خرجت روضة من غرفتها مسرعة وقالت لوالدها بهدوء وهي تمد ذراعها نحوه: إتفضل يا بابا القميص جاهز ومكوي وزي الفل. أخذه منها والدها راسماً على ثغره ابتسامة واسعة، وربت على كتفها بحنو قائلاً: عقبال يومك يا حبيبتي.. والله دي هتبقى الفرحة الكبيرة. إكتفت روضة بالابتسام مجاملة له وقالت برقة: ربنا يخليك لينا يا بابا.. هدخل أنا لوعد أشوفها جهزت ولا لسه الناس على وصول. وتركته وتوجهت لغرفة وعد بعدما عادت لوجومها الحزين.
ولجت للغرفة متمتمة بحدة: خلصتي يا وعد ولا لسه ده النا....... تسمرت في مكانها وهي تتطلع لوعد باندهاش كبير من جمالها وأناقتها الجذابة، بينما تشكلت على ثغر وعد ابتسامة خجلى وهي تتابع إعجاب روضة بعينيها. وسألتها بخفوت: عجبتك يا روضة.. شكلي حلو. ترقرق الدمع في عيني روضة بحنان، وأومأت برأسها مرددة آيات الله لحفظ صغيرتها من العين والحسد. ثم اقتربت منها ووضعت كفها على رأسها وقالت:
باسم الله أرقيكِ.. من كل شئ يؤذيكِ.. ومن شر كل نفس أو عين حاسد. احتضنتها وعد بقوة وقالت بحب صادق: ربنا ما يحرمني منك يا أحلى حاجة في دنيتي. أبعدتها روضة عنها قليلاً وهي تتطلع بعينيها نافذة لعقلها، وسألتها بحزم: متأكدة من قرارك يا وعد. أومأت وعد برأسها قائلة بثقة: متأكدة ومعتمدة على ربنا بعد ما صليت استخارة وكلته أمري. ربتت على ذراعيها بحنو وقالت بفرحة: ربنا يقدم اللي فيه الخير ويبعد عنك كل شر. استمعوا لجرس الباب،
فقالت روضة بتوتر: أهل العريس وصلوا.. أنا متوترة زي ما أكون أنا العروسة. تنفست وعد مطولاً وزفرته على مهل محاولة تهدئة أنفاسها ودقات قلبها وارتعاشة جسدها المفاجئة، حتى دلفت إليهم روان قائلة بابتسامة متسعة: العريس وأهله وصلوا.. واضح إنهم ناس محترمين جدا. استقبلهم عيسى وسلوى بابتسامة ودودة مرحبة، حتى جلسوا جميعاً في غرفة الصالون. رحب عيسى بفضل قائلاً: النهاردة زارنا النبي يا حاج فضل.. الدنيا نورت.
ربت فضل على ساقه بامتنان قائلاً: منورة بيكم يا أبو عمرو.. وحشتنا يا راجل فينك وفين أراضيك.. أديلنا سنين ما اتقابلناش. أجابه عيسى بهزة من رأسه قائلاً بأعين متأثرة: السفر هو اللي منعني من زيارتك يا حاج فضل.. إنت عارف الشغل ولقمة العيش. بينما رحبت سلوى بدولت قائلة بفرحة: وحشاني يا حاجة دولت والله.. أنا حمدت ربنا إن جاسم يبقى ابن ناس ولاد أصول زيكم. أجابتها دولت وهي تحدج ابنها بفخر قائلة بلطف:
ده من ذوقك يا حبيبتي.. أنا اللي فرحت قوي لما عرفت إن وعد تبقى بنتكم وهاجنن وأشوفها من كتر ما جاسم والحاج فضل ما اتكلموا عنها وشكرولي فيها. اتسعت ابتسامة سلوى وهي تستمع لكلمات دولت، ولم تفتها نظرات الاحتقان التي علت ملامح تلك السيدتين الجالستين بجوارها. انتبهت دولت لنظراتها فقالت معرفة: دي بقى الحاجة نجوى أخت الحاج فضل ودي كمان الحاجة ألفت أختها. هزت سلوى رأسها متصنعة الابتسام وهي تتابع حنقهم ولوي ثغرهم، وقالت ببرود:
يا أهلا وسهلا. ثم أشارت دولت بيدها ناحية علا وقالت متابعة تعريفها: ودي بقى الباشمهندسة علا بنتي وبنتها ريتال. ابتسمت لها سلوى ابتسامة حقيقية وقالت بترحاب: يا أهلا وسهلا يا بنتي.. منورة الدنيا. أجابتها علا بنعومة: متشكره يا طنط.. أمال فين روضة ووعد. وقفت سلوى وقالت بصوت مسموع: هناديهم حالا.
انتصب جاسم في جلسته وهو يتابع الباب بعينيه في انتظار قدوم جنيته المشاغبة بعدما شعر بالملل من أحاديثهم الجانبية، وما هي إلا لحظات وارتفع حاجبيه وهو يتأملها بوله من شدة جمالها وأناقتها بفستانها الأزرق والذي بدت به رائعة الجمال والحسن. فوقف مسرعاً وهو مشدوهاً بطلتها الآخذة. فجذبه عمرو من مرفقه وقال مداعباً: مالك يا عريس هو الكرسي متكهرب. لم يعره جاسم أي اهتمام، فتلك الهالة المحيطة بحبيبته سلبت إرادته وتعقله. صافحت
وعد فضل قائلة بخفوت خجل: أهلا وسهلا يا فندم. شدد فضل من قبضته حول كفها قائلاً بلوم وعتاب: إيه يا فندم دي.. هنا تقوليلي يا عمي.. تمام. أومأت وعد برأسها إيجابياً. لم تمهلها دولت الوقت للرد عليه حيث اقتربت منها قائلة بسعادة: بسم الله ما شاء الله.. إيه الجمال ده يا حبيبتي. وجذبتها لحضنها فجأة وقبلتها على وجنتيها بقوة وهي تقول: إزيك يا وعد يا حبيبتي. أجابتها وعد وهي تحدجها براحة من بساطتها وطيبتها: الحمد لله يا طنط.
ورحبت بجاسم بهزة من رأسها ليبادلها ترحابها الناعم مثلها، بينما صافحت ألفت ونجوى واحتضنت علا مرحبة بها. ثم حملت ريتال وقبلتها قائلة بلطف: وحشتيني يا توتا. تعلقت ريتال بعنقها وقالت بفرحة: وانتي كمان يا وعد. استمرت جلستهم بعض الوقت حتى غمز جاسم لوالده أن يتحدث في الموضوع الأساسي ويكفي هذا القدر من التعارف. وبالفعل التفت فضل بجسده مقابل عيسى قائلاً بجدية:
إحنا يشرفنا يا عيسى إننا نتقدم لوعد ونطلب إيدها لجاسم ابني ونبقى ممتنين لموافقتكم. ارتبك عيسى قليلاً ولكنه قال بحسم وقوة: الشرف لينا.. وإحنا لو لفينا الدنيا مش هنلاقي لبنتنا زي الباشمهندس جاسم.. كفاية إنه ابنك يا حاج ووالدته تبقى الحاجة دولت. زفر فضل بارتياح وقال بنبرة متأثرة: ده من أصلك.. يبقى على بركة الله نعمل الخطوبة وكتب الكتاب الأسبوع الجاي والفرح إن شاء الله في أقرب فرصة عشان جاسم قالي إنكم هتسافروا كمان شهر.
أومأ عيسى برأسه مؤكداً وقال: فعلاً يا حاج مش هقدر أتأخر أكتر من كده ومش هقدر أنزل تاني قبل سنة كمان. هتف فضل بتفاؤل متابعاً حديثه: تمام.. وجاسم عنده شقته متشطبة وجاهزة على الفرش ومساحتها ٢٠٠ متر في بيت العيلة وهنفرشها بأحسن وأغلى فرش وفرحهم هيتعمل في أشيك مكان وهيبقى فرح الكل هيتكلم عنه.. وشبكتها هتنزل تختارها مع الحاجة واللي تؤمري بيه نافذ. أجابه عيسى وهو يعتدل بجلسته قائلاً بابتسامة هادئة:
هي بنتك وهو ابنك واللي تشوفه على راسنا يا حاج. ربت فضل على ساقيه بقوة قائلاً بارتياح: يبقى نقرأ الفاتحة وربنا يهنيهم ويسعدهم. تطلع جاسم لوعد بسعادة وهو يتابع فركها لأناملها بخجل، ثم انتبه على قراءة الجميع للفاتحة فرفع كفيه أمام وجهه وبدأ في تلاوتها.
بعدما انتهت من تلاوتها وقعت عينيها على جاسم المبتسم بفرحة ويلتهمها بعينيه. أخذتها قليلاً وسامته الملفتة ببذلته السوداء وقميصه الأبيض وساعة معصمه الغالية، فأشاحت بوجهها بعيداً عنه بخجل، وداعبت ريتال في محاولة لتخفيف توترها. مالت علا على وعد وقالت بمداعبة: بقولك إيه يا وعد ما تيجي نقعد إحنا بره قاعدة بنات ونسيبهم هما يتكلموا في التفاصيل. هزت وعد رأسها بقوة وقالت بأدب: آه طبعاً اتفضلي معايا.
جذب جاسم علا من ذراعها وقال هامساً بضجر: ما تاخدوني معاكم. ضحكت وعد بخفوت على مزحته، بينما امتعض وجه علا وقالت له بحدة مستنكرة مزاحه السيء: دمك خفيف.. بنقولك قاعدة بنات.. خليك مع بابا وعمو واتفقوا على اللي جاي.. إنما إحنا لينا اتفاقات تانية خالص. خرجت علا ووعد وريتال وجلسن بصحبة روضة وروان. بعد تبادل السلامات والتحيات سألت علا وعد وهي تطالعها بقوة مستشفة ردة فعلها: إنتي مبسوطة يا وعد إنك هترتبطى بجاسم.
حولت وعد مقلتيها ناحية تلك الشباك السوداء التي لم ترحمها ولو لثانية متطلعة إليه بابتسامة هادئة وأجابتها بثقة: أيوه طبعاً. ارتاحت ملامح علا فربما تقديرها لما بين مالك ووعد كان خاطئاً. فصفقت بيدها قائلة بسعادة وهي تعتدل في جلستها بحزم: بصوا بقى يا بنانيت.. عاوزين الأيام اللي جاية نعمل شوبنج على أعلى مستوى.. ونحضر لكل حاجة عشان الخطوبة تطلع تجنن. قطعت وعد استرسالها المتحمس قائلة ببساطة:
إحنا هنعمل الخطوبة وكتب الكتاب هنا في الشقة. ضمت علا شفتيها قائلة بحزن: ليه كده.. كنا عاوزين نفرح. ما إحنا هنفرح برضه.. بس هنا وفي الفرح إن شاء الله اعملوا اللي عاوزينه. *** رغم حزنها العميق والذي دفنته داخل قلبها مع توالي الأيام، إلا أنها لم تنسهم وقررت زيارتهم وتقديم يد العون إليهم دون مقابل. استوقفتها كلمة "دون مقابل". فزيارتها لهم تعني حبها وفقط. لا توجد بداخلها رغبة لشيء. إذاً هناك ما يسمى حباً على ما يبدو.
تعالت ضحكاتهم فأنتبهت إليهم وعد وقد كانت عيناها غائمتين تنظر أمامها بلا هدى، فقالت إحداهن بابتسامة ودودة: تعرفي يا وعد إحنا قولنا إنه بعد ما اتقبض على رحاب.. إنك مش هتزورينا تاني. شبكت وعد أنامل كفيها ببعضهما وجذبت بهم ركبتها إلى صدرها وهي تجيبها بتعجب: بتقولي ليه كده.. أنا قولتلكم أكتر من مرة إنكم بقيتوا أصحابي وإني بحبكم.. ده غير إني وعدتكم بشغل وحياة سليمة لما تخرجوا من الدار.
ربت إحدى فتيات الدار على ذراعها وسألتها بمرح لتغير دفة الحوار: قوليلي صحيح أخبار الباشمهندس جاسم إيه. شبكت فتاة أخرى ذراعها بذراع وعد وقالت بتنهيدة حارة: هاااا.. قوليلنا يا وعد هو كويس.. وليا طلب عندك وحياة أمك يا شيخة.. خليه ييجي عشان أشوفه. دفعتهم وعد بالقوة عنها للفكاك من حصارهم، بينما منحتهم رداً سريعاً وقوياً وهي تقول بغضب: حيلك حيلك إنتي وهى.. اللي بتتكلموا عليه ده هيبقى خطيبي وجوزي يوم الجمعة اللي جاية.
شهقت الفتيات بإحباط وقالت إحداهن بابتسامة ماكرة بعدما تحقق ظنها: مش قولتلكم إنه بيحب وعد.. ده كان باين عليه قوي. رفعت وعد حاجبها بدهشة ثم مالت عليها بفضول وسألتها بعين ونص قائلة بصدمة: كان باين عليه إزاي يعني. تنهدت الفتاة مطولاً وقالت بهيام:
بصاته ليكي كانت عاملة زي النار اللي بتدفي.. ونبرة صوته لما يكلمك بتبقى حنينة وناعمة زي القطيفة.. وابتسامته الهادية لما تقولي حاجة تلفت نظره.. ولما يقلب أول ما راجل يبص ناحيتك بحسه هيتحول للرجل الأخضر وعضلاته هتتنفخ وهيقطع قميصه وهيينفخ اللي بص لك ده.
ابتسمت وعد بخفوت وهي تحلل كلماتها على مواقف كثيرة جمعتهما، فكانت الفتاة على حق. إذاً فالجميع شعر بعشقه لها، وهي لم تشعر كانت هائمة بآخر لا يستحق ثانية تفكير أو رثاء على حبه الضائع. غمزت الفتيات لبعضهم وهم يشاهدون شرود وعد وابتسامتها الشغوفة، فوخزتها إحداهن قائلة بنبرة متسلية: روحتي فين يا وعد.. هو لحق وحشك. ضربتها وعد على رأسها وقالت بحدة: اتكلمي بأدب أحسنلك. ضحكت الفتاة وتأوهت من ضربتها قائلة باستعطاف:
آه.. آسفة يا دودو يا قمر.. بس خفي إيدك شوية كان هيجيلي ارتجاج في المخ. اقتربت إحداهن من وعد وجلست بجوارها وسألتها بخجل: طيب لما تتخطبوا.. وفي مرة قالك.. مثلا.. مثلاً يعني.. هاتي بوسة هتعملي إيه. تطلعت وعد لكفها، والتي زينته خاتم ذهبي، فعلمت أنها مخطوبة وهذا سؤال خاص بها فأجابتها برومانسية حالمة: هاااه.. أحب أنا الجو الرومانسي ده قوي.. تعرفي لو في مرة قال لي هاتى بوسة.
اتسعت أعين الفتيات بلهفة لانتظار ردها، حتى أردفت قائلة وهي محتفظة بتلك النبرة الرومانسية: أكيد طبعاً مش هقوله عيب.. وبتكسف والجو اللي عفى عليه الزمن ده. استندت الفتاة بمرفقيها على ساقيها وقالت بحماس: أمال هتعملي إيه. وقفت وعد بشموخ وهي تمثل بذراعيها والفتيات تتابعها بتلهف حيث قالت: هبوس كف إيدي بوسة كبييييرة.. وبعدين هرفعها برومانسية في الهوا.. وطرااااخ.. أديله كف خماسي الأبعاد على وشه ينزل يرن عشان البوسة تلزق صح.
تعالت ضحكات الفتيات مجدداً، حتى قالت إحداهن وهي تلهث من شدة ضحكها: يخرب عقلك.. ده أنا جهزت نفسي لكلام قبيح والله. هزت وعد رأسها بيأس وقالت بتهكم: مش قولتلكم قليلة أدب.. أنا هقول كلام قبيح.. يا قبيحة. وقفت إحداهن بجوارها وسألتها بتردد: هي لمى أخبارها إيه يا وعد. ملست وعد على ظهرها وأجابتها بهدوء مطمئن:
كويسة الحمد لله.. وأنتم وحشتوها جدا.. بس خوف عليها مش هتقدر تشوفكم وأول ما نخلص من الكابوس ده.. هتجيلكم دايماً وأنتم هتخرجوا ليها كمان. تنفسوا براحة وقالوا جميعاً: الحمد لله. *** مرت الأيام والاستعدادات للخطبة وعقد القران تسير على قدم وساق، وهو يتابع في صمت. دائماً ما نهره عقله قائلاً المقولة الشهيرة: "الساكت عن الحق شيطان أخرس".
بعدما اطمأن أن الشركة الآن قد أصبحت خالية من موظفيها، قرر التسلل إلى هناك للوصول لأي شيء يستطيع منه التحدث مع مالك قبل أن يتم مخطط جاسم. وبالفعل وصل سامر بسيارته أسفل الشركة، صفها وترجل منها شاعراً بتوتر وتخبط في مشاعره. وكان معه أحد رجاله، ورغم تخبطه لكنه حزم أمره وحيا رجال الأمن وصعد للشركة. وبعد قليل وقف أمام مكتب جاسم. تنفس الصعداء وفتح الباب بالمفتاح وولج للداخل معه رجله. توجه مباشرة للحاسوب وأداره ناحيته قائلاً
بحزم: افتح لي الكمبيوتر ده بسرعة.. مش إنت هتعرف تجيب الباسورد. أومأ الرجل برأسه بثقة وقال وهو يضع نظارته الطبية: متقلقش يا كبير خمساية وكل حاجة هتبقى تحت إيديك. لم يأخذ وقتاً طويلاً كما اعتقد سامر، بل فتحه منتشياً بنفسه وأداره ناحيته قائلاً بفخر: أصلي يا كبير.. بس صاحبك ده سهلها عليا جدا.. الباسورد بتاعه تلت حروف بس.. و.. ع.. د.. يالا مش عاوز مني حاجة تانية.
تنهد سامر مطولاً، فمن الواضح حب جاسم القوي لوعد وأنها ليست نزوة كما يعتقد. ثم أومأ لرجليه نافياً وقال له شاكراً: شكراً.. شغلك أصلي بس إوعى حد يشم خبر مفهوم. رفع سبابته أمام عينيه وقال بخنوع: من عنيا يا كبير.. أنا راجلك وتحت طوعك.. يالا سلامو عليكو. وعليكم السلام.
ثم سحب سامر كرسي مكتب جاسم وجلس أمام الحاسوب وفتح الإيميل الخاص به وعبث به قليلاً حتى عثر على مراسلاته مع ديما. راجعها كلها حتى جحظت عيناه، فديما من ساعدته لتنفيذ مخططه، وتلك الصور القذرة لمالك معها لم تكن حقيقية كما شعر، وما أغضبه أن جاسم وراءها. فسأل نفسه لماذا قد يفعل جاسم ذلك. حتى أضاءت إنارة عقله متذكراً اليوم الذي رأوا به الصور وحضور وعد بعدها ومرضها الذي صادف نفس اليوم. إذاً فوعد اطلعت على تلك الصور وقد أصابها ما أصابها. تنفس سامر مطولاً وزفره دفعة واحدة كأنه ينفث ناراً
ثم قال بغضب: لعبتها صح يا جاسم.. للدرجة دي بتحبها.. بس برضو لازم مالك يعرف وهو يتصرف وأنا أرتاح. عاد بعينيه للحاسوب وفتح صفحته الشخصية على الفيس بوك، وتطلع لقائمة الأصدقاء حتى عثر على ديما وبالمصادفة كانت هنا، فكتب لها على أنه جاسم: هاى ديما.. إيه الأخبار. أجابته مسرعة: مرحباً حبيبي.. كيفك اشتقتلك كتير.. ما راح شوفك يا جاسم. هشوفك قريب بس أخبار مالك إيه. وانتظر قليلاً حتى كتبت له:
هو معي وبدأ صبره ينفد.. أنا حطيت موبايله في شنطته تحت أوعيته.. ونحنا خلاص مهمتنا راح تنتهي ويرجع لمصر. ابتسم سامر بانتصار وكتب لها مسرعاً: طب إديله تليفونك عاوز أقوله حاجة مهمة بس هكلمه على الماسنجر.. وإديله الموبايل على طول مفهوم. Ok حبيبي.. مع إنه نفسي أسمع صوتك.. بس راح أعمل اللي بدك إياه.. تشاو.
بصق سامر بجواره بتقذذ من حوارهما وبحث بأدراج جاسم على سماعة الرأس حتى وجدها، ووضعها على أذنيه وأوصلها بالحاسوب وهو يسبها بألفاظ نابية واتصل عليها حتى استمع لرنين المحادثة، وبعد قليل وصله صوت مالك قائلاً بتذمر: لسه فاكر تسأل عليا يا جاسم. أجابه سامر بحزم: أنا سامر وإوعى البت اللي جنبك دي تحس إنك بتكلمني واتكلم عادي على إني جاسم وابعد عنها شوية.
وقف مالك مسرعاً بعدما شعر بشيء غريب ومريب في حديث سامر وابتعد بهدوء عن ديما قائلاً بمداعبة: وحشتني يا جاسم.. أخبار مصر إيه. وبعدما اطمأن لبعده عنها سأله بتوجس وقلق: في إيه يا سامر.. إيه جو المخابرات ده. رفع سامر كفه بصرامة وهدر قائلاً بغضب: مالك.. إنت لازم ترجع على أول طيارة لمصر. شعر مالك أن هناك أمراً غير محموداً ينتظره فسأله بذعر: أبويا وأمي كويسين.. طب روان.. ولا تكون وعد. قاطعه سامر بحزم:
كلنا كويسين جداً.. بس في مصيبة هتحصل لو ما رجعتش حالا. ضغط مالك على شفتيه بقوة وقال من بين أسنانه بغضب: إخلص يا سامر هتقعد تختصر لي وتجيب لي من كل فيلم أغنية.. في إيه هموت من رعبى يا أخى. أجابه سامر بهدوء: أنا هبعت لك رقمي.. اكتبه واطلع كلمني من أوضتك أو من أقرب تليفون عشان نبقى على راحتنا وخد بالك من اللي اسمها ديما دي.. تمام. لم يبدِ أي اعتراض وقال بحدة:
ماشي يا سيدي.. إخلص ولينا حوار يلمنا.. ده أنا هطلع **** أمك.. على اللي عملته فيا لو طلع هيفاء من هيفاتك. أرسل إليه سامر رقم هاتفه وأغلق حاسوب جاسم وأعاد السماعات لمكانها وخرج مسرعاً، ثم استقل سيارته وانطلق مبتعداً. هاتفت ديما جاسم بشك، حتى أتاها صوته قائلاً بتلقائية: أخبارك إيه يا ديما.. وإيه أخبار مالك.. معلش بقالي كام يوم مشغول عنكم. ابتسمت ديما بمكر بعدما صدق حدسها وقالت له بحدة:
في حدا كلمني من صفحتك على الفيس بوك على إنه إنت وكلم مالك. اكفهر وجه جاسم وسار مسرعاً مبتعداً عن ما حوله أكثر وقال بريبة: مين اللي هيعمل كده.. وباعدين الكمبيوتر في الش. أغمض عينيه بقوة ومسح وجه بكفه قائلاً بحنق: سامر. زفرت ديما ببرود وقالت بنبرة حازمة: لازم أختفي حالا قبل ما مالك يعرف كل شي ويخربها فوق راسي.. سلام يا حبيبي.. ما تنسى باقي اللي اتفقنا عليه. أجابها جاسم بفتور: حاضر.. سلام دلوقتي عشان أتصرف.
تشاو يا بيبى. أغلق هاتفه وهو يتطلع من خلال تلك الواجهة الزجاجية على وعد التي تنتقي شبكتها بخجل. ضيق عينيه بغضب وقال هامساً بصوته الأجش المنفعل: ماشي يا سامر.. وعد ليا غصب عن أي حد وشوف أنا ولا إنتم. ثم هدأ من تشنج ملامحه ورسم ابتسامة هادئة على شفتيه وولج لداخل محل الصائغ بثقة. *** كان القلق ينهش بداخله دون رحمة. دلف لغرفته بالفندق وهاتف سامر. انتظر طويلاً حتى استمع لصوته فصرخ به غاضباً:
ساعة عشان ترد يا زفت إنت.. احكي لي في إيه بسرعة. أجابه سامر وهو يستند بمرفقه على زجاج نافذة سيارته، ويتطلع أمامه بشرود: معلش كنت بركن العربية.. بص يا مالك إنت لازم ترجع قبل يوم الجمعة بالليل. فسأله مالك بنفاذ صبر قائلاً بحدة: ليه بقا.. انطق حرام عليك. سحب سامر نفساً طويلاً وزفره بهدوء وقال بتوتر: عشان يوم الجمعة خطوبة جاسم ووعد.
صمت رهيب ساد بينهما حتى أتاه ضحكات مالك الهيستيرية. استمرت ضحكاته لما يقارب الدقيقة والنصف، ثم قال بضيق: تصدق إنك حيوان.. قلقتني وخلتني هموت من الخوف وانت بتهزر في الآخر.. تعرف يا سامر.. إنت لو قدامي دلوقتي كنت وقعتلك صف أسنانك بإيدي. صرخ به سامر بحدة وهو يقول بصوت عميق: والله ما بهزر.. جاسم بعدك وسفرك عشان ياخد وعد منك.
شعر مالك بألم في صدره ورفع كفه ومرره على ذقنه برعشة خفيفة، ثم ابتلع ريقه ليجلي حلقه الجاف من كلمات سامر القاتلة، وخرج صوته متحشراً، ميت لا حياة به: مستحيل.. جاسم مش هيعمل فيا كده. ترقرق الدمع في عيني سامر فهو يعلم شعوره جيداً وذاقه من قبله وما زال يتعذب به حتى الآن. ثم أجابه بشفقة قائلاً: ارجع يا مالك.. وعد هتروح منك.
لأول مرة يشعر بالغربة والوحدة. ألم غريب يغزو عروقه منتشراً مع دمائه المتدفقة. قبضة شديدة تلتف حول رقبته لتخنقه، ولكن سيطر على آلامه وجروحه وسأله بأمل زائف: لأ.. إنت بتعمل فيا مقلب والكلام اللي قولته مش حقيقي. ضرب سامر المقود أمامه بغضب وصرخ به قائلاً بقوة مؤلمة: فوق يا مالك.. لأن يوم الجمعة مش خطوبة وبس ده هيكتبوا كتابهم كمان وهتبقى مراته. لأول مرة لمعت بعينيه دمعة متألمة وهو يقول بحزن عميق:
هو عارف إني بحبها.. ده هو اللي قالي إني بحبها.. إزاي يفكر فيها.. أنا مش فاهم حاجة. أجابه سامر بترفق لحالة الضياع والصدمة الجلية بنبرته المنكسرة: إنت كنت طول الوقت بتتكلم عليها قدامه.. لحد ما عقله انشغل بيها وباعتين جبتها وحطتها قدامه في الشركة عشان قلبه كمان ينشغل بيها.. جاسم بيحبها بجنون يا مالك. وفجأة استمع لصوت تحطيم أشياء تعالى معها صوت صراخ مالك وهو يقول هادراً بوحشية:
هقتله.. لو بس قرب منها هقتله مش هسمحله ياخدها مني.. دي بتاعتي أنا.. وهي كمان بتحبني. ثم تجمد بمكانه وكأن عقله يعود للعمل مجدداً، فحمل هاتفه مجدداً وسأل سامر بصوت محتقن: وعد وافقت عليه. أجابه سامر بإيجاز: أيوه وافقت. نزلت كلماته على مالك كدلو ماء ساخن، ذاب معه جلده ولحمه من الألم، ثم قال بصوت مهزوم:
بس هي بتحبني أنا.. هي قالت لي آخر مرة إني هوحشها.. وقالت لي إنها هتقول لي إنها بتحبني وهي مراتي.. هي عارفة إني سافرت عشان أجمع فلوس أشتري بيها شقتنا.. شقتنا يا سامر. مرر سامر أنامله بشعراته قائلاً بتوجس: وعد مالهاش ذنب يا مالك.. إوعى تلومها أو تزعل منها مهما حصل. تساءل مالك باهتمام جلي في نبرته: قصدك إيه.. وإزاي وافقت عليه بالسهولة دي. ابتلع سامر ريقه بارتباك شديد وأكمل قائلاً بتوتر:
لأنه جاسم.. خلى ديما تصوركم في أوضاع تبان إنك على علاقة بيها.. ووعد شافتهم ومش عارف إزاي المهم تعبت جداً وانهارت.. ودخلت في غيبوبة كام يوم وبعد كده لما فاقت جاسم ضرب على الحديد وهو سخن وطلبها للجواز وطبعاً وافقت. ارتفع صوت مالك بسباب لاذع وهو يصرخ بنبرة ذبيحة ثم قال بحزم: أنا هاجي على أول طيارة.. سلام يا سامر.
أغلق الهاتف، ليعود سامر لشروده مجدداً. ربما ما فعله كان خاطئاً ولكنه الآن مرتاحاً، فليفعلوا ما يحل لهم، فهو أدى ما عليه والقادم بيد واحد فقط.. الله. *** أحياناً تضعنا الأيام أمام اختيارات مؤلمة، ويجب أن تختار ما بين المؤلم والأكثر ألماً، ولا تعطيك فرصة لاختيار آخر.
سحبت نفساً طويلاً وهي تتخيله أمامها بابتسامته الهادئة والتي تغمض بها عينيه قليلاً، مستنداً على الحائط أمامها واضعاً كفيه بجيب بنطاله، ويطالعها بنظرات نهمة، تعشقها وتعشق صاحبها.. مالك. أفاقت وعد من شرودها على صوت سلوى التي سألتها بابتسامة منتشية: اختارتي ولا لسه يا وعد. أومأت وعد برأسها وقالت بنبرة فاترة: أيوه اخترت. ثم بحثت بعينيها حولها وسألت بإيجاز: فين جاسم. أجابتها دولت وهي تشير إليه بيدها للخارج:
جاله تليفون وخرج يتكلم. عادت وعد بعينيها للطقمين الذهبيين الموضوعين أمامها، وقد سلبا عقلها بجمالهما وفخامتهما. عاد جاسم للجلوس بجوارها وسألها بتلهف: اختارتي حاجة يا وعد. أشارت له على طقم ذهبي رقيق مثلها وقد أعجب به جاسم أيضاً، ثم عرض عليها خواتم الخطوبة أو بالمعنى الدارج "الدبل" لتختار من بينهم، بينما سألت دولت جاسم بفضول: مين اللي كان بيكلمك يا حبيبي. فكر قليلاً ثم قال ببرود يجمد الحمم: كنت بكلم مالك.
شعرت وعد برجفة غريبة اجتاحت جسدها وهي تستمع لاسمه، بينما جاهدت، وبقوة، أن تبدو طبيعية، وهي تنتقي خاتمها. بينما سألت سلوى بتعجب: طب ليه مش بيكلم أهله.. دول هيتجننوا عليه. منحها رداً سريعاً وهو يقول بخبث: مش عارف.. بس في حاجة شgalاه هناك.. ده أنا كل ما أطلب منه يرجع يقولي يومين كده.. غريب.
تشنجت تعابير وجه وعد وهي تضغط على أعصابها أكثر من اللازم، وقلبها مفطور بألم بات يرهقها. تفرس جاسم في وجهها محاولاً سبر أغوار عقلها نافذاً لروحها المتألمة قائلاً بداخله: عارف إنك دلوقتي بتتعذبي.. بس دي أعراض انسحاب الإدمان.. وبكرة تفوقي وتعرفي إن محدش هيحبك زي ما أنا بحبك. ابتلعت وعد ريقها وأشارت بإبهامها على إحدى الخواتم وقالت بشبح ابتسامة: دي حلوة.. إيه رأيك يا جاسم. حملها بين أنامله يتأملها عن قرب وقال بإعجاب:
جميلة.. ولو عجبتك ناخدها. التفت بوجهها ناحيته وتطلعت إليه مطولاً، هائمة بوسامته الهادئة. تمنت نفسها بأن يصبح حبيباً لقلبها، كما سيكون شريكاً لحياتها. وأهدته ابتسامة ساحرة وهي تقول برقة: أيوه عجبتني.. جداً.. وعمري ما هقلعها. وصلته رسالتها كيوم بارد في صيف أغسطس، وكان صوتها رقيق كبلبل يشدو بحب، ونظراتها كغزالة مترفعة. بادلها ابتسامتها وهو يطلب منها بتوجس: ممكن نكتب عليها أسامينا.. زي الأفلام.
تصنعت التفكير، ثم عادت بعينيها لعينيه وقالت بهمس حارق: بس اللي هيكون بينا.. لسه الأفلام ما وصلتش له. اختفت ابتسامته وتعلق عينيه بعينيها دون أي حركة تذكر لحدقيه. صدمة.. صدمة لم يكن يتوقعها على الإطلاق. جرأة كلماتها جمدته مكانه كتمثال صخري لعاشق مع مرتبة الشرف. لم تمهله فرصة للرد وقالت بابتسامة مشرقة وكأنها محت كل أثر لمالك بداخلها: إيه رأيكم في ذوقي. ربتت دولت على ظهرها وهي تتطلع لخاتمها قائلة بإعجاب:
كل اللي اختارتيه ذوقه تحفة يا وعد.. ربنا يهنيكي يا حبيبتي بيهم. ثم مالت برأسها ناحية جاسم وتابعت بتوسم رقيق: وجاسم يعيش ويجيب لك ويزودهم ليكي يا حبيبتي. قاطعتهم سلوى وهي تقول بامتنان وسعادة: بس كتير قوي الحاجات دي يا جماعة.. وغالية جدا. أجابها جاسم مسرعاً دون تردد: قولت لحضرتك قبل كده.. إن عمري كله فداها.. ولو طلبت عيني مش هتأخر ثانية. ابتسمت وعد بخجل وقالت بهدوء مرتبك: عارفة ومتأكدة.. ربنا يبارك لي فيك. اقترب
منهم الصائغ وسألهم بعملية: محتاجين تشوفوا حاجة تانية يا فندم. أجابته وعد مسرعة وهي تشير بيدها بقوة: لأ خلاص.. كده كويس جدا. أومأ الصائغ برأسه وقال لأحد العاملين بالمحل بهدوء متمرس: غلف الحاجات دي يا ابني.. وحطها في علب شيك ولفها لفة هدايا.
وبعدما انتهوا.. خرجوا سوياً ووعد تحمل شبكتها الباهظة الثمن بسعادة. استقلوا سيارة جاسم عائدين لمنزل وعد، ولم تتركها عينيه في مرآته الأمامية وهي تبادله نظراته المختلسة بابتسامة خجلة. وبعدما أوصلهم سار متجهاً لمنزله لإيصال والدته التي لم تهدأ ثانية وظلت تخطط بحماس لخطبة وزفاف وحيدها بسعادة. ولكن سعادتها تلك لا تماثل سعادة جاسم بتطور العلاقة بينه وبين جنيته الساحرة. لم يتذكر مالك أو موقف سامر المتخاذل. فقط يفكر بحبيبته وتلك الأيام التي سيقضيها معاً بحب.
*** الصدمة.. تلك الكلمة الصعبة في نطقها كحالها.. تجبرنا أحياناً على التسرع واتخاذ قرارات متسرعة هوجاء. وحين آخر تتجمد مشاعرنا ونصاب بالتبلد والبرود.
لم يتخيل ولو لثانية أن تأتيه الطعنة من أقرب شخصين لديه بالحياة.. صديقه الذي طالما آسره على نفسه وجعله أخاً وائتمنه على سره وحبه.. ليفاجئه ويصدمه في معنى الصداقة.. والأخوة.. حتى الآن لم يفق من صدمته فجاسم لم يكن الصديق والأخ وفقط وإنما إيمان.. إيمان انكسر وانهدم مع عشرة دامت لسنوات.. وحبيبته الناعمة والتي نبهه صديقه بعشقه لها.. وحمّسه للاعتراف بمشاعره تجاهها.. وبات يقص عليه رقتها وجمالها وحيائها وقوتها وضعفها.. لم يكن يتخيل أن يتعلق قلبه بها.. أن يفرق بينهما لتصبح له ضارباً بصداقتهم عرض الحائط.
كل ما يدور بخلده في كفة وتصديقها لخيانته في كفة أخرى.. فهي تعلمه جيداً والمفترض أنها توقن بعشقه وصدقه.. هذا ما يؤلمه أكثر.. لم تمهل نفسها الوقت للتأكد وانتظار عودته لمحاسبته على الأقل.. فالمحكوم عليه بالإعدام يُسأل ويُحاور.. ولكنها أصدرت حكمها.. ونفذت بلا رحمة. خرج من شروده على رنين هاتف غرفته بالفندق، فرفع السماعة قائلاً بنبرة مهزومة: ألو.. أيوه يا سامر.
أجابه سامر وهو يتطلع عبر زجاج سيارته الأمامي تعليق الأسلاك المنيرة على منزل وعد والطريق المؤدي له، فتنهد بأسى قائلاً: طيارتك إمتى يا مالك. نكس مالك رأسه ومرر كفه على شعراته بقوة قائلاً: هركبها الفجر.. مش هلحق يا سامر.. لو وصلت مصر على الضهر وخرجت من المطار على العصر مش هلحق أوصل دمياط قبل كتب الكتاب. أتاه صوت سامر قائلاً باستسلام: تبقى مش من نصيبك يا مالك.. وربنا قدر إنها تكون لجاسم.
صرخ به مالك كأسد ذبيح يلفظ أنفاسه الأخيرة، وقد تحولت ملامحه الوديعة للهمجية والوحشية، واشتعلت عينيه كجمرتين مقتدتين، قائلاً بغضب أعمى: مش هيحصل.. يا على جثتي أو جثته بس مش هيحصل. انتفض سامر في جلسته وقال بقلق عليه من أن يؤذي نفسه: طب اهدى وصلّي على النبي واللي عاوزه ربنا هو اللي هيكون. هدأ قليلاً وأجابه بفتور:
عليه الصلاة والسلام.. يا سامر أبوس إيدك إنت الوحيد اللي ممكن تساعدني.. روح لها وفهمها كل حاجة.. هتضيع مني يا سامر. أغمض سامر عينيه ملقياً برأسه على مقود سيارته وقال بصعوبة: أنا لأ يا مالك.. مش هتحط بينك وبين جاسم.. مهما حصل. رد عليه مالك باندهاش صادم: إنت بتخسرني يا سامر.. لو خسرت وعد هتخسرني.. وأنا اللي معايا الحق. رفع سامر رأسه وقال بلهجة حازمة:
ما فيش حق.. في حب وإنت بتحبها.. وجاسم بيحبها وزي ما هو غدر بيك.. إنت عاوز تعمل معاه ده.. خلاص كلها سواد الليل وبكرة تبقى مراته. هتف به مالك بقوة وغضب: ما تقولش مراته.. مش هيحصل ومش عاوز ولا أسمع صوتك ولا أشوفك تاني إنت فاهم. أجابه سامر مسرعاً وبنبرة عالية هدر به قائلاً:
لأ مش فاهم.. أنا ماليش ذنب في اللي بيحصل ده.. وعشان تعرف إني فضلتك على جاسم.. دور في شنطتك هتلاقي تليفونك.. واللي تقدر عليه اعملوه وكده بقا قدامك فرصة. أغلق الهاتف ورماه بقوة بالمقعد الفارغ المجاور له وأدار سيارته بقوة وابتعد لائماً نفسه على تدخله فيما لا يعنيه.
وضع مالك سماعة هاتفه وانتفض واقفاً متجهاً لحقيبته وفتحها وعبث بمحتوياتها حتى عثر على هاتفه المحمول، وجده مغلقاً، ففتحه ووضعه على الشاحن الكهربائي، وبعد قليل انهالت عليه الرسائل لمكالمات فائتة. تغاضى عن كل شيء وضغط رقم هاتف وعد وانتظر حتى استمع لرنين هاتفها. *** خرجت وعد من غرفتها وأغلقت ورائها الباب وابتسامتها تزيدها جمالاً وبهاءاً. مالت عليها روان وهي تحمل صينية المشروبات لتقديمها للضيوف قائلة بمكر:
كنتي بتكلمي مين خلاكي مبسوطة قوي كده. سيطرت وعد على ابتسامتها وقالت بجدية: ده.. ده جاسم كان بيطمن على اللي ناقصنا وكده يعني. مصمصت روان شفتيها وهزت عنقها بسخرية وقالت بتنهيدة عميقة: طيب وماله.. ربنا يهني سعيد بسعيدة. حركت وعد شعراتها الطوييييلة وقالت بدلال: مش هتعرفي تضايقيني النهارده يا رونى. قبلتها روان بوجنتها قائلة بحب: ربنا يفرحك دايماً ويبعد عنك أي زعل ويهنيكي يا قلبي. ابتسمت وعد بامتنان وقالت بصدق:
والله إنتي وروضة أغلى حاجة في حياتي.. بعد عمورة طبعاً. غمزت لها روان بمشاغبة وسألتها بعبث: طب وجاسم مالهوش في الغلاوة دي. دفعتها وعد أمامها وقالت بخجل: بكرة بعد كتب الكتاب ينفع أقول إن كان غالي عندي ولا لأ.
انتبهت على رنين هاتفها، فتطلعت لشاشته بابتسامة هادئة، حتى رأت اسم مالك يضيء شاشتها، فتجمدت ابتسامتها ورمشت عينيها ببطء وابتلعت ريقها بتوتر كمن قبض عليه بالجرم المشهود. ظلت على حالتها تتطلع للهاتف ببلاهة حتى انتهى الرنين، وبعد دقائق قليلة عاد هاتفها للرنين مرة أخرى. استعادت هذه المرة رباطة جأشها وتمالكت بصعوبة وأنهت المكالمة، وأغلقت هاتفها، ورسمت ابتسامة خافتة على شفتيها وهي تتطلع بضيوفهن اللاتي أتين لتقديم التهاني والمباركات.
بينما ضرب مالك جبهته بغضب وارتمى بجسده على أقرب مقعد هادراً بعصبية: غبية.. غبية.. هتندمي يا وعد صدقيني. ثم هاتف والده وانتظر حتى أجابه قائلاً بتذمر: لسه فاكر تكلمني يا مالك.. أمك هتتجنن عليك. أغمض مالك عينيه بإرهاق قائلاً بصوت خفيض مهزوم: سامحني يا بابا.. الموبايل كان ضايع مني.. ولسه لاقيه النهارده. فقال له سراج بهدوء: عارف جاسم قالي وكان بيطمني عليك دايماً.. إنت راجع إمتى.
فرك مالك أعلى أنفه بتوتر بعدما استمع لاسمه من والده، ثم سيطر على غضبه قائلاً بهدوء: هركب طيارتي النهارده الفجر وبكرة بالليل هبقى في البيت. تنفس سراج بارتياح قائلاً: تيجي بالسلامة يا حبيبي.. أكيد راجع عشان تحضر خطوبة وعد وجاسم. هنا لم يستطع كبح زمام غضبه أكثر من ذلك وقال بغضب منفعل: مش هيحصل.. ما فيش خطوبة ولا زفت. قطب سراج جبينه متعجباً وابتعد عن عيسى قليلاً حتى لا يستمع لحوارهم وسأله مندهشاً:
في إيه يا مالك.. وبتقول ليه كده. ساد الصمت لثوانٍ حتى هدأ مالك قليلاً وقال معللاً: عشان بحبها يا بابا.. وهي كمان بتحبني.. بس جاسم ضحك عليا وسفرني رومانيا عشان ياخدها لنفسه.. ويحرمني منها. وقف سراج مشدوهاً مما سمع، ثم حرك رأسه قليلاً بصدمة وقال مستفهماً بحدة: إيه اللي إنت بتقوله ده يا مالك.. أنا كنت عارف إنكم بتحبوا بعض واستغربت إزاي وعد وافقت على جاسم.. بس.. إيه علاقة جاسم بسفرك وإنه عاوز ياخدها منك.
ضغط مالك شفتيه بقوة وقال بتأنٍ: هفهمك كل حاجة.. بس بعدها لازم تكلم وعد بأي شكل وتفهمها الحقيقة.. أرجوك يا بابا مش هستحمل تضيع مني. هز سراج رأسه وسأله بفضول: حاضر يا ابني.. بس فهمني الأول.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!