عينيها وحلقت أناملها الرقيقة على أوتار الجيتار ملامسة لأوتار قلوبهم جميعاً. وبدأت تشدو قائلة: بحب... أحس... بجد... إنه وأنا جنبه دايماً مستغني بيا عن الدنيا باللي فيها. بحب... أحس... بجد... لو قال يوم كلمة حلوة لأي حد الكلمة ديا يبقى قاصدني بيها. بحب... أحس...

إنه وأنا في غيبتي عامل ليا خاطر وإنه عشاني بحياته وعمره خاطر.. وما أشوفهوش مرة قادر إني أنا أبقى في يوم بعيدة. وأما يفتح دفاتره عشان يكتب خواطره بحب أحس إني بس ملهمته الوحيدة.

تطلع عمرو بروان التي بادلته نظراته العاشقة وابتسامته الدافئة والتي تشعرها أنها الأنثى الوحيدة على هذا الكوكب. بينما تابعت وعد عزفها الهادئ على الجيتار. ليتطلع سامر بعلا وهو يشعر بغربة لبعدها عنه. ولكنها قررت منحه قبلة الحياة وهي تتطلع إليه بشوق كل لحظة بعدها عنه. تابعت وعد غنائها وهي ما زالت مغمضة عينيها كأنها على غيمة كبيرة تحملها برقة فوقها. بحب... أحس... بجد...

إن ما فيش قبلي وما فيش بعدي بعد.. وإني أنا اللي رايحة واللي جاية... والأرض بحالها يفرشهالي ورد. وقد حب كل الناس لبعض يحب فيا أو أكتر شوية. تنهد جاسم مطولاً وهو يستمع لكلماتها بقلبه الذي يبثها وعوده بأنه سيحقق لها كل ما تمنته وأكثر. فهو من الآن وصاعداً سيقف أمام الجميع في سبيل تحقيق أغلى أمنية على قلبه وهي أن تصبح تلك الوردة الرقيقة ملكاً له وفقط. ملك جاسم رحال. تمايل الجميع بهدوء على عزفها الناعم

وصوتها الرقيق وهي تتابع: بحب... أحس... إنه وأنا في غيبتي عامل ليا خاطر وإنه عشاني بحياته وعمره خاطر.. وما أشوفهوش مرة قادر إني أنا أبقى في يوم بعيدة. وأما يفتح دفاتره عشان يكتب خواطره بحب أحس إني بس ملهمته الوحيدة.

انتهت من غنائها. وفتحت عينيها ليقابلها تصفيق حاد. وتصفير من سامر وعمرو. بينما بحثت بعينيها.. بل بقلبها عنه حتى وجدته يقف وحيداً عاقداً ذراعيه أمام صدره. مستنداً على سور الشرفة ويعلو وجهه نظرة عاشق بامتياز. أشاحت ببصرها عنه وهي تستمتع بتصفيقهم. قبلتها ريتال وقالت: "واو... صوتك حلو قوي... ممكن تغنيلى يا بنات يا بنات." قبلتها وعد بحرارة وقالت: "حاضر يا حبيبتي من عنيا."

تفاوت حديثهم عن جمال صوت وعد. وتناولوا الكعكة. وانشغل الجميع بأحاديثهم الجانبية. بينما استغل جاسم إنفراد وعد. فاقترب منها ومد يده نحوها بهديته وقال: "كل سنة وإنتِ طيبة." التفتت برأسها نحوه وابتسمت بود وقالت شاكرة: "متشكرة جداً... ما كانش في داعي تتعب نفسك." ابتسم بقلق وقال: "يا رب بس تعجبك." فتحت وعد الهدية بفضول. فوجدتها مصحف صغير من الفضة مرصع بأحجار صغيرة من الفيروز الأزرق. ابتسمت بفرحة وقالت هامسة

وهي تتطلع حولها بقلق: "أقولك على سر." تهللت أساريره فهناك سر ما سيربطهما ببعضهما. وما زاد سعادته هي تلك البراءة التي قالت له بها جملتها الأخيرة. فقال هامساً هو الآخر: "يا ريت." أشارت إليه بأناملها أن يقترب منها أكثر. فدنا منها وهو يشعر بسعادة بالغة من اقترابه منها لهذه الدرجة. فقالت بصوت خافت:

"أصل تيتة هديتها ليا كانت شنطة صغيرة من التريكو. وهي اللي عملتهالي بإيديها وقالتلي إني ألبسها جوة هدومي وأحط فيها مصحف صغير عشان يحميني. وكنت هنزل بكرة بعد الشغل أشتريه. بس انت جبتهولي وأحلى بكتير مما كنت عايزة." زادت ابتسامته وقال بفرحة: "فوق ما تتخيلي أنا فرحان إزاي." أشارت له مجدداً أن يقترب منها وقالت بهمس أصبح يتلذذ به: "أقولك على سر تاني." أومأ لها برأسه. فأردفت قائلة: "بصراحة هدية مالك أحلى هدية جتلي."

