الفصل 3 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل الثالث 3 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
20
كلمة
5,762
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

تشتاقني... تتمتم بإسمي كما أفعل أنا. أغزو أفكارك وأحتل أحلامك. تتنفسني، تبتسم لي. تراني أداهم غفوتك وأتجسد أمامك. تتلاقى أرواحنا بمخيلتك. تخلق حديثًا وضحكات ونظرات. تغلق عليّ عيناك كل ليلة. تشتم ريحي مع ذكر اسمي. تسجد داعيًا لي. ترقيني عيناك كلما ضحكت أو أثرت إعجابي بأحد. هل كنت يومًا أمنيتك التي لم ولن تتمنى غيرها؟ الرحمة والعفو من ذلك الزمن القاسي. فأنت عندي رحمة من ربي لحالي.

عادت روضة من عملها. مرت على شقة مالك، وقفت تتطلع إليها بشوق وقد غمرها شعور وتأكيد من أنه بالداخل. قلبها أخبرها، فابتسمت براحة وصعدت لشقتهم، محملة بشعور دافئ رقيق. دلفت للداخل وسارت لغرفتها مباشرة بشرود. أغلقت على نفسها باب الغرفة، رفعت نقابها وابتسامة عذبة تزين وجهها. دلفت وعد غرفتها متعجبة وقالت ساخرة: مالك يا رودي؟ دخلتي آخدة في وشك وما كلمتيش حد. تنهدت روضة مطولًا وقالت بارتباك:

ما فيش يا وعد، أصلي تعبانة من الشغل شوية. تأملت وعد هيئتها ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بمكر: واللي تعبان من الشغل يقعد سرحان ومبتسم من غير سبب كده. تنحنحت روضة بحرج وقالت بامتعاض: إنتي مركزة معايا ليه؟ اخرجى يالا خليني أغير هدومي. عقدت وعد حاجبيها بضيق وقالت: طب ما تزقيش طب.

تركتها وعد بمفردها وخرجت، لتعود الابتسامة على شفتيها وهي تنتظر بشوق المساء لكي تراه. خلعت نقابها وحجابها ومررت أناملها بشعرها الناعم وهي شاردة بذكرياتهم سويًا. كم تتمنى أن يشعر بها ويأتي اليوم الذي يطلبها للزواج، وتصبح له ويصبح لها. ***

دلف جاسم مكتب والده الممسك لمسبحته ويذكر الله. لطالما كان والده الوتد الداعم له والذي أنشأه نشأة جعلته رجلًا منذ كان طفلًا. أعطاه الثقة في إدارة كل أعماله. لتبتسم شفتيه فور رؤيته. فوقف والده مسرعًا وقال بفرحة: يا أهلا يا أهلا، الدنيا نورت. إحتضنه جاسم وقال بشوق: دي منورة بيك يا حاج فضل، والله وحشتني. ربت على ظهره قائلًا بحنو: إنت وحشتني أكتر يا ابني. أجلسه فضل أمامه وقال وهو يربت على كفه: هاه، طمني أخبار الشغل إيه.

غمز له جاسم بعينيه وقال مداعبًا: عيب عليك، كله تمام ومضينا مع الراجل لسنتين قدام. هز فضل رأسه بإعجاب، فجاسم لم يخيب أمله به من قبل. وهو يقول بسعادة: ما شاء الله عليك، كل مرة بتزود ثقتي فيك. دلوقتي أقدر أسيب لك كل حاجة وأرتاح بقى. بس قول لي صحيح جيت ليه؟ كنت ارتحت من الطريق والسفر. زم جاسم شفتيه وقال بضيق: أرتاح فين، ده التتار هاجموا عليا زي القضى المستعجل. فاسبت لهم البيت وهربت. ضحك فضل ضحكة عالية وقال برجاء:

يا ابني ريحهم وريحني وريح أمك واختار بنت منهم اتجوزها وخلف لي عيال يملوا عليا الدنيا. فصاح جاسم بغضب رافضًا كلمات والده: حرام عليك يا حاج، يعني أنتم ترتاحوا وأنا أتعب. أنا بكرة لما ألاقي بنت الحلال هتجوزها فورًا وأملك لك الدنيا عيال. وقف فضل وهو يحمل أشيائه قائلًا: يا رب يا حبيبي. قوم يالا نروح عشان تاكل لقمة وترتاح. أجابه جاسم بانصياع: حاضر يا حاج، اتفضل.

وقفا الاثنان وتوجها لسيارة جاسم الذي قادها وانطلق وهو يقص له تفاصيل إتمام صفقتهم ونجاحه بها. *** في المساء، اجتمع الجميع على سطح البناية في انتظار صعود مالك. الذي دلف إليهم قائلًا بابتسامته العذبة: السلام عليكم.

