الفصل 28 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
21
كلمة
8,583
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

جلس أمام حاسوبه منهمكًا بشدة وهو يراسل أحد العملاء، فمنذ افتتاح شركة رحال الهندسية، بلغ التعب منهم الثلاثة. حتى مالك يقسم نفسه بعناء بين تجهيز شقته وعملهم الجديد والقديم. انتبه على رنين هاتفه فأجاب مسرعًا: –عايزة إيه يا علا؟ أجابته علا بوهن: –عايزة أقابلك يا سامر، مينفعش كده والله. أغلق شاشة حاسوبه بغضب وزفر أنفاسه بقوة وهو يقول: –هو إيه اللي مينفعش وعايزة تقابليني ليه؟

ارحميني بقا يا علا، أنا خلاص صبري نفذ ومبقاش فيا حيل للعب العيال بتاعنا ده. وصله تنهيدتها الهادئة وهي تقول: –أنا مش فهماك يا سامر. ابتلع ريقه بتوتر وهو يصيح بها بعصبية: –مش فهماني أنا!! بصي يا بنت الناس، إنتي لو رجعتيلي عشان تنتقمي مني وتشمتي في عذابي، فأنا بطمنك، إنتي انتقمتي وكرهتيني في نفسي وفي فيكي وفي العالم كله. اشمتي براحتك بقا وسبيني في حالي. سألته بتعجب حزين: –كرهتني يا سامر؟

مرر أنامله بشعراته الكستنائية، والتي قد طالت بالفترة الأخيرة، وقال ناهيًا الحوار: –سبيني دلوقتي يا علا، أنا تعبان ومش طايق نفسي. معلش أنا هقفل، سلام. وأغلق هاتفه ورماه على سطح مكتبه. وقف مالك على باب المكتب يتابع غضبه بإشفاق واقترب منه قائلًا: –مش كده يا سامر، حرام عليك. ضغط سامر عينيه بقوة وزفر زفرة أخرج بها عصبيته وهو يقول:

–سيبني في حالي يا مالك، مش ناقصك. لو عاوز تتكلم في الشغل أنا سامعك، غير كده وحياة أبوك لأتقي شرى الساعة دي. رفع مالك كفيه بتسليم وقال مسرعًا: –خلاص خلاص، براحتك. إنت جهزت الرسومات الهندسية للكومباوند الجديد؟ أشار له سامر بعينيه عن ورقة كبيرة عليها التصميم وقد فردها على لوح كبير وقال بهدوء: –التصميم أهه، أنا جهزته. يا ريت تراجع عليه ولو في تعديلات، اعملها إنت معلش. أومأ مالك برأسه وقال:

–حاضر، متقلقش أنا هشوفه وأنهيه. قوم دلواقتي روح لجاسم عشان عاوزك. وقف سامر وقال وهو يخرج من مكتبه: –عاوز إيه هو كمان؟ دلوقتي يطلع عصبيته عليا وأنا اللي فيا مكفيني. سار ناحية مكتبه وصوت علا يخترق رأسه، يعلم أنه يقسو عليها وبشدة، وأنها الآن أصبحت هشة وضعيفة بشكل منفّر. لا يريد أن يستغل ضعفها ذاك، يريدها علا حبيبته القوية الصلبة التي بقوتها تصبح أجمل امرأة رآتها عيناه واقتحمت عقله.

دلف لمكتب جاسم الذي يقف بشرود أمام نافذته يتابع اللاشيء بنظرات ميتة. تنحنح ليلفت انتباهه، وبالفعل التف جاسم بجسده ناحيته وأشار له بالجلوس قائلًا: –تعالا يا سامر، إقعد. جلس سامر بإنهاك، بينما سار جاسم ناحية مكتبه وهو يعرج بقدمه قليلًا، فمنذ إصابته بالطلق الناري بها، وقد أصابت أوتارها فتأثرت وبات يعرج بها عرجة خفيفة. جلس على مقعده وقال بعملية: –بقالك أسبوعين في رسمة يا سامر. رفع سامر عينيه بملل وأجابه ببرود:

–خلصتها ومالك بيراجعها للفينش النهائي. ضرب جاسم سطح مكتبه وقال بغضب: –وإنت متفنشهاش ليه؟ ده شغلك وإنت مسئول عنه، لازم تخلصه مش تكلف بيه مالك اللي فرحه كمان كام يوم ومقطع نفسه بينا وبين تجهيزاته. صك سامر أسنانه وانتفض واقفًا وهو يهدر به بصوت أعلى: –هو وافق، إنت مالك؟ وبعدين قولتلك ميت مرة بلاش تعلي صوتك عليا. أغمض جاسم عينيه وهو يقول بهدوء: –أنا آسف. تنهد سامر بأسى على حاله وقال مغيراً الموضوع:

–بمناسبة سيرة جواز مالك، إحنا لازم نعرف ناقصه إيه ونكمله، مش هنقف نتفرج عليه وهو بيلوص كده، لازم نحشر نفسنا بالتفاصيل لأنه عمره ما هيطلب مساعدة. ابتسم جاسم بخفوت وهو يقول ساخرًا: –اسمها نحشر يا بيئة. بادله سامر ابتسامته وهو يجلس مجددًا ويقول: –ماشي يا ابن الناس يا أخلاق يا متربي. المهم التصميم بكرة الصبح هيكون على مكتبك، لازم نأجل شغلنا شوية ونهتم بمالك. اتفقنا. هز جاسم رأسه بتفهم وقال بإنصياع:

–اتفقنا يا كبير. عقبالك إنت والمتخلفة أختي اللي بتحب أهبل زيك. اتسعت ابتسامة سامر وقال بمداعبة: –حلة ولقيت غطاها. اطلع إنت منها، وعامة أنا مش هتمم جوازنا غير لما ترجع علا تاني. يا أخي وحشني تنطيطها عليا ومعاملتها الناشفة ولا قفلة التليفون بوشي، يااااه كانت أيام. طالعه جاسم ببلاهة وقال مستنكرًا: –مش بقول أهبل، محدش صدقني. طالعه سامر بقوة وهو يقول ساخرًا: –أنا اللي أهبل برضه، وإللي إنت عملته مع مراتك إيه؟

حك جاسم أنفه وقال مغيراً الموضوع: –يا أخي أنا مش بالع فكرة الفرح اللي العروسة والستات بمكان وإحنا الرجالة بمكان. أجابه سامر بتعقل وهو يتخطى ما تخطاه قائلًا: –العروسة منتقبة وده الطبيعي، المهم ربنا يسعدهم ويفرحهم. –يارب. وقف سامر وهو يقول: –لما أقوم أفنش التصميم أنا. حرام هو مش ناقص، ولو احتاجت حاجة رن عليا أو عليه.

تركه وخرج، ليعود جاسم لشروده مجددًا. منذ ذلك اليوم وقد توقف العالم من حوله، باتت الأيام متشابهة ورتيبة ومملة. الجميع يراه قاسيًا، ولكنّه حررها من قيده وعاقب نفسه أخيرًا. ورغم ألمه ببعدها، إلا أنه أراح ضميره وعقله. كلما تذكر يوم طلاقهما الرسمي وجلوسهما أمام المأذون ودموعها التي كانت تتوسله أن يرحمها، وقتها كان جموده هو الوجع بمعناه الأقصى. كان حوار عيناهما موجعًا لكل من كان حولهما. هذا فراق بيني وبينك، ليست مجرد كلمات

قد قيلت وليدة اللحظة، لكنها قرار أتى بعد الكثير من الفرص التي قد مُنحت على أمل التغيير والاستمرار، ولكنها ضاعت. الكثير من الأشخاص الذين فارقناهم منحناهم العديد من الفرص وبطرق كثيرة، كانوا في كل مرة يجدون برهانًا جديدًا يمنحوننا إياه ليثبتوا أنه لا شيء قد تغير، وأن سيناريو الخيبات سيعيد نفسه مرارًا وتكرارًا. حينها يتطور الفراق من غصةٍ في القلب إلى رحمةٍ لا بدَّ منها، وهذا ما فعله. مرت الشهور وقلبه يتمزق عليها. مجرد

تفكيره أنها ببلد آخر بينه وبينها كل تلك المسافات يعتصر الاشتياق قلبه بشدة. لن ينسى يوم وقف بجانب بعيد بالمطار يطالعها لآخر مرة قبل سفرها، كانت ضعيفة وهشة لدرجة الانكسار. يعلم أنها ستعود، وإن كانت هناك فرصة لهما من جديد، يجب أن تكون بالطريقة الصحيحة تلك المرة.

لم تخرجها تلك الهالة البيضاء التي تحيط بها من حزنها. فهي بأهم وأحلى يوم بحياتها تقف بمفردها رغم كل المحيطين لها. حبست روضة عبراتها بعينها وهي تطالع هيأتها الملائيكية بفستان زفافها التي اختارته رقيقًا كحالها وبسيطًا حد الروعة، والذي جسد جمالها بقوة. ربتت سلوى على ذراعها وقالت من بين دمعاتها المنسابة: –طالعة زي القمر في الفستان يا روضة، ربنا يسعدك يا بنتي. التفتت إليها روضة وقالت بحنو: –بتعيطي ليه دلوقتي يا ماما؟

أجابتها آمال وهي تضم روان لها بفرحة: –أنا كمان بقيت أعيط لما روان قاست فستانها، وأنتم لما بناتكم هيلبسوا فساتين جوازهم هتفتكرونا وتعيطوا زينا كده. ملست روان على بطنها المتكور وقالت بمزاح: –أنا أكتر حاجة خايفة منها إني أعملها وأولد بالفرح، هتبقى مصيبة. تعالت ضحكاتهم فقالت لها سلوى بمداعبة: –حبكت يعني يا روان وتبوظي فرح أخوكي. هزت روان كتفيها وقالت: –أنا ماليش دعوة، وقتها ابقوا اسألوا البت الشقية وعد اللي هخلفها دي.

علا الوجوم وجوه الجميع فسألتهم روان بفضول قائلة: –هي وعد خلاص مش هتنزل مع عمي عيسي ده؟ هيوصل بكرة الصبح. أنهت روضة الحوار قائلة بحدة: –ساعديني يا ماما وأقلعيني الفستان ده لو سمحتي. بدأوا في مساعدتها وعلقوا الفستان على الخزانة بحرص، بينما توجهت روضة لغرفة وعد وأغلقت الباب عليها وأطلقت لعبراتها العنان. دَلفت عليها امتثال وهي تتكئ على عصاها وأغلقت ورائها الباب وجلست على فراشها بهدوء وفتحت لها ذراعيها، فارتمت روضة

في صدرها وهي تهذي بتلعثم: –للدرجة دي هنتِ عليّ وعد يا تيتة؟ مش هتحضري فرحي وتسيبيني لوحدي بسهولة كده؟ ملست الجدة على شعراتها الناعمة وقالت بحنو: –إنتي أكتر واحدة عارفة هي مرت بإيه يا روضة، وعارفة إنها لازم تعالج جرحها بإيدها عشان ترجع أقوى وتقدر تكمل حياتها. بس أنا حاسة إنها هتيجي، معرفش ليه. هزت روضة رأسها نافية ورفعت عينيها ناحية جدتها وقالت بنحيب: –لا مش جاية، بابا ركب الطيارة وهي فضلت هناك. مش هسامحها أبداً.

تنهدت امتثال بحزن وقالت: –لو زي ما بتقولي ومش هتحضر الفرح، تبقى لسه تعبانة ومحتاجة وقت، وإنتي لازم تفهميها. اعتدلت روضة جالسة وكففت دموعها وهي تقول بجدية: –ربنا يصلح الحال. أنا هقوم أغسل وشي وأقعد معاهم شوية. اتكأت الجدة على عكازها بكلتا يديها واستندت برأسها عليه وهي تناجي ربها بأن يصلح أحوالهم ويهديهم لطريق السعادة والراحة.

باليوم التالي، جلست سلوى بغرفتها وأبت الخروج منها رغم محاولات روضة وعمرو في إقناعها بالعدول عن رأيها، وهو لم يفرض نفسه عليها. كانت تسمع صوته وقلبها يريد الركض ناحيته، ولكن هذا كان سابقًا حين تركت أولادها واختارته هو، وتدفع الآن ثمن تضحيتها تلك غاليًا. بعد ساعات، دلفت عليها روضة الغرفة وقالت بضيق: –بابا مشي، هيشوف مكان يقعد فيه لغاية ما يرجع، مش حابب يضايقك. لم ترفع سلوى رأسها عن الأرضية وقالت بهدوء:

–براحته، وكده أحسن ليا وليه. ابتسمت روضة بسخرية وقالت: –كده أحسن ليكي وكده أحسن ليه وكده أحسن ليها، وأنا مفيش أي تقدير لمشاعري بينكم! فرحي بكرة وكل واحد فينا في ناحية، يا فرحتي. سألتها سلوى بتنهيدة بائسة: –مردتيش على أختك يا روضة؟ لملمت روضة شعراتها وقالت بحدة: –مش هرد على حد، وما تفتحيش الموضوع ده تاني يا ماما معايا، خليني محافظة على تمثيلي إني مبسوطة. وقفت سلوى وطالعتها مطولاً ثم قالت بأمومة:

–حافظي على بيتك يا بنتي، وراعي ربنا في جوزك، ده بيتمنالك الرضا، ترضي يا حبيبتي. أجابتها روضة بجمود: –حاضر يا ماما، متقلقيش. يالا بينا عشان نتعشى، ده آخر يوم ليا هنا. ربتت سلوى على ذراعها وهي تقول بحنو: –ربنا يهنيكي يا قلب ماما ويسعدك. يالا بينا. خرجتا سويا وجلستا بصمتٍ على الطاولة، وزع عمرو نظراته بينهما بأسى وقال مازحًا لتغيير الحالة السائدة:

–من بكرة يا روضة إنتي ضيفة هنا وهتيجي زيارات بسيطة، وهنشحتك من جوزك بعد ما كان هو بيتنطط لينا زي فرقع لوز عشان يشوفك. وخزته روان بذراعه وقالت بعبوس مازح: –أنا أخويا بيتنطط يا عمرو. فوخزتها الصغيرة ببطنها فقالت مسرعة: –بنتك هي اللي عمالة تتنطط جوايا أهه. تعالي يا روضة شوفي شقاوتها. وقفت روضة مسرعة ووضعت كفها على بطن روان، وبعد ثوانٍ شعرت بوخزة خفيفة بكفها فأبعدته مسرعة وهي فاغرة فمها وقالت بإندهاش:

–سبحان الله، ده بجد؟ البنت ضربت إيدي. ابتسمت سلوى ابتسامة متسعة وقالت بمداعبة: –بتباركلك يا روضة. اقتربت روضة من بطن روان وقالت بفرحة: –حبيبة قلب عمتو، تعالي إنتي بس بالسلامة وأنا هجيبلك فساتين وشوكولاتات وآيس كريم وحلويات وكل اللي هتعوزيه وتحلمي بيه. انتبهوا على طرقات بباب الشقة فزم عمرو فمه وقال بسخرية: –فرقع لوز حضر، حتى ليلة الفرح مش سايبنا بحالنا. تعالت ضحكاتهم ووقف مسرعًا وفتح الباب وأغلقه

بجسده وهو يقول بفظاظة: –نعم، عاوز إيه؟ رفع مالك حاجبه وقال مازحًا: –في أمانة سايبها عندكم لبكرة وجاي أطمن عليها. لم يستطع عمرو كبح زمام ضحكاته وقال: –بكرة ابقى تعالى خدها، يالا على بيتك. زفر مالك بضيق وقال على مضض: –بطل سخافة بقا، أنا طلع عيني في التجهيزات والتحضيرات ومش ناقصك يا عمرو، حاسب بقا خليني أدخل يا سمج. صاحت بهما الجدة وقالت: –عيب يا عمرو كده، دخله. أدينا هنرتاح من نطة كل يوم بحجة شكل.

ساد الضحك بينهما، فدفع مالك عمرو من صدره ودلف قائلًا بعتاب متسلي: –أنا بنط كل شوية يا تيتة، ده أنا غلبان والله. طالعهم جميعًا وقال: –أخباركم إيه النهاردة؟ لم ينتظر إجابتهم وترك لعينيه المجال في ارتواء روحه برؤيتها لآخر مرة وهو يكبح زمام مشاعره تجاهها، فهي لا تعرف ما ينتظرها معه بعد ذلك الصبر، فلتحتمل. كل ما كان يدور برأسه وصل إليها، فأخفضت رأسها بخجل ولملمت شعراتها خلف أذنها. فامتعض وجه عمرو ووقف أمامه قائلًا بفتور:

–اطمنت على أمانتك يا عسل، يالا على بيتك. سحب مالك ذقنه بأنامله في حركة تحذيرية وهو يقول: –ماشي يا عمرو، بكرة تتنطط عندي عشان تشوف روضة ومش هفتحلك الباب أصلاً. وقفت روضة وسارت حتى اقتربت من عمرو واستندت برأسها على صدره، وهو لف كتفها بذراعه وقال بتحدي: –كله إلا عمرو ده، نصي التاني. تصنع مالك الابتسام وقال ساخرًا: –ماشي يا نص، اقفل عليكي باب بيتي بس وشوفي هعمل فيكي إيه. ثم التفت برأسه ناحية روان وقال بنبرة تحذيرية جادة:

–روان، عارفة لو عملتيها بكرة وديني هعلقك إنتي وبنتك من شعركم، فاهمة. وخزه عمرو بصدره وقال بضحكة عالية: –وأنا هقف أتفرج عليك مش كده؟ طب فكر إنت بس وأنا هنشرك على أحبال الغسيل. ضحكت سلوى وقالت: –على قد ما روضة هتوحشني وهتقطع بيا، بس نقاركم ده هيوحشني أكتر والله. أشار عمرو بعينيه لمالك بأن ينصرف وهو يقول بجدية: –الوقت اتأخر، روح نام بقا عشان ورانا بلاوي بكرة وعايزين ننام بدري. ابتسمت روضة على إثر كلماته، فغمز

لها مالك بعينه وقال بهيام: –أهه عشان الابتسامة السكر دي، هسامحك يا عمرو وهنزل. قرب يا بكرة بقا، ده إنت بعيد قوي. رفع عمرو عينيه بملل ودفعه أمامه وهو يقول بفقدان صبر: –يالا يا مالك من هنا عشان فاضلي تكة وهعمل معاك الغلط. رفع مالك ذراعيه وقال بمزاح: –بعلن استسلامي خلاص وهنزل. المهم حافظ عليها لبكرة، لو نقص منها فتفوتة هدفعكم غرامة. ضربت امتثال كفيها ببعضهما وقالت بتعجب مازح:

–الواد ده كنا بنحسده على عقله، إيه اللي حصله؟ أجابتها روان وهي تهدأ من ضحكاتها بعدما شعرت بالألم في بطنها: –بيحب يا تيتة، بيحب. تنهدت روضة مطولًا وهي ترفع عينيها وتحمد ربها على تلك السعادة اللي طالما تمنتها ودعت ربها أن يجعلها من نصيبها، وقد استجاب لها بأفضل مما كانت تتخيل، فما عند الله خير وأبقى.

كانت وعد تطالع السحب من حولها بشرود، متذكرة يوم موت أمير وإصابة جاسم بساقه بعدما خلصهم من رجال أمير. يومها تم نقل جاسم للمستشفى وخضع لعمليات جراحية كثيرة كي لا تبتر ساقه. تلك الأيام كانت الأصعب عليها بحياتها كلها، وما زادها صعوبة هو رفض جاسم لمقابلتها. فبعد موقفهم الأخير ببيت جدته وجرحها له، لم يعد كما كان، بل زاد جمود قلبه ناحيتها. ورغم محاولة الجميع في توفيق الأمور بينهما، إلا أنه رفض مقابلتها أو الحديث معها. بقيت أيام وأيام تحاول أن تتصل به بأي شكل، ولكنّه سافر إلى البحر الأحمر لمتابعة استشفائه وللابتعاد عن الضغوطات، وعنها. ليعود بعدها بأشهر وقد اتخذ قراره النهائي بالطلاق.

كففت وعد دمعة انسابت من عينها متذكرة جلستهم ببيتها والمأذون بينهما ويطالبهما بالتفكير، فأبغض الحلال عند الله الطلاق، ومع ذلك استمر عناد جاسم وهي لم تحاول إثنائه عن رغبته انتصارًا لكرامتها. يومها استجدت قلبه بعينيها كثيرًا كي يفكر أو ألا يتسرع، أو أن يعطيها فرصة أخرى ويُسامحها، ولكنّه بمنتهى القوة الواهية قال: –إنتي طالق يا وعد.

أغمضت عينيها وكأن بناية عالية سقطت فوق رأسها. بعدما أنهوا مراسم الطلاق، وقفت أمام جاسم تبكي بحزن بالخارج، بينما قال هو بهدوء: –بتمنالك السعادة من كل قلبي مع حد نضيف ومش مخادع ولا أناني، يا أجمل وأنضف حاجة حصلت لي بحياتي كلها. خشي أن تفضحه دموعه فتركها وابتعد وهو يعرج بساقه حتى صعد سيارته أمام أنظار الجميع وابتعد. –وعد!! إنتي كويسة؟ التفتت وعد برأسها ناحية محمد، زميلها بالعمل، والجالس بالمقعد المجاور لها بالطائرة،

وقالت بخفوت حزين: –أيوه أنا كويسة، بس مكنتش متخيلة إني هرجع مصر بالسرعة دي. أختي مهانتش عليا ولازم أكون جنبها باليوم اللي حلمت بيه واتعذبت عشانّه كتير قوي. ابتسم إليها محمد بود وقال: –ربنا يخليكوا لبعض. أنا كمان أمي وحشتني قوي وهموت وأشوف وشها لما تشوفني هتعمل إيه. بادلته وعد ابتسامته وقالت بعبث هزلي: –لا، المفاجأة اللي بجد هي مفاجأتي. دول هيتصدموا بشكل، أنا اللي هموت وأشوف ملامحهم لما يشفوني قدامهم.

ضيق محمد عينيه وقال بتعجب: –طب ليه رفضتي ترجعي مع باباكِ؟ مش كان أسهل وتقعدي معاهم وقت أكتر. خبت ابتسامتها قليلًا وقالت بتنهيدة مقتضبة: –النصيب. كل حاجة بتحصل لينا نصيب وكله وعد ومكتوب. عادت للتطلع من شباك الطائرة بشرود حزين. ما الذي يمكن أن يحدث أسوأ من تخلي جاسم عنها؟ تعلم أنها آذته كثيرًا وضغطت عليه أكثر وعاقبته بقسوة، وها هي تدفع الثمن غاليًا. ليعود قلبها ويسألها بحنين قاسٍ: يا ترى هشوفه هناك أو مش هيكون هناك؟

بس هو عارف إني مش هرجع، فأكيد هيروح فرح مالك. طب لو شافني هيسلم عليا ويقولي وحشتيني وارجعيلي؟ والله هرجعله، مش هتردد. ابتسمت بشجن وهي تتذكر يوم رحيلها. كانت تودع الجميع بالمطار وانتظرت قدومه كي يمنعها ويأخذها معه، ولكنّه فضل أن يودعها بنظرات مسروقة من بعيد. رأته يومها بل شعرت به، وكانت على يقين أنه سيأتي. وانتظرت تقدمه إليها، ولكنّه وقف بمكان منزوٍ بعيد يملي عينيه بصورتها ولم يقترب منها. تنهدت تنهيدة طويلة وزفرتها

ببطء وقالت بهمس خافت: –جاسم. –وعد. تهدلت كتفاه وهو يتنفس بصعوبة، ثم اعتدل بوقفته وطالع هيئته وانحنى قليلًا والتقط سترة بدلته وارتداها وأغلق أزرارها، ليأتيه صوت دولت قائلًا: –زي القمر يا حبيبي، ربنا يحفظك. عدل من وضعية رابطة عنقه وقال بهدوئه المستفز: –تسلميلي يا دولت. هزت رأسها نافية واقتربت منه قائلة بمداعبة كي تجبره على المزاح كسابق عهده: –واخرة دولت دي إيه يا ولد؟ مفيش ماما ولا لازم أقرصلك ودانك عشان تتعدل.

مال عليها براسه وقال: –ودني تحت أمرك يا ستي، إنتي تؤمري. قبلت وجنته وقالت بحب: –الأمر لله يا قلب ماما. هي بجد وعد ما رجعتش من السفر يا جاسم؟ يمكنه التظاهر باللامبالاة والجمود وتصلب ملامح وجهه، ولكن لا يمكنه السيطرة على دقات قلبه التي قصفت بتسارع مؤلم وسريع. ابتلع ريقه وقال ببساطة: –معرفش أكتر من اللي تعرفيه. بتسألي ليه؟ ملست على ذراعه وقالت:

–يا حبيبي، لا هي عمرها هتبقى لراجل غيرك ولا إنت هتقدر تشوف ست غيرها. نفسي ترجعوا لبعض بقا، كفاية البعد بيعلم الجفا يا جاسم. حافظ على تعابيره الثابتة بعدما قالت إن وعد ربما تكون لرجل غيره وقال بهدوء: –لسه عندك أمل يا ماما. أومأت برأسها مؤكدة وقالت بثقة:

–أنا متأكدة إنكم هترجعوا، وواثقة فيها هي أكتر منك. دي بتسأل عليك كل يوم يا حبيبي، ولا يوم فوتته ومكلمتنيش عالواتس أب. صحيح مش بتقولها مباشر، بس وعد بتستني إشارة منك يا جاسم. قطب ما بين حاجبيه بعدما عاد إليه ألم رأسه والذي بات مزمنًا وملازمًا له طوال الوقت، وقال: –أنا اخترت ليها الأفضل. صحيح ما فكرتش بنفسي، بس فكرت فيها يا ماما، والبعد كان أفضل عشان احنا الاتنين كنا متدمرين نفسيًا. أجابته بنبرة متحمسة:

–ودلوقتي خلاص عدت فترة طويلة وفكرتوا بما فيه الكفاية ورتبتوا نفسكم. لازم تتكلموا يا حبيبي وتتقابلوا، وأنا متأكدة إنكم هترجعوا لبعض. عاد لمطالعة نفسه بالمرآة وحمل زجاجة عطره ورش منها على معصمه وقال: –سبيها للأيام يا ماما. أسرعت قائلة بضيق: –ما عدت أيام كثيرة وإنت ما أخذتش خطوة. يا جاسم، إنت اللي طلقتها رغم رفضها، يبقى إنت اللي لازم ترجعها. عاد لمطالعتها وقال بتنهيدة مقتضبة:

–النصيب. كل حاجة بتحصل لينا نصيب وكله وعد ومكتوب. ربت على ذراعها وتركها وانصرف بهدوء خارجي وصراع داخلي لا يتركه، وأثره دائمًا يكون ألم مقيت برأسه، لا يختفي إلا بالمسكنات. يوم يقال إنه الأسعد بالحياة، خاصة وقد نالت حب حياتها. ولكن فرحتها تلك ناقصة مقتضبة. جلست روضة على فراشها بفستانها الأبيض الرقيق المنفوش والبسيط في تصميمه، رافعة نقابها الأبيض لكي تتنفس وهي تحبس دموعها بأعجوبة كي لا تخرب زينة وجهها الرقيقة كحالها.

تنهدت مطولًا وزفرته على مهل وهي ترى أمها وجدتها تتقدمان ناحيتها. تساقطت دموع جدتها التي قالت بإعجاب: –زي القمر يا روضة. ربنا يهنيكي ويسعدك يا قلبي. وقفت روضة وانحنت وحملت كفها وقبلته واعتدلت بوقفتها أمامها وكففت دمعاتها وهي تقول بامتنان وتقدير:

–إنتي اشتلتي شيلة تقيلة عليكي قوي يا تيتة، بالوقت اللي كان لازم ترتاحي فيه. كان مطالب منك تربي وتكبري وتراعي وتساهري وتأكلي وتشربي، وعمرك ما قصرتي ولا قلتي أنا تعبت. مهما شكرتك على تعبك معانا عمري ما هوفيكي حقك. ابتَلعت سلوى الغصة بحلقها وهي تلوم نفسها، بينما قالت لها امتثال بحب: –أعز من الولد ولد الولد، ولو في صدري نفس أخير هخدمكم برموش عيني يا قلبي.

احتضنتها روضة بقوة. ثم ابتعدت عنها وطالعت والدتها المحتقن وجهها وكأنها ترفض إفساد فرحة ابنتها بدموعها، والتي لن يصدقها أحد. ولكن روضة اقتربت منها وقبلت وجنتها وقالت بهدوء متزن: –ماما، عاوزاكي تسامحيني على أي يوم ممكن أكون ضايقتك فيه من غير ما أقصد ولا يكون جواكي ذرة زعل ليا. ذرفت سلوى دمعاتها وقالت بصوت متحشرج:

–أنا عاوزاكم إنتوا تسامحوني. وأنا من جوايا راضية عنك وبدعيلك تشوفي سعادة محدش شافها في الدنيا ويكون حظك أحسن من حظي وحظ أختك. ملست روضة على ذراعها وقالت بمزاح حزين: –إنتي كده هتخليني أعيط والمكياج هيبوظ، يرضيكي؟ –لا، خلي فرقع لوز يشوفك وإنتي حلوة كده. إيه الجمال ده يا قلب أخوكي. التفتت روضة ناحية عمرو وقالت بإبتسامة هادئة: –حبيبي، هتوحشني قوي يا عمرو.

اقترب منها وهو يطالع جمالها البريء ومد يده لها، فوضعت كفها براحته، فأدارها تحت ذراعه ودار معها فستانها وهي تضحك بسعادة متناسية ألمها من عدم وجود وعد بجوارها. توقفت وقالت بدوار خفيف: –دوخت يا عمرو، حرام عليك. دَلفت روان قائلة وهي تسير ببطء متمسكة ببطنها المنفوخ شاعرة بألم خفيف: –يالا يا جماعة، المغرب أذنت ولازم نروح قبل العشا. الفرح بمسجد مش قاعة وبعده ابقوا عيطوا واخربوا الدنيا زي ما تحبوا.

تأبطت روضة ذراع عمرو وخرجت معه لتتقابل عيونها مع عيون مالك المتصنم وهو يطالعها بإعجاب شديد. ابتعدت بعينيها عنه ليقترب منها والدها قائلًا بفرحة: –ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يسعدك، زي القمر. قبلت روضة كفه وقالت: –الله يبارك بحضرتك يا بابا ويخليك ليا.

التفتت براسها ناحية ذلك التمثال والذي يطالعها بنظرات دافئة تسري بشرايينها مدغدغة أعصابها بخدر لذيذ. وقف مالك أمامها واقترب منها وقبل مقدمة رأسها ببطء شديد وابتعد قليلاً وهو يطالع عينيها الصافية البريئة وقال: –مبروك عليا إنتِ يا أجمل وأحلى هدية من ربنا ليا. ابتسمت بخجل وطرقت رأسها قائلة: –الله يبارك فيك ويجعلني زوجة وأم صالحة تفتخر بها طول حياتك. لامس ذقنها بأنامله ورفع وجهها ناحيته وقال وهو يطالع عينيها بحب:

–إنتي هتكوني في عيني وفقلبي ووعد مني قدام الكل، هعيش بس عشان أسعدك وأرضي ربي فيكي يا عمري. صفق عمرو بكفيه وقال مازحًا: –أنا بقول ننزل بقا قبل ما روان تعملها ولا يبقى فيها لا فرح ولا بتاع. تأبطت روضة ذراع مالك وسارت معه لتتعالى الزغاريد ورائهما بفرحة. التفتت علا ناحية ريتال وطالعت فرحتها براحة، ثم التفتت برأسها ناحية سامر وقالت بصوت خفيض: –هتقضي الطريق كله ساكت يا سامر؟ أنا ما صدقت لقيت فرصة عشان نتكلم سوا.

لم يطالعها، بل بقيت أنظاره على الطريق أمامه متمسكًا بمقود السيارة وأجابها ببرود قاسٍ: –عايزة إيه يا علا؟ مش فاهم. تنهدت بأسى وقالت: –عايزك تسامحني، أنا كنت متلخبطة ومش عارفة بعمل إيه. إنت مش متخيل إحساسي والرجل ده كان بيسحبني من دراعي عشان... مش قادرة أقولها حتى. كنت بموت من رعبي يا سامر. ابتسم بسخرية وقال: –عشان يظهر المخلص الشهم اللي حماكي منه، مش كده؟ ثم هدأ من سرعة سيارته والتفت إليها قائلاً بشراسة:

–كل ما افتكر إنك قعدتي بالايام زعلانة على الكلب اللي اسمه أمير ده ومش مبطلة عياط عليه، أبقى عايز أخنقك بإيدي على غبائك. ضيقت عينيها بفزع من تعابيره الشرسة وانكمشت بنفسها وقالت بوهن: –لولاه كنت دلوقتي متحطمة ويمكن ميتة. هو كان شيطان بكل معنى الكلمة، بس حبني بجد. هدر بها سامر بعصبية: –اخرسي خالص، مش عاوز أعلي صوتي عشان ريتال. اتقي شري يا علا أحسنلك. تهدلت ملامحها وقالت بحزن:

–أنا قولت إني كنت غلطانة وعايزاك تسامحني لأني محتجاك عشان أرجع تاني. لازم تقف جنبي يا سامر لو بتحبني بجد. هز رأسه بيأس وهو يعود لمتابعة الطريق أمامه وقال: –لازم إنتي ترجعي من غير ما حد يساعدك. أنا تعبت معاكي، وشغلك واقف وحياتك واقفة عشان حقير خطفك وساومك على حياة بنتك. بجد مش عاوز أقولك أنا شايفك إزاي يا علا. ابتَلعت ريقها بتوتر وعضت على شفتها بغضب والتفتت إليه قائلة بصرامة:

–هرجع يا سامر وهتخطي المرحلة دي من غيرك. بس وقتها، وعد مني مش هسامحك. وعد جديد بلا رحمة قد أطلق بلحظة غضب. بينما التفت سامر برأسه لريتال التي تتابعهم بقلق وقال مازحًا: –أحلى حاجة يا توتا إنه الجرفتة بتاعتي لون الورد اللي على فستانك، هنبقى أحلى اتنين بالفرح. عبثت بفستانها الأبيض المنفوش وقالت بسعادة: –أيوه، أنا أجمل بنت وإنت أجمل ولد في الدنيا. ثم باغتته قائلة بطفولة:

–هو إنت وماما مش هتتجوزوا بقا وتجيبوا ليا أخت ألعب معاها بقا؟ تطلع سامر بعلا وقال بجدية لا تقبل المزاح: –هنجيب بنات وولاد كتير جدًا يا توتا وإنتي هتضربيهم كلهم، اتفقنا. غمزت له ريتال بعينها وقالت: –اتفقنا. عقدت علا ذراعيها أمام صدرها وهي تتطالع الطريق وتتوعده بأيام لن ينساها على عدم وقوفه بجوارها كي تتخطى أزمتها النفسية الأخيرة. سامر يبقى سامر، ويستمر خذلانه لها.

انتهت صلاة العشاء ووقف الجميع أمام باب المسجد يباركون لمالك بسعادة، وهو يبتسم لهم ابتسامة مصطنعة. إلا أن مال على سامر وقال له بضيق: –جاسم رد عليك يا زفت إنت ولا لأ؟ رفع سامر عينيه بملل وأجابه: –تصدق باللي خلقني وخلقك، أنا زفت إني عرفت أشكالكم المعفنة دي والله. أيوه رد وداخل علينا بعربيته خلاص. ثم توقف عن الحديث وأشار بيده قائلًا بتهكم: –وصل. ارتاحتي بقا خلينا نخلص من الوقفة اللي مالهاش لازمة دي.

ترجل جاسم من سيارته، واقترب منه مبتسمًا وهو يخفي عرجه بكل قوته، حتى وقف أمامه وقال بمداعبة: –وقعت ولا حدش سمي عليك يا مالوكي. احتضنه مالك قائلًا بابتسامة مغلفة بالضيق: –لسه جاي يا أخويا، كتر خيرك. ضمه جاسم إليه، وربت على ظهره ثم ابتعد عنه قائلًا بملامح وهنة: –اتعمدت أتأخر، ماليش عين أواجه عمرو وعمو عيسى يا مالك. أومأ مالك برأسه متفهمًا وقال بهدوء:

–تمام. طيب دلوقتي أنا حاجز كافيه هنروح نسهر فيه وعامل لروضة مفاجأة، عاوزها تفرح. هتيجي معانا ولا لأ؟ أجابه جاسم بابتسامة خافتة: –هاجي، بس هقف بعيد. المهم هكون جنبك وحواليك. اقترب منه عيسى وقال مرحبًا بجاسم: –ازيك يا باش مهندس جاسم؟ أخبارك إيه؟ صافحه جاسم مسرعًا وقال بتوتر ارتسم على ملامحه بشدة: –الحمد لله يا عمي، حمد الله على سلامة حضرتك، مصر نورت. شدد عيسى على كفه وقال بهدوء:

–منورة بيكم يا ابني. أخبارك إيه وأخبار شغلك؟ لسه سائل والدك الحاج فضل عليك وإحنا بالمسجد، بس هو مشي. –أنا بخير يا عمي وشغلي ماشي الحمد لله بفضل مالك وسامر، من غيرهم كنت وقعت من زمان. طاوع جاسم قلبه وسأله بعيون زائغة: –لو مسموح ليا أسأل طبعًا.. أخبار وعد إيه؟ ترك عيسى كفه وقال بنظرات تعجب: –وعد!!! أجابه جاسم مؤكدًا: –أيوه، وعد.

ابتعد عنه عيسى مقتربًا من وعد التي ترجلت من سيارة الأجرة يصاحبها محمد، بينما التفت جاسم خلفه ليراها بكل بهائها وجمالها تبتسم لوالدها ببرائة طالما أفقدته عقله. وقف عيسى قبالتها وسألها بتعجب: –جيتي إزاي وليه ما قولتيليش يا مجنونة إنتي؟ أجابته مسرعة: –مقدرتش، والأستاذ محمد عرف إني نازلة مصر أصر ينزل معايا الكام يوم دول يزور أهله ونرجع كلنا سوا. صافح عيسى محمد قائلًا:

–حمد الله على سلامتك يا ابني. تعبتك معاها المجنونة دي أنا عارف. أجابه محمد بود: –لا ابدًا، أنا كنت هنزل مصر قريب، أمي وحشتني، فلما عرفت إن وعد نازلة قولت آخد إجازة وأنزل معاها. كانت عينيها تبحث عنه باستحياء حتى وجدت ضالتها. وكأنها تسير ببرد موجع لأيام وشهور، والآن فقط شعرت بالدفء والأمان. ها هما عيناه تعود لأسرها والسيطرة عليها من جديد، وها هي تعود لاستسلامها لهما. اقترب منها مالك وقال بسعادة:

–حمد الله على السلامة يا سنجوبة، دي روضة هتفرح قوي. تخلصت من أسره وتطلعت به قائلة بسعادة: –مبروك يا عريس، إيه الحلاوة دي؟ ويا سيدي أنا ليا بركة غير روضة؟ مقدرتش أصلًا ورجعت زي المجنونة دي الغالية يا ابني. مال سامر على جاسم وقال بتساؤل مازح: –هتفضل متنح لها كتير؟ هتسلم عليها ولا هتقضيها تتنح؟ فاجأه جاسم قائلًا بعبوس: –مين الراجل اللي معاها ده؟ هز سامر كتفيه وقال: –معرفش. هروح أشوف مين ده. اقترب

منهم سامر وهو يقول بصياح: –الكونتيسة سوسة عصرها وأونّها وعد هولمز عندنا يا مرحبا يا مرحبا. تعالت ضحكات وعد وهي تقول بمزاح: –أهلًا أهلًا بصاحب الشوكولاتة المستوردة أبو مخ خفيف. تجاوزها وصافح محمد قائلًا: –أهلًا وسهلًا يا أستاذ... أجابته وعد مسرعة: –أستاذ محمد، زميلي بالشغل بالكويت، مصري. أومأ سامر برأسه وقال: –أهلًا يا أستاذ محمد، يا زميلها يا مصري. أجابه محمد بعدم فهم: –أهلًا بحضرتك.

تعلم جيدًا أنه سيعود بكل المعلومات لجاسم، فقالت بخبث: –والله يا جماعة محمد بس عرف إني نازلة قالي مستحيل تسافري لوحدك، لازم أوصلك وأطمن عليكي. جز جاسم على أسنانه وزفر بقوة، بينما وقف يحيي بجواره يهز رأسه بيأس على حالته. ابتسم لها سامر ابتسامة صفراء وقال: –آه طبعًا، كثر خيره. نورتنا يا أستاذ محمد. لم تغب على محمد حركات سامر الغريبة، ولكنّه تطلع بعيسى قائلًا:

–بما إني سلمت الأمانة، أمشي أنا بقا. لسه طريق سفري طويل. مبروك يا أستاذ عيسى. أجابه عيسى بامتنان: –الله يبارك فيك يا ابني، عقبالك إن شاء الله. خرج صوت سامر محتدًا وهو يقول: –عقباله، آه عقباله طبعًا ده مش مرتبط كمان. تخطاه محمد وصافح مالك قائلًا بابتسامة ودودة: –ألف مبروك يا عريس، ربنا يهنيكم. وفرصة سعيدة جدًا إني اتعرفت عليكم. أنهى عمرو مكالمته مع الطبيبة والتفت فوجد وعد تقف مع والدها ومالك، فركض نحوها قائلًا بشوق:

–وعد!!! معقول إنتِ هنا؟ اقتربت منه وهي تهرول حتى ارتمت بصدره وقالت براحة: –حبيبي، وحشتني، وحشتني قوي يا عمرو. ضمها إليه بشوق وقال: –إنتي اللي وحشتيني يا قلب عمرو، والله حاسس إنه روحي رجعتلي برجوعك. ابتعد جاسم عنهما خطوتين بعدما وقفا قبالته. لتوقفه وعد قائلة: –أخبارك إيه يا باش مهندس؟ ابتلع ريقه والتفت إليها فوجدها تطالعه وهي تستند برأسها على صدر عمرو. أجابها قائلًا بجمود: –الحمد لله تمام. وإنتي؟

ابتسمت بسخرية وابتعدت عن عمرو وهي ما زالت متشبثة به وقالت: –أنا.. أنا زي ما أنا. رد مبهم مفتوح يحتمل ألف تفسير، ولكنها وقفت مشدوهة وهي ترى نزول روضة بفستانها الأبيض وحولها الجميع. فاقتربت منها ببطء حتى رأتها روضة وتصنمت مكانها. مرت ثوانٍ قليلة ولكنها كانت دهرًا بينهما حتى وقفتا متقابلتين. ابتسمت وعد متغلبة على دموعها وقالت: –مقدرتش أسيبك باليوم ده ورجعت عشانك إنتي يا أغلى حاجة بعمري كله.

جذبتها روضة لصدرها وقالت بدموعها التي أطلقتها بسعادة: –فرحتي بس دلوقتي كملت لما رجعتيلي يا قلب أختك. في أحد المطاعم الكبرى برأس البر جلس الجميع على طاولة كبيرة وعلى رأسها يجلس مالك وروضة والآخرون يتجاذبون أطراف الحديث. مال سامر بجسده ناحية جاسم وسأله بتعجب: –هو يحيي فين؟ مش شايفه. حك جاسم مؤخرة رأسه وهو يتابع وعد وقال بنبرة فاترة:

–راح يجري ورا الهبلة اللي بيحبها. عاوزين بأقرب وقت نخطبهم ونكتب الكتاب، لصدعني بحوارهم ده. هز سامر رأسه بتفهم وقال: –طب وحضرتك هتفضل واقف بعيد كده؟ تعالى اقعد معانا، ميصحش. أجابه مسرعًا: –علا بتبص عليك، روح اقعد معاها، ما يصحش. واهدا عليها شوية، ما تبقاش قاسي قوي كده. ربت سامر على ذراعه وتركه وسار ناحيتها بعدما تجاهلت تقدمه وطالعته بنفور جعله يشعر بسعادة بالغة. ناول سراج وعد وردة حمراء وهو يقول بمداعبة:

–الورد للورد يا أحلى وردة في الدنيا. أخذتها منه وقالت بابتسامة رائقة: –ربنا يخليك ليا يا سروجتي، والله كلكم وحشتوني قوي. ضمتها سلوى لصدرها وقالت بلوم: –وإنتي قررتي تقعدي مع مرات أبوكي وتسيبنا يا وعد خلاص؟ يا بنتي أنا محتاجاكي، ما ينفعش كده. لاحظت وعد عبوس والدها، فقالت مغيرة الموضوع بعدما وقفت وقد كسى ملامحها الحماس: –أنا نفسي أغني. روضة تحبي أغنيلك أغنية إيه؟ ابتسمت روضة بخفوت وطالعت مالك وقالت:

–مش هقولك، بس افتكري كنت دائمًا بطلب غنوة إيه؟ وضعت روان يدها أسفل ظهرها وقالت: –عرفت إيه هي. غنيها يا وعد، بحبها منك. أومأت وعد برأسها واقتربت من منظم الحفل وقالت له بضع كلمات، فوافق وأعطاها ميكروفونًا، عادت به ووقفت بجوار مالك وقالت له: –قوم يا عريس ارقص مع روضة وأنا هغني لكم.

ابتسم مالك وغمز لروضة، فوقفت وبدأت الموسيقى في العزف. جذب سامر علا من كفها ووقفها أمامه بالقوة ولف خصرها بذراعه وضمها إليه قليلاً. تصنعت القوة ومع ذلك طاوعته ولفت ذراعها خلف عنقه. وبدأت رقصتهم مع الموسيقى. تطلعت وعد لهذا الواقف بعيد وبدأت تغني قائلة: نخبي ليه في أسرارنا وأنا وإنت مفيش غيرنا ولو ننسى مشاعرنا نكلم مين يفكرنا يا روح الروح بتنسانى وأنا فاكر ومش بنسى تغيب عن عيني من تاني ومن غير حب أعيش إزاي

ومهما تغيب بعيش وياك وأشوفك وردة في الشباك ودمعة حب في عينيّا بتستناك يا أحلى ملاك. ابتَلع جاسم ريقه بتوتر وهو يتطلع إليها بجمود، وبداخله حرب شعواء، عقله يصرخ من الألم وقلبه يدفعه كي يركض ناحيتها. كان الجميع يتنقل بنظراته بين وعد وجاسم بشفقة على حالهم. حتى عادت وعد بعينيها للجميع وأكملت الغنوة قائلة: قالوا لي الحب له علامات في نبض القلب والهمسات وروح بتروح تنادي عليك ورعشة إيدي في السلامات في عز سكوتنا نتكلم

عيوننا بتحكي وبتحلم وأنا حسيت بأنفاسك تدفي إيديا وتسلم بقولك آه ومن غير صوت تحبني موت وأحبك موت وإحساسنا يونسنا وأقوى من الحياة والموت ومهما تغيب... انتهت من الغناء فصفق لها الجميع. ابتسمت بخفوت وعادت لمكانها جالسة بهدوء بعدما لاحظت تأثر ذلك التمثال بكلماتها وصوتها. وقف مالك بمنتصف صالة منزله وهو يطالع ساعته بضيق. ثم خرج عن صمته قائلًا بهدوء كابحًا زمام غضبه:

–ما خلاص يا طنط سلوى، والله بأي وقت هتحبي تشوفيها هجيبها وهاجي على طول. مش وقت عياط ده. وقف عمرو بجواره وقال مازحًا: –ما تسيبها براحتها يا مالك الله. بنتها وهتوحشها يا أخي. صك مالك أسنانه وقال من بينهما بحدة: –هو أنا نطقت؟ ما أنا واقف ساكت أهه. تعلق روضة برقبة سلوى وقالت بدموعها: –هتوحشيني قوي يا ماما، متسبنيش لو سمحتي. لم يتمالك مالك نفسه وقال ساخرًا: –هو في إيه يا جماعة؟

أقولكم، انزلي يا روضة مع مامتك، ولما تحسوا إنه ينفع روضة تيجي هنا ابعتوها، ما عنديش مانع. وخزته آمال بذراعه وقالت بعتاب: –عيب يا مالك كده، ميصحش. روح هات عصير من التلاجة وقدم لهم، عيب يا ابني. هز رأسه وقال ساخرًا: –بالمرة أحضر العشا اللي إنتوا جبتوه ده ونقعد نتعشى سوا، بلا جواز بلا بتاع، هي اللمة الحلوة بتتعوض. تعالت ضحكات روان وهي تتمسك ببطنها المنفوخ وقالت: –ما تضحكنيش لو ربنا على آخري وهولد لكم هنا. لوى

مالك ثغره وقال بامتعاض: –يالا ده اللي ناقص، ما هو الكحكة في إيد اليتيم عجبه، جت عليكي. ابتعدت سلوى عن روضة واحتضنت وجهها بين راحتيها وقالت بحنو: –خلي بالك من بيتك يا حبيبتي، وخلي بالك من جوزك. أجابتها روضة بابتسامة هادئة: –حاضر يا ماما. هي وعد فين؟ أجابها مالك بتوجس: –وقفتها تحت وقولتلها لو طلعت هطخها بالنار. أختك مجنونة وأنا عارفها، ولو طلعت وسلمت عليكي مش بعيد تنام هنا وتطردني أنا من الشقة وأنا على آخري. غمزت

روان لعمرو وقالت بمزاح: –لما أروح أساعد روضة في فك الحجاب ده والفستان. جذبها مالك من ذراعها وقال بنبرة خافتة تحمل كل الغضب: –اقفي مكانك هنا لهديكي بوكس في بطنك أولدك أنا والله، هي ناقصة خفة دمك. والتفت لعمرو المنهار من الضحك وقال بحدة: –انهي الليلة دي يا عمرو ونزلهم من هنا، قسما بالله ما هيحصل كويس وأولهم الكورة الشراب اللي إنت متجوزها دي. تحكم عمرو في ضحكاته وقال بصوت عالٍ:

–يالا يا جماعة ننزل روان تعبانة وشكلها هتعملها بجد. التفتت إليها آمال وسلوى وسألاها بترقب: –حاسة بإيه يا روان؟ تطلعت بعمرو ومالك الذي قرصها من ذراعها فتأوهت بألم وقالت: –آه... أنا.. أنا ضهري واجعني ولازم نمشي حالا لأني بدأت أخاف بجد. ودعوهما بسرعة وخرجوا من الشقة. فاغلق مالك ورائهم الباب وقال براحة: –وأخيرًا. ثم اقترب من روضة ببطء وهو ينزع سترته تلاها رابطة عنقه، وهي تتابعه بخوف من نظراته. ما إن اقترب

منها حتى قالت بنبرة قوية: –اقف مكانك لو سمحت. طالع جديتها وقال: –هو أنا تلميذ عندك في الروضة؟ ثم إيه شغل ظباط المرور ده؟ ناقص تقوليلي خد سيارتك وارجع للخلف. ابتسمت بخفوت وجرت فستانها وجلست على أحد الأرائك القريبة منها. جلس مالك بجوارها وقال: –لا، إحنا بنركن في العادي في الأوضة جوة، مش هنا. إنتي غلطانة يا حبيبتي. تطلعت روضة بوجهه وقالت بجدية:

–النهاردة أول يوم لينا سوا، وحابة نبدأ حياتنا على أسس وقواعد هنحطها مع بعض عشان نلتزم بيها، واللي يخل بأي قاعدة التاني ينبهه ونرجع نمشي عالسيستم تاني، سواء بحياتنا، بخصوصياتنا، بأمور أولادنا إن شاء الله. أومأ مالك برأسه متفهمًا وقال: –معاكي حق. وهنعمل ده دلوقتي. نسيب أيام ربنا كلها ونعمل معاهدة السلام دي دلوقتي صح. اتسعت ابتسامتها وقالت برجاء: –يا مالك اتكلم جد شوية، مش كده. اقترب منها أكثر وقال بشوق:

–إنتي اللي مش كده بقا. قومي بس غيري هدومك وتوضي عشان نصلي سوا، وبعدين نبدأ حياتنا على بركة الله، ومن بكرة أجيب اتنين محاميين ونكتب القواعد والباراجراف والصرف والنحو وكله. تعالت ضحكاتها وقالت: –بحبك يا مجنون. صفع جبهته بيده وقال: –قلبي هيقف مني والله. ده أنا اللي بضرب نفسي بالجزمة عشان ضيعت عمري اللي فات من غير ما آخد بالي إني بعشق التراب اللي بتمشي عليه والنفس اللي بيخرج منك. أنا اللي بحبك يا أحلى مشمشة بالعالم كله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...