الفصل 27 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
18
كلمة
6,704
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

في المساء، تجمع الجميع بمنزل فضل. رحال وسلوى ودولت في حالة يرثى لها على خطف ابنتيهما. كانت روضة تدعي القوة وقلبها ينفطر على صغيرتها. تحتضن ريتال التي تطالع الجميع بذعر. قبلت وجنتها وحملتها ودلفت بها لغرفتها. ثم أجلستها على فراشها وقالت بحنو: "يالا يا توتا هنغير هدومنا وهعملك ساندويتش وكوباية لبن وننام تمام." هزت ريتال رأسها بنفي وقالت وهي زامة شفتيها بحزن: "لأ مس هنام غير لما ماما ترجع." ملست روضة

على شعراتها وقالت بتفهم: "ماما هترجع كمان شوية ما تقلقيش، وأنا هنام جنبك زي ماما. إيه رأيك؟ رفعت عيناها لروضة وسألتها بعدم فهم وهي تضم ذراعيها بتوتر: "تيتة بتقول إن ماما حد هيقتلها، وأنا مس مصدقة. ربنا جميل ومس هياخد بابا وماما ويسيبني لوحدي." ابتلعت روضة غصة بصدرها، فقلقها على وعد وعلا يزداد، ولكنها رسمت ابتسامة هادئة وقالت:

"أنتي شطورة يا توتا، ربنا جميل ومش هيزعلنا أبداً، وماما ووعد هيرجعوا الصبح وهتصحيكي عشان تفطري معاها." فركت ريتال عينيها وقالت بتثاقل: "وعد يا مس روضة." احتضنتها روضة داخل صدرها وقالت وقد انسابت دموعها على وجنتيها: "وعد... رفعت رأسها للسماء وناجت ربها قائلة: "يا رب بعظمتك وقدرتك أستغيث. يارب احميهم واحفظهم ورجعهم بألف سلامة. إنت القادر على كل شيء. احفظهم من شر البني آدم ده. يا رحمن يا رحيم برحمتك أستغيث."

عادت بعينيها للصغيرة فوجدتها قد غفت بحضنها. مددتها على الفراش ودثرتها جيداً، وقبلت مقدمة رأسها وهي تهمس لها: "ماما هترجعلك يا توتا، ووعد هترجعلي." ثم وقفت وخرجت لتجلس بينهما. لاحظت شحوب وجه جدتها فدنت منها وسألتها بخفوت: "مالك يا تيتة؟ إنتي تعبانة؟ رفعت امتثال عيناها ناحيتها وقالت بحزن: "أنا مش مهم، بس وعد وعلا يرجعوا." فتحت روضة حقيبتها وهي تحمد ربها أنها تذكرت دواء جدتها، وأخرجت قرصاً من علبته وناولتها إياه قائلة:

"حطي يا حبيبتي حباية القلب دي تحت لسانك، ولا عاوزة لما وعد ترجع تلاقيكي تعبانة." بكف مرتجف أخذت امتثال القرص ووضعته أسفل لسانها بإنصياع. بعدما اطمأنت عليها، سارت للنافذة ووقفت تتابع الطريق وقد أطلقت لدموعها العنان وتعالى نحيبها الصامت. فوقفت روان بجوارها ورتبت على ذراعها قائلة: "يا روضة، ده إنتي اللي بتواسي الكل، تقومي تعملي كده بنفسك؟ وضعت كفها على فمها لتقلل من ارتفاع نحيبها وهي تقول بتلعثم: "هي...

هي شافت كتير وحرام اللي بيجرالها ده." تنهدت روان بأسى وقالت: "معاكي حق، كل اللي علينا نقول يا رب." رفعت روضة هاتفها وهاتفت مالك الذي أجابها مسرعاً: "أيوة يا قلبي." فسألته من بين نحيبها: "طمني، مافيش أخبار عنهم يا مالك؟ أجابها بنبرة قاطعة: "إحنا وزعنا نفسنا وقبل الصبح هيكونوا معانا، وبنسمع كل حاجة علا بتقولها هناك." كفت دموعها وهي تسأله بتلهف: "شافت وعد يا مالك؟ ولا لسه؟ صمت قليلاً ثم قال بأسى: "لأ لسه...

بس حالة جاسم صعبة ومش هنرتاح غير لما نرجعهم إن شاء الله. إهدي إنتي وخلي عندك ثقة بربنا." عادت بعينيها للسماء من الشرفة وهي تقول بخشوع: "يارب يا مجيب الدعاء يا جابر الخواطر، اجبر بخاطرنا كلنا ويرجعوا بالسلامة." أمن مالك على دعائها وتابع قائلاً: "آمين يارب. أنا هقفل دلوقتي ومش هقدر أرد عليكي تاني لأننا هنعمل مكالمة جماعية بين الظابط وجاسم وسامر وأنا. أول ما هعرف حاجة من نفسي هكلمك تمام." أومأت برأسها

كأنه يراها وقالت بوهن: "حاضر. لا إله إلا الله." "محمداً رسول الله." أغلقت الهاتف فسألتها روان مسرعة: "إيه الأخبار؟ هزت رأسها بيأس وهي تطالع حال أمها وجدتها ودولت، وقالت بأسى: "وعد لسه ما راحتش عند علا، وهما بيسمعوا علا بس هي مش سامعاهم." تنهدت روان بحزن قائلة: "هيرجعوا سالمين بإذن الله." ***

كان يقود سيارته يتبعه ثلاث سيارات أخرى لرجاله، وهو يضرب بين الفينة والأخرى مقود سيارته بصراخ. لم يعد ما بينهما دم، طارق وأعماله القذرة فحسب، بل تجرأ واختار بيته ويحتفظ الآن بأخته... ووعد. أتاه صوت سامر عبر الهاتف قائلاً: "إهدى بقا يا جاسم، مش كده، إنت مشتت تركيزنا يا أخي." بينما جائهم صوت أحمد قائلاً ليطمأنهم: "علا بقالها شوية ساكتة ومافيش أي صوت للأسف." أجابه سامر وهو يقول بتنهيدة ثائرة: "ليه كده يا علا؟

حرام عليكي. هي بخير إن شاء الله." أأمن مالك على حديثه وقال: "أكيد هما بخير وربنا هيرجعهم بالسلامة." انتبهت علا على حركة غريبة بخارج غرفتها. فتحت الباب بهدوء، ومن خلال خط رفيع تابعت ما يفعلوه. أحدهم يحمل امرأة ومددها على الأرضية بإهمال. فقالت علا هامسة: "في واحدة تقريباً ميتة أو منومة. واحد كان شايلها وحطها عالأرض، بس مش قادرة أشوف منهم هي مين." فقال أحمد مسرعاً: "تقريباً وعد وصلت عند علا." فصرخ به جاسم مسرعاً:

"هو إيه اللي تقريباً؟ إنت عاوز تجنني؟ أجابه أحمد: "هي قالت في واحدة حد جابها البيت وشكلها منومة ومش قادرة تحدد هي مين، وأنا خمنت إنها وعد." حتى أتاه صوت علا وهي تقول بحدة: "وعد؟! فسحب أحمد نفساً طويلاً وزفره بحدة وقال: "هي وعد." ركضت علا ناحيتها وارتمت بجوارها، ورفعت رأسها على ركبتيها وهي تصفع وجنتيها قائلة بصراخ: "وعد... وعد ردي عليا يا حبيبتي... وعد." ثم رفعت عيناها ناحية أمير تطالعه شرزاً، وهي تقول بصوت أجوف عميق:

"عمرك ما هتنضف يا خسيس. إنت وعدتني لو جيتلك مش هتأذيهم." ضحك ضحكة عالية ووضع ساقاً فوق الأخرى وهو يقول بلامبالاة: "معلش، دي بيني وبينها طار شخصي. بسببها أنا مطلوب راسي، وكمان عشان أحرق قلب أخوكي عليها." ضمته علا لصدرها وقالت بصراخ: "مش هسمحلك تمس شعرة منها، ولو فكرت قسماً بالله هقتل نفسي." أنزل ساقيه وثنى جزعه للأمام مقترباً منها وهو يحدقها بقوة، ثم قال بفتور:

"إنتي مش في موقف يخليكي تهدديني، ولو فكرتي بس تأذي نفسك، بنتك هتحصلك، وإنتي شوفتي إيدي واصلة لجوة بيتكم إزاي." اتسعت عينا علا و قالت بذعر: "بنتي؟ لأ! خرج ريتال من اللعبة القذرة دي." عاد لجلسته واضعاً ساقاً فوق الأخرى مبتسماً بتشفي وهو يهمس: "إنتي ملكي و بتاعتي مهما حصل." ضاق صدرهم فسأل سامر بقلق: "يا أحمد باشا، ارجوك، إيه اللي حصل؟ أجابه بتلعثم: "مافيش، بس إحنا لازم نسرع شوية."

عض جاسم شفته، كاد أن يقطعها وهو يكظم غضبه، وصوت وعد يتردد برأسه بآخر كلمات لها واعتذارها له. لم يكن يسمع شيئاً من حديثهم وهو يلعن نفسه. كيف طاوع نفسه وتركهم بمفردهم بتلك الظروف، وما الذي دفع علا لفعل ما فعلته؟ من المؤكد أنها فقدت إيمانها به، لذلك قررت القصاص لزوجها بيدها. فسأله مالك بقلق: "ما بتردش علينا ليه يا جاسم؟ خرج من شروده قائلاً:

"إحنا قربنا من المكان، عاوزين نمسح المنطقة كلها، ما نسيبش فيها سنتيمتر واحد وبأقصى سرعة." أجابوه أجمعين: "اكيد." *** صور مبهمة ومهتزة تظهر أمامها، وألم شديد يعصف برأسها، فاعصرت عينيها وهي تتأوه بوهن. صفعات متتالية على وجهها يصاحبها ملامسة بعض قطرات للماء، وصوت علا يصدح برأسها وهي تقول: "فوقي بقا يا وعد... إنتي سمعاني؟

بدأت الرؤية تتضح شيئاً فشئ، ووجه علا مقابل لها. رفعت وعد رأسها الثقيل بتثاقل وهي تتأوه مجدداً، فأردفت علا قائلة وهي تضع كفها أمام وجهها: "وعد شيفاني كويس؟ إيه اللي واجعك؟ ابتلعت وعد ريقها وقالت بتلعثم: "راسي بتوجعني." انحنى أمير عليها قليلاً وقال بابتسامة خبيثة: "نورتي يا مدام وعد." انتفضت وعد بجلستها وهي تتحسس حجابها وملابسها، وقد بدأ عقلها بالعمل وتذكر مداهمة منزلها وحمايتها للمى وخطفها ومحاولة تخديرها،

فصرخت بفزع قائلة: "قسماً بالله لو قربت مني ولا لمستني، لأكون مقطعاك بأسناني." قهقه ضاحكاً وهو يقول باستهزاء: "فاكرة لما شبهتيني بالصرصار واتحدتيني؟ اهه أنا دلوقتي اللي هفعصك تحت جزمتي زي الصرصار." اعترضت علا نظراته ناحية وعد بجسدها وقالت بغلظة: "بلاش تستفزني يا أمير، ورجع وعد. إنت كنت عاوزني أنا، وأنا معاك أهه." هام بوجهه قليلاً وقال بتنهيدة ملتاعة:

"إنتي حاجة تانية يا قلبي، ووجودك معايا كان مجرد وقت مش أكتر، سواء جيتي بنفسك أو أنا اللي جبتك." ثم مال برأسه قليلاً وطالع وعد شرزاً وهو يقول: "إنما البت دي فهي مجرد حشرة حكمت على نفسها بالموت يوم ما اتدخلت في اللي ميخصهاش، ولازم تدفع التمن، وكمان عشان أكسر عين أخوكي اللي كان عامل راسه براسي." دفعتها وعد قليلاً وقالت وهي عابسة بعينيها تقاوم آلام رأسها: "لأ عشت ولا كنت قبل ما تفكر بس مجرد تفكير إنك تكسر عينه. عارف ليه؟

لأنه أشرف منك وأنضف منك، والكل بيحبه وبيحترمه. إنما انت زرع شيطاني." صك على أسنانه ورفع كفه وهوى به على وجهها، فقطع خاتمه جانب شفتها العلوية، فصرخت متألمة. بينما احتضنتها علا مسرعة وحمتها بجسدها وهي تتوسله قائلة: "لأ يا أمير، ضرب لأ، أرجوك." لم يكن يسمعها، فجذب رأس وعد من بين أحضانها وهو يشد بقبضته على شعراتها من تحت حجابها، هادراً بغضب: "أنا هوريكي يا ***** الزرع الشيطاني ده هيعمل فيكي إيه؟

كانت وعد تصرخ متألمة من شعراتها، وعلا تحاول فك قبضته عن رأسها، حتى انخلع حجاب وعد بكفه وانهمرت شعراتها حول جسدها. وقف أمير مشدوهاً من طول شعراتها ولونها وهو يطالعها بنهم وإعجاب. بينما كانت وعد تلملمهم وتبكي وهي تبحث بعينيها عن شيء تستر به رأسها. فخلعت علا سترتها ولفتها حول رأسها، ووقفت علا أمامه وهي تحدقه بقوة هادرة بصراخ: "لو لمستها تاني هندمك، وحقها جاسم هياخده منك. إوعى تفتكر إنه هيسيبك، لأنك من دلوقتي ميت."

جذب علا من ذراعها وقربها له قائلاً بهمس: "يا ريت يجي ياخد حقها عشان أقتله زي ما قتلت طارق." اشتعلت عيناها وهي تحدقه بعينين متسعتين، حتى اقتربت هي منه وقالت بهمس يشبه حفيف الأفعى: "اعترفت على نفسك يا مغفل، وطار جوزي. هاخده منك حالا." وسحبت مسدسه من حزام بنطاله وسحبت أمانه وصوبت فوهته ناحيته وهي تقول بشراسة: "العين بالعين والسن بالسن، والبادي أظلم."

صرخت بها وعد وهي تصم أذانها وقد انكمشت بنفسها ضامة ركبتيها لصدرها، بينما ابتلع أمير ريقه بتوتر وهو يقول أثناء الرجوع بظهره للخلف: "نزلي السلاح يا مجنونة." ابتسمت بمكر وقالت: "جه وقت الحساب يا كلب." زاد صراخ وعد وهي تقول بذعر: "لأ يا علا، دم لأ."

لثانية غفلت علا بعينيها ناحية وعد، فركض أمير نحوها مسرعاً وارتمى بجسده عليها، فسقطا الاثنان على الأرضية وهو يكبل جسدها بجسده متحكماً في حركتها ويحاول جذب السلاح من يدها، وهي تصرخ بهيستيرية وتسبه، حتى انطلقت الرصاصة واستقرت بجسد أحدهما. زاد صراخ وعد بهيستيرية وهي تتمتم باسم علا. فصرخ بالمقابل أحمد برجاله وقد سمعه الثلاثة حين قال: "في صوت ضرب نار؟ يادي المصيبة." صرخوا جميعاً بهيستيرية وجاسم يصرخ قائلاً:

"لأااااا يا رب، ده مش عدل." وقال سامر بصوته الغليظ وقد ارتعد كما ترتعد فرائسه الآن: "مين اللي اتضرب بالنار؟ صمت أحمد قليلاً وقال بأسف: "يا أمير... علا." *** ساد الصمت لثوانٍ وكأن الطير على رؤوسهم. لا يقطعه سوى صوت نحيب وعد عند أحمد الذي ينتظر أن تنطق بكلمة، حتى أتاه صوت علا قائلة: "إبعد عني يا مقرف." فتحت وعد عينيها على صوت علا، وجدتها تدفعه بعيداً عنها وهو ينزف من كتفه. فزحفت على ركبتيها ناحية علا،

وبنظرة شمولية سألتها بلهث: "إنتي كويسة؟ هو اللي مات ولا إنتي؟ دفعت علا أمير المتأوه إثر طلقة رصاص اخترقت كتفه الأيسر، وجففت الدماء التي سالت على كفها، تاركة السلاح من يدها وطمأنت وعد قائلة بتقزز: "أنا كويسة، بس قرفانة من دمه القذر اللي وسخ إيديا ده." هتف أحمد مسرعاً: "الرصاصة جت بأمير." تنفس الجميع الصعداء وقال مالك مسرعاً: "الحمد لله." فتابع أحمد قائلاً بقلق: "ده أخطر، لأنه لو ماماتش هتكون مصيبة. يا جاسم بقيت فين؟

ابعتلي إحداثياتك." أجابه جاسم وهو ينحرف عن الطريق الرئيسي: "أنا وصلت للمكان اللي حددته وهبعتلك اللوكيشن حالا، يا رب يكونوا قريبين من هنا." صف جاسم سيارته وهبط مسرعاً متطلعاً بالرمال وآثار السيارات عليها. وتطلع للبعيد، وقف سيارات رجاله ورائه، وهبط واحد منهم وسأله بقلق: "في حاجة يا باش مهندس؟ التفت جاسم إليه وأشار على الرمال بأنامله وقال:

"دي آثار عربيات وشكلها من شوية، يمكن إحنا عالطريق الصح، يالا بينا نمشي عالأثر، خليكم ورايا بسرعة." وعاد لسيارته صعدها وأدارها منطلقاً وقال لأحمد: "أحمد باشا، في آثار عربيات عالرمل، أنا همشي وراها يمكن نوصل لحاجة. اللوكيشن عندك، ابعته لمالك وسامر، لو طلعت أنا عالطريق الصح تدعموني بسرعة." أجابه سامر مسرعاً: "أنا أقرب حد ليك، والمكان اللي أنا فيه طلع فشنك مافيهوش حاجة. أنا هلف وارجع عشان أبقى قريب منك." احتضنت

وعد علا وهي تقول بفرحة: "الحمد لله يا علا إنك كويسة." في غضون ثوانٍ، امتلأت الشقة برجال أمير الذين صوبوا فوهة أسلحتهم تجاه وعد وعلا، بينما دنا أحدهم منه وسأله بقلق: "أمير باشا، إنت كويس؟ سعل أمير متأوهاً وهو يجيبه: "الرصاصة... في كتفي." خلع الرجل سترته وفك أزرار قميصه وتطلع بجرحه، ثم التفت لرجاله وقال: "إنت هاتلي برشامتين ترامادول وشوية ميه، وإنت سخنلي سكينة بسرعة وهاتها." صرخ أمير متأوهاً وقال: "هتعمل إيه؟ خلع الرجل

قميصه وهو يقول بهدوء: "الترامادول هيوديك في دنيا تانية... ما تقلقش، مش هتحس بحاجة خالص." انكمشت وعد وعلا أمام هؤلاء الجدران البشرية، بينما أعطاه الرجل الحبوب وانتظر دقائق، ثم أمر رجاله بتكبيله، وغمس السكين الساخن بجرحه، فصرخ صراخاً عالياً. تصاعد معه صراخ علا ووعد الذي وصل لأحمد، فسأل جاسم بقلق: "إيه الأخبار عندك يا جاسم؟ رد بسرعة." زفر جاسم فاقداً صبره وقال: "لسه ما وصلتش لحاجة خالص."

استمر الرجل في محاولاته حتى أخرج الرصاصة من كتفه أخيراً، فسقطت رأس أمير مغشياً عليه. رفعه أحد رجاله ومددوه على الأريكة وهم يتطلعون ناحية وعد وعلا بنظرات غريبة. مال أحدهم على الآخر وقال هامساً: "هي دي الحريم ولا بلاش." حك الآخر ذقنه بسلاحه متمعناً بجسد علا وقال: "البت دي صاروخ." وخزه بذراعه وقال محذراً: "دي بالذات لأ، ده أمير باشا يطير رقبتنا فيها دي." ابتسم الآخر بسخرية وقال:

"ما هو مرمي بين الحياة والموت أهه، وشكله هيموت، نزف كتير." كتفيه وهو يسأله بعدم فهم: " قصدك إيه؟ مش فاهم." وضع سلاحه بسترته وتوجه ناحية علا يطالعها بإشتهاء وهو يقول: "أنا هدخل الأوضة جوة مع الصاروخ، مش عاوز حد يزعجنا." فغرت علا فمها وهي تراه يتقدم ناحيتها وتمسكت بوعد وهي ترتجف، حتى اقترب منها وجذبها من ذراعها قائلاً: "تعالي يا قمر، ده أنا أعجبك قوي." تشبثت وعد بها وقالت بصراخ: "سيبها يا حيوان، ربنا ينتقم منك."

تطلع جاسم بالمنزل الذي يبعد عنه بضع مترات، ويقف أمامه سيارات فارهة، وقال بصياح: "لقيت البيت. يا أحمد باشا، يا سامر، لقيت البيت." تنهدوا جميعاً حتى قال مالك بفرحة: "بسرعة يا جاسم، بس خد بالك، أكيد مسلحين." هدر بهما أحمد بعصبية وهو يقول: "خليك مكانك يا جاسم، إنت كده عملت اللي عليك، ده دورنا. وعامة، أنا والقوة اللي معايا قريبين منك. ارجوك اسمع كلامي." صف جاسم سيارته وسحب سلاحه من جواره وأغلق هاتفه وقال:

"من مات دون أهله فهو شهيد. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله." لاحظ الجميع انقطاع الخط بينهم وبين جاسم، فضرب أحمد مقود سيارته وقال بحدة: "غبي." زاد سامر من سرعة سيارته وهو يقول بلهث: "يا جماعة لازم نلحقه، هو لواحده مع رجاله، مش كفاية. أنا دقايق وهيوصل للوكيشن اللي بعته آخر حاجة."

كان صراخ علا يتزايد ووعد مازالت متشبثة بها. استاق أمير من غفوته وصوت علا يصدح برأسه. فتح عينيه. لف رأسه ناحيتها فرأى ذلك الشخص يجذبها ناحيته ويحاول تلمسها. حاول رفع كتفيه دون جدوى، وهن جسده جعله لا يقوى على الحركة. فسحب جسده مجدداً وحاول الوصول لسلاحه القابع بجوار ساقه. مرة بعد مرة حتى لامست أنامله طرف السلاح.

جذب الرجل علا بقوة فسقطت وعد على ظهرها متأوهة. حاولت علا الفرار فجذبها من قدمها وسحلها. هنا وصلت كف أمير لسلاحه وهو يضغط أسنانه من ألمه وقد زاد نزيفه، فعدل من وضعه بين يديه ورفعه بيده المهتزة وصوبه ناحية ذاك الرجل وأطلق سراح رصاصته وصرخته المتألمة. رفع جاسم رأسه ناحية المنزل وصرخ برجاله: "بسرعة يا رجالة."

وزاد ركضهم ناحية المنزل، فرآهم أحد رجال الحراسة الذي ما إن رفع سلاحه حتى أصابته طلقات جاسم ورجاله. وقف رجال أمير مشدوهين بين صديقهم الذي مات صريع طلقة أمير، وبين صوت الطلقات الكثيرة بالأسفل. وعلا قد فقدت وعيها من ذعرها.

فتحوا نوافذ البيت وبدأوا في تبادل الطلقات النارية مع جاسم ورجاله، الذين احتموا بالسيارات. وبعد قليل لاحظت وعد انشغال الجميع، فزحفت ببطء حتى باب الشقة وهي تطالع المسافة بينها وبين علا، فقررت تكملة زحفها لمجرد فكرة أن جاسم معرضاً لخطر الإصابة بأحد الطلقات. ما أن وصلت للباب حتى وقفت متثاقلة وركضت على الدرج مسرعة، وقفت أمام الباب الرئيسي حتى رأت جاسم مختبئاً بجوار باب إحدى السيارات والطلقات تنهال على رأسه.

فركضت ناحيته صارخة بخوف: "إبعد يا جاسم، دول مش بيهزروا، إرجع." اتسعت عينا جاسم وهو يراها تتقدم راكضة ناحيته. فركض هو الآخر ناحيتها وهو يشير لها بالتراجع قائلاً: "إستني مكانك يا وعد." اخترقت إحدى الرصاصات ساقه فسقط صارخاً. بينما وقفت وعد مكانها وصرخت بذعر وهي تراه ينزف من ساقه. في ذلك الوقت وصل سامر ورجاله وبدأوا في إطلاق الرصاصات ناحيتهم فسقط أحدهم ميتاً، واختفى البقية داخل الشقة. ركض سامر ناحية

جاسم الذي قال بتأوه صارخ: "خلي وعد تركب العربية بتاعتي واقلع الجاكيت بتاعك واديهولها حالا، شعرها باين." زحفت على ركبتيها ناحيته وارتمت بحضنه وهي تجهش بالبكاء. فعدل من سترة علا على رأسها وضمه إليه لتهدأ. فدنا منها سامر ولف سترته حول كتفيها وهو يطالع البيت بقلق من هدوئه، حتى سكنت وطالعت جاسم بشوق وهي تقول من بين عبراتها: "أنا سبب الرصاصة اللي في رجلك دي، هفضل سبب أي أذى ليك." ضاق صدر سامر فقال فاقداً صبره:

"يا وعد، مش وقته، قومي ادخلي عربية من عربياتنا خلينا نساعده ونطلع نخلص علا." ربت جاسم على وجنتها وقال متحكماً بآلام ساقه: "اسمعي كلام سامر، يالا وبسرعة تجري لأي عربية وتدخليها ومهما حصل ما تنزليش منها، اتفقينا." أومأت برأسها وسألته بقلق: "طب قوم معايا خلينا نروح بيك المستشفى بسرعة." أجابها بنبرة قاطعة: "لما أطمن على علا، اسمعي الكلام، يالا."

وقفت مسرعة وعدلت من غطاء رأسها وسارت حتى أحد السيارات وفتح لها رجل من رجالهما الباب حتى دلفت فأغلقه ووقف يحرسها. خلع جاسم قميصه ولفه على ركبته أعلى الطلقة النارية وعقصه بكل قوته لوقف النزيف، فسأله سامر بتعجب: "إنت ناوي على إيه؟ فهم نيته ما إن رآه يهم واقفاً على ساق واحدة ويجر الأخرى متحملاً آلامها وهو يقول: "هجيب أختي لو على موتي."

أشار سامر لرجاله، فهو يعلمه جيداً ويعلم صلابة رأسه، وهذا ليس وقتاً للجدال. صعد سامر ورجاله أولاً، وجاسم يقفز على ساق واحدة صاعداً بها الدرج. هذا الصمت بات يقلقهم، فوقف سامر يلتقط أنفاسه وصاح قائلاً: "علا، إنتي سمعاني؟ أجابه أحدهم: "هي معانا وإحنا مالناش في الحرب اللي بينكم. سيبونا نمشي مش هنأذيها، وحقكم خدوه من اللي آذاكم، فاحسنلكم تسيبوا سلاحكم قبل ما تدخلوا."

فكر سامر لثانيتين ودلف رافعاً كفيه بإحداهما سلاحه، ثم انحنى وهو يطالع أحدهم موجهاً فوهة سلاحه ناحية رأس علا التي تطالعه بذعر، فقال له محذراً: "إياك تلمسها، أنا هعملك اللي إنت عاوزه." تطلع سامر بجواره فوجد أمير ملقى على أحد الأرائك عاري الصدر بضماد امتلأ بالدماء وكتفه متهدل على الأرضية ويتأوه بأنين مكتوم. عاد بعينيه إليهما وقال بجدية:

"أنا بنفسي هنزل معاكم وأوصلكم لغاية عربياتكم، بس سيبوها وارفعوني أنا ووعد. شرف مني محدش هيمسكم." تطلعوا ببعضهم وقد استدار سامر واضعاً كفيه خلف رأسه بإستسلام. توجه نحوه أحدهم بحذر وتأكد أنه لا يحمل أي أسلحة وأشار للآخر أن يتقدم. فترك علا وتوجه ناحيته، فصاح سامر قائلاً: "محدش يفكر يأذيهم، يا جماعة هما مالهمش في اللي بينا وبين أمير. أنا هنزل معاهم لحمايتهم. محدش يلمسهم."

دلف جاسم للشقة يجر ساقه، فانتفضوا مذعورين. فقال مسرعاً: "أنا مصاب ومافيش سلاح معايا، وزي ما سامر قال، عليكم الأمان، انزلوا معاه." دفعوه قليلاً للداخل وصوبوا سلاحهم في رأس سامر وخرجوا من الشقة. ركضت علا واختبأت في صدر جاسم وهي تبكي بهيستيرية. ضمه إليه براحة، بينما هبط كل رجال سامر للأسفل ووقفوا يتابعون انصراف رجال أمير بهدوء. هدأ جاسم علا قائلاً بقلق: "حد مسك ولا عملك حاجة؟ هزت رأسها نافية وهي تقول بارتجاف:

"لأ، أنا كويسة. إنت اللي رجلك مالها؟ أبعدها عنه قليلاً وتطلع داخل عينيها وقال لطمأنتها: "ده خدش من رصاصة، ما تقلقيش." ثم اشتعلت عينيه بنار الحقد والكره ودفعها بعيداً عنه وسار عارجاً بساقه ناحية أمير وهو يسبه. وما إن اقترب منه حتى انحنى والتقط سلاحه من يده ورفعه ناحية صدره. فوقفت علا أمامه واعترضت اتجاه سلاحه بجسدها وهي تقول: "لأ يا جاسم، ما تورطش نفسك بروح." صك أسنانه بغضب ودفعها هادراً بها بعصبية: "بتدافعي عن مين؟

ده قتل جوزك وكان هيموتنا كلنا، إوعى من وشي." عادت مرة أخرى واعترضته قائلة بنبرة قاطعة: "رغم كل ده، لولاه كان الكلب اللي مرمي قدامك ده هيغتصبني وهو رغم إنه بيموت بس حماني منه." تطلع جاسم بجثة أحد ملقى على الأرض وأخفض فوهة سلاحه ودسه بجيب بنطاله. وسار ناحيته يطالعه بتشفٍ ثم جلس بجواره على الأرضية ورفع خصره للأعلى ممداً إياه على ظهره يطالع شحوبه وقال بحدة: "تعرف...

نفسي أقطع من جسمك حتت وأرميها لكلاب السكك وأشوفهم بينهشوها بعينيا، بس لا تربيتي ولا ديني يسمحولي بكده." اندفع سامر لداخل الشقة وما إن طالع علا حتى ركض ناحيتها واحتضن وجهها بين كفيه وطالعها بنظرة شمولية وهو يسألها بقلق: "إنتي كويسة يا عمري؟ أجابته بوهن: "أيوة الحمد لله." انتبهوا على صوت سيارات الشرطة وسيارات الإسعاف، وبعد ثوانٍ امتلأ المكان برجال الشرطة ومالك والكل يتطلع إلا أمير بتعجب. حتى سردت علا كل ما حدث.

عاينه أحد الأطباء الذي نكس رأسه وقال بأسى: "فقد دم كتير جداً للأسف... البقاء لله." استندت علا برأسها على صدر جاسم وهي تطالعه بنظرات خاوية. دنا منه مالك وأغلق له عينيه وهو يقول: "خلاص، رحت المكان اللي هتتحاسب فيه عن كل حاجة عملتها، وهتقف بين إيد ربنا وطارق هياخد حقه منك يوم يختصم المختصمون." تأوه جاسم من ساقه فاقترب منه سامر وهو يقول بقلق: "يالا يا جاسم، رجلك بدأت تنزف، عربية الإسعاف قدام البيت."

وقف متثاقلاً فداهمه دوار شديد وسقط مغشياً عليه. ركض الجميع ناحيته وعلا تصرخ بفزع حتى تم حمله على فراش متحرك للإسعاف وهبطوا به الدرج مسرعين. وقفت وعد تستمع لصراخ علا باسم جاسم وهي ترجو المجندين قائلة بنحيب: "سيبوني أدخل، ده جوزي، حرام عليكم." لاحظت خروج المسعفين وهم يحملون جاسم على فراش محمول، فاندفعت ناحية سيارة الإسعاف وصعدتها وجلست بجواره متمسكة بكفه وتقول من بين عباراتها: "جاسم... رد عليا يا حبيبي."

عاد من ثباته على صوتها، ففتح عينيه وطالعها بوهن وشدد على كفها بقبضته. فقبلت كفه وهي تقول بتلعثم: "هتبقى كويس إن شاء الله، ما تخافش، أنا معاك." أغلق عينيه مجدداً وقد أُغشي عليه. ضرب المسعف ظهر كرسي السائق وصاح قائلاً: "اطلع بسرعة يا عبده، نزف دم كتير." أغلق سامر الباب عليهم والتف لعلا التي تطالعه ببكاء واحتضن وجهها بين كفيه وقال لطمأنتها: "هيبقى كويس، متقلقيش، جاسم أقوى من كل اللي مر بيه." رفعت

عيناها للسماء وقالت برجاء: "يا رب يطمنا عليه." ربت مالك على كتفه وقال مسرعاً: "يالا يا سامر بسرعة، خد علا عالمستشفى إطمن عليها، وأنا هروح للحاج فضل أعرفه اللي حصل وأخدهم وأحصلكم على المستشفى." أومأ سامر برأسه وقال: "تمام، هنستناكم." صعد سامر وعلا سيارتهما وتبعوا عربة الإسعاف، بينما بقي مالك مع أحمد حتى حملت جثة أمير أمامه وتم نقلها بعربة الإسعاف. فصعد سيارته هو الآخر وتوجه لمنزل فضل رحال. ***

مرت الأيام والأسابيع والشهور، وقد تغير بها ما تغير وبقي منها ما بقي. وهي متوقفة، لم تتقدم ولم تتراجع. زادت زياراتها للطبيب بالفترة الأخيرة، وتحاول بقدر الإمكان الاعتماد على حالها. تتحسن حالتها شيئاً فشئ وتحاول التخطي قدر الإمكان، ولكن دون فائدة. لم تصدق تلك النقطة التي قد وصلت إليها، فابتسمت بسخرية وهزت رأسها بيأس. تلك الحياة تحتاج عقلاً لم يخلق بعد لفهمها. "وعد." التفتت وعد برأسها وقالت مسرعة:

"أيوة يا طنط براء، ثانية واحدة وجاية." ارتدت وعد حجابها وخرجت مسرعة، فوجدت زوجة أبيها براء جالسة مع مديرها بالعمل. فاقتربت منه وهي تقول بإستحياء: "آسفة والله يا أستاذ محمد، غصب عني تأخيري ده." وقف أمامها وقال بابتسامة ودودة: "حصل خير يا ستي، المهم دلوقتي هاتي الملفات اللي خلصتيها وأنا هكمل، وبكرة الصبح قدميهم إنتي بالشركة، مش حابب مكانتك الجديدة تتهز." أجابته وعد بود:

"مش عارفة أشكرك إزاي، بس أنا بحاول لسه أتعود على جو الكويت الحار نار زي الشيبسي ده." تعالت ضحكاته وقال بمزاح: "شيبسي؟ ما أنا مصري زيك أهه ومستحمل عادي." جلست أمامه وهي تناوله ملفاً ممتلئاً وقالت بتعب: "أنا مجرد ما أخرج من التكييف وأقابل الجو بالشارع من شدة الحرارة أنفي بينزف دم فوراً." هز رأسه بأسى وقال: "معلش، بكرة تتعودي." قدمت له براء الضيافة، لكنه وقف مسرعاً وقال بأدب:

"متشكر جداً يا فندم، بس أنا مضطر أنزل عشان أخلص الملف لوعد، وإلا ده هيأثر عليها بالسلب." ابتسمت إليه براء بود وقالت: "كل مرة ما بتاكلش شيء، المرة الجاية هتتغدى معانا." ضحك محمد ضحكة عالية وقال لها مداعباً: "حضرتك بقيتي تحكي مصري أفضل مننا." حركت براء كتفيها بتسليم وقالت: "اتعودت عيسي الأول وبعده وعد." حمل الملف وقال وهو ينصرف: "وعد، بكرة لازم تيجي الشغل، مش من أولها هتقضيها إجازات كده. مش كويس عشانك ده." أوصلته للباب

وهي تقول زامة شفتيها بحزن: "أكيد هاجي، مهما حصل هعمل إيه." تطلع إليها قليلاً ثم استأذنها قائلاً: "خلاص تمام. أشوف وشك بخير." أجابته بابتسامة خافتة: "مع السلامة." أغلقت الباب ودلفت للداخل، فغمزت لها براء وقالت بمداعبة: "شكله بيحبك يا وعد." قطبت وعد حاجبيها وقالت مسرعة: "حب إيه بس، ده بيساعدني مش أكتر." اقتربت منها براء وقالت بحنو: "يا حبيبتي، حياتك مش هتقف. لازم تتزوجي بيوم." تنهدت وعد بأسى وقالت:

"خدت نصيبي يا طنط، الحمد لله، وأنا عشت أحلى قصة حب وأحلى حالة زواج بالدنيا، وبحمد ربنا على الفترة دي حتى لو كانت مجرد أيام بس." و تركتها وعادت لغرفتها، وقد تجمعت عبراتها بعينيها كعادتها. ثم أخرجت هاتفها وطالعت صورهما سوياً بالزفاف أو صورهم العادية ونظراته الهادئة وضحكته الساحرة. اشتاقته واشتاقت لكل شيء معه. انتبهت على رنين هاتفها فسحبت نفساً طويلاً وأجابت مسرعة: "روضة حبيبتي." أتاها صوت روضة قائلة بشوق:

"وحشتيني قوى يا قلب أختك، ينفع كده يا وعد؟ مصعبناش عليكي كل الفترة دي." جلست وعد على فراشها وقالت وهي تكفف عبراتها: "أنا مرتاحة هنا يا روضة، طمنيني على ماما وتيتة وعمرو وروان وكلهم." أجابتها روضة بخفوت: "إنتي وحشانا كلنا ومفتقدينك يا وعد، وأيامنا مملة من غيرك." نبرة الحزن بصوت روضة أذابت تماسكها فقالت بدموعها التي انهارت مجدداً: "هتتعودوا، أنا خلاص قررت أستقر هنا وبدأت أشتغل بشركة وأموري كويسة." شهقت روضة شهقة

عالية وصاحت قائلة بفزع: "شغل؟ إنتي قولتي فترة وهترجعي، إنما إقامة على طول يا وعد؟ مش هسمحلك ولا هسامحك، إنتي سامعة." ابتلعت وعد دموعها التي انسابت على شفتيها وقالت بحزن: "غصب عني والله." صاحت بها روضة بغضب: "عمرك ما كنتي ضعيفة يا وعد ولا بتستسلمي بسهولة، تقومي تسيبي الدنيا كلها وتهربي."

تطلعت وعد بمرآتها ونزعت حجابها لتنسدل شعراتها التي قد اغتالتها يداها وقصتها دون رحمة ليصل طولها الآن إلى منتصف ظهرها بعدما طالت قليلاً الشهور الماضية. ومررت أناملها بهم قائلة بأسى: "أنا عشان وعد القوية مشيت وسبت كل حاجة. لو كنت ضعيفة كنت هفضل قاعدة أستناه وأترجاه، وهو اتحول لحجر وقلبه قسى عليا أنا بعد كل اللي مرينا بيه. ما كنتش هقدر أستحمل، كنت هنهار يا روضة." ساد الصمت بينهما حتى خرج صوت روضة شاحباً وهي

تقول بنبرة هادئة وقاطعة: "وعد، أنا فرحي آخر الشهر ده، ولو ما نزلتيش مصر وحضرتي الفرح، وعد مني ما هسامحك بحياتي." ها هو وعد جديد بلا رحمة أطلقته روضة كما أطلقت دموعها قبل أن تغلق الهاتف، تاركةً وعد متصنمة مكانها والهاتف مازال على أذنها وقد أصابتها الصدمة. هل روضة الحنونة الهادئة قد قررت لفظها من حياتها هي الأخرى بتلك السهولة؟ لم تشعر بوالدها الذي دلفت لغرفتها وجلس بجوارها يطالعها بقلق وهي لم تسمعه، فهزها قائلاً بخوف:

"إنتي كويسة يا بنتي؟ سقط الهاتف من يدها والتفتت إليه بذعر، ثم تمالكت أعصابها وقالت بتعجب: "بابا!! حضرتك جيت إمتى؟ انحنى والتقط هاتفها من على الأرضية وقال: "من شوية. سمعتك بتكلمي حد فقولت أطمن عليكي." استندت بكفيها على طرف الفراش متمسكة به وهي مطأطئة رأسها وقالت بنبرة خافتة: "كنت بكلم روضة." هز رأسه بتفهم واعتدل بجلسته قائلاً:

"أكيد قالتلك على ميعاد فرحها. أنا عامة هنزل مصر أول الأسبوع الجاي، لو حابة تنزلي معايا تمام، مش حابة أنا مش هغصب عليكي يا بنتي." استندت برأسها على كتفه وقالت بهدوء: "من هنا لوقتها ربنا يسهل." دلت براء عليهما وقالت بمداعبة: "السفرة جاهزة يا جماعة. عاملة ليكم محاشي مصري وحمام محشي مصري، إنما إيه عظمة." تعالت ضحكات عيسى الذي طالع وعد بطرف عينه وسألها بمكر: "عظمة هاااه؟ إنتي عملتي فيها إيه؟ ضحكت وعد وقالت بمداعبة:

"اصبر عليا شوية وأنا هخليهالك من شبرا." تعالت ضحكاتهم، فضمها عيسى لصدره بذراعه وبراء تطالعها بإشفاق. منذ اليوم الأول لوعد معها وهي تشفق عليها. لم تنسى نوبة الصراخ التي داهمتها أول يوم لها وكيف حطمت كل زجاج غرفتها، وحينما كسروا الباب للحاق بها كانت قد قصت شعراتها الطويلة بهيستيريا، وبكفين قد أغرقتهما الدماء من الزجاج المنثور بكل مكان.

يومها حقنتها براء بحقنة مهدئة حتى سقطت مغشياً عليها، فحملها عيسى لغرفته، وبقيت براء بجوارها طوال الليل حتى استيقظت، فاحتضنتها براء بحب وحاولت جاهدة مواساتها، ومنذ ذلك اليوم ووعد تحبها وقد وجدت بها براء أختاً صغيرة تملأ فراغ يومها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...