إنتفضت روضة فور سماعها لنبرة صوته الساحرة، وإلتفتت إليه بشوق وهي تطالع هيئته الساحرة. وقد زاد الضوء الأصفر الباهت بياض بشرته، وابتسامته التي تعشقها وتمدها بطاقة غريبة تسري بجميع أوصالها وبقلبها المشتاق لرؤية ساكنه. بينما وقف عمرو مسرعًا وتقدم نحوه، فاتحًا ذراعيه لاحتضانه وقال مرحبًا بابتسامته العذبة: وحشتنا الكام يوم دول والله يا صاحبي. ربت مالك على ظهره وهو يضمه إليه، وقال بامتنان:

ربنا يخليك لي يا عمرو، إنت وحشتني أكتر. ثم ابتعد عن عمرو وهو محتفظ بملامحه السعيدة. بينما بحثت عيناه عنها حتى وجدها جالسة على الأرجوحة. جذبتْه ملامحها البريئة مثلها. لوهلة شعر بنبضة متمردة أعلنت عصيان قلبه ودقت شوقًا لتلك الطفلة التي سلبته دون أن يدرك. ثم تمالك مشاعره الغريبة عليه ودنا من إمتثال وقبّل جبهتها قائلًا: وحشتيني يا تيتة، وحشتني دعواتك. ربتت إمتثال على كفه وقالت بحنو:

والله يا مالك القعدة كانت ما لها طعم من غيرك. تسلميلي يا حبيبتي. ثم أخرج من حقيبة يحملها صندوقًا ورقيًا، ومد يده به نحو إمتثال وقال: جبت لك الشال ده يا تيتة، يا رب يعجبك. ابتسمت إمتثال بتقدير وقالت بفرحة: يا حبيبي، ليه تعبت نفسك كده. أعطاه لها وهو يقول: ما فيش تعب يا ست الكل، ربنا يخليكي لينا. ثم اعتدل في وقفته وأخرج علبة صغيرة من حقيبته وأعطاها لعمرو قائلًا بسخرية: دي لو ما لبستهاش يوم فرحك، مش هديك أختي فاهم.

التقط عمرو هديته وفتحها فوجدها ساعة معصم غالية وجميلة. فقال بامتنان وتقدير: دي تحفة، تسلم لي يا مالك. وأوعدك إني هلبسها يوم الفرح ومش هغيرها أبدًا. ربت مالك على ظهره وتطلع لروضة التي اختفت أنفاسها فور تلاقي عيناهما. وحمدت ربها أنها ترتدي النقاب ليخفي علامات شوقها وتوترها البادي برجفة شفتيها واحمرار وجهها. اقترب منها مالك وقال بصوته الرجولي الذي يزلزل العالم من حولها: أخبارك إيه يا روضة.

ابتلعت ريقها وتمالكت مشاعرها المهلكة وقالت وهي تقبض كفها عليها تستمد بعضًا من القوة: أنا كويسة الحمد لله. إنت أخبارك إيه. أُغمضت عيناه مع ابتسامته والتي تزيد من ارتباكها وتوترها وهو يجيبها قائلًا: الحمد لله كويس. ثم أعطاها الحقيبة التي بيده وقال بتلهف لمعرفة رأيها: دي حاجة بسيطة، يا رب ذوقي يعجبك. تطلعت للحقيبة وقالت بفرحة: دي علشانى أنا. أومأ مالك برأسه وقال بابتسامته الهادئة: أيوه طبعًا، افتحيها وقولي لي رأيك.

مدت يدها وحملت الحقيبة، ثم أخرجت منها علبة حمراء. فتحتها لتجد بها السلسال الفضي. لمعت عيناها بسعادة وهي تتلمسه بأصابعها بفرحة. فقد سلب عقلها وقلبها من شدة بساطته وجماله. رفعت عينيها عنه وقالت لمالك بامتنان: بجد يجنن، مش عارفة أشكرك إزاي. أجابها مسرعًا: ما فيش شكر بينا. مصمصت وعد شفتيها وهي مستندة على أرجوحتها ومستندة بذقنها على يديها وقالت ساخرة بضيق: شايفاك يعني اديت روضة الكيسة، هو إيه أنا اللي وقعت من قعر القفة؟