امتعض وجهه ولوى شفتيه بحيرة. بينما تابعت هي: "بس هديتك هي أغلى هدية على قلبي، شكراً جدا." وابتعدت عنه بهدوء. ظل واقفاً يتطلع لآثرها مشدوهاً من كلماتها الأخيرة. هل قالت ذلك فعلاً أم أنه يتوهم. هديته الأغلى على قلبها. نعم لقد قالت ذلك. أراد أن يصرخ بشدة. أو أن يجتذبها لصدره ويضمها بقوة. ويحملها ويدور بها في عالم خاص بهما وفقط.

إمتدت جلستهم طويلاً بعدما انسحب كلاً من سراج وآمال والجدة إمتثال. كان نجم الحفل بدون منازع هو سامر وهو يلقي بنكاته وقلشاته ليضحك الجميع. حتى علا التي كانت ترتدي قناع اللامبالاة لم تستطع كبح ضحكاتها كثيراً. ألتفت سامر بجسده ناحية وعد وسألها بفضول: "قوليلي يا وعد صحيح مين أول حد اكتشفك." زَمت وعد شفتيها وقالت بسخرية: "اكتشفني إيه، هو أنا بير بترول." ضحك الجميع فسألها سامر بإلحاح مرة أخرى:

"بجد مين اللي خد باله من صوتك ونمى الموهبة دي جواكي." تنهدت وعد مطولاً بأسى وقالت وهي مطأطأة رأسها: "ماما." لاحظ سامر وجومها وحزنها فشعر بالحرج من سؤاله لتجذب ريتال رأسه نحوها وقالت بابتسامة مرحة: "عارف يا سامر، ميس روضة الميس بتاعتي في الكي جي." تطلع سامر ناحية روضة وسألها: "حضرتك ميس توتا بجد." أومأت روضة برأسها وقالت مؤكدة: "أيوة." فسألها سامر بفضول: "وحضرتك مدرسة إيه." أجابته روضة بفخر: "دين ولغة عربية."

رفع سامر ذراعيه للأعلى وقال ساخراً: "أوبا مدرسة لغة عربية، جيتي منطقتي، قولifestyle لي بقى هي التاء المربوطة حد فكها ولا لسه زي ما هي، طب والضمير الغائب إمتى ناوي يرجع، وحروف النصب إمتى ناوية تتوب، والضمير المتصل لسه بيتصل ولا حد رد عليه." تعالت ضحكات الجميع حتى روضة التي لم تتمالك نفسها. بينما علا صوت وعد بالضحكات فتطلع إليها مالك بغضب قاطباً حاجبيه. فتحنحت بخوف. وضحكت بصمت. بينما تابع سامر مزحاته وهو يسأل روضة:

"معلش سؤال أخير، بالنسبة بقى للأفعال الساكنة." ردت روضة بتعجب ممزوج بضحكاتها: "مالها هي كمان." أجابها ساخراً: "ساكنة بالإيجار ولا بيتهم ملك." لم تهدأ ضحكاتهم، حتى قالت روضة بعفوية: "حضرتك شخصية غريبة جداً، يا بختها اللي هتتجوزك بجد." انتبه الجميع على صوت سعال علا الشديد. بعدما سمعت كلمات روضة وهي تشرب مشروبها فتوقف بحلقها فسبب لها شرقة أشبه بالاختناق. دنا منها جاسم مسرعاً وسألها بخوف: "علا إنتِ كويسة."

ناولته وعد كوب ماء. فأخذه منها وأعطاه لعلا التي هدأ سعالها نسبياً وبدأت تتنفس بهدوء. بينما وضع سامر يده فوق فمه مخفياً ابتسامته. فهي ما زالت تشعر بالغيرة عليه. إذن فلتتصنع اللامبالاة كما تريد. فهو لن يتركها في حالها حتى تصبح له. ردت علا على جاسم وقد شعرت بحرج شديد من حالتها الغبية: "أيوة كويسة الحمد لله." ثم وقفت وقالت لجاسم برجاء: "أنا هقف على البحر شوية، عايزة آخد نفسي." أومأ لها جاسم برأسه وقال:

"روحي، بس ما تتأخريش عشان نمشي." "حاضر." تركتهم علا وسارت على الشاطئ وهي تشعر بالحرج. ظلت تسأل نفسها لما شعرت بالضيق من كلمات روضة. هل سيتزوج سامر يوماً ما وتصبح له زوجة وحبيبة. يبادلها ضحكاتها وأيامها ويعشقها بقوة كما عشقها هي. نفضت تلك الأفكار من رأسها وقالت بحدة: "ارحمني يا رب أرجوك." "من إيه إن شاء الله."

قالها سامر متعجباً. فالتفتت إليه علا بغضب وقد أرادت وبشدة أن تعتصر رقبته بين قبضتيها حتى تختفي أنفاسه ويموت وترتاح منه ويخرج من رأسها. كان سامر يتابع تعابير وجهها ونظرات الشر قد ملأت عينيها فقال بخوف: "اهدئي يا ماما، أنا حاسس إنك عايزة تنطي في كرشي." هزت علا رأسها مؤكدة وقالت وقد تطاير الشرر من عينيها: "أيوة، نفسي أخنقك بإيديا وأخلص منك، إنت عايز مني إيه وجاي ورايا ليه، ابعد عني بقى."

ابتسم سامر بمشاغبة. واقترب منها وقال هامساً: "يا ريت فزاتك دي تطول شوية، يا إما بناطيلك توسع شويتين تلاتة، مفهوم." صكت أسنانها بقوة وصاحت بغضب: "وإنت مالك إنت ومالي، إيه دخلك في حياتي، ده إنت شئ بارد يا أخي." وضع يديه بجيب بنطاله وقال بقوة رافعاً حاجبيه بضيق: "اغلطي اغلطي، براحتك، بكرة ييجي اليوم اللي هدفعك فيه تمن كل حاجة عملتيها وضايقتني واتفضلي ارجعي اقعدي معاهم، وما تقفيش لوحدك تاني، يلاااااا."

ضربت الرمال بقدميها بعصبية. وعادت مرة أخرى للشاليه. بينما وقف سامر مستنشقاً لرائحة اليود المنعشة. وتلك النسمة الرقيقة تداعب شعراته الكستنائية. وهو يعلم أن الطريق أمامه طويل ولكن الأمل بداخله تعدى رفضها وحنقها المزعوم.

إنصرف جاسم وعلا وريتال وسامر. بينما بقيت الفتيات تنظف المكان وساعدهم عمرو ومالك استغلالاً لفرصة أن يحظى كلاهما بنظرات خاطفة لحبيبته. كانت سعادة روان ووعد لا توصف. بينما كانت روضة تمني نفسها بنظرة واحدة من مالك كنظرات عمرو لروان غافلة عن تلك الشرارات الأخرى المحيطة بها.

اغتسلت وعد ودلفت لغرفتها مع روضة وارتمت على الفراش بتعب. ثم تذكرت أنها لم تقصص لروضة عن اعتراف مالك لها. فقفزت مسرعة واندست بالفراش بجوار روضة التي بدأت في النعاس وقالت بهدوء: "رودي.. إنتي صاحية، كنت عايزة في موضوع مهم." أجابتها روضة وهي تشعر بحنق: "بكرة إن شاء الله، سبيني أنام بقى." هزتها وعد بقوة وقالت بغضب: "لأ، قومي اقعدي واسمعيني أنا ممكن أطق لو ما قولتكش."

صفعت روضة وجهها بضيق وجلست على مضض. فهي تعلم وعد جيداً فلتقول ما لديها لتعود لنومها بسرعة. فاعتدلت بجلستها وقالت بملل: "اشجيني." فركت وعد أناملها بخجل. ثم قالت بتلعثم: "أصل... أصل يعني... و ااااا." زَمت روضة شفتيها بحزن وقالت بصوت باكي: "إنتي لسه هتقطعي، حرام عليكي سبيني أنام والصبح جمعي واحكيلي." فقالت وعد بسرعة كي تقتل خجلها: "مالك النهاردة الصبح قالي إنه بيحبني وعايز يخطبني."

شعرت روضة بقبضة قد التفت حول قلبها واعتصرته بقوة آلمتها بشدة. مالك... ووعد... تشنجت تعابيرها. وشعرت باختناق شديد. وقفت مسرعة وتخطت وعد ولامست الأرضية وهي تترنح حتى فتحت نافذة غرفتهما ولم تأبه أنها بدون نقابها أو حجاب على شعرها. حاولت التنفس ولكن دون جدوى. وغيمت عينيها فجأة ولم تر شيئاً حولها. ثم شعرت بارتطام رأسها بشيء صلب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...