غيابه رغم تأثيره المثير للقلق والخوف، إلا أنه جمع الجميع على قلب واحد. لم يتركوا مكانًا إلا وبحثوا فيه، ولا يوجد سبب مقنع لما دفعه للهروب. الهروب... مجرد التفكير بهذا الاحتمال يزيد من قلقهم عليه، فشخصية جاسم ليست الشخصية التي تهرب من شيء أو من شخص مهما كان. ومهما كان الموقف بينهما، أصعب شيء أنه لا توجد إجابات على أسئلتهم العديدة.
فمنذ احتجاز وعد بمصحة نفسية، والكل تأكد أن هناك أمرًا جلل قد حدث بينهما جعل وعد تنهار حد علاجها الضروري وهروب جاسم. كانت تقلب المعلقة بكوب الشاي كما تقلب أفكارها بعقلها، علها تهتدي لشيء يساعدهم على ما هم فيه. لديها ما يكفيها بحياتها من التوتر والتخبط، وتلك الصغيرة المتعلقة برقبتها والتي تحتاج رعاية وعناية طول الوقت. حقًا، هي من تحتاج العلاج النفسي وليست وعد.
توقفت يدها عن التقليب وقد كبلت بقبضة خشنة قوية، حنونة بنفس الوقت. رفعت علا عينيها ناحية ذلك الجالس أمامها ويتشرب كل حركة ونفس ولمحة منها بشوق. تواصل خفي، حوار دائر لا يمكن لأي أذن أن تسمعه، فقط هما من يستطيعان تفسيره. استطاعت أن تتخلص من هيمنته عليها وسحبت كفها واعتدلت في جلستها، وطالعت البحر بعينين زائغتين وأنفاس متلاحقة كالأمواج التي تتحطم على الشاطئ أمامها.
خلع سامر نظارته الشمسية ووضعها جانبًا واقترب بمقعده منها قائلًا بهدوء: "من ساعة ما قعدنا ما اتكلمتيش وأنا سايبك براحتك. يا قلبي أنا جبتك هنا علشان تخرجي شوية من الضغط اللي حواليكي، وإنك شايلة مكتبك وشركتنا على ضهرك زي الحمل الزايد." عادت علا بعينيها إليه وقالت بفتور: "جاسم واحشني قوي يا سامر وقلقانة عليه جدًا. إزاي مش لاقيينه كل الوقت ده؟ مرر أنامله بشعراته الذهبية وقال بعجز:
"مافيش مكان إلا ودورنا عليه فيه، كأن الأرض انشقت وبلعته. كل اللي مطمني إنه أكيد حوالينا وبيطمن على وعد، إنتي متعرفيش وعد بالنسبة له إيه." ارتشفت القليل من كوب الشاي الخاص بها وهي تقول بحدة: "الأكيد إن فيه حاجة كبيرة حصلت بينهم. بس إيه هي؟ إزاي جاسم يختفي بالشكل ده وعنكم أنتم تحديدًا؟ إنت ومالك طول عمركم سره وبيعرفكم كل حاجة عنه." عاد بظهره لمقعده واستند عليه قائلًا بغضب:
"ده اللي مجنني. جاسم واجه مالك بعد ما أخد منه وعد وما هربش. إزاي دلوقتي هرب بالسهولة دي؟ بس يرجع هكسرلك وشه على القلق اللي إحنا فيه ده." لاح شبح ابتسامة ميتة على ثغرها المغرى، حتى بحزنها. فمال عليها بجذعه ولامس كفها وهو يقول بتنهيدة حارة: "بس سيبك إنتي، وحشاني قوي وكنت هموت وأقعد معاكي بأي مكان لوحدنا." سحبت كفها منه وقد ارتسم على وجهها الجميل ملامح قاتمة وهدرت به بعصبية قائلة: "إيدك دي ما تلمسنيش تاني لتوحشك."
تعالت ضحكاته وهو يقترب منها أكثر قائلًا بمزاح ساخر: "طب ما تاخديني كلي، أنا أصلًا عاوز كلي يوحشني مش إيدي بس." ابتلعت ريقها بتوتر وهي تحاول التخلص من تلك الهالة المنبعثة منه وتحيطها بتملك وتمتمت بخفوت. بينما عاد هو لضحكاته قائلًا: "هنتجوز إمتى بقى يا علا، حرام عليكي، أنا بتعذب يا ناس." أجابته بحدة: "جواز إيه، إنت مافيش دم عندك؟ أخويا اللي هو صاحبك مختفي ومراته بمستشفى وحالتهم غم، وانت بتفكر بإيه؟ رفع
عينيه بملل وأجابها بقنوط: "كل شوية حجة جديدة وسبب جديد تبعدي بيه عني كالعادة." وقفت ولملمت أشياءها وحملت حقيبتها وهي تقول بتذمر: "أنا غلطانة إني وافقتك إننا نقعد هنا." جذبها من ذراعها وهو يجلسها عنوة، فاقدًا صبره. وتطلع بعينيها مطولًا قبل أن يقول: "أمور الجنان دي بلاش منها دلوقتي، إنتي خطيبتي وهتبقي مراتي، فاحترميني بدل ما يبقى جنان بجنان وهتشوفي مني اللي خيالك لسه ما وصلوش، إنتي فاهمة."