فين الهدية بتاعتي يا برنس. التفت إليها مالك بعينيه، طالعها قليلًا والتف بجسده ليصبح قبالتها. ثم وضع كفيه بجيبيه بنطاله، ورمقها بنظرة مطولة، نظرة شاملة خفيفة. ليعلن قلبه استسلامه لها. ثم اقترب منها بخطوات بطيئة لكي يعطي نفسه فرصة أكبر لتأملها. وقف خلف الأرجوحة ودفعها ببطء وهو يقول ببرود مستفز: إنتي مالكيش هدية النهاردة، يا سنجوبة. أوقفت الأرجوحة بقدمها وقالت وهي تطالعه بقوة بينما تفوهت ساخرة:

قال بعد الغيبة، راجع بالخيبة. إنفجر مالك ضاحكًا. ثم حك مقدمة أنفه وقال من بين ضحكاته: تصدقي خسارة فيكي الهدية اللي خدت اللي ورايا واللي قدامي. ردت بامتعاض وهي تراه خاليًا، لا يحمل شيئًا: أسمع كلامك أصدقك، أشوف إيديك اللي في جيوبك أستعجب. نهرتها روضة قائلة بضيق: وعد، كفاية كده عيب. زمت وعد شفتيها بطفولة وقالت لروضة: ليكي حق تزعقيلي، ما إنتي أخدتي هديتك، وأنا اللي ما افتكرنيش.

رد مالك بهدوء عكس ما يشعر به وهو يتطلع لزمة شفتيها بنار يشعر بها لأول مرة. وتلك النظرة البريئة التي جعلته يقسم بداخله أنه يعشقها ويريدها بشدة: أظن أنا قلت إن هديتك كانت غالية جدًا، وهموت وأشوف ردة فعلك لما تشوفيها. لمعت عينا وعد بفرحة ووقفت أمامه وسألته برجاء متمنيًا: إنت بتتكلم جد؟ إحلف. طب هي إيه؟ هاه؟ هي إيه؟ قول بقا.

كانت تقف أمامه مباشرة، وقريبة أيضًا. لم تكن قريبة منه كذلك من قبل، أو ربما كانت ولكن لم يشعر نحوها ما يشعر به الآن. فقال بنفسه: عندك حق يا جاسم، واضح إني وقعت ولا حدش سمى عليا. لاحظت وعد تأمله لها فقالت بضيق وخوف: سكت، يبقى بتشتغلني وبتضحك عليا صح. فقالت لها آمال بثقة: أنا متأكدة إن مالك محضر لك مفاجأة كبيرة يا وعد. عقدت وعد ذراعيها أمام صدرها وقالت بفتور: طب هي فين هديتي دي؟

رد مالك وهو يلاحق كل حركاتها الغاضبة، والتي يكاد يجزم أنه يراها لأول مرة، بينما يجاهد نفسه حتى لا يبدو عليه حالة التخبط التي يشعر بها. فقال رافعًا حاجبه بمكر: هتاخديها يوم عيد ميلادك. طرقت بإبهامها على شفتيها بتفكير ثم قالت متسائلة بفضول: إممممم، يعني تستاهل الهدية دي إني أفضل على ناري كده ليوم عيد ميلادي. قرر أن ينهي ذلك الحوار حتى لا يفتضح أمره. وتخذله عينيه اللاتي يرى بهن أشياء تأسره. فقال وهو يوليها ظهره بقوة:

صدقيني تستاهل، وما كنتش متخيل إنها تستاهل قبل كده. ثم وقف أمام عمرو وقال باستغاثة من مشاعره الهوجاء: يالا بينا ننزل شوية يا عمرو، دمياط وحشتني، تعالى نلف شوية بالعربية. أومأ عمرو برأسه وقال وهو يشير إليه بذراعه ليتقدمه: تمام، يالا بينا.

لم ينس عمرو أن يرمق حبيبته بنظرة جعلتها ترتجف. فقد اكتشف أمرها ولاحظ عمرو تحديقها به، وأخبرها أنه يشعر بها. ولكنها لمحت التواء شفتيه في شبه ابتسامة، كأنه يخبرها أنه يشتاق أكثر، ويتعذب أكثر، وينتظر بفارغ الصبر لأن تصبح له ويمتلكها بين يديه، ببيته. انطلقا الاثنان، وبداخل كل منهما مشاعر تجعل الابتسامة لا تفارقهما. *** في الصباح، توجه جاسم لعمله. ما إن دلفه ورحب به الجميع وهو يبادلهم ترحابهم حتى دلف لمكتبه. فوقفت

سكرتيرته راندا وقالت: صباح الخير يا مستر جاسم. اتسعت ابتسامته وهو يقول بمشاغبة: يا صباح السكر. مد يده ناحيتها بهدية وهو ما زال محتفظًا بابتسامته. رمقتها طويلًا ثم قالت بجدية: يا فندم حضرتك عارف أنا مش باخد هدايا من حد. هز كتفيه وقال ببديهية: دي مش من حد، دي من رومانيا، امسكي بقا. التقطتها منه بخجل، بينما تابع هو قائلًا بمزاح: وبعدين أنا مش قولت ما فيش حضرتك ويا فندم تاني، إحنا مش في مجلس الوزراء هنا. أومأت

برأسها وهي تقول بعملية: تحت أمرك يافندم. رفع عينيه بملل وقال: يا فندم تاني. أقولك إدي خبر لسامر إني عاوزه. وضعت هديتها على سطح مكتبها وقالت: مستر سامر بس، ومستر مالك لأ. أجابها وهو يسير ناحية مكتبه: لا مالك النهاردة إجازة. قطبت حاجبيها بتعجب وهي تقول: هو هنا في ميعاده يا فندم. توقف جاسم في سيره والتفت إليها قائلًا بتعجب: أنا قولتلُه يرتاح النهاردة. ثم هز رأسه بيأس مبتسمًا وقال: طب خليه هو كمان ييجي مع سامر.

أجابته بعملية: حاضر هعطيهم خبر. و تركت مكتبها وسارت حتى غرفة مالك. طرقت بابها المفتوح وقالت: صباح الخير يا مدام وفاء، صباح الخير يا مستر مالك. رفع مالك ووفاء رأسيهما ناحيتها وأجابها بود: صباح الفل. أشارت لها وفاء قائلة: تعالي يا راندا افطري معايا، ده آخر يوم ليا بالمكتب. طالعتها راندا بحزن وقالت: هتوحشيني جدًا والله، وساندويتشات المربي بتاعتك هتوحشني. التفت مالك برأسه ناحية وفاء وقال بأسى:

هتسيبى فراغ كبير يا مدام وفاء. تخيلي نجيب واحدة غيرك ونفضل نعلمها كل حاجة من الأول وجاسم أصلاً ما فيش خلق عنده ولا صبر. ناولته شطيرة بالجبن وهي تقول: هعمل إيه، جوزي رجع من السفر ولازم أقعد بالبيت خلاص. التقط الشطيرة منها وهو يقول باستسلام: ربنا يخليكوا لبعض. كانت راندا تتابع حوارهما حتى تذكرت ما قاله جاسم لها فانتفضت قائلة: صحيح مستر جاسم هنا وعاوزك إنت ومستر سامر. قطب مالك جبهته وقال بتعجب: جاسم!! إيه اللي جابه ده.

التفتت بجسدها عائدة وهي تقول بسخرية: هو لسه قايل نفس الجملة عليك. طالع مالك ساعة معصمه وهو يقول بحنق: الساعة ٩ والأستاذ سامر مجاش لسه، والمفروض لا أنا ولا جاسم كنا هنيجي. يعني المفروض يكون هنا مكاننا. دلف للمكتب شاب طويل أبيض البشرة، عيناه خضراوان وشعره يميل للاصفرار. وهو يقول بنبرته المازحة على الدوام: سامع اسمي. رمقه مالك شزرًا وقال بغضب: ما لسه بدري يا باش مهندس. بينما قالت له وفاء:

تعالى يا سامر عملالك ساندويتش الجبنة اللي بالقوطة زي ما بتحب. مصمص شفتيه وهو يسير نحوها قائلًا بامتنان: متحرمش منك يا رب. طب والله هفتقد الساندوتشات بتاعتك دي، زي ما إنت هتفتقد خفة دمي وتفتقديني صح. وقف مالك وصفعه بهديته ودفعه من صدره قائلًا: يالا يا أستاذ جاسم عاوزانا. سار أمامه بقوة الدفع وهو يقول: طب افتح الهدية، أكمل الساندويتش عالأقل. و وفاء تتابعهما ضاحكة، حتى خرجا. ثم طل سامر برأسه من باب مكتبهم قائلًا:

طب والله هتفتقديني. تعالت ضحكاتها أكثر، بينما جذبه مالك من ياقة سترته قائلًا بفقدان صبر: يا عم التافه إنجز. سارا حتى مكتب راندا وسامر واضعًا شطيرته بفمه متمسكًا بها، ويفتح هديته. أخرج منها خاتم فضي نال إعجابه وارتداه، ثم حمل شطيرته من فمه وألقى ورق الهدية من بعيد في صندوق القمامة الخاص بمكتب راندا قائلًا: جوووول، الله عليا. انتفضت راندا بجلستها حتى طالعتهما وهزت رأسها بيأس. بينما اقترب منها سامر قائلًا بمداعبة:

صباح الحلويات. احمرت وجنتاها خجلًا وأجابته: صباح النور، مستر جاسم بانتظاركم. حرك رأسه وهو يقول ساخرًا: بانتظارنا!!! لا ده إحنا ندخله بقا طالما بانتظارنا. تمالك مالك ضحكته ودفعه مجددًا أمامه حتى دلفا غرفة جاسم وأغلقا ورائهما الباب. ارتَمى سامر على مكتب جاسم قائلًا باندفاع: فين هديتي يا أسطى. ترك جاسم قلمه من يده وقال ببرود: الناس بتقول صباح الخير. اقترب منه أكثر وهو يعبث بأشيائه باحثًا عن هديته قائلًا:

دي الناس بقا، إنجز يا جاسم. استسلم جاسم ضاحكًا وفتح أحد الأدراج وأخرج منها هديته وناوله إياها قائلًا بحنق: إمسك إياك يطمر فيك. التقطها سامر مسرعًا وجلس أمامه وفتحها بعشوائية حتى جحظت عيناه من الفرحة وهو يصيح: الآيفون الجديد، هو ده. التفت جاسم ناحية مالك وسأله بتعجب: إنت إيه اللي جابك مش قولتلُك ريح النهاردة. مرر مالك أصابعه بشعره وهو يقول ببديهية: اللي جابني جابك. وضع سامر الهاتف الجديد أمامه وقال بعملية:

أنا جهزت شحنة الموبليا اللي هتسافر الكويت كلها وظبطت كل حاجة بالمينا عشان شحنة الخشب اللي جاية، وربطت كلام مع أصحاب الشقة اللي فوق المكتب دي عشان ناخدها هي كمان بدل ما بنضطر نروح مكتب الحاج فضل كل شوية. مالك بقا يبقى يخلص في سعرها. أومأ جاسم برأسه وقال: حلو جدًا. طب والأنتيكات اللي هتروح أوتيلات شرم جهزت. أجابه سامر مسرعًا: فاضل أيام وتخلص قبل ميعادها وبأعلى جودة في كل حاجة زي ما طلبت. خرج مالك من صمته وقال بخيبة:

المشكلة دلوقتي إن مدام وفاء خلاص آخر يوم ليها النهاردة، هنعمل إيه من غيرها. رن هاتف جاسم فابتسمت عيناه بانتصار وقال مسرعًا: إتصرف يا مالك هات غيرها وعلمها هنعمل إيه. بحث مالك بعقله حتى ابتسم قائلًا: عندي البديل وتخصص دراستها وذكية جدًا. أشار لهما جاسم بيده أن يخرجا قائلًا: طب كويس إمشوا بقا معايا تليفون مهم. زم الاثنان شفتيهما وقال له سامر بتذمر: ارحم نفسك، هتعمل بيهم إيه البنات دي. تهدلت ملامح جاسم وهو يقول ببرود:

ده وقت نصايح ده، يالا برة. وقف مالك قائلًا: ربنا يهديك يا أخي. وتركاه وانصرفا، بينما أجاب هو هاتفه قائلًا بانتصار: قلبي اللي وحشني، كنت حاسس إنك هتتصلي بيا ومش هيهون عليكي. ***

كعادة روضة بكل يوم عطلة لها من عملها تساعد جدتها بأمور المنزل، وبعدما تنتهي تختلي بنفسها مع رواية رومانسية سابحة بخيالها بكل قصة، متمنية أن تصبح يومًا بطلة بروايتها التي تخطها بروحها كل يوم وتزيد عليها فصولًا وأحداثًا جديدة. بقي على قص روايتها أن يعترف لها بطل روايتها وعالمها بعشقه الظاهر بعينيه واهتمامه الرقيق. وخزتها وعد بذراعها وهي تتابع شرودها قائلة بصياح: رووووووضة. أغلقت كتابها وصفعته به

على ذراعها وهي تقول بتذمر: بتصوتي ليه فزعتيني. ابتعدت عنها وعد قليلًا وهي تمسد ذراعها وقالت بحنق: بقالى ساعة بنادي عليكي وإنتي مش بتردي عليا. وقفت روضة وأعادت الكتاب لمكانه وسألتها بضيق بعدما أخرجتها من خيالها قائلة: بتندهي عليا ليه بقا. أجابتها وعد ببديهية: ميعاد الغدا، لازم هنادي عليكي عشان تاكلي. التفتت إليها روضة قائلة: حاضر لما عمرو ييجي. قهقهت وعد وهي تقول بسخرية: ده إنتى مش معانا خالص، ده عمرو هنا من بدري.

دفعتها روضة أمامها، وجلستا على الطاولة وبدأتا في تناول طعامهما. حتى انتبهتا على رنين جرس الباب. دلفت الفتاتان لغرفة روضة، سحبت وعد حجابًا لروضة بينما ارتدت روضة نقابها. وصل لمسامعهما صوت عمرو الذي رحب بمالك قائلًا: نورت البيت يا مالوك، إتفضل. بينما قالت الجدة إمتثال: لا كلام ولا سلام على طعام، اتفضل يا مالك. جلس على مقعد وعد، فصاحت بهما الجدة قائلة: يا بنات هاتوا أطباق لمالك.

خرجت وعد مرحبة به ودلفت للمطبخ. بينما أجاب عمرو هاتفه واقفًا في الشرفة. وقفت وعد تطالع مالك المحدق بها وقالت بتذمر: إنت قاعد مكاني. ابتسم بخفوت وأجابها بمشاغبة: مش هقوم يا سنجوبة، خلي فيه ذوق. رفعت عينيها بملل وسارت نحوه ومدت يدها لتبديل أطباقها بأطباق نظيفة له. فسارع هو والتقط ملعقتها وغرف بها الأرز وأكلها وهو يداعب الجدة قائلًا: اممممم الأكل يجنن يا تيتة عمري ما أكلت رز بالطعامة دي. ربتت على كفه وقالت بامتنان:

بالهنا والشفا لقلبك يا حبيبي. كل هذا ووعد متصنمة مكانها حاملة للأطباق تطالعه بصدمة من فعله. لقد أكل من صحنها وبملعقتها. خرجت روضة التي رحبت به وجلست في الكرسي المقابل له. بينما تحركت وعد وجلست بجوارها وهي تطالعه بتعجب. جلس عمرو بجواره وانهماكا في الحديث وهي غير قادرة على ترجمة ما فعله. لم يكن غافلًا عن حالتها التي جعلته كابحًا لضحكاته. حتى قرر أن يرحمها وطالعها مطولًا ثم قال بهدوء:

وعد، ممكن أوراق تخرجك والدبلومات بتاعتك وأوراقك الشخصية. فسأله عمرو بابتسامة متسعة: لقيت لها شغل صح؟!! أجابه مالك وهو ما زال يتعمق بعينيها قائلًا: أيوه، ومعايا بشركة رحال، هتكون مساعدة لجاسم رحال شخصيًا. ابتسمت وعد بفرحة واعتدلت بجلستها قائلة بشغف: ده بجد والله؟ طب ومساعدة ليه ده يعني إيه سكرتيرة. هز رأسه نافيًا وقال موضحًا:

لا طبعًا مش سكرتيرة، مساعدة يعني هتساعديه بإدارة كل أعماله وهتبقي على علم بكل شغلنا وعلاقاتنا. بكرة لما تستلمي وتتمرني هتفهمي قصدي، وجاسم حد محترم وبيقدر كل اللي بيشتغلوا معاه، وأنا متأكد إنك هترتاحي معانا. تطلعت لروضة وهي تقول بهيستيرية من سعادتها: أخيرًا هشتغل يا روضة، إنتي مصدقة. لفت روضة ذراعها حول كتفيها وقالت: ربنا يوفقك يا قلبي. دنا عمرو من مالك قليلًا وسأله بقلق: وجاسم ده مش عصبي ولا بيتنطط على موظفينه؟

لأنه يوم ما يزعلها بكلمة مش عارف رد فعلي هيكون إيه. التفت إليه مالك بجسده وقال له مطمئنًا: لا جاسم ابن ناس ومتربي أحسن تربية، وكل الموظفين عندنا بيحبوه. هو راجل قوي وخيره على الكل، واللي بإيده مش ليه. وما حدش سواء من الشركة أو غريب طلب منه طلب إلا ونفذه. ده أخويا وعشرة عمري، ولو في يوم هتقلقي مني على وعد، ابقى وقتها اقلقي منه لأنه أحسن مني كمان.

ابتسمت وعد براحة وهي تتخيل ذلك الشخص الذي يتحدث عنه مالك بكل هذه الثقة وكيف ستكون معاملتها معه. أخرجها مالك من شرودها قائلًا: بكرة الصبح الساعة عشرة عمرو هيجيبك الشركة وأنا هكون مستنيكي، هاتي ملفك كامل وخير إن شاء الله. ثم وقف وقال مودعًا: أنزل أنا بقا لماما، أكيد بتستناني.

أوصله عمرو لباب الشقة، بينما كانت روضة في أسعد لحظات حياتها. لقد كان هنا، فما زال عطره يملأ المكان. كانت تراقب كل حركاته، طريقة مضغه الهادئة وهو مغلق فمه حتى أنه لم يتحدث وفمه طعام. نظراته المشاغبة لوعد والتي لم تفطن بعد أنها نظرات إعجاب أو بالأحرى عشق. ابتسامته الهادئة والتي تمنحه جمالًا فوق جماله واحمرار أذنيه البيضاء كوجهه. فلامست السلسال الذي أهداها إليها وهي تتنهد بولع. بينما أخرجتها من شرودها تلك الزوبعة الصغيرة المسماة وعد والتي تستعد لعملها بقوة كأنه يوم زفافها.

أخذت وعد تجول المنزل ذهابًا وإيابًا وهي تحدث نفسها بما يمكنها شراؤه من ملابس وأحذية ومستلزمات لها. وما ستفعله بعملها لتثبت نفسها. وطموحها المنطلق في أن تكون تلك البداية لقادم أكبر. ***

في إحدى حلقات سباق السيارات الشبابية، وقف جاسم بجوار أحد الأشخاص الذي يقوم بصيانة لسيارته قبل انطلاق السباق. وقد تراصت بجوارها باقي السيارات من أنواع مختلفة وحشد كبير من الشباب يتابعون ذلك الحدث المتهور. ابتعد جاسم قليلًا عن سيارته وحمل هاتفه ودق رقم مالك الذي رد بتثاقل قائلًا بفتور: عاوز إيه يا ابني إنت؟ هو أنا ماينفعش أخلص منك نص يوم على الأقل. وصل لمسامع مالك ضحكة عالية من جاسم الذي رد عليه لإغاظته:

وراك وراك يا معلم. قوم فوق كده وهات سامر وتعالى لي ورايا سبق وعاوزكم معايا. تأفف مالك بضيق وقال ممتعضًا: ده أمر ولا رجاء. لأ دي سناء. إخلص يا بارد، هات البارد التاني وتعالى لي يالا. رد مالك عليه بغلظة: ماشي يا عم السخن. بص يا جاسم شكل صحوبيتنا دي مش هتطول. ضحك جاسم مجددًا وقال بصدق: إحنا إخوات ياله، مش أصحاب وبس. هز مالك رأسه بيأس وابتسم قائلًا:

إضحك عليا بكلمتين، بس برضه الكلام الناعم ده ما ياكلش معايا وهنسيب بعض قريب. زفر جاسم بضيق وصاح به قائلًا بغضب: جرى إيه يا ابني؟ هو أنا مش مالي عينك؟ هي نص ساعة وتبقى قدامي وإلا ما تزعلش من اللي هعمله فيك. وقف مالك مسرعًا وقال بهدوء: إهدأ يا معلم بنهزر. اقفل دلوقتي ونصاية ونبقى عندك سلام يا وحش.

أغلق مالك الهاتف، ووقف أمام خزانته وأخرج تيشرت أسود وبنطال جينز كحلي وارتداهما ثم ارتدى حذاء رياضي أسود. ووضع عطره وصفف شعره الناعم. حمل هاتفه ومفاتيح سيارته وخرج من الشقة ليجد الفتيات يصعدن الدرج محملات بأكياس كثيرة. تطلعت وعد لوسامته وعطره الجذاب مثله. بينما بادر هو وقال ساخرًا: إيه الأكياس دي كلها؟ ده جهاز عروسة. اقتربت منه روان وقالت محذرة بعدما رأت حاجب وعد الذي ارتفع بضيق:

إهدى على نفسك كده يا مالوكي، ده وعد اشترت شوية حاجات لزوم الشغل الجديد وكده. هز رأسه متفهمًا وقال بمكر: طيب، أمشي أنا عشان ورايا ميعاد مهم. خرجت وعد عن صمتها وقالت بشك: ميعاد إيه ده اللي متشيكله قوي كده؟ إيه بتحب جديد. وخزتها روضة في ذراعها وقالت معاتبة: عيب يا وعد كده، إنتي مالك إنتي. ابتلعت وعد ريقها بخجل بعدما فطنت لما قالته بتسرع نابع من شعور غريب بالضيق لرؤيته بهذه الجاذبية وكلامه عن ذلك الموعد الهام.

فقالت بتوتر: أنا بهزر على فكرة. لكنه تطلع إليها بنظرة جعلتها تتنفس بصعوبة. أجفلت عينيها عنه وهي تحلل تلك النظرة التي أشعلتها بنيران أربكت كل حصونها. ابتسم مالك بوجه منتشٍ من شعورها بالضيق لمجرد فكرة أنه يحب. ثم تابع كلماته الماكرة وهو يقول بقوة: أنا لما هحب، هخطب على طول، ماليش في جو الصحوبية ولعب العيال ده. واللي بحبها مش هبقى محتاج أقولها لأنها هتعرف لوحدها، إني بعشقها بكل تفاصيلها.

لاحظ ارتباكها وتورد وجنتيها أكثر. فقال مسرعًا ليرحمها من تلك الحالة التي انتابتها: أنا همشي أنا، سلام يا بنانيت. هبط الدرج مسرعًا ووجه يشع نورًا من تلك الابتسامة التي ملأته. بينما قالت روضة بغضب: زودتيها يا وعد، عيب كده. ردت عليها بحرج بادٍ بنبرتها الخفيضة: آسفة، مش هعمل كده تاني. فقالت لهما روان بانفعال:

مزودينها قوي إنتوا، عادي يعني. يالا يا وعد اطلعي علقي الهدوم الجديدة لتتبهدل، وبكرة الصبح قبل ما تمشي لازم أشوفك تمام. أومأت وعد برأسها وقالت بابتسامة باهتة: تمام، شكرا يا روان. وصعدت مسرعة لا تعرف هل تهرب من روضة أم من نفسها وتلك المشاعر التي أصبحت ترهقها كلما رأت مالك. وهو أيضًا يتمادى بكلماته المبهمة، ونظراته الدافئة الساحرة، والتي تهاجم أفكارها دون أن تمتلك الحق في ذلك، أو ربما يمتلك. ***

استند جاسم بظهره على سيارته الرياضية وعلى ثغره ابتسامة نصر وهو يتابع تقدمها نحوه. فرغم صلابتها الواهية وغرورها اللامتناهي ها هي ترفع راياتها البيضاء وتتقدم نحوه. وقفت أمامه بثقة وقالت وهي مستسلمة لحرب النظرات بينهما: مش مصدقة إني جيت هنا، بس فضولي غلبني. اعتدل جاسم في وقفته وقال بثقة: وأنا كنت متأكد إنك هتيجي، ولا كنت هلغي السباق ده. ابتسمت نهلة بمداعبة وهي تقول ببساطة: طب ولو ما كنتش جيت، كنت هتلغي الريس بجد.

رفع عينيه للأعلى متصنعًا التفكير ثم قال وهو يغوص بعينيه داخل عينيها بجرأة: بس أنا كنت متأكد وواثق إنك هتيجي. قاطع حديثهما سامر الذي يتقدم نحوهما خلفه مالك وهو يقول بسخرية: قال يا قاعدين....... والله ما إنتوا قايمين. أغمض جاسم عينيه بغيظ وزفر بضيق ثم قال ممتعضًا: إنتوا إيه اللي جابكم دلوقتى. رد مالك وهو يصفع كفيه ببعضهما متعجبًا: مش إنت اللي صحيتني و قلقت راحتي و خلتني أجي غصب عني، إنت بتتحول يا ابني. بينما اقترب

سامر من نهلة وسألها بود: أنا سامر العطار، وإنتي اسمك إيه؟ ردت نهلة بضيق من تطفلهم، وعيناها تتطلع بجاسم: اسمي نهلة. فرد سامر مسرعًا: نهلة...... طب هاتي شوية عسل. و انفجر ضاحكًا، ثم قال ثانية بسخرية: اسمك حلو يا نهلة، طب بقولك إيه هات شوية بلح. وعاد لضحكاته مرة أخرى، بينما مالك وجاسم قد زفرا بملل فما إن يبدأ سامر بحالة القلش لن يوقفه شئ. اقترب شخص من جاسم وحدثه هامسًا، فأومأ جاسم برأسه وقال بجدية:

تمام دقيقتين وهبقى جاهز. اقترب مالك من جاسم وقال لائما وهو يشعر بالأسى على حال صديقه: لازمة إيه جو السباقات ده، مش خايف على نفسك يا جاسم؟ من يوم ما طارق مات وإنت بتعمل حاجات غريبة قوي، ما إحنا زيك زعلنا على طارق، بس مش بنرمي نفسنا في التهلكة. ابتسم جاسم بيأس وقال بفتور وهو يتنهد بألم: ما عنديش حاجة أبكي عليها يا مالك، وباعدين وأنا سايق بسرعة بخرج النار اللي جوايا، وبعدها برتاح جدًا. ربت مالك على ذراعه وقال بأسى:

ليه يا جاسم كده، إنت لسه صغير وبكرة هتتجوز وتجيب عيال مقرفة ورخمة وكشرية زيك. ابتسم جاسم مواربة وقال بفتور: يمكن. عمومًا ادعولي أكسب.

ثم غمز لنهلة بