الفصل 16 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل السادس عشر 16 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
21
كلمة
8,308
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

تتوالى الصفعات... تتوالى الخيبات والصدمات. كالليل كسواد وقد نظنه دائم، ولكن ما خُلق الليل إلا لنشعر بلذة شروق النهار. ما خُلق الليل إلا لنرى جمال ولمعة النجوم. ما خُلق الليل سوى للراحة قبل أن يبدأ نهار يوم جديد حافل بالأحداث. في الصباح، وصل مالك أخيراً لمصر. واستنفذ وقته بالمطار بغضب. بينما استعد جاسم لِأن يهزم اليوم، وهو يوعد نفسه بالظفر بحبيبته مهما كلفه الأمر. بينما حاول سراج جاهداً أن يقابل وعد، وبالفعل استطاع.

قبلته وعد بوجنته وقالت بمداعبة: "صباح الخير يا ساروجتي." ابتسم سراج بعفوية وأمسك كفها ليجلسها أمامه قائلاً بجدية: "قافلة موبايلك ليه؟!! برقت عين وعد بعدما فطنت لمقصده. واحتدت ملامحها فاعتدلت في جلستها وقالت بهدوء: "حضرتك أكيد عارف." هز رأسه متفهماً وقال ببساطة قاتلة: "مش بتردي على مالك ليه يا وعد." زَمّت شفتيها بضيق وقالت بجمود: "هو حضرتك قاعد معايا دلوقتي عشان تسألني مش برد على مالك ليه؟

"أيوة.. هو كلمني ومحتاج يكلمك عشان يفهمك اللي إنتي مش فاهماه. لأنك لو ما سمعتهوش هتندمي بعدين. إنتوا بتحبوا بعض وجاسم... وقفت وعد منتصبة بغضب وقاطعته قائلة بقوة: "أنا ما بحبش حد. وعيب الكلام ده لأني النهاردة هتخطب وهيِتكتب كتابي على راجل مش هقبل أي حاجة عليه ولو من مين." رفع سراج حاجبيه مستنكراً حدتها وهدّأها قائلاً: "طب اهدّي واسمعيني. ردي على مالك وإنتي هتفهمي منه كل حاجة."

هزت رأسها بقوة نافية وهي تشعر بأن النيران المتأججة المصاحبة لاسم مالك قد خمدت وحولت قلبها لحفنة من الرماد. فأجابته بجمود صلف: "طبعاً مش مسموح. مالك زي عمرو وزملي في شغلي وبس. وهو لو عايز يكلمني يستأذن عمرو أو جاسم. وأنا هبقى أرد عليه. بعد إذن حضرتك يا عمو." وتركته وابْتعدت وعيناها قد هدأت نيرانها بعدما بدأ طريق انتقامها لعودة كرامتها المسلوبة. هزت رأسها باستنكار وهي تبتسم بسخرية. هل تذكرها الآن؟

بعدما انتهت أيام العسل والانسياق وراء رغباته. الآن تذكرها حقاً. ولم لا؟ فهي ستكون زوجة وأم وحارس لمنزله بينما هو له نزواته. وربما تعرف يوماً أنه تزوج عليها كما فعل والدها. تنهد سراج بأسى وشرَد أمامه بما سيحدث لمالك إن لم يستطع القدوم مبكراً. وضياع حبيبته منه. وغضبه العارم من جاسم الذي طالما ما عامله كمالك ولم يفرق بينهما. فها هو يطعن صغيره وهو يشاهد ما يحدث كمتفرج.

دخلت وعد شقتها وهي تضرب الأرض بقدميها بشدة من عصبيتها. تبعَتْها عينا روضة وهي تدلف لغرفتها. فنهضت مسرعة ودلفت ورائها وأغلقت الباب. وما رأته هو المتوقع. فوعد تقطع غرفتها ذهاباً وإياباً بغضب كبندول الساعة. فاقتربت منها بتمهل وسألتها بهدوء حذر: "فيه إيه؟ مالك يا وعد؟ أجابتها وعد بصوت مشتعل ونظرات ملتهبة وهي تشيح بذراعيها بانزعاج: "خلاص. مش قادرة. بيضغطوا عليا وأنا تعبت. بجد تعبت." احتضنتها روضة بقلق وهدّأتها بقوة:

"هشششش. اهدّي واحكيلي كل حاجة. ومين دول اللي بيضغطوا عليكي؟ تشبثت وعد بها بقوة كأنها تستلهم منها القدرة على المتابعة والمضي قدماً فيما قررته. ثم قالت بخفوت: "مالك. وعمو سراج." نفس الألم. نفس الغصة. نفس الطعم المر كالعلقم والذي يملأ فمها وقلبها كلما اقترنت وعد بمالك. لم تنفعل ولم تفقد اتزانها بل قالت برقة: "فهميني كل حاجة يا وعد. بس الأول أنا عايز اكي تهدي وترتاحي. تمام." ابْتعدت وعد عنها قليلاً وقالت

وهي تتطلع بعينيها بألم: "مالك بيحاول يكلمني من إمبارح. وخلى عمو سراج يكلمني. وأنا منعته يكلمني عنه. خلاص مش من حق مالك يقرب مني. وخايفة بابا أو عمرو أو حتى جاسم يعرفوا باللي كان بيني وبينه." ثم ابْتعدت عنها وجلست على طرف فراشها منكسة رأسها بخزى وقالت بتقزز من نفسها:

"أنا اللي غلطانة. سمحتله وسمحت لنفسي نتمادى في موضوع مش من حقنا. ربنا أكيد هيسامحني بس أنا مش مسامحة نفسي. أنا غلطت ولازم أدفع تمن غلطتي. وهو كمان لازم ينساني ويبعد عني. مش هقدر أواجه عمرو ولا بابا لو عرفوا. ثقتهم هتتهز فيا." جلست روضة بجوارها وأخرجت زفيراً ثقيلاً مهموماً من صدرها وقالت لها بحزم:

"إنتي مش غلطانة. دي مشاعر حسيتي بيها ومش بإيدك. وصدقيني هتعدي المرحلة دي وهتنسي وتبقى قوية. وهتقدري ترجعي قلبك أبيض تاني قبل ما ينشغل بحب زي ما قولتي إنه.. مش من حقك." لم تكن تعي أنها تقول تلك الكلمات لنفسها. وليست لوعد. ولكنها لامست شيئاً بوعد التي هزت رأسها قائلة بعزم وقوة: "عندك حق. أنا قوية وهعدي الموضوع ده. وهحاول أحب جوزي وأعيش معاه سعيدة وربنا يقدرني وأسعده. وأنسى وأعيش تاني." ثم وقفت بحماس زائف وقالت بمرح:

"قومي بقا نشوف اللي ورانا. ده يوم فرحي ومش عايزة حاجة تضايقنا ولا تخرجنا من مود الفرح." وقفت روضة هي الأخرى مبتسمة بهدوء وقالت بعبوس مازح: "هي الست روان فين؟ كل ده قاعدة جنب جوزها. بس لما أشوفها." عقدت وعد حاجبيها برقة وقالت باشفاق ولين: "لأ حرام. سيبها ترتاح شوية بقالها كام يوم تعبانة معانا. ولما عمرو هينزل يصلي الجمعة هي هتنزل." مصمصت روضة شفتيها بتعجب وقالت غير مصدقة ما سمعته:

"من إمتى الحنية دي مع روان. الله يرحم." ضحكت وعد بخفوت وقالت مازحة: "هو صحيح أنا بغير منها لأنها أخدت مني عمورة. بس برضه صاحبتي وأختي وحبيبتي." حركت روضة كتفيها باستسلام وهي تقول بهدوء: "وماله. ربنا يهدي. هو الكوافيرا هتيجي الساعة كام؟ أجابتها وعد بفرحة: "الساعة أربعة بعد العصر. بس إيه رأيك في فستاني؟ احتضنت روضة وجهها بين راحتيها وهي تتأمل جمالها البريء وقالت بحب:

"يجنن. ربنا يهنيكي ويكون جاسم حبيبك وأبوكي وأخوكي وكل دنيتك." رفعت وعد كفيها محتضنة كف روضة حول وجهها وقالت براحة واطمئنان: "أكتر حاجة مطمناني إني عارفة ومتأكدة إني وبس اللي جوة قلبه وماليه عينيه وإنه بيحبني بجنون. هعوز إيه أكتر من كده في البني آدم اللي هعيش معاه عمري." احتضنتها روضة وقالت بابتسامة هادئة كملامحها: "بكرة حب جاسم ليكي يخليكي تصدقي إن فيه حب بجد. وتحبيه أكتر ما هو بيحبك."

في المساء، وقف جاسم أمام والدته التي لم تستطع تمالك نفسها وذرفت عبراتها من فرحتها. فها هو صغيرها المدلل.. سيتزوج. أخذت تتأمله بفرحة ببدلته السوداء وقميصه الأبيض ورابطة عنقه البنفسجية. كم بدا جميلاً.. بل رائع الجمال. ربما لم ترى بحياتها من هو أوسم منه. ابتسم جاسم بيأس وهو يكفف عبرات والدته. ثم قال لها لائماً بحنو: "ليه الدموع دي يا دولت بس. عادتك ولا هتشتريها في الفرح تعيطي وفي الحزن تعيطي."

ملست على ذراعيه بكفيها وقالت بصوت متحشرج من بين دموعها: "فرح ابني النهاردة وفرحانة وغصب عني دموعي غلبتني. فيها حاجة دي." سبل جاسم عينيه بقوة وقال بتمني: "يا ريت يا دولت كان الفرح النهاردة. دي كانت هتبقى عشاء والله." ضربته دولت على ذراعه وقالت بضيق: "قليل أدب. مستعجل على إيه. وبعدين إيه ألفاظك السوقية دي. عيب كده." ضحك جاسم ضحكة عالية مستهزئاً بكلام دولت وقال بحدة:

"هو انتي بتعتبري اللي قولته ده سوقية. أمال اللي بقوله بره البيت ده يبقى إيه. فجر." ضيقت عينيها اللتين ما زالتا نديتين بدموعها وقالت بتحذير: "أما نرجع بس وأنا هعرف إزاي أربيك. بس يا أختي عليك قمر. ربنا يكفيك شر العين يا قلب ماما." ثم التفتت برأسها ناحية غرفتها وقالت بتعجب: "هو أبوك اتأخر كده ليه. لما أدخل أشوفه." وقف جاسم مقابل لمرآة بالردهة. وعدل من رابطة عنقه.

حتى لفته علا ناحيتها وعدلت هي من وضع الرابطة وقالت بابتسامة مرحة وهي تتطلع لجاذبيته ووسامته: "قمر يا ناس. أخيراً عشت وشفت اليوم ده. مبروك يا عمري." احتضن كفها بين راحتيه وأدارها بنعومة متأملاً جمالها بفستانها باللون النبيتي. والذي انسدل على جسدها الرشيق ليجعلها أجمل من أن توصف وزادها بهاء مكياجها الجذاب. ثم صفر بإعجاب وقال بابتسامة ماكرة:

"أنا اللي قمر برضه. ده انتي لو مش أختي كنت خطفتك واتجوزتك وقعدتك في البيت محدش يشوفك غيري." لفت ذراعيها حول خصره واستندت برأسها على صدره وقالت بحنو: "ربنا يخليك ليا جاسم ويهنيك ويسعدك مع وعد يا حبيبي." ضمه لصدره قائلاً بمزاح: "أموت وأعرف موزة زيك رافضة الجواز إزاي." ابْتعدت عنه ووقفت أمام المرآة تطالع هيئتها بشرود. قلبها لم يطاوعها على جحودها. لقد اشتاقت إليه. وبشدة. حتى اسمه لم تعد تستمع إليه.

أخذت نفساً طويلاً ثم ابْتَلعت ريقها بتوتر وسألته قائلة بتوجس: "جاسم.. هو.. هو سامر ليه مش بيكلمك ولا شوفته معاك الأيام اللي فاتت. إوعى يكون بسببى." تنفس جاسم بصعوبة وزفره على مهل وقال بضيق: "هو كمان زيك بيعاقبني عشان اتقدمت لوعد وأنا عارف إن مالك بيحبها. بس مش مشكلة. وعد عندي بالدنيا كلها." التفتت إليه علا وقالت بصوت حنون حازم:

"يمكن أنا كنت بفكر كده. بس اتأكدت إن وعد وافقت عليك بإرادتها وإنها ميالة ليك. ومالك مش موجود بينكم خلاص." ابْتَلع جاسم غصة مؤلمة من ثقة أخته به والأصعب هو ثقة وعد به. لكم تخيل صدمتهم حينما تصلهم الحقيقة وتظهر حقارته ووضاعته التي نهاها لتصبح وعد ملكه. لن يفهمه أحد ولن يقدروا موقفه. ورغم ذلك إذا عاد به الزمن مجدداً.. سيفعلها دون تفكير. تنهد بخفوت وابتلع ريقه بتوتر وقال مغيراً الحوار بدهاء: "هي صحيح ريتال فين؟

"تحت مع سندس. الجماعة متجمعين تحت بيستنونا وعمك أسعد جوز طنط ألفت كمان رجع من البلد عشان يحضر كتب الكتاب." خرج فضل من غرفته قاطعاً حوارهم وهو يتأملهم بفرحة. ثم مد ذراعه قائلاً بابتسامة متسعة: "قدامي يا عريس يلا هنتأخر على الناس." انحنى جاسم وهو يلتقط كفه وقبله ثم رفع رأسه وقال بامتنان وتقدير:

"ربنا يخليك ليا يا أحن أب في الدنيا. انت وقفت جنبي كتير واستحملت حالاتي العصبية واحتوتني وحطيت ثقتك فيا عشان أكبر بيك وأتشرف إني ابنك." ضمه فضل لصدره وقال بتنهيدة طويلة: "انت فرحة عمري انت وأختك. ربنا يباركلي فيكم وأفرح بيكم يا حبايبى." ثم أبعده عنه وهو يشد على ذراعيه بقوة وقال موصياً: "إوعى ترجع جاسم القديم اللي كان قبل وعد تاني. حافظ على مراتك وحطها في عينيك." أومأ جاسم برأسه وقال بابتسامة مشرقة:

"حاضر. يلا بينا لكده هنتأخر بجد." ابْتعد سراج عن الجميع قليلاً وأجاب هاتفه بلهفة: "أيوة يا مالك. بقيت فين يا حبيبي." أجابه مالك بتوتر ودقات قلبه تتسارع للوصول إليها قبله: "لسه قدامي ساعة تقريباً يا بابا. أبوس إيدك اعمل أي حاجة تعطل الموضوع ده." تنهد سراج مطولاً وقال بصرامة: "مقدرش أعمل حاجة. وعد قطعت بكلامها أي طريق يا ابني. ومش عاوز أخسر عيسى ولا عمرو لو عرفوا باللي كان بينكم."

مرر أنامله بشعراته يكاد يقتلعهم من عصبيته. ثم هدر بغضب جعل سائق التاكسي يحدق به بتعجب وهو يقول من بين أسنانه: "غبية.. غبية.. هتضيعني وتضيع نفسها مع واحد *****. بس اللي مستنيك مني يا جاسم هيفوق خيالك." هدأه سراج وهو يقول له بتروي هادئ: "اهدأ يا ابني وربنا يعمل اللي فيه الخير." ثم تطلع من نافذة الدرج على حالة الهرج والمرج السائدة بالشارع. فوجد جاسم وعائلته قد وصلت سياراتهم. فقال بأسى:

"لا إله إلا الله. لله الأمر من قبل ومن بعد." ابْتَلع مالك ريقه بخوف وسأله بصوت خافت مرتعب: "فيه حاجة يا بابا." أجابه سراج باقتضاب وصل لمسامعه كطلقة رصاص غادرة: "العريس وصل." أغمض مالك عينيه ضاغطهم بقوة. وأخذ يتنفس بسرعة وهو يدعو الله بأمل: "يا رب ماليش غيرك. إرحمني يا رب من وجعي وألحق أوصل قبل ما أخسر كل حاجة." أنهى سراج حوارهم بضيق قائلاً باستسلام:

"أنا هقفل دلوقتي يا حبيبي. واللي فيه الخير يقدمه ربنا. تيجي بالسلامة ويسلم طريقك." سقط الهاتف من يده على ساقيه وهو يتطلع للهاوية. شعور بالخواء ملأ قلبه. وأسئلة كثيرة اجتاحت عقله بتكدس. هل فعلاً سيخسرها؟ هل ستصبح ملكاً لغيره؟ ولكن السؤال الأهم.. هل عشقته يوماً؟ أخرجه من حالته صوت سائق التاكسي وهو يسأله بقلق: "حضرتك كويس يا فندم." رفع مالك عينيه ناحية السائق. وتطلع إليه بنظرة ميتة خالية من أي شعور أو إحساس.

ثم أومأ برأسه قائلاً بخفوت مؤلم: "إن شاء الله هبقى كويس." وتطلع من نافذة السيارة للطريق والذكريات تمر من أمام عينيه كشريط السينما. فها هي تقف أمامه متذمرة وهو يأكل من طبقها وبملعقته ونظرات التعجب ارتسمت جلية على ملامحها البريئة وهو ينظر إليها بعبث. وهنا وهي تقف أمامه وتعطيه هديتها بخجل وهو يتأمل خجلها بفرحة. وما أن فتحها حتى أعجب بالميدالية التي أهدتها له.

ويتذكر جيداً حين قال لها.. أنها أغلى هدية على قلبه لأنها منها هي. لن تغيب تلك النظرة الساحرة التي اتسعت بها عينيها الكحيلة تعجباً وخجلاً. وبعدها هربت من أمامه راكضة كي لا تفضحها عينيها بحبه. أخرج تلك الميدالية من جيب بنطاله وتطلع إليها بوجوم. ورفعها لفمه ولثمها مغمضاً عينيه. ثم ابتسم بألم. وقد امتلأت عينيه بدموع لم يعهدها منذ زمن بعيد. منذ خسارته لصديق يحتاجه اليوم وبشدة. نفض أهدابه مسرعاً قبل أن تتساقط

عبراته وهو يقول بداخله: "ده أكتر وقت أحتاجك فيه يا طارق. دلوقتي بس حسيت إنك مت وسبتني." عاد بعينيه مرة أخرى للطريق متذكراً اعترافه لها بحبه وآخر كلماتها له ونظراتها المشتاقة إليه حتى قبل أن يتركها. الفرحة الناقصة.. هذا ما تشعر به الآن وهي تضبط أنفاسها شهيقاً وزفيراً. وشهيقاً وزفيراً. وأفكارها تتسابق في الوصول لعقلها كلاً قبل الأخرى. فهزت رأسها بقوة لتنفض منها أي طاقة سلبية قد تؤثر على فرحتها. فضربت روان

كفيها ببعضهما قائلة بتعجب: "فيه إيه يا وعد. محسساني إنك هتغطسي في البحر." ضغطت وعد شفتيها بقوة وقالت بعصبية: "اخرسي يا روان أحسنلك. أنا اللي فيا مكفيني." جلست روضة بجوارها وقالت بتذمر هادئ: "بقالينا نص ساعة قاعدين جنبك نستناكي تاخدي القرار وتخرجي. الناس زهقت والمأذون بره. وشوية وهيطلبكي تمضي وتبصمي ويسألك عن رأيك. نقوله إيه. العروسة بتظبط النفس قبل ما تغطس. آآآآ.. قصدى قبل ما تتجوز." زفرت وعد بتوتر وقالت وهي

تشير لرجفة أناملها بذعر: "خايفة يا بشر. شوفي حتى إيدي بتترعش إزاي. أعمل إيه طيب." في تلك اللحظة، دلفت إمتثال بغضب وجذبتها من ذراعها قائلة بنفاذ صبر: "قومي بقا إنتي مفيش حد قادر عليكي. هتفرجي علينا الناس." وخرجت وهي تجذبها حتى أدخلتها بين النساء اللاتي باركن لها بفرحة ما عدا عمات جاسم الحانقات على الدوام ومعهم فتاتان تطلعتا بها بازدراء. تغاضت وعد عن نظراتهم الحارقة لها عندما احتضنتها دولت بفرحة وهي تقول بإعجاب:

"بسم الله ما شاء الله. زي القمر يا عروسة. مبروك يا حبيبتي." أجابتها وعد باستحياء وهي تبتعد عن حضنها بهدوء: "متشكرة لحضرتك يا طنط." أجلستها دولت بجوارها. فمالت عليها علا قائلة بغمزة من عينيها: "الفستان عليكي يجنن. ذوقي بقا. ده لما جاسم هيشوفك هيتجنن أكتر ما هو متجنن." أجابتها وعد بهمس قائلة بعبوس:

"إنتي كده بتخوفيني أكتر. أنا مرعوبة لوحدي ومش عارفة هدخل عند الرجالة إزاي. وإنتي أخوكي مش بيرحم وهيِقعد يبصلي ويوترني أكتر." ابتسمت علا بمداعبة وقالت بنبرة عابثة: "عادي يا دودى ده زي شكة الدبوس. هيسألك موافقة يا عروسة على جاسم بعلاً لكي وإنتي هتقولي آه أو لأ وخلصنا. هتمضي وتبصمي ومبروك عليكي عريسك الخفة وهنستنى بعدين للزفة. سهلة." رفعت وعد عينيها بملل وقالت ساخرة:

"آه. هي طالبة منك هزار وسخافة وكده. يبقى اسكتي أحسن يا علا أرجوكي." خرج عمرو من غرفة الصالون بابتسامة متسعة وأشار لوعد بأنامله أن تأتي إليه. فهزت رأسها نافية. اتسعت ابتسامته أكثر. وأشار إليها مجدداً أن تقترب منه. فسحبت نفساً طويلاً وزفرته دفعة واحدة ووقفت بهدوء وبطء. ثم توجهت ناحيته تجر فستانها البنفسجي ذو الذيل الطويل والثقيل خلفها. ثم تأبطت ذراعه وولجت معه للداخل. لم تترك عينيه الباب وهو ينتظر دلوفها بفارغ الصبر.

وابتسامة شغوفة تزين ثغره. وما هي إلا ثوانٍ واختفت ابتسامته ووقف مشدوهاً يحدقها بقوة وقد شملها كلها بنظرة واحدة متأملاً سحرها الآخذ وجمالها الفتان. ثم أغلق أزرار سترته وهو يبتسم بانتصار وهي تتقدم لتجلس بجوار والدها بخجل. رفعت عينيها قليلاً متطلعة بذلك الوسيم والذي سيصبح زوجها بعد قليل. لتخبرها نظراته الغامضة. أنها أجمل فتاة على سطح الأرض. ولم تكن تبالغ فهو يراها ساحرته التي لا تضاهيها أخرى بجمالها.

ولم لا وهي.. شهرزاد الساحرة. ابتسم المأذون بخفوت وهو يسأل وعد بجدية وعملية قائلاً: "هل تقبلين يا عروس بالباشمهندس جاسم فضل رحال زوجاً لكِ." تسارعت دقات قلبها بشدة. ورفعت عينيها ناحية جاسم تستمد منه القوة كعادتها. حتى اطمأنت قليلاً وهدأ روعها. ثم فغرت فمها قليلاً لتجيبه. حين استوقفها أحدهم قائلاً: "ثانية واحدة لو سمحتم." لم تكن قد ابْتعدت بعينيها عن جاسم الذي أظلمت عيناه واكفهر وجهه بقسوة.

وقام مسرعاً كفهد ينوي الانقضاض على أحدهم. حينما استمعت لصوت تعلمه جيداً. صوت رافقها في أحلامها ويقظتها يحاوطها بمعسول الكلام والأشعار. صوت مالك. التفتت برأسها ناحيته. لتجحظ عيناها بذعر. فقلبها أخبرها سابقاً أن هذا اليوم لن يمر مرور الكرام. وها هو حدسها يتحقق. وقف عمرو مسرعاً واحتضن مالك بشدة وهو يرحب به قائلاً بابتسامة فرحة: "حمد الله على السلامة يا مالوك. ما كانتش هتكمل من غيرك."

ابْتعد مالك عنه قليلاً ونظراته متعلقة بوعد التي كانت تحدقه بقوة وثبات. بينما أعاد المأذون سؤاله وانتظر منها الإجابة. ولم يكن بمفرده ينتظر. لم تبتعد بعينيها عنه حتى شعرت بتحول نيران قلبها تجاهه لرماد. رماد نفثته بقوة ليخرج من قلبها وضلوعها وهي تعود بعينيها لعشها الدافئ. لتلك الشبابيك السوداء الحنونة وابتسمت إليه لتطمئنه. فاستوقفها مالك قائلاً بنبرة محذرة عميقة: "وعد." لم تبتعد بعينيها عن جاسم وقالت بثقة وحزم:

"أنا موافقة." ارتاحت ملامح جاسم وزفر أنفاسه التي احتبسها بصدره حتى كادت تخنقه وهو يبادلها ابتسامتها. بينما أغلق مالك عينيه بقوة. وكأنه سقط على رأسه صخرة كبيرة هشَمته لآلاف القطع. قرب المأذون الدفتر منها وطلب منها أن توقع على الأوراق. فحملت القلم بين أناملها ووقعت بثبات. ثم وضعت بصمتها على الأوراق. وبعد لحظات وبعد الدعاء لهم. أعلنهم زوجة وزوج.

تعالت الزغاريد والفرحة كأنها نيران تشتعل من حوله وستلتهم جسده كما التهمت روحه. ولكنه رغم ما يكابده الآن من ألم. اقترب منهما ووقف قبالة جاسم الذي عض على باطن فمه في حركة يعلمها مالك جيداً عنه حين يخجل من فعل مشين. ومع ذلك مد له كفه بهدوء متزن. وقال له بصوت رخيم.. مهزوم وبشدة: "ألف مبروك يا.. يا صاحبي." تحرك حلق جاسم في حركة متوترة وصافحه قائلاً بانتصار: "عقبالك." ابتسم مالك بسخرية وأجابه برزانة:

"في حياتك إن شاء الله." ثم ترك كفه واستدار ناحية وعد وهو يحدجها بازدراء. قائلاً بخفوت من بين أسنانه: "مبروك يا وعد. صدقيني.. تستاهلي واحد زي جاسم." رفعت ذقنها بإباء وهي تتطلع إليه بتشفى. ثم قالت بنبرة ماجنة: "أيوة أستاهله.. لأن ربنا بيحبني وعوضني بيه." تعالت ضحكات مالك الهيستيرية. فشعر عمرو بخطأ ما لا يبشر بخير. فجذب مالك من ذراعه وأخرجه بالقوة. بينما بدأ الجميع في تقديم التهانى والمباركات للعروسين.

ووعد لا تبتعد بعينيها كثيراً عن أمانها. فهي الآن تلعب دوره بجدارة وتطمئنه بوجودها بجواره. وهو استقبل نظراتها بتقدير منقطع النظير. استمرت ضحكات مالك الهيستيرية. فدفعه عمرو خارج شقتهم وأمسكه من ذراعيه وأخذ يهزه بعنف وسأله بتعجب قلق: "فيك إيه يا مالك. إنت شارب حاجة يا ابني." وقفت روضة وروان تتابعان حديثهم باندهاش. بينما كانت روضة تعلم أن هذا ما سيحدث. توقفت ضحكات مالك وهو يجيب عمرو بحزن عميق بادٍ بعينيه التي

حاوطتها الهالات السوداء: "أيوة شارب. تعرف شارب إيه. مية نار بتكوي قلبي وصدري ومحدش حاسس بيا." قطب عمرو حاجبيه قائلاً بعدم فهم: "إنت بتقول إيه. أنا مش فاهم منك أي حاجة." استند مالك بظهره على حائط الدرج وهمس أخيراً بصوت ضائع: "حبيبتي اتجوزت غيري. عملت فيا كده ليه. ليه ما سمعتنيش قبل ما تحكم عليا بالموت بعدها. وعد قتلتني يا عمرو واللي واجعني قوي. إن صاحبي اللي غدر بيا وخدها مني." اتسعت عينا عمرو بغضب.

ثم قبض كفيه بشدة وهو يحدجه بنظرات كاوية. وأمسكه من ياقة سترته واجتذبه بالقوة صاعداً به لسطح البناية. تطلعت روان وروضة ببعضهما وركضا ورائهما بذعر. ما أن وصل عمرو لسطح البناية حتى لكمه بقوة فنزفت أنفه إثر ضربته. وترنح جسده قليلاً ولكن لم يرأف عمرو بحالته وهو يلكمه مجدداً لكمات متتابعة. ولم يرفع مالك يده لرد لكماته. فصرخت روان قائلة بانفعال: "إبعد عنه يا عمرو هيموت في إيدك." دفعها عمرو بالقوة. فاصطدمت بروضة متألمة.

ووقفت تتابع عمرو بخوف وسألت نفسها بدهشة. من هذا الوحش التي تراه أمامها؟ هل هو حبيبها الوديع؟ أحن من رأت بعد والدها عليها؟ أم شخص آخر تكتشفه الآن ببربريته؟ مسح مالك دمائه بكف يده. وقال بغضب متمالكاً نفسه: "أنا عامل حساب لروان يا عمرو. وإلا ردي عليك هيكون أعنف صدقني." ضربه عمرو بقبضتيه في كتفيه بقوة وقال بنبرة مستهزئة:

"وريني نفسك. إنت حد واطي وخسيس. آمنتك على أختي وما شكتش فيك ثانية. أتاري حاطط وسط إخواتي تعبان مع أول فرصة. لدغ لدغته." دفعه مالك بصدره وقال بصوت جهوري خشن: "بتحاسبني على إيه. على إني حبيت. ما إنت حبيت أختي واتجوزتها. أنا ما عملتش حاجة غلط." صفق له عمرو وهو يدور حوله ويضحك بسخرية. ثم التفت إليه مضيقاً عينيه قائلاً بصوت محتقن:

"إوعى تساوي نفسك بيا. أنا أنضف وأشرف من عشرة زيك. صحيح حبيت أختك. بس دخلت البيت من بابه وكلمت والدك وخطبتها وكتبت كتابي عشان ما أحطهاش وأحط نفسي في موقف يغضب ربنا مننا. ومع ذلك وهي قدامك أهي إسألها. حافظت عليها من نظرة تضايقها. أو من كلمة تكسفها مني. واستنيت لما بقت مراتي وفي بيتي وقولتلها اللي جوايا." ثم اقترب منه ببطء وهو يهدر بغضب حانق:

"إنما إنت سمحت لنفسك تغدر بثقتي بيك وتفتح عينيها على كلام ومشاعر مش حقكم. خلتها تحبك يا مالك ولا ما قدرتش." ابتسم مالك بسخرية واقترب منه وعيناهما في قتال مستتر وقال بغطرسة زائفة: "حبتني يا عمرو. وقالتلي بعنيها أكتر من مرة إنها بتحبني وجاسم ضحك عليا وسفرني عشان ياخدها مني. وأنا عارف إني بحبها وهي بتحبني." لم يتمالك عمرو نفسه مجدداً أمام وقاحته ولكمه بعنف أكبر نابع من شدة غضبه وانفعاله.

فسقط مالك على الأرضية نازفاً من أنفه بقوة. فصرخت روان وركضت نحوه ورفعت رأسه وضغطت على أنفه بفستانها لإيقاف النزيف. بينما رفع عمرو سبابته أمام عيني مالك وهو ينحنى ناحيته قائلاً بازدراء: "جاسم أرجَل منك يا مالك. ما لعبش على وعد ولا قعد يضحك عليها بكلام ناعم وأنا وإنت عارفين إنه أستاذ في الكلام ده. بالعكس دخل البيت من الباب وكلمنا والحمد لله إن وعد وافقت عليه. لأنك ما تستهالهاش." "خلاص يا عمرو كفاية كده."

التفت الجميع ناحية سراج الواقف يتطلع إليهم بغضب. انتصب عمرو في وقفته وقال له بجمود: "يا خسارة يا عمي. ما عرفتش تربي." تطلع إليه سراج بنظرات ثابتة واقترب منه قائلاً باهتياج: "مش هسمحلك تغلط في ابني قدامي يا عمرو. وبما إنك ما احترمتش قرابتنا ولا النسب اللي بيني وبينك. فا إنت غلطت غلطة بعمرك كله." رسم عمرو ابتسامة سخيفة على ثغره وقال متعجباً:

"أنا اللي غلطان. ليه. ضحكت على بنتك وكلمتها من ورا ضهرك وما عملتش حساب لا لقرابة ولا لنسب واعتبرتك......... قطب عمرو كلماته اللاذعة. وأغمض عينيه مسيطراً على غضبه واندفاعه. فهز سراج رأسه قائلاً بصوت محتقن: "قولها يا عمرو. ليه دلوقتي اتكسفت. بس بجد أنا مصدوم فيك بشكل صعب يتصلح ما بينا تاني." وتركه وتوجه ناحية مالك وأوقفه على قدميه ودفعه أمامه ليعودا لشقتهم.

انتصبت روان في وقفتها وهي تمسح أناملها التي امتلأت بدماء أخيها بفستانها واقتربت من عمرو وتطلعت داخل عينيه للحظات تتأمل ذلك الواقف أمامها بتعجب وكأنها تبحث عن حبيبها بداخله. ثم خرجت عن صمتها وقالت: "حاسة إني مش عارفاك يا عمرو. أنا مصدومة فيك قوي." تنهد بعمق ورد عليها باقتضاب: "اطلعي منها يا روان." هزت رأسها نافية وعقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بتحدي: "لأ مش هطلع. وسبيني براحتي يا ماما."

وفجأة خرج مالك من غرفته مندفعاً بعدما بدل ملابسه ووقف نزيف أنفه مسرعاً وعينيه تشع ناراً من غضبه. وقفت آمال أمامه وسألته بقلق: "رايح فين دلوقتي يا مالك." رفع كفيه أمامها وقال بغضب هادر: "سيبيني أنزل يا ماما. مش هقدر أنام وأنا كده. لازم أشوفه دلوقتي وآخد حقي منه." صرخت آمال بذعر وقالت بنفي حازم: "مش هيحصل. مش هتخرج يعني مش هتخرج." "يا ماما الله يخليكي سيبيني. إنتي مش حاسة باللي جوايا."

خرج سراج من غرفته وهو يرتدي منامته. ثم مال على روان وقال لها بهمس حذر: "روحي هاتي برشامة من بتاعت مامتك اللي بتنيمها وحطيها في عصير وهاتيهالي بسرعة." هزت رأسها بقوة وقالت بهمس: "حاضر يا بابا. ثواني بس." ثم وقفت أمام مالك وقالت له بلوم حاد: "هو أنا مش قولتلك تهدى وتفكر والصباح رباح يا مالك. العصبية دي ما ينفعش تاخد فيها قرار." جلس مالك على إحدى الأرائك وقال بألم: "تعبان يا بابا. ولازم أرتاح نفسي أعرف عمل كده ليه."

وضعت روان كوب العصير في يد والدها وقالت له بمكر: "خلي مالك يشرب العصير ده يا بابا عشان يهدا." جلس سراج بجواره وأعطاه إليه قائلاً باستجداء: "اشرب العصير ده عشان خاطر روان. دي هي اللي عملته بإيديها." أخذه منه مالك وشربه دفعة واحدة. فهو لم يأكل منذ يومين تقريباً. ثم أوقفه سراج وسار به ناحية غرفته وأجلسه على فراشه ورَبَت على ساقيه بحب وقال بحزم: "مدد جسمك دلوقتي ويطلع النهار برزقه يا ابني."

شعور غريب بالخمول والوهن سرى بجسده. حتى استسلم لكلام والده ومدد جسده على فراشه. فراح في ثبات عميق. مال سراج بجسده ناحيته وقبل جبهته وقال هامساً باشفاق: "الله يكون في عونك يا ابني. وتقدر تخطي الوجع ده وترجع تاني زي الأول." ابتسمت علا برقة وسألت سلوى بتعجب: "هما فين روضة وروان يا طنط؟ جاسم هيلبس وعد الشبكة." بحثت سلوى حولها وقالت بضجر: "والله ما عارفة يا بنتي. خلاص قدمي الشبكة إنتي."

وقف جاسم مقابل لوعد بردهة شقتها ولهفته تعتلج صدره وهو يطالع جمالها. هذه الساحرة باتت زوجته.. ملكه وحده. وقفت علا أمامهما ومدت يدها ناحية جاسم وهي تحمل صينية عليها الشبكة وتحتها بتلات ورود حمراء. حمل جاسم العقد. وأشار لوعد بعينيه أن تلتف. ثم وقف خلفها ووضع العقد حول عنقها وحاول إغلاقه حتى نجح. التفتت وعد مجدداً لتصبح قبالته. فألبسها اسوارها وخاتمه. أثناء هبوط مالك وسراج على الدرج.

التقطت عينيه لحظة إلباس جاسم خاتم الخطوبة لوعد. ثم رفع كفها لفمه ولثمه برقة وهو يتطلع في عينيها بشغف. لم يتمالك نفسه وهبطت دموعه أخيراً. رَبَت سراج على كتفه بقوة لتشجيعه وقال بصعوبة: "يلا يا حبيبي انزل. ما يجيش منه خلاص." كفف دموعه وهبط الدرج متوعداً. فلن تمر دناءة جاسم على خير. لن يتركه دون حساب. وعقاب. مدت علا يدها ناحية وعد وهي تحمل خاتم خطبة جاسم.

أخذته وعد منها وتنفست مطولاً ثم قربت أناملها من كف جاسم السمراء القوية وألبسته خاتمه وهي تنتفض من ملامسته. ابتسم جاسم بعفوية على ضغطها لضفاتها بقوة وإغمادها لعيونها قليلاً بتركيز. كجراح أثناء تأديته لعملية جراحية دقيقة. ثم زفرت براحة بعد انتهاء مهمتها بنجاح أخيراً. فتعالت الزغاريد وهنئوهم مجدداً.

بعد ساعة تقريباً غادر الجميع وبقي جاسم قليلاً بعدما طلبت منه سلوى أن يتناول عشائه مع زوجته وأنها أعدت له مأكولات لذيذة خصيصاً له. فبقي منتظراً وعد بغرفة الصالون. وعقله شارداً في مالك. وما سيفعله رداً عليه. تنفس مطولاً وزفره بهدوء. حتى ولجت وعد لعنده بخجل. فوقف لها وهو يبتسم تلك الابتسامة الخاصة بها وحدها. بعد أن انصاعت لأوامر إمتثال وسلوى بالدخول إليه. جلست على إحدى الأرائك القريبة من الباب والبعيدة عنه. زادت

ابتسامته وقال بمداعبة: "بدل ما انتي قاعدة في آخر الأوضة كده. روحي أوضتك ونتكلم فون وخلاص." ابتسمت وعد بخفوت إثر مزحته وقالت بصوت خفيض مرتبك: "عادي يعني. أنا مرتاحة كده." عقد ذراعيه أمام صدره وقال مجدداً بمداعبة: "مش سامع بتقولي إيه. الشبكة واقعة عندي. يا ريت بس لو تقربي بتاع كرسيين وكنبة يمكن أسمع." دلفت سلوى وهي تحمل صينية عليها طعام العشاء. وعلى ثغرها ابتسامة متسعة من فرحتها وقالت بتلقائية:

"هي وعد لسه ما جتش. هروح أنادي لها. يا رب الأكل يعجبك يا ابني." ضحك جاسم بخفوت وقال بامتنان: "متشكر لحضرتك يا فندم. الأكل شكله يجنن." تطلعت إليه سلوى بلوم وقالت بمعاتبة: "خلاص يا جاسم. مفيش حضرتك والكلام ده. قولي يا ماما على طول. تمام." أجابها جاسم بدبلوماسية متمرس ويعلم بدواخل النساء جيداً. قائلاً بمجاملة: "ولو إن حضرتك اللي يشوفك يقول أخت وعد الكبيرة. مش مامتها. بس حاضر هقولك يا ماما زي عمرو." عدلت سلوى من

حجابها بحرج وقالت بارتباك: "شكراً يا جاسم. كلك ذوق. هروح بقا أنادي وعد." والتفت لتنصرف فوجدت وعد جالسة بجوار الباب. فسألتها بدهشة: "إنتي إيه اللي مقعدك هنا. قومي اقعدي جنب جوزك." زَمّت وعد شفيتيها بطفولة وا امتعاض. فأوسعت سلوى عينيها إليها لإرهابها قليلاً. وقالت لها بتحذير جدي: "قومي يلا." وقفت وعد بعصبية. وسارت نحوه وهي تضرب الأرض بقدميها. حتى جلست بجواره على الأريكة.

وجاسم في أسعد لحظات حياته وهو يرى انفعالاتها الأولى بعد أن أصبحت زوجته. مؤقتاً. أو مع وقف التنفيذ. تركتهم سلوى وخرجت. فجلس جاسم بهدوء بجوارها. ساد الصمت للحظات حتى قالت وعد بخفوت: "اتفضل كل." اقترب منها برأسه وقال بهدوء: "طب مش هتعمليلي طبق." حملت طبق بيدها وملأته بجميع أنواع الطعام الموضوعة أمامهم وقدمته إليه قائلة بتوتر: "اتفضل. يا رب أكل ماما وتيتة يعجبك." حمل الملعقة وملأها قليلاً ورفعها أمام فمها وقال بإيجاز:

"افتحي بقك." تطلعت بالملعقة وقالت له بحدة: "شكراً أنا هعرف آكل نفسي." قرب الملعقة منها أكثر وقال بهدوء رزين: "سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. كان يأكل زوجاته بيده. وأنا حابب آكلك بإيدي. ما تكسفنيش." فتحت وعد فمها قليلاً. فدس المعلقة ببطء داخل فمها وأخرجها خالية. ثم باشر طعامه وهو يتلذذ لإثارة حنقها. فقالت له بخجل: "جاسم.. لو سمحت بلاش حركاتك دي." فباغتها قائلاً بعفوية:

"هو انتي ليه فضلتي بحجابك ومش قلعتيه. هو شعرك مش حلو." تطلعت إليه بقوة وسألته بمشاغبة: "طب ولو طلع شعري مش ناعم وخشن هتعمل إيه. هترجع في كلامك مثلا." مال ناحيتها بقوة. فارتدت هي قليلاً للخلف مبتعدة عنه. بينما همس هو وأنفاسه تلفح وجهها: "والله لو كان ليفة وأكرت ومش بيمشي فيه مشط. لهفضل أموت فيكي." تنحنحت وهي تبتسم بخجل وقالت بجمود: "ارجع مكانك لو سمحت."

عاد لجلسته وهو يحدجها بلهفة مبتسماً فتلك الجنية الشقية ستفقده عقله حتماً. فسألها مجدداً بمشاكسة خبيثة: "هو انتي شقرا. لأنك لما كنتي تعبانة لاحظت إن رموشك وحواجبك فاتحين." زَمّت شفتيها وقالت بغموض: "يمكن." ضيّق عينيه بضيق وقال مغتاظاً: "هو سر حربي يا وعد. ما تقولي شعرك ناعم ولا لأ. ولونه إيه." هزت كتفيها بنفي وقالت بنبرة طفولية: "هأة. مش هقولك وهسيبه مفاجأة."

ابتسم ابتسامته الجانبية ورفع كفه نحوها وتلمس وجنتيها ببطء حارق. حتى استقرت أنامله داخل غمازتها. فابتعدت عنه بخجل. فقال لها هامساً: "من أول يوم شفتك فيه في الأصانصير وأنا كان نفسي في حاجتين. ألمس غمزاتك. و.... قاطعته وعد بنبرة محذرة: "مش عايزة أعرف الحاجة التانية. أحسنلك." تعالت ضحكات جاسم وهو يهز رأسه بيأس قائلاً بتوعد: "بلاش أقول دلوقتي. بس هايجي الوقت اللي هقول اللي أنا عاوزه وهحوله عملي كمان."

شهقت وعد بخفوت ورفعت حاجبيها بحدة. ثم قالت بحزم شديد: "كمل أكلك لو سمحت." أومأ جاسم برأسه وقال بجدية: "حاضر يا عمري. أنا بكرة الصبح هعدي عليكي نروح الشغل سوا. وهرجعك بعده للبيت." "ليه التعب ده. أنا هروح هرجع مواصلات أو مع عمرو." رفع جاسم حاجبه بتذمر وقال بضيق: "مفيش الكلام ده. إنتي دلوقتي مراتي وأنا اللي ملزوم بيكي وهبقى سواقك الشخصي دايماً يا شهرزادي." احمرت وجنتيها بخجل وعضت على شفتها بتلقائية.

فتنفس جاسم بصعوبة وهو يرى حركتها العفوية والتي أثارت رغباته بها. فوقف مسرعاً وقال بتوتر: "أنا همشي دلوقتي و.. و أشوفك الصبح. تمام." وقفت وعد وقالت له بإيماءة خفيفة من رأسها: "حاضر. تصبح على خير." لامس وجنتها برقة وقال بخفوت: "وإنتي من أهل الجنة يا عمري." ثم لوح لها بكفه وتركها وانصرف. جلست مكانها مشدوهة من مشاعرها المتنافرة ما بين تعلق وتوجس. ثم رفعت أناملها تتلمس وجنتها التي لامستها أنامله برقة.

شعور غريب تختبره لأول مرة بحياتها. تحسست حرارة وجنتيها بخجل. حتى قطع عمرو خلوتها قائلاً بغضب: "إيه اللي كان بينك وبين مالك يا وعد." يكفيني ما نلته من عشقك. بل يكفيني ويزيد. وبما أن هذا خطئي وقد كان وراءه ضعفي. إذا فلأتحمل تبعاته. وقفت بصلابة بعدما قررت أن أقصر طريق للوصول للنهاية هو المواجهة. ولتكن الأخيرة لتبدأ حياتها الجديدة ناهية أي شيء يربطها بالماضي. القريب. عقدت وعد حاجبيها باستنكار وقالت بضيق:

"مش فاهماك يا عمرو." اقترب منها عمرو وغضبه قد ظهر على قميصه الممزق أحد أزراره وقد تناثرت عليه قطرات الدماء. اقترب منها فاعتصر ذراعها بين قبضته وهو يهزها بعنف قائلاً بوحشية لم تعهدها منه: "إنتي هتلفي وتدوري عليا." فقالت وهي تتألم من قبضته الشديدة وتشعر بالذعر من هيئته الغاضبة: "سيب دراعي يا عمرو وجعتني. أنا لا بعرف ألف. ولا بعرف أدور وإنت عارف." وقف عيسى بينهم وخلص ذراعها من قبضته والتفت إليه قائلاً بصرامة:

"إنت هتمد إيدك على بنتي قدامي. خلاص. مافيش احترام." جذبت سلوى عمرو من ذراعه وأجلسته عنوة وربتت على صدره قائلة بقلق عليه: "اهدأ يا عمرو. الأمور دي مش بتتاخد كده. كله بالعقل يا حبيبي وإديها فرصة تتكلم." لفت روضة ذراعها حول كتفي وعد وهدّأتها. ثم أجلستها وجلست بجوارها وقالت لها بابتسامة هادئة: "متخافيش من حاجة. هو بس مالك قال شوية كلام لعمرو فضايقه شوية وهما مستنيينك توضحي كل حاجة." اتسعت عينا وعد بشدة وقالت بحدة:

"هو قال إيه المجنون ده. أنا مفيش بيني وبينه أي حاجة. هو قالي إنه بيحبني وعاوز نتجوز بس هيحتاج شوية وقت. أنا حتى عمري ما قلتله إني بحبه. منكرش إنه شغلني بيه وبكلامه. بس أنا كنت عاملة خطوط بينا وكنت ببعد عنه دايماً حتى في الشغل." والتفت بجسدها كاملاً ناحية عمرو وحدقته بقوة وقالت له موضحة موقفها أكثر:

"فاكر يا عمرو لما خلتني أركب معاه غصب عني لما روضة تعبت. أنا لو مش كويسة ما كنتش رفضت ويمكن كنا استغلينا الموقف ده وخرجنا مع بعض مثلاً. بس أنا ما سمحتلوش يكلمني في أي حاجة وصديته وهو فهمني وما كلمنيش في حاجة تاني." ضرب عمرو ساقه بقبضته وقال بضيق: "كنت بعتبره أخويا ومآمن عليكي معاه ال******." ثم حدقته بلوم وسألها معاتباً:

"أنا عارفك كويس. بس كلامه ضايقني. طب ليه يا وعد ما قولتيليش على الموضوع ده. إنتي مش بتخبّي عليا حاجة حتى أمورك الخاصة بتاعت البنات. ليه الموضوع ده اللي خبيتيه عليا." طأطأت رأسها باستحياء وقالت بتنهيدة ساخنة:

"لأني غلطت. وغلطة كبيرة ما كانش ينفع أقولهالك. ربنا يسامحني بقا وأنا أقدر أسامح نفسي. بس كلامي ليكم كلكم. لازم تصدقوا إني خلاص شلته من جوايا لأني بقيت ملك واحد تاني. وأنا متربية وعمري ما هقلل من.. من جوزي مهما حصل." جلست إمتثال بجوارها وقالت وهي تحمل كفها الأيمن بين راحتيها متطلعة لخاتم خطبتها قائلة بثقة: "أنا مصدقاكي يا حبيبتي. وجاسم ابن حلال وبيحبك أكتر من نفسه وهتقدري تنسي وتحبيه."

ابتسمت وعد بخفوت وقالت وهي تتطلع لخاتمها متذكرة نظراته الدافئة: "أنا واثقة من حبه ليا. وربنا يقدرني وأسعده." رفع عمرو سبابته أمام وجهها وقال بتحذير: "إوعي يا وعد تضعفي لمالك تاني. إنتي دلوقتي متجوزة تقريباً وأنا....... قاطعه عيسى قائلاً بصرامة: "بنتي عمرها ما تعمل كده. كانت عملته وهي مش مرتبطة. أنا واثق في عقلها وذكائها وما عنديش شك إنها فترة وعدت من حياتها." ابتسمت وعد براحة وقالت له بامتنان: "شكراً يا بابا."

ثم وقفت وسارت نحو عمرو وجثَت أمامه على ركبتيها بفستانها المنفوش. وتطلعت داخل عينيه وقالت بشك: "مصدقني ولا لأ يا عمرو." ابتسم بخفوت وقال وهو يحتضن وجهها بين كفيه: "مصدقك طبعاً. وبتمنالك السعادة وزي ما قولت لمالك إن جاسم راجل. وإنه كان يقدر يعمل زي مالك ويسمعك كلام عمرك ما سمعتي زيه. بس هو اختار يقولك اللي جواه وإنتي ملكه قدام الكل. مش سرقة وفي الخفى. حطيه جوة عينيكي واقفلي عليه. تمام." أومأت برأسها وقالت باقتضاب هادئ:

"تمام." صفقت إمتثال بكفيها وقالت وهي تقف بتثاقل: "يلا ننام بقا وبكرة نلم البيت ده. يلا كل واحد على أوضته وإنت يا عمرو اطلع على شقتك. وإوعى تحاسب روان على حاجة مالهاش فيها." أومأ عمرو برأسه وحمل أحزانه بقلبه وصعد لشقتة. ليجدها خاوية. ارتمى بجسده على أحد الأرائك بضيق. ثم أخرج هاتفه وهاتف روان التي ردت عليه قائلة بجمود: "أيوة." "إنتي مش هتطلعي يا روان." صمتت للحظات قبل أن تجيب بحدة:

"لأ. محتاجة شوية وقت يا عمرو. اللي حصل النهاردة كان صعب عليا ومحتاجة أفكر." ابتسم بسخرية وقال لها بصوت أجش جاف: "براحتك. بس أنا عملت اللي عليا وكلمتك. ولما تحبي ترجعي شقتك ابقي ارجعي إنما أنا مش هكلمك تاني ولا هاجيلك عندك. سلام." وأغلق الهاتف بوجهها. فأغمضت عينيها بألم. طأطأت والدتها على ذراعها وقالت لها بحنو: "قومي يا حبيبتي اطلعي لجوزك. إنتي دلوقتي مالكيش إلا بيتك." هزت روان رأسها نافية وقالت بتحدي:

"لأ مش هطلع. وسبيني براحتي يا ماما." وفجأة خرج مالك من غرفته مندفعاً بعدما بدل ملابسه ووقف نزيف أنفه مسرعاً وعينيه تشع ناراً من غضبه. وقفت آمال أمامه وسألته بقلق: "رايح فين دلوقتي يا مالك." رفع كفيه أمامها وقال بغضب هادر: "سيبيني أنزل يا ماما. مش هقدر أنام وأنا كده. لازم أشوفه دلوقتي وآخد حقي منه." صرخت آمال بذعر وقالت بنفي حازم: "مش هيحصل. مش هتخرج يعني مش هتخرج."

"يا ماما الله يخليكي سيبيني. إنتي مش حاسة باللي جوايا." خرج سراج من غرفته وهو يرتدي منامته. ثم مال على روان وقال لها بهمس حذر: "روحي هاتي برشامة من بتاعت مامتك اللي بتنيمها وحطيها في عصير وهاتيهالي بسرعة." هزت رأسها بقوة وقالت بهمس: "حاضر يا بابا. ثواني بس." ثم وقفت أمام مالك وقالت له بلوم حاد: "هو أنا مش قولتلك تهدى وتفكر والصباح رباح يا مالك. العصبية دي ما ينفعش تاخد فيها قرار." جلس مالك على إحدى الأرائك وقال بألم:

"تعبان يا بابا. ولازم أرتاح نفسي أعرف عمل كده ليه." وضعت روان كوب العصير في يد والدها وقالت له بمكر: "خلي مالك يشرب العصير ده يا بابا عشان يهدا." جلس سراج بجواره وأعطاه إليه قائلاً باستجداء: "اشرب العصير ده عشان خاطر روان. دي هي اللي عملته بإيديها." أخذه منه مالك وشربه دفعة واحدة. فهو لم يأكل منذ يومين تقريباً. ثم أوقفه سراج وسار به ناحية غرفته وأجلسه على فراشه ورَبَت على ساقيه بحب وقال بحزم:

"مدد جسمك دلوقتي ويطلع النهار برزقه يا ابني." شعور غريب بالخمول والوهن سرى بجسده. حتى استسلم لكلام والده ومدد جسده على فراشه. فراح في ثبات عميق. مال سراج بجسده ناحيته وقبل جبهته وقال هامساً باشفاق: "الله يكون في عونك يا ابني. وتقدر تخطي الوجع ده وترجع تاني زي الأول."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...