جفلت عيناها قليلًا من نبرته المحذرة وأومأت برأسها موافقة بخوف. شهية، بجرأتها وخوفها وسيطرتها وضعفها. شهية حد الموت. جذبت ذراعها منه بهدوء وحملت الكوب مجددًا، ترتشف منه بصمت. وعاد هو لارتشاف ملامحها وحركاتها بصمت أيضًا، ولكن صمت متكلم. فأي شخص قادر الآن على ترجمة صمته الواضح لأي عين وهو يتجول بعينيه ينهل من ملامحها، والتي حرم منها سابقًا. ولن يسمح لنفسه بالعودة لعذابه السابق.
مال بجذعه مجددًا واستند بمرفقيه على الطاولة وسألها لجذب أطراف الحديث بينهما قائلًا: "هو عمي فضل إيه رأيه في اللي حاصل ده؟ طالعت البحر مجددًا هربًا من عينيه وقالت بتنهيدة بائسة: "بابا وماما حالتهم حالة، خصوصًا ماما. وعماتي مش راحميني وقاعدين يقولوا لها: جوزتي ابنك الوحيد لواحدة مجنونة أهه، سابلكوا الدنيا وطفش. بس بابا أكتر واحد هادي فينا، شايف إن البعد ده هيصلح منهم مش هيبعد بينهم. إزاي؟ معرفش." أجابها سامر بعقلانية:
"يا بنتي، والدك ده مش بيقول كلام، ده بيقول درر. وطالما قال كده يبقى تطمني." فسألته مجددًا: "تفتكر جاسم فين؟ لم تترك سجادة الصلاة ومصحفها سوى للنوم والأكل وفقط، وكأنها تهرب من تلك الخيالات التي تطاردها إن تركت لفكرها العنان، وإن تركت نفسها لنظراتهم. حاولت التماسك والمضي قدمًا بحربها لاستعادة أبنائها، ولكن كله سدى، دون فائدة تذكر. ربما البعد عنهم هو أفضل وسيلة لحمايتهم، منها.
لأول مرة تعترف لنفسها أنها كانت أنانية. فكرت بحالها وفقط. يوم أن تركت أطفالها بأهم فترة بحياتهم وركضت وراء شعور الغيرة والتملك خلف شخص استبدلها دون أن يرف له جفن. كيف طاوعت قلبها وتركت صغارها؟ كيف تحملت الدعس على كرامتها وكبريائها؟ كيف تحملت الفتات وما يجود به زوجها من مشاعر ووقت لها بعد أن تفرغ منه زوجته الثانية؟ لماذا تحملت ومن أجل من؟
كيف، ولماذا، ومتى، وأسئلة كثيرة تهرب منها باللجوء لله وطلب العون والصفح منه. فهي كما قالت روضة، لا تصلح أمًا. انتبهت سلوى على طرقات بباب غرفتها فقالت بتثاقل: "مش عاوزة أكل يا ماما، سبيني براحتي لو سمحتي." دخلت روضة عليها قائلة باستحياء: "دي أنا يا ماما." لم ترفع رأسها المنكبة وقالت لها بنبرة هادئة باردة: "معلش يا روضة، سبيني لوحدي."
نكست روضة رأسها بخزى ودلفت للغرفة وأغلقت ورائها الباب وسارت نحوها. جلست بجوارها وطالعت مصحفها قليلًا ثم قالت: "بسم الله الرحمن الرحيم: 'إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملًا'. صدق الله العظيم. تعرفي يا ماما إيه سبب إن ربنا سبحانه وتعالى شبه الزينة بالبلوى أو البلاء؟ شردت سلوى قليلًا مفكرة بسؤالها وهزت رأسها نافية. بينما تابعت روضة قائلة:
"معناه إن الله سبحانه وتعالى جعل كل ما على الأرض من المخلوقات زينة لها، ولم يفعل ذلك عبثًا أو باطلًا سبحانه، بل من أجل غاية عظيمة وهي: ابتلاء العباد وامتحانهم بتلك المخلوقات. فمنهم بقى اللي بيؤمن بالله، ويتخذ تلك الزينة معونة على طاعة الله، ولا تشغله عن عبادة الله. ومنهم اللي بيكفر بالله، ويجعل تلك الزينة وسيلة له لعصيان الله، والإعراض عن أمره. يعني كل شيء بيبقى باختيارنا لأن ربنا عطانا عقل نفكر ونميز بيه."
ربتت روضة على كفها وقالت: "أنا آسفة لو حملتك اللي حصل لوعد، بس إنتي مشيتي وسبتيها أمانة برقبتي وأنا ماكنتش قد الأمانة دي وخلت الدنيا تيجي عليها كتير. رغم إن كل شيء كان باختيارها على فكرة، بس برضه إحساس المسؤولية عندي وإحساس التقصير خلاني بدل ما أواجه نفسي، أواجهك إنتي." ابتسمت سلوى ابتسامة ساخرة والتفتت برأسها ناحية روضة وقالت بوهن: "كلامك ده بيخليني أحتقر نفسي أكتر وأكرها أكتر." لم تترك روضة كفها وقالت بهدوء:
"مش عاوزة أكون قاسية، بس إنتي لازم تواجهي نفسك وتلوميها ويمكن كمان تحتقريها. عارفة ليه يا أمي؟ لأنك بالطريقة دي بترجعي تاني. لما بنغلط في حق ربنا وبنقصر بنقعد على المصلى زيك كده ونواجه نفسنا بغلطنا ونفضل نستغفر ونعتذر لربنا لحد ما يشملنا كرمه وعفوه وضميرنا يرتاح." تنهدت سلوى بأسى وهي تستغفر الله بداخلها. بينما أردفت روضة قائلة بابتسامة شغوفة رائقة ملأت وجهها الشاحب بالحياة: "وعد طالبة تشوفك."
التفتت إليها سلوى مسرعة وقد لمعت عيناها وسألتها بتلهف: "بتتكلمي جد يا روضة؟ أومأت روضة برأسها وقد اتسعت ابتسامتها وقالت مؤكدة: "كلمت الدكتور أطمن عليها زي كل يوم وقالي إنها طالبة تشوفك إنتي بس." وكأن الدماء تدفقت فجأة بكامل جسدها. فوقفت بتثاقل نتيجة لجلستها الطويلة وخلعت إسدالها وهي تقول بفرحة: "طب ألبس إيه بكرة؟ تفتكري ألبس العباية الكحلي ولا البني؟ أقولك عاوزة أنزل أشتري واحدة جديدة."
وقفت روضة وسارت ناحيتها وقالت وهي تربت على ذقنها وكأنها تفكر: "امممممم... نشتري عباية جديدة؟ تمام، إلبسي يلا وأنا هعرف مالك وألبس أنا كمان ونخرج نشتري كل اللي عاوزاه." قبلتها والدتها بوجنتها وقالت بسعادة: "هلبس بسرعة جدًا. وكمان هنتعشى برة تمام." وتركته واتجهت ناحية خزانتها. ثم التفتت إليها وقالت بابتسامة عابثة: "ولو مالك فاضي يعني، خليه ياخد مفتاح عربية عمرو ويوصلنا." تعالت ضحكات روضة وقالت بعبث رائق:
"يا ماما، ماشي يا ستي هقوله." ما إن وصلت لباب الغرفة حتى استدارت لوالدتها وسألتها بتعجب: "تفتكري جاسم فين؟ دلفت علا لمنزلهم وهي تداري إشراق وجهها الذي استمدته من هذا الكائن الفوضوي والذي تعشقه منذ أن عرفت للعشق معنى. مجرد رؤيتها لوالدتها تجلس والوجوم يعلو وجهها، حزينة، شاردة بالبعيد. انتقلت إليها تلك الحالة وجلست بجوارها بهدوء تسألها وهي تعرف جوابها مسبقًا: "أخبارك إيه يا ماما." خرجت دولت من شرودها
وأجابتها بالرد المعتاد: "الحمد لله يا بنتي." ربتت علا على كتفها وهي تقول: "أخدتي دوا الضغط يا ماما، شكلك مش عاجبني." أومأت دولت برأسها وقالت بنبرة فاترة لا تعرف للحياة طعمًا: "أنا دوايا إني أشوف أخوكي وبس. أسبوعين معرفش عنه حاجة، قلبي بيموت من القلق يا بنتي." تنهدت علا قليلًا وقالت بهدوء مصطنع: "هيرجع يا ماما، ما تقلقيش، وهدوء بابا مطمني." التفتت إليها دولت بجسدها وقالت وهي تكاد تصرخ من شدة غضبها وحنقها:
"أهه أبوكي ده اللي هيجنني، وكأنه عارف حاجة ومخبي عليا. كل ما أسأله ساكت ليه، بلّغ الحكومة ولا أعمل أي حاجة، يرد عليا: هيرجع، ملوش لازمة نعمل شوشرة عالفاضي. قلبه حجر." التفتا على صوت مفاتيح فضل الذي ألقاها على المقعد وهو يقول بتذمر: "أنا قلبي حجر يا دولت." تلعثمت قليلًا من المفاجأة وأجابته بقوة مصطنعة: "أيوة قلبك حجر. لما تنام عادي وتاكل عادي وبتروح شغلك عادي، ولا كأن جاسم مختفي ومنعرفش عنه حاجة، يبقى حجر يا فضل."
ارتمى بجسده المنهك على أريكة أمامهما وهو يقول بأرهاق: "ومين قالك إني مش قالب عليه الدنيا من مشرقها لمغربها؟ كل المطارات سألت فيها، حتى المواني والمعابر سألت فيها. كل المستشفيات بكل المحافظات، جميع أقسام الشرطة، رجالي ورجالته بكل مكان بيدوروا عليه ومالوش أي أثر." فسألته بتعجب وصدرها يعلو ويهبط بجنون: "قصدك إيه؟ ابني جراله حاجة؟ رفع كفيه بوجهها سريعًا وهو يقول ليطمئنها:
"لا يا دولت، أنا متأكد إن جاسم بخير، بس هو تعبان وحب يبعد بمكان لوحده وقريب هيظهر، ما تقلقيش." عادت دولت بظهرها للخلف وكتفت ذراعيها أمام صدرها وقد تهدلت ملامحها وعقلها يأخذها لمناطق ستصيبها بانهيار إن بقيت على هذا الحال. بينما التقط فضل مسبحته وأخذ يذكر الله بداخله وهو يسأل نفسه سؤالًا واحدًا: "إنت فين يا جاسم؟
بنفس المكان، محتفظة بنفس الشرود، تتابع ذرات الغبار بضوء الشمس وكأنها تحسدها على حريتها وعنفوانها، هاربة من عقلها وما يذكرها به. علت شفتيها ابتسامة ساخرة وهي تقول بداخلها: "منذ متى وترك هو عقلي حتى أقول إنها لا تريد أن تتذكره؟ فهو يسري بدمي لا بعقلي وبقلبي. لم أذق حلاوة النوم وراحته بعيدًا عن صدره الرحب الواسع والدافئ. بقيت رائحته بأنفي كلما أغمضت عيني تتسلل بهدوء متخللة كل ذرة بكياني." اقتربت منها الممرضة وربتت
على كتفها وقالت بحنو: "مدام وعد، والدتك هنا زي ما طلبتي، تحبي تقومي تقابليها." رفعت وعد رأسها وطالعتها قليلًا ثم أومأت برأسها موافقة وهي ملتزمة الصمت. أشارت لها الممرضة أن تتقدم معها، فوقفت بتثاقل واتكأت على ذراعها وسارت معها. بعد دقائق، دلفا لحجرة الزيارة، فوقفت سلوى مسرعة. وما إن رفعت قدمها لتتقدم ناحية وعد حتى أعادتها مكانها ووقفت متصنمة تنتظر رد فعل وعد أولًا. ولكن... أين هي وعد؟
فالواقفة أمامها بشحوبها وضعف جسدها ما هي إلا صورة منهزمة وضعيفة لوعد. اعتصر الألم قلبها وهي تجول بعينيها فوق أدق تفاصيل ابنتها التي حتى بسيرها تتكئ على الممرضة للمساعدة. ولكن ابتسامة وعد البشوشة الرائقة إليها ورفع ذراعها نحوها جعلاها تركض ناحيتها وتضمها لصدرها بلهث واشتياق. تركت وعد الممرضة وتشبثت بعباءة والدتها كطفلة تائهة عثرت على أمانها. بينما ابتعدت سلوى عنها قليلًا واحتضنت وجهها بين كفيها وهي تقول بألم:
"وحشتيني يا حبيبتي قوي. دلوقتي بس ارتاحت وروحي رجعت لي." اتسعت ابتسامة وعد وعادت برأسها لكتف أمها وهي تقول بهدوء: "إنتي وحشاني أكتر يا ماما." ضمتها سلوى لصدرها أكثر وحثتها على السير حتى أريكة كبيرة جلسا عليها سويًا وهي ما تزال تضمها إليها. فرفعت وعد عيناها ناحية وجهها وسألتها بتلهف: "جاسم رجع يا ماما." زاغت نظرات سلوى وتلعثمت بردها. ففطنت وعد أنه ما زال متغيبًا، فعادت بعينيها للأرض وهي تقول بخواء
ملأ صوتها ونابع من داخلها: "أنا إحساسي مش بيكذب عليا، هو بخير، بس هياخد وقته أكيد وهيرجع. عاوزاه لما يرجع يلاقيني اتغيرت وبقيت وعد اللي هو عاوزها، مش وعد اللي ياما جرحته واستسلم وبقى يسامحها لحد ما كتم جواه، وفي الآخر انفجر زي البركان واختفى." ملست سلوى على حجابها وقالت بإشفاق على حالتها: "هيرجع وهيرجعك لحضنه وهتعيشوا في سعادة وحب يا قلب ماما." ابتسمت وعد قليلًا واعتدلت بجلستها وهي تقول بحماس بادٍ فقط بصوتها:
"تعرفي يا ماما أنا الدكتور قالي إني بتحسن بسرعة جدًا وإني بدأت أواجه مخاوفي ونفسي. وقال لي هرجع طبيعية وأقوى من قبل بكتير." أتاهما صوت من خلفهما يقول متابعًا حديث وعد: "وهتكملي حياتك وإنتي مرتاحة ومبسوطة وهتعوضي كل حاجة خسرتيها وحياتك هتبقى أجمل." وقفت سلوى مسرعة، تطالعه بابتسامة كلها امتنان وعرفان وهي تقول: "والله يا دكتور أنا مش عارفة أشكرك إزاي. كفاية إنك والمركز بتاع حضرتك مستحملين اتصالاتنا الكتير دي."
جلس أمامهما وقال بجدية: "ده شغلنا وإحنا هنا تحت أمركم والشكر لله. وبنبعد وعد لأنها عاوزة تخف وترجع طبيعية، ده أهم ركن بالعلاج النفسي. أنا مكتبتش ليها أي مهدئات أو أدوية تساعدها، بالعكس اعتمدت على جلساتنا وكلامنا سوا والكتب اللي رشحتها ليها عشان تقرأها وبس." وأشار بيده ناحية وعد وقال بفرحة:
"وزي ما حضرتك شايفة بقت طبيعية جدًا وخلاص اتخلصت من كل السواد والذكريات السيئة اللي كانت بتكبرهم جواها ظنًا منها إنها بتقوي نفسها ضد الدنيا وغدرها." جلست سلوى بجوارها وحملت كفها بين راحتيها وهي تقول بحزن: "بس يا دكتور وزنها قل جدًا وحساها ضعفانة مش قادرة حتى تمشي لوحدها." أومأ الطبيب برأسه متفهمًا وهو يقول بمداعبة:
"الأستاذة مش عاجبها أكلنا وبتاكل قليل جدًا. غير إن الممرضات اشتكوا إنها مش بتعرف تنام غير ساعات قليلة وأنا رفضت أعطيها منومات." فسألته سلوى بقلق: "وإيه الحل يا دكتور؟ هنسيبها كده لا أكل ولا نوم." اتسعت ابتسامته وهو يطالع وعد وقال براحة: "لا يا فندم مش هنسيبها ولا حاجة. أنا عندي خبرين حلوين ليها مش واحد بس." بادلته وعد ابتسامته وهي تسأله بوهن: "أخبار حلوة؟ إيه هي." انحنى بظهره حتى استند على ركبتيه بمرفقيه
وقال وهو يحدقها بقوة: "الأول هترجعي تاكلي من أكل مامتك وتنامي بحضنها." اتسعت عينا سلوى وقالت بفرحة: "بتتكلم جد يا دكتور؟ يعني وعد هتخرج معايا النهاردة. دي مبقالهاش هنا غير أسبوعين." أجابها بتأكيد: "أيوة هتخرج معاكي دلوقتي. هي من الأساس مش محتاجة تفضل بالمستشفى، بس هنعمل جدول زيارات للعيادة لحد ما هي تمل وتقولي أنا بقيت كويسة مش محتاجك خااالص." ردت عليه سلوى بمزاح: "ده حضرتك الخير والبركة يا دكتور، إحنا نستغني عنك."
لم تبتعد بعينيها عن عينيه وكأنها ترى الأمل بهما. شعورها يكبر ويكبر، ودقات قلبها تخبرها أنها ستسمع عنه شيئًا الآن. كانت تتابع حوارهما وهي تنتظر الجزء الثاني من حديثه بتلهف. وهو كان على علم بما يدور بخلدها، فقال مؤكدًا بإيماءة مؤكدة: "أيوة هو. جاسم لأول مرة يكلمني النهاردة ويسأل عليكي يا وعد." ما هذا؟
بعض الأشخاص يقضون عمرهم كاملًا بدراسة الطب والتزود بدراسات عليا والانهماك بالأبحاث والتعمق بذلك المجال كي يستطيعوا مساعدة المرضى. ولكن بحالتها، كان كافيًا أن تسمع اسمه لتتورّد وجنتاها وتتدفق الدماء بكامل جسدها وتدب الحياة بأوصالها وتعود لمعة عيناها وهي تقف بقوة نافضة تعبها وهنها ودون مساعدة من أحد. هل؟ ماذا؟ ماذا قال؟ أعاد الطبيب كلماته بابتسامة متسعة بعدما لاحظ تأثيرها عليها قائلًا ببطء: "جاسم، كلمني، وسأل عليكي."
التفتت وعد ناحية سلوى بعينين متسعتين وهي تهدر بهستيرية: "ماما... سمعتي قال إيه؟ وقفت سلوى بجوارها وقالت بسعادة: "مش قولتلك يا وعد هيرجع وهيرجعك ليه." كادت أن تقفز من فرحتها وتشبثت بطرفي عباءة والدتها وهي تقول بتلعثم: "أنا... أنا هجهز شنطتي... لازم أخرج... مش... مش عاوزاه يشوفني كده." وقف الطبيب وهو يقول بسعادة: "الممرضة جهزت لكِ كل حاجة وشنطتك بعربية أخوكي برة." جذبت سلوى من ذراعها وهي تقول بسعادة:
"يالا يا ماما بسرعة، عمرو وحشني قوي." ودعت سلوى الطبيب بإشارة من يدها وهو بادلها وداعها مبتسمًا براحة. وقف مستندًا على سيارته وحمل هاتفه وهاتف روضة التي لم يمهلها أن تتحدث، بينما تحدث هو قائلًا بسعادة: "وعد هترجع البيت دلوقتي يا روضة." وصله صيحات السعادة والفرحة من روضة وهي تقول بعدم تصديق: "وأخيرًا... أنا مش مصدقة. طب أنا هقفل معاك دلوقتي وهحضر لها كل الأكل اللي هي بتحبه."
أجابها عمرو قائلًا بتنهيدة أخرج بها كامل إنهكه وتعبَه: "وجهزي أوضتها ومحدش يكلمها في أي حاجة يا روضة، مفهوم." ردت عليه بتأكيد: "أكيد طبعًا يا عمرو، محدش هيكلمها بحاجة، ما تقلقش. أنا هعرف روان وطنط آمال. سلام."
أغلق الهاتف وأعاده لجيب بنطاله وهو يرفع عينيه للسماء راجيًا من ربه أن يتمم شفاءها وتعود كما كانت بالسابق، مرحة تلقائية وكأنها شعلة تنير الكون من حولهم. كأول مرة حملها بين يديه يوم ميلادها. كم كانت رائعة وجميلة تشبه دمى روضة بشعراتها الحمراء وبشرتها البيضاء، وتمسكها بستترته حينها كأنها تخبره أنها وجدت الأمان بصدره وبين يديه. من وقتها وهو يشعر أنها قطعة من روحه مسئولة منه وفقط.
اتسعت ابتسامته وهو يراها تتقدم نحوه بهرولة خفيفة مبتسمة على غير عادتها. خطواتها تبدو وهنة لكنها كانت كغريق يصارع الأمواج ليصل للشاطئ. التقطها بين ذراعيه وحملها قليلًا لأعلى مستشعرًا خف وزنها، ولكن ضمها إليه وهو يداعبها قائلًا: "قلبي يا ناس، وحشتيني يا دودو قوي." تعلقَت برقبته وهي تقول بسعادة: "يا عمري وانت وحشتني أكتر وكلكم وحشتوني." أنزلها على ساقيه قائلًا:
"الدنيا كانت ميتة من غيرك بس استحملت عشان عارف إن ده الصح ليكي وإنها خطوة اتأخرت كتير، بس كله بوقته ورجعتيلي بألف خير." وضعت رأسها على صدره قائلة براحة: "أنا رجعت مع نظرة جاسم ليا يومها، حسيت إني قتلته وإن الرحمة بقلبي انعدمت، كأنه قلم ونزل على وشي فوقّني." ثم ابتعدت عنه وتابعت حديثها بابتسامتها الشقية: "تعرف إنه سأل عليا النهاردة؟ أنا هعمل المستحيل عشان أرجع جوزي ليا مهما حصل." ربت عمرو على وجنتيها وهو يقول بثقة:
"مش هيقدر يبعد عنك، كلنا عارفين تأثيرك عليه وحبه ليكي. جاسم مش هيقدر يعيش من غيرك." صفقت بكفيها بحماس وهي تقول مقتربة من أمها: "عاوزة أروح بيتي حااالا." لفت سلوى ذراعها حول كتفيها وقالت بابتسامة قد فارقت وجهها منذ سنوات: "يالا بينا يا قلب ماما، دي أكيد روضة وتيتة إمتثال هيعملولك كل الأكل اللي بتحبيه." التفتت إليها وعد بجسدها وقالت ببديهية: "لا يا ماما أنا هرجع بيتي، بيت تيتة نجاة وهستنى جاسم هناك." حدقت
بها سلوى بتعجب وهي تقول: "يا حبيبتي إنتي دلوقتي مطلقة من جاسم، هتعيشي ببيته إزاي." ضرب عمرو مقدمة رأسه وهو يكظم غضبه من والدته التي لا تمر كلماتها على عقلها وأسرع قائلًا وهو يرمقها شزرًا: "ماما قصدها إنك محتاجة رعاية يا وعد، وعشان نطمن عليكي."
تهدلت ملامح وعد وانطفأت نظراتها وتذكرت جاسم بوقفته المهيبة، فارد جسده الضخم بكبرياء محطم وكرامة مبعثرة، وعيونه التي طالما سحبتها لقلبه والتي كانت أكثر قتامة من أي مرة وعميقة عمق باطن الأرض المقتد بالحمم وهو يقول بمنتهى اللاشعور، اللادراك، اللامبالاة، اللارحمة: "إنتي طالق." أغمضت عينيها وتذكرت نصائح الطبيب للسيطرة على انفعالاتها، بينما عمرو يطالع أمه بلوم على ما تفوهت به وهي عضت شفتيها من الندم. حتى قطعت وعد
تلك الحالة وقالت بإصرار: "أولًا ده طلاق تحت ضغط وعصبية وأعتقد مش محسوب، ولو محسوب فأنا لسه بشهور العدة ولسه زوجته ولآخر يوم هستناه وهحاول أصلح كل اللي عملته." اقترب منها عمرو مقاطعًا بحذر: "بس يا حبيبتي أنا قص... لم تمهله وقتًا أكثر واتجهت لسيارته قائلة بنبرة حازمة: "هروح بيتي وحالا." تركها تصعد السيارة ووالدتها تتبعها وهي تهرب من نظرات عمرو. بينما سار عمرو نحوهما وقال:
"أنا هروح أجيب لك الشوكولاتة اللي بتحبيها وآيس كريم كمان، ثواني وهرجع." صفقت وعد بكفيها وقالت بفرحة: "أيوة بقى هو ده الكلام." أرسل لها قبلة بالهواء، بادلته إياها، والتفت ليذهب ابتسامته ويحل مكانها الوجوم. أخرج هاتفه وهاتف روضة التي لم يمهلها أن تتحدث، بينما تحدث هو قائلًا بسعادة: "وعد هترجع البيت دلوقتي يا روضة." وصله صيحات السعادة والفرحة من روضة وهي تقول بعدم تصديق: "وأخيرًا...
أنا مش مصدقة. طب أنا هقفل معاك دلوقتي وهحضر لها كل الأكل اللي هي بتحبه." أجابها عمرو قائلًا بتنهيدة أخرج بها كامل إنهكه وتعبَه: "وجهزي أوضتها ومحدش يكلمها في أي حاجة يا روضة، مفهوم." ردت عليه بتأكيد: "أكيد طبعًا يا عمرو، محدش هيكلمها بحاجة، ما تقلقش. أنا هعرف روان وطنط آمال. سلام."
أغلق الهاتف وأعاده لجيب بنطاله وهو يرفع عينيه للسماء راجيًا من ربه أن يتمم شفاءها وتعود كما كانت بالسابق، مرحة تلقائية وكأنها شعلة تنير الكون من حولهم. كأول مرة حملها بين يديه يوم ميلادها. كم كانت رائعة وجميلة تشبه دمى روضة بشعراتها الحمراء وبشرتها البيضاء، وتمسكها بستترته حينها كأنها تخبره أنها وجدت الأمان بصدره وبين يديه. من وقتها وهو يشعر أنها قطعة من روحه مسئولة منه وفقط.
اتسعت ابتسامته وهو يراها تتقدم نحوه بهرولة خفيفة مبتسمة على غير عادتها. خطواتها تبدو وهنة لكنها كانت كغريق يصارع الأمواج ليصل للشاطئ. التقطها بين ذراعيه وحملها قليلًا لأعلى مستشعرًا خف وزنها، ولكن ضمها إليه وهو يداعبها قائلًا: "قلبي يا ناس، وحشتيني يا دودو قوي." تعلقَت برقبته وهي تقول بسعادة: "يا عمري وانت وحشتني أكتر وكلكم وحشتوني." أنزلها على ساقيه قائلًا:
"الدنيا كانت ميتة من غيرك بس استحملت عشان عارف إن ده الصح ليكي وإنها خطوة اتأخرت كتير، بس كله بوقته ورجعتيلي بألف خير." وضعت رأسها على صدره قائلة براحة: "أنا رجعت مع نظرة جاسم ليا يومها، حسيت إني قتلته وإن الرحمة بقلبي انعدمت، كأنه قلم ونزل على وشي فوقّني." ثم ابتعدت عنه وتابعت حديثها بابتسامتها الشقية: "تعرف إنه سأل عليا النهاردة؟ أنا هعمل المستحيل عشان أرجع جوزي ليا مهما حصل." ربت عمرو على وجنتيها وهو يقول بثقة:
"مش هيقدر يبعد عنك، كلنا عارفين تأثيرك عليه وحبه ليكي. جاسم مش هيقدر يعيش من غيرك." صفقت بكفيها بحماس وهي تقول مقتربة من أمها: "عاوزة أروح بيتي حااالا." لفت سلوى ذراعها حول كتفيها وقالت بابتسامة قد فارقت وجهها منذ سنوات: "يالا بينا يا قلب ماما، دي أكيد روضة وتيتة إمتثال هيعملولك كل الأكل اللي بتحبيه." التفتت إليها وعد بجسدها وقالت ببديهية: "لا يا ماما أنا هرجع بيتي، بيت تيتة نجاة وهستنى جاسم هناك." حدقت
بها سلوى بتعجب وهي تقول: "يا حبيبتي إنتي دلوقتي مطلقة من جاسم، هتعيشي ببيته إزاي." ضرب عمرو مقدمة رأسه وهو يكظم غضبه من والدته التي لا تمر كلماتها على عقلها وأسرع قائلًا وهو يرمقها شزرًا: "ماما قصدها إنك محتاجة رعاية يا وعد، وعشان نطمن عليكي."
تهدلت ملامح وعد وانطفأت نظراتها وتذكرت جاسم بوقفته المهيبة، فارد جسده الضخم بكبرياء محطم وكرامة مبعثرة، وعيونه التي طالما سحبتها لقلبه والتي كانت أكثر قتامة من أي مرة وعميقة عمق باطن الأرض المقتد بالحمم وهو يقول بمنتهى اللاشعور، اللادراك، اللامبالاة، اللارحمة: "إنتي طالق." أغمضت عينيها وتذكرت نصائح الطبيب للسيطرة على انفعالاتها، بينما عمرو يطالع أمه بلوم على ما تفوهت به وهي عضت شفتيها من الندم. حتى قطعت وعد
تلك الحالة وقالت بإصرار: "أولًا ده طلاق تحت ضغط وعصبية وأعتقد مش محسوب، ولو محسوب فأنا لسه بشهور العدة ولسه زوجته ولآخر يوم هستناه وهحاول أصلح كل اللي عملته." اقترب منها عمرو مقاطعًا بحذر: "بس يا حبيبتي أنا قص... لم تمهله وقتًا أكثر واتجهت لسيارته قائلة بنبرة حازمة: "هروح بيتي وحالا." تركها تصعد السيارة ووالدتها تتبعها وهي تهرب من نظرات عمرو. بينما سار عمرو نحوهما وقال:
"أنا هروح أجيب لك الشوكولاتة اللي بتحبيها وآيس كريم كمان، ثواني وهرجع." صفقت وعد بكفيها وقالت بفرحة: "أيوة بقى هو ده الكلام." أرسل لها قبلة بالهواء، بادلته إياها، والتفت ليذهب ابتسامته ويحل مكانها الوجوم. أخرج هاتفه وهاتف طبيبها الذي رد قائلًا: "السلام عليكم." أجابه عمرو: "وعليكم السلام. عارف إن حضرتك ملحقتش ترتاح مننا بس وعد عاوزة تروح بيت جدة جاسم، ومش عارف أعمل إيه؟
"خليها تروح، ده هيساعدها كتير. فكرة إنها بمكان مرتبط بجاسم ده هيساعدها جدًا." ابتلع عمرو ريقه بتوتر وهو يسأله مترقبًا إجابته: "لو جاسم رجع وشافها، ممكن يكسرها المرة دي." ابتسم الطبيب وقال: "ما أعتقدش. نبرته النهاردة وهو بيسأل عليها تبان جامدة بس مش عليا. أنا متأكد إنه دخل صراع كبير بين عقله وكبريائه وبين قلبه وشوقه ليها. واللي واضح إن شوقه انتصر على كبريائه." تنهد عمرو براحة وقال:
"تمام هخليها تروح. معلش يا دكتور بنزعجك." "مافيش إزعاج ولا حاجة. لازم تواجه كل أغلاطها وتلاقي لها حل بنفسها وما تقلقش عليها." اعتدل عمرو بوقفته وهو يلتقط الشوكولاتة من رف كبير ممتلئ بشتى أنواعها قائلًا: "متشكر جدًا يا دكتور. مع السلامة."
وأغلق هاتفه وابتتاع لها الكثير والكثير من الحلويات وحمل هاتفه مجددًا وهاتف مالك وأخبره بأمر اتصال جاسم وطلب منه أن يؤمن الطريق لمنزل الجدة لرغبة وعد بالعودة لهناك. وعالفور تحرك مالك ورجاله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!