فتحت لمى باب الشقة العتيق، ودلفت إلى الشقة بتوجس. تطلعت وعد حولها فرأت ردهة كبيرة مقسمة ثلاثة أقسام. الأول مكان مخصص لتناول الطعام مكون من طاولة كبيرة محاطة بستة مقاعد وخلفها خزانة للاحتفاظ بالأطباق والمعالق. الثاني مجموعة من المقاعد المذهبة مغطاة بشراشف بيضاء لحمايتها من الأتربة. الثالث مقاعد جلوس متراصة أمام مكتبة كبيرة وعليها تلفاز قديم والكثير من الكتب والتحف. زمت لمى شفتيها بضيق وقالت بتذمر: _يالهوى...
ده إحنا هنتعب جدا.
سارت وعد قليلاً وتوجهت ناحية المطبخ وعاينته بيأس من حالته المزرية. والأسوأ أن المرحاض متصل به. صحيح منفصل، ولكن يفصلهما حائط. خرجت وسارت مجدداً، ولكن هذه المرة ناحية غرف النوم. الأولى كانت غرفة النوم الرئيسية ومكونة من فراش حديدي بأعمدة ومحاط بستائر شفافة جعلته رغم الأتربة العالقة به ساحراً. وبجواره طاولة الزينة وبها مرآة مميزة بنقوشاتها النادرة وخزانة كبيرة وفخمة. واثنان من الكمود على كلا منهما مصباح كهربائي على شكل حورية حاملة شعلة في يدها.
تركت وعد تلك الغرفة وتوجهت للغرفة المجاورة فابتسمت على الفور. لقد كانت غرفة لطفلين، أحدهما فتى والأخرى فتاة. فأيقنت أنها غرفة جاسم وعلا. فهناك فراش باللون الأزرق وفوقه صور للاعبين كرة وسيارات، والآخر فراش وردي حوله على الحائط صور شخصيات كرتونية. اتسعت ابتسامة وعد وتوجهت للمكتب الصغير بجوار فراش جاسم. لامست السيارات اللعبة الصغيرة وتطلعت حولها مجدداً وهزت رأسها قائلة بيأس: _الشقة دي مستحيل تنضف في يوم واحد.
وخرجت ووقفت بجوار لمى وقالت بضيق: _هنعمل إيه يا قطتي. هزت لمى كتفيها وقالت بتلقائية: _هنضفها طبعاً... يالا نغير هدومنا ونبدأ علشان تلاقوا مكان تناموا فيه. خلعت وعد حجابها وقالت بحماس: _يالا بسم الله المستعان. *** انقضت ساعات طويلة والفتاتان تعملان بهمة ونشاط. رن هاتف وعد فأجابت بوهن: _أيوة يا سامر... إنت جيت تحت. _أيوة... هطلع الأجهزة مع العمال... تمام. مسحت عرقها المتجمع على وجهها وأجابته قائلة بموافقة: _تمام...
إطلع. دلفت إحدى الغرف وأغلقت عليها الباب وحملت بساط الغرفة ونفضته من الأتربة في الشرفة وتعالت سعالها. بعدما هدأت الأتربة تطلعت بالأسفل فرأت جاسم يودع العمال. فدلفت للغرفة وخرجت فرأت سامر يتطلع للمبرد بتعجب. فاقتربت منه قائلة: _مش بتشتغل كده يا إبني إنت. التفت للخلف فشَهِق بصوت عالٍ وقال بذعر: _بسم الله الحفيظ... إنتِ مين يا ست إنتى. قطبت وعد جبينها وقالت بحدة: _لا والله... أنا وعد يا أخويا.
تطلع لهيئتها المزرية وعقدة رأسها المتسخة ووجهها المختفي تحت الأتربة وعباءتها الفضفاضة المعقودة على خصرها وذلك السروال القطني أسفلها، فقال بتوجس: _وعد مين... قولى كلمة السر علشان أصدق. خرجت لمى من الغرفة الأخرى وهي تضحك بشدة على تهكم سامر على وعد. فتطلع إليها سامر بتوجس وقال بقلق: _ودي إيه دي كمان... دي قرينك يا زواوي... قصدي يا وعد. ضحكت وعد بشدة على تهكمه على لمى. بينما وضعت لمى ذراعيها بخصره وقالت بضيق: _أنا لمى...
إنت للدرجة دي مش عارفني. تطلع لشعراتها والتي تحول لونها للرمادي ووجهها المموه كضباط الجيش وملابسها الفضفاضة المتسخة. وقال بازدراء: _أعرف إيه بس... محدش قالى إنه في هنا حفلة تنكرية. ضربه جاسم على رأسه وقال بحدة: _بتتريق على مراتى ياض... ده أنا هنفخك. ودلف جاسم لداخل الشقة فتفاجأ بهيئة وعد ولمى فقال بتعجب: _إيه ده... مالهم دول. أشاحت لمى بيدها بتذمر وقالت بضيق: _يوووه... دي الحفلة علينا النهاردة بقا. وقفت
وعد بجوارها وقالت بغضب: _لو سمحتم... حطوا الأجهزة دى مكانها وإنزلوا بقا تعبنا و عاوزين نخلص. لف جاسم حولهما وقال بحيرة: _ده إنتوا لو طالعين من حادثة قطر... مش هيبقى شكلكم كده برضه. زمت وعد شفتيها بضيق ودفعته بذراعيها. وما أن اقتربت من سامر أيضاً حتى دفعتهما سوياً خارج الشقة وقالت بحدة: _يالا برة... مش كفاية تعبانين... هتتريقوا كمان ده بدل ما تقولوا شكراً... برة. وأغلقت الباب بوجههم. استند سامر على الحائط وقال بضيق:
_متجوز هولاكو... دي مفترية. رفع جاسم حاجبيه وقال بتحذير غاضب: _قدامك عشر ثوانى و تختفى من قدامي لهعمل معاك الغلط. تحرك سامر مسرعاً وقال بسخرية: _فعلاً... آخرة خدمة الغز علقة... أنا اللى غلطان اللى عبرتكم أصلاً. هز جاسم رأسه بيأس وهبط الدرج ورائه. فتح سامر باب سيارته وهو يتمتم بغضب. استقل السيارة فوقف جاسم مستنداً على السيارة وقال بقلق: _مالك قالى إن روضة متراقبة من رجالة ال***** ده... مش عارف هنرتاح منه إمتى.
تنهد سامر مطولاً بقلق وقال بهدوء: _أهم حاجة نبقى بخير... وربنا أكيد هيحمينا من شره. تطلع جاسم بالنيل وبالغروب وقال بشجن: _خايف أخسر وعد يا سامر... ممكن ربنا يعاقبنى فيها. ترجل سامر من السيارة ووقف بجواره وقال لطمأنته: _بلاش التشائم ده... وعد إن شاء الله هتفضل كويسة طول ما إنت جنبها. _يا رب... رجالتنا فى كل مكان حوالين البيت. أومأ سامر برأسه وقال مؤكداً: _أيوة... ده غير إسبوتات النور اللى فى كل مكان...
يعنى مافيش دبانة هتعدى. تطلع إليه جاسم بابتسامة هادئة وقال بامتنان: _ربنا يخلينا لبعض يا صاحبى... إمشى إنت بقا. ربت سامر على ذراعه وقال: _تمام... لو إحتجت حاجة فى أى وقت كلمنى... سلام. واستقل سيارته مجدداً. فابعد جاسم عنها. فأدارها سامر وانطلق.
جلس جاسم على صخرة كبيرة أمام سفح النيل وهو شارد بكل ما حدث معه منذ رآها. تغيرت حياته وأصبح لديه أخيراً ما يخشى عليه. رفع عينيه ناحية شقته فوجدها تنظف النافذة. فابتسم بيأس وهو يطالعها بنظرات مشتاقة. لم القلق. يكفي أنها بجواره وفقط. ***
حين نشعر بالأمان والثقة المطلقة، يخلق بداخلنا الحب بكل ألوانه الزاهية. شعور الأمان أعلى منزلة من الحب، لأن أي شخص على وجه الأرض قادر أن يمنحك الحب، لكن نادراً ما تجد شخص يجعلك تشعر بالأمان ويجعل كل أيامك تمر وكل شيء بداخلك مطمئن بدون خوف وقلق. يمكنك أن تقول عنه "شعور يشبه النسيم البارد بعد المطر". الفرق الوحيد أن النسيم يمر بجانبك وهذا يسكن صدرك. نعم هي بعيدة عنه وربما ليست له، لكن قلبه...
كيف له أن يقنعه بأن ما مر به مجرد حلم عابر لشخص لم يتحرك قلبه لامرأة كما تحرك لها. دقائق كانت كفيلة بأن تجعله تائهاً حتى عن نفسه، ولا يشعر بالراحة والأمان سوى وهو يطالعها من بعيد بشرودها بهيئتها التي سلبته رشده. لكنها اليوم لم تظهر. ربما مريضة أو هناك خطب ما منعها من الجلوس كعادتها على النيل. بقي يطالع المنزل وكل تلك الأشياء التي تم شحنها بداخله، وأولئك الأشخاص الذين يسكنون البيت جديداً. وإن كان شخص واحد هو سبب قلقه وبعده عنها، فأصبح الآن أشخاص كثيرون.
وكل ما يشغل باله: ما كل هؤلاء الحرس وكأنه القصر الجمهوري. قرر رحم ساقيه والعودة لقاربه مجدداً، ولكن أوقفه صوت قائلاً بخشونة: _استنى عندك!!! انتبه جاسم لذلك الظل من خلف أحد النخيل والذي يفضح صاحبه المتسلل، فأخرج سلاحه من بنطاله وتحرك ببطء كوحش سينقض على فريسته. عندما اقترب لاحظ انصراف ذلك الشخص فقال له بحذر: _استنى عندك!! التفت يحيي وهو يطالعه بتفحص، بينما قال جاسم بترقب وهو يطالع هيئته: _انت مين؟!!
وبتعمل إيه عندك واقف تراقب البيت ليه انطق؟!! وضع يحيي يديه بجيبي بنطاله وقال ببرود ملائم له: _واقف في أرض الله الواسعة عندك مانع. قطب جاسم حاجبيه بغضب من ذلك المتطفل. ربما هو من رجال أمير ويراقب البيت كي يصطادهم. سحب أمان سلاحه وقال بحدة: _أيوة عندي... دي أرضي وده بيتي، ولو ما قلتش انت مين وهنا بتعمل إيه؛ أهلك هيصلوا عليك على طلوع النهار. تطلع إليه يحيي بسخرية واقترب منه بخطوات واثقة وهو يقول بهدوء:
_بتعرف تستخدم المسدس ده ولا هتعور نفسك يا شاطر. رمى جاسم سلاحه بعيداً ولكمه بغضب وهو يهدر بعنف: _الشاطر ده في المدرسة يا عين خالتك... تعالي أوريك مين اللي هيتعور النهاردة يا كلب الفلوس.
انقض عليه وحاول لكمه، ولكن يحيي تفادى لكمته بتمرس، ومازالت يديه بجيبه. عاد جاسم وحاول لكمه مجدداً، ولكنه تفاداها وابتسم بسخرية. انحنى جاسم قليلاً وفرد ساقه وبحركة دائرية على الأرض سقط يحيي تحت قدميه. لم يمهله الوقت وانقض عليه يكيل له اللكمات. ثنى يحيي ركبتيه ودفعه بعيداً عنه من صدره وانقض هو عليه وثبت ذراعيه بالأرض وهو يقول بغضب: _لو اتغابيت عليك هقسمك نصين بس أنا ماسك نفسي... إيه حكاية كلب الفلوس دي.
اشتعلت عينا جاسم ورفع رأسه قليلاً وضرب رأسه بمقدمة رأسه فترنح يحيي قليلاً. استغل جاسم ترنحه وارتمى بجسده عليه وهو يعود للكماته قائلاً: _مش انت كلب من كلاب أمير... ده أنا هقطعك وأرمي لحمك للكلاب يا ********. دفعه يحيي بعيداً عنه وقال بتساؤل متعجب: _أمير مين وسلطان مين... إنت بتتكلم عن إيه يا عم إنت. تعالى صوتهم فتجمع رجال جاسم وانقضوا على يحيي وكبلوا ذراعيه وأوقفوه أمام جاسم الذي قبض على ذقنه بقوة وهو يهدر بغضب أعمى:
_وانت فاكر لما تستعبط وتعمل فيها غبي هتخيل عليا... ده أنا مر عليا اللي العن منك. حاول يحيي تخليص نفسه من قبضة رجال جاسم وهو يقول بصعوبة من قبضة جاسم حول فكه: _خليهم يسيبوني وأنا هعرفك مين فينا الغبي. التقط جاسم سلاحه من الأرض وصوبه ناحيته قائلاً بنظرات قاتمة وصوت أجش حاد: _اتشاهد على نفسك.
لم تكن تشعر بساقيها وهي تهرول على درج البناية بعدما رأت جاسم يصوب سلاحه ناحية يحيي. خرجت من البناية حافية القدمين وشعرها مبلل وملابسها بحالة يرثى لها وقد ارتدتها مسرعة. ومن العدم كانت تقف أمام فوهة سلاح جاسم وقالت بلهث: _يحيي لأ... ده... ده مالوش علاقة لا بأمير ولا بقصصنا خالص.
طالعها يحيي بغضب وهو يرى جسدها الذي أظهره ذلك القميص الشفاف رغم طوله والذي عكس جسدها بتلك الإضاءة الخافتة. بقوة غريبة بداخله نفض الجسدين المحاصرين له ويكبلوا ذراعيه وخلع قميصه بحركة واحدة تطاير بها أزراره واتجه نحوها ولف كتفيها به وهو يصرخ قائلاً: _إنتي إيه اللي خرجك من البيت كده... إتجننتي في عقلك. هجم عليه هذين الرجلين مجدداً وكبلوه، بينما اقترب جاسم من لمى وسألها بتعجب: _يحيي مين إنتي تعرفيه؟!!
انتبهت لهيئتها المذرية فقالت على عجل وهي تضم قميص يحيي بكلتا يديها باستحياء: _أيوة أعرفه هو بيشتغل بالبحر واتعرفنا علي بعض وأنا قاعدة بمر هنا. أخفض جاسم سلاحه وخلع سترته وناولها إياها وقال بعقلانية: _إطلعي البسي وانزليلي على طول، عاوز أفهم هو إيه بالظبط؟! التفتت ليحيي الذي يحاول تخليص نفسه وهدر بها بعصبية: _إطلعي البسي زي ما قالك يالااااااا.
عادت بعينيها لجاسم الذي طمئنها بعينيه، فعادت للبناية مسرعة. بينما اقترب جاسم من يحيي وهو يخترق عينيه بنظراته قائلاً بجمود: _سيبوه. ترك الرجلان يحيي الذي أعاد شعراته الطويلة خلف رأسه ورفع سبابته بوجه جاسم قائلاً بتهديد حاد: _هتدفع تمن اللي عملته معايا غالي قوي. تغاضى جاسم عن ما قاله وبنبرة آمرة قال: _اتفضل جوة في المضيفة وافهمني إنت مين وهنا بتعمل إيه وتعرف لمى منين.
لم يمهله وقتاً للرد واستدار ناحية البناية ويحيي يتابعه بجمود وبعد ثوانٍ تبعه في هدوء. هبطت لمى الدرج مسرعة فرأت إضاءة المضيفة بالطابق السفلي مضاءة، فدخلت مسرعة وهي تحمل قميص يحيي وقالت بتلعثم: _يا جاسم هو مش وحش... يحيي حد ما يعرفناش ولا يعرف أمير... ده باباه عنده مراكب وبيشتغلوا عليها وشافني من البحر و...... قاطعها جاسم قائلاً بابتسامة شفقة على حالها:
_طب اهدى بس هو عرفني عليه ووراني بطاقته وأنا أعرف والده راجل محترم جداً والكل بيشهد له بالاحترام والنزاهة. وضعت يدها على صدرها متنفّسة الصعداء وعادت بظهرها لتجلس بجواره. فلاحظت اتساع عيني جاسم وانفاس ساخنة من خلفها تلفح مؤخرة رأسها. اتسعت عيناها والتفتت لتجد نفسها جالسة على ساقي يحيي المبتسم بهدوء. انتفضت واقفة وكأنه قرصها عقرب وقالت باستحياء وهي تفرك أصابعها: _أنا آسفة والله... أصلي متوترة خالص ومش عارفة بعمل إيه...
وكنت خايفة لما شوفت المسدس وكده ولا ع...... رفع جاسم عينيه بملل وقاطعها مجدداً وهو يقول: _يا بنتي بـــــــــــس إنتي إيه محطة إذاعة... اقعدي واسكتي. كادت أن تجلس على ساقي يحيي مجدداً من ارتباكها من صدره العاري وهيئته اللذيذة كعادته. رغم الكدمات التي ما أن رأتها حتى صرخت قائلة بفزع: _إيه ده... إيه اللي عمل بوشك كده؟!! سحب قميصه من يدها وارتداه قائلاً بلامبالاة: _ما تقلقيش شوية كدمات بس. جلست بجواره وهي
تقول باشفاق وتساؤل مرير: _وانت إيه اللي جابك هنا أصلاً... مش ضحكت عليا وطلعت بتلعب بيا... جاي تاني ليه... تعرف إنت تستاهل الضرب اللي اتضربته. التفت ناحيتها بكامل جسده وأجابها بنبرة تحمل كل الغضب ونظرات تكاد تحرقها من شدتها، وجاسم يتابع حوارهما بتعجب: _أنا اللي لعبت بيكي... أنا راجل ابن راجل وعمري ما ألعب بحد وكلمتي واحدة... أنا جيت تاني يوم ولقيتك قاعدة مع.... مع خطيبك مش كده.
رفعت طرف شفتها العلوي واعتدلت بجلستها لأنها منهكة بعد حفلة التعذيب أقصد التنظيف بشقة وعد وجاسم وقالت له باستنكار قوي: _خطيب مين... أنا ماليش خطيب. وكأن تروس عقلها قد عادت للعمل وتذكرت أنها بالفعل في ذلك اليوم كانت تجلس مع سامر بانتظاره. من المؤكد أنه رآهما واعتقد أنها خط... قطعت تفكيرها وهي تقول مسرعة: _أيوه افتكرت ده سامر مش خطيبي ولا حاجة وحكيتله عنك وكان بيستناك عشان يتعرف عليك هو خاطب أخت جاسم وهيخطبوا قريب...
أنا ماليش علاقة بيه. ضرب جاسم مقدمة رأسه بملل وقال فاقداً صبره: _ممكن كلامكم يكون معايا وحد يفهمني اللي بيحصل أنا يومي كان طويل وتعبان وهموت وأنام. عادت لمى بعينيها لجاسم وقالت ببرائتها المعهودة: _أنا اتعرفت على يحيي وأنا قاعدة عالنيل قدام البيت وقالي إنه هيخطبني. ضحك جاسم ضحكة عالية وقال باستهزاء: _وإنتي أي حد يقولك أي كلام تصدقيه يا غبية هانم إنتي. اشتعلت عينا يحيي وهدر به بعصبية قائلاً:
_هي مين دي اللي غبية ما تحترم نفسك يا جدع إنت. تطاير الإرهاق من عينيه ووقف نافشاً جسده الضخم وهو يقول بغضب: _ما هو أنا مستني أتعلم الاحترام من عيل تافه بقُصة وديل حصان زيك. وقف يحيي أمامه وما أن فتح فمه ليكيل له السباب وأفظع الكلمات النابية حتى وقفت لمى بينهما وقالت لإنقاذ الموقف قبل عودتهما للشجار: _بااااااااااااس بقاا... ممكن لحظة نظام لو سمحتم. والتفتت ليحيي المتطلع لجاسم بغضب أعمى وقالت مسرعة:
_جاسم ده أكتر من أخويا وسامر ومالك كمان... هما ليهم فضل عليا لدرجة لو قالولي أرمي نفسي بالبحر مش هتردد وهرمي نفسي دول أنقذوني وأنقذوا شرفي. طالعها يحيي ببلاهة وسألها بتعجب: _شرفك؟!!! خرج صوت جاسم حاد ثاقب بنبرة آمرة وهو يقول بحزم: _على فوق يا لمى يالا. أومأت له برأسها وطالعت يحيي قليلاً قبل أن تقول له: _اسمع كل اللي حصل من جاسم ولك مطلق الحرية في إنك تكون عند كلمتك معايا... أو تسحبها مش هزعل منك.
وتركتهم وغادرت صاعدة الدرج مسرعة ودموعها تسبقها. ابتلع يحيي ريقه مهدئاً أنفاسه اللاهثة واقترب من جاسم وهو يرفع كفيه باستسلام قائلاً بتساؤل حذر: _لو سمحت البنت دي عندي أغلى ما كنت أنا نفسي أتصور... احكيلي كل حاجة عنها وإيه حكاية إنكم أنقذتوا شرفها ده؟!!
رغم إنهاكه وشعور التعب المسيطر عليه وآلام جسده من ضربات ذلك السفيق الواقف أمامه إلا أنه أشار له بيده أن يجلس مجدداً وجلس أمامه وقص عليه كل شيء له علاقة بالدار وبأمير وخططه القذرة وبحمايتهم للمى ولأنفسهم منه. كان يستمع إليه وتتفاوت ملامحه بين الإنصات والتعجب والقلق والصدمة و... والغضب. نظراته أصبحت سوداء كشعراته الطويلة وصكه لأسنانه كاد أن يقتلعها من جذورها. وما أن انتهى جاسم حتى سحب جسده وأصبح مقابلاً له وهو
يقول بنبرة سوداء كظراته: _اسمه إيه وألاقيه فين قولي حالاً. مرر جاسم أنامله بشعراته وهو يقول بسخرية: _تفتكر لو أعرف هو فين كنت هبقى محصن البيت على لمى ومراتي بالشكل... بس يقع بإيدي وأنا هشرب من دمه. وقف يحيي أمامه وقال بحزم قاطع وهو يمد كفه ناحية جاسم: _إيدي بإيدك ورجالتك مع رجالتي وعلاقاتك مع علاقاتي وبوقت قليل كلنا هنشرب من دمه. وقف جاسم بدوره وصافحه قائلاً بترحاب:
_خوفك على لمى يخليني أثق فيك ومعرفتي بجدعنة والدك تخليني أحط إيدي بإيدك وأنا مطمن وإحنا قدها إن شاء الله. ربت يحيي على كفه وقال بهدوء: _أنا عليا تأمين البحر أخاف حد يدخل منه زي ما دخلت أنا ومحدش حس بيا وأمير ده هقلب عليه خرم خرم في مصر كلها... أسيبك أنا ترتاح... هنتقابل كتير اليومين الجايين لغاية ما تنزاح الغمة وأطلب منك إيد لمى. جاسم رأسه بتعب وقال بتمني: _يا رب إن شاء الله.
تركه يحيي وانصرف. أطفأ إضاءة المضيفة وأغلقها وأغلق باب البناية بإحكام وصعد الدرج وهو يبتسم بتعب لما قد يكون منتظره من زوبعته القاتلة المسمااااااة... زوجته. *** يوم مرهق آخر، ونهايته غير متوقعة على الإطلاق. من كان يظن أن لمى وبتلك الفترة القصيرة ستقع في عشق ذلك السفيق المسمى بيحيي. كلما تذكر نظراتها إليه ودفاعها عنه ووقوفها أمام سلاحي كي تحميه اتعجب أكثر.
كانت قدماه تسقط فوق درج المنزل بلامبالاة. كلما توجه ناحيتها كانت خطواته تبدو وكأنها ركض أو هرولة. والآن بات يخشي مواجهتها والتواجد معها، ليس منها ولكن عليها. فشوقه لها فاق كل الحدود وبات ينهشه دون رحمة. ما المؤلم أكثر من أن تكون عطشاناً وأمامك الماء ولا تستطيع السُقيا؟ فهي ماؤه وترياقه وشهرزادته العنيدة.
وقف أمام باب شقة عائلته القديمة بمشاعر ممتزجة ما بين نوستالجيا لأيام الصغر، وحنين لتلك الذوبعة القابعة بالداخل والتي ستخضعه بمستشفى الأمراض النفسية عما قريب.
دلف للداخل وهو يرجو من الله أن تمر ليلته على خير. بحث عنها بعينيه بكل مكان لم يجدها. حتى وصل لمسامعه صوت تدفق المياه بالحمام فعلم أنها تستحم بعد هذا اليوم الشاق. الشقة لم تكن كاملة النظافة ولكن أفضل بكثير مما كانت عليه. خلع سترته وأخفى سلاحه بأحد أدراج تلك المكتبة العتيقة ودلف للمطبخ لغسل وجهه بالماء لكي تعمل تروس عقله تلك الدقائق القليلة المتبقية من ذلك اليوم الشاااق.
فتح الصنبور الذي تدفقت منه المياه وبعد ثوانٍ اختل توازنه واندفع الماء منه بوجه جاسم جعله يترنح للوراء من شدته. كلما اقترب قوة الماء كانت تدفعه للخلف. وقفت وعد ورائه تتابعه وهي تضحك ضحكاتها العالية من هيئته المذرية وهو مبلل كلياً بالماء. كان يصد اندفاع المياه بكفيه ويقول بنبرة غاضبة: _إنتي واقفة تتفرجي عليا وتضحكي... هاتي حاجة أسد بيها النافورة دي غرقت.
خلعت المنشفة من على رأسها فانهمرت شلالات شعراتها تغطيها ومدت يدها ناحيته بها. تغاضى عن هيأتها وما تفعله به والتقط المنشفة وسد بها فتحة المياه بالحائط وهو يهدر بعصبية على هدوئها قائلاً: _يا وعد اقفلي محبس الماية الرئيسي هيجيلي ربو من الماية حرام عليكي.
لاحظت ابتلاله الشديد بالماء فركضت ناحية غالق المياه الرئيسي ولكنها دون أن تشعر انزلقت قدماها وسقطت أرضاً. التفت جاسم ناحيتها وتعالت ضحكاته من هيأتها وهي ممددة بمأزر استحمامها والذي امتص المياه من على الأرض وصوت تأوهها منحه حالاً من النشوة والتشفي. لاحظ زيادة تألمها فترك المنشفة واتجه ناحيتها فاندفع الماء مجدداً ودفعه بقوة فتعثرت قدماه بجسد وعد وانزلق بجوارها.
رغم آلام ساقها إلا أنها ضحكت ضحك هيستيري عليه وهو يسقط بجوارها. حاول جاسم الجلوس وهو يقول بنبرة متأوهة: _ملحقتش أشمت فيكي... انتي مخاوية ولا إيه. دفعته بعيداً عنها وهي تقول بزمجرة خفيفة: _يا أخي إوعى... وقوم شوف حل للمطرة اللي فوقينا ده هنتكهرب. وقف بتثاقل واتجه ناحية محبس المياه وأغلقه مسرعاً. وعاد إليها مد يده ناحيتها وساعدها على النهوض قائلاً باشفاق: _قومي بسرعة يالا وغيري البرنُس بتاعك ده كله ماية هتبردي.
تشبثت بيده واستطاعت الوقوف وهي تمسد ساقها. بينما حملها جاسم بين ذراعيه بحركة مفاجئة. فصرخت هي قائلة بانزعاج: _إنت بتعمل إيه نزلني. لم يتطلع بعينيها وقال وهو يسير ناحية غرفة والدته القديمة: _رجلك وواضح إنها وجعتك هتمشي إزاى ولا هو عناد وخلاص.
لم تكن تمتلك القدرة لمجادلته من آلام ساقها. وربما رائحة عطره هي ما جعلتها تسكن بين يديه. ولما لم يكن تلك الضربات التي تطرق بجانبها كمطرقة حديدية من شدتها وصوتها قد وصل لمسامعها. فقلبه لا يهدر هكذا سوى بحضرتها. دلف بها للغرفة وأنزلها على ساقيها بهدوء وحذر واجلسها على مقعد عتيق قائلاً بقلق وهو يتفحص ساقيها: _رجلك اللي وجعاكي أي واحدة خليني اطمن عليكي.
كانت لمساته دافئة على جسدها المبتل البارد، كما النار التي تذيب الجليد. تعالى صدرها بأنفاس متقطعة وعيناها تجول على شعراته التي التصقت بوجهه وهيئته الجذابة ونظراته التي ترجمت ما يدور بعقلها وكأن ذبذباتها قد اخترقت صدره وامتزجت مع قصف قلبه فازداد قصفاً... ورغبة... *** جلس الجميع بشقة نجاة جدة جاسم والقلق هو الكاسي لوجوههم. والوحيدة التي لا تنضب دموعها وملتزمة الصمت هي...
وعد. مر ثلاثة أيام وجاسم ليس له أثر. كل ما تركه خلفه رسالة على هاتف سامر نصها: _سامر.. أنا تعبان وعاوز أكون لوحدي.. محدش يدور عليا بس سبتلك الرسالة دي عشان تطمن الكل عني. جلست دولت بجوار وعد وسألتها برجاء أم قلبها ينفطر على غياب ولدها: _يا وعد يا حبيبتي لو حصل حاجة بينكم عرفينا يا بنتي.. طب مقالش رايح فين.. وليه قال إنه تعبان يا بنتي اتكلمي.
لاحظت روضة اهتزاز أنامل وعد بتوتر بالغ. خشيت عليها من أن تدخل بنوبة من نوباتها القديمة. فوقفت مسرعة وحاوطت كتف وعد بحنو وقالت بهدوء قلق: _قومي يا حبيبتي نطلع شقتك إنتي ما ارتحتيش بقالك كام يوم.. يالا. وقفت وعد بتثاقل فهي فعلاً لم تنم ولم تأكل سوى القليل منذ تلك الليلة. كانت تسير بوجوم وهي تلعن عقلها البائس. المريض. لأول مرة تعترف بمرضها واحتياجها لتدخل طبي. نار تنهش بقلبها قلقاً عليه...
ماذا فعل كي ينال منها ما ناله كل الأيام السابقة؟ هل اختياره لها وعشقه وما فعله من أجلها سواء وافقت طريقته أو اختلفت معها يستحق ذلك العذاب الذي صبته فوق رأسه صباً؟ كلما تذكرت ليلتهم الأخيرة وما آلت إليه، يعتصر الألم قلبها. فآخر نظرات بينهما قتلتها وأصابتها بالعجز. أما جملته التي تخترق عقلها وقلبها وتنزل عليهما كما النصل الحاد الذي يقطع ويسبب نزيفاً...
جملة خرجت منه بنبرة ميتة ونظرات عميقة، سوداء. حينما وقف أمامها بكل كبريائه وقوته ورجولته المطعونة في مقتل قائلاً: _إنتي طالق.. يا وعد. وضعت وعد كفيها على أذنيها وحاولت محو صوته من رأسها وهي تصرخ بهيستيرية وألم: _غبية... أنا غبية... عمري ما هسامح نفسي... أنا بكره نفسي... يا رب خدني بقاااا. ركضت روضة ناحيتها وضمتها بكلتا ذراعيها إليها وهي تقول بتعجب ممزوج بالشفقة: _اهدى يا وعد.. اهدى واذكري الله كل حاجة هتتصلح.
دفعتها وعد بعيداً عنها ووقفت وهي تهذي بهيستيرية محطمة كل ما تناله يديها: _مافيش حاجة هتتصلح... جاسم خلاص... طلقني... إنتي سامعة طلقني. اتسعت عينا روضة وقفت ببطء شديد مصعوقة مما قالته. خرجت من صدمتها على ارتطام زجاجات العطر بأرضية الغرفة تاركة شظاياها بكل مكان، كشظايا وعد المبعثرة والواقفة أمامها في حالة جنون. التفتت روضة على طرقات لباب شقة وعد وجاسم. فكرت قليلاً واتجهت ناحية وعد وحضنت وجهها بين كفيها
وقالت لها بنبرة آمرة: _اوعي تنطقي عن موضوع طلاقك ده حرف إنتي سامعة. كانت الطرقات على الباب تزداد. بينما تهدلت ملامح وعد وهي تطالع روضة بألم وحزن. ربتت روضة على وجنتيها وقالت بحنو: _اوعدك جاسم هيرجعلك وانتي كمان لازم ترجعي قبله... وأنا عمري ما أخلف وعدي... مصدقاني.
أومأت وعد برأسها وهي تتمنى نفسها بصدق ما قالته روضة. فروضة لم تخلف وعداً من قبل وربما قادرة على حل تلك المشكلة وأن تعيد جاسم إليها وحينها ستسقط تحت قدميه طالبة عفوه ورضاه.
ابتعدت روضة عنها واتجهت ناحية الباب وأنذلت نقابها على وجهها وفتحته حتى وجدت أمها ومالك وعمرو يطالعنها بقلق. سمحت لهم بالدخول وأشارت لهم على غرفة أخرى بجوار غرفة وعد. لم يتحدثوا فقط التزموا بنظرتها وتبعوها. ما أن دخلا حتى أغلقت روضة الباب واستدارت ناحية أمها وهي تطالعها بنظرات قاتمة خالية من أي رحمة وهي تهدر بها بنبرة منخفضة قائلة:
_قلتلك جواز وعد من جاسم هتكون نهايته كارثة.. وإنك بتضريها لو سمحتولها إنها تتجوزه.. اتهمتيني إني بغير منها عشان هتتجوز قبلي.. حالتها النفسية كانت زفت وحذرتك.. اشربي.. جاسم.. طلق وعد. تعالت الشهقات من حولها وسقطت سلوى على فراش بخلفها جالسة ووجهها يعلوه الصدمة والوجوم. لم ترأف روضة بحالتها فجثت على ركبتيها أمامها وقالت بعنف لا يليق بها:
_إنتي دمرتيها وهي صغيرة ورجعتي دمرتيها بجوازها.. لأنك مش عارفة حالتها النفسية.. لأنك غريبة عننا.. إنت فعلاً ظلمك اللي عملك أم. كانت سلوى تتلقف كلماتها كالسهام بصدرها فأغمضت عينيها بوهن مطلقة لعبراتها العنان. انحنى مالك قليلاً وجذب روضة من ذراعها وضمها إليه غير مبالٍ بمن حوله ورفع نقابها وهو يلفها نحوه متطلعاً بعينيها التي اتسع سوادهما واختفت منهما الحياة وشدد بقبضته على ذراعيها قائلاً برفق: _اهدى يا روضة...
وما تقلقيش على وعد.. إحنا النهاردة هنكلم الدكتور بتاعها وهو هينصحنا نعمل إيه معاها والله يا قلبي كل حاجة هتتصلح وهترجع أحسن. سحبت نفساً طويلاً وسألته بأمل: _تفتكر يا مالك كل حاجة هتتصلح. أومأ برأسه وهو يقول بتأكيد واثق: _ظني بالله عمره ما خاب يا روضة مش ده كلامك. ابتسمت عيناها وهي تنخرط عن محيطها وتذوب في شهد عينيه...
التي تمنحها الثقة والدفء واللهفة التي تجذبها وتجذبها ناحيته. فعلاً فظنها بالله لم ولن يخيب. تحديداً بعدما رزقها حبه وكل رجائها أن يدوم هناؤها وفرحتها معه للأبد، وألا تضرب العواصف حياتهما كما حدث مع وعد وجاسم.
خرج عمرو مصدوماً مما سمع ووقف قليلاً يستنشق أي ذرة هواء متجولة. كأنما اختفى الهواء من حوله وصدره يضيق ويضيق. التفت برأسه فرأى وعد جالسة على طرف فراشها تحدق باللاشيء. بنظرات خاوية منهزمة. متمسكة بطرف الفراش كأنها تتشبث به من الوقوع. وكأن سكيناً قد طعنه في قلبه. سار نحوها وجلس بجوارها ولف ذراعه حول كتفها وضمه لصدره قائلاً:
_وانتِ صغيرة يوم لما مات زميلك اللي كان معاكي بالفصل ودخلتي لأول مرة بالغيبوبة.. قعدت جنبك ومسكت إيدك وعدتك وعد إني عمري ما هسمح لحاجة تأذيكي أو تأثر فيكي تاني لو صحيتي من الغيبوبة دي ورجعتيلي. ثم بكى قائلاً بنبرة متحشرجة: _بس أنا ما كنتش قد وعدي.. ووقفت أتفرج عليكي وإنتي بتضيعي مني مرة ورا مرة ورا مرة.
رفعت وعد رأسها وطالعته بوهن وجففت عبراته بكفيها الصغيرتين. بينما اعتدل هو بجلسته وتشبت بذراعيها قائلاً بحزم وعيونه قد نفضت الانكسار والاستسلام: _أنا مش هاممني حصل إيه أو هيحصل إيه... حاجة واحدة بس هي اللي هتهمني من النهاردة وهتكون هدفي.. هي إن أختي الصغيرة ترجعلي تاني مهما اتكلف الموضوع ومهما كانت النتائج بس عاوز إيدك بإيدي. أومأت برأسها مراراً وتكراراً وهي تقول باستجابة بنبرتها الضعيفة:
_أنا كمان عاوزة نفسي.. عاوزة أرجع طبيعية زي أي بنت. ارتسم شبح ابتسامة على ثغر عمرو وهو يسألها بعزم: _هنقوم حالا نروح للدكتور بتاعك وكل اللي هيقول عليه هنعمله اتفقنا. مالت برأسها قليلاً وقالت بشرود: _عشان جاسم يرجعلي مش كده. تنهد قليلاً وطالعها باشفاق وهو يقول: _عشان جاسم يرجعلك.. وهيرجعلك لأنه بيحبك يا وعد وعمري ما شوفت حد بيحب حد زي ما هو بيحبك. تعالى صدرها هبوطاً وصعوداً وهي تقول من بين دموعها:
_لا هو كرهني خلاص.. إنت ماشوفتش هو إزاي كان بيبصلي. شدد قبضته على كفيها وقال بقوة: _أنا مش عارف اللي حصل بينكم ولا عاوز أعرف بس اللي عارفه ومتأكد منه.. إن اللي يحب حب جاسم ويعمل اللي عمله عشان تكوني ليه.. عمر الكره ما يوصل قلبه... هو بس مجروح ولازم تستحملي وبكل قوتك ترجعيه ليكي تاني اتفقنا. تماسكت قليلاً وقالت بانصياع واهٍ: _إن شاء الله.
كانت سلوى تتابعهما من بعيد وهي تتحسر على حال أبنائها. روضة لم تتحدث سوى الصدق. هي الفاعلة والمجرمة برواية أبنائها ولكنها لن تستسلم، ستحسن علاقتها بأولادها وستقوم بدورها حتى ولو لفظوها.. ستعمل جاهدة على أن تستردهم مهما كلفها الأمر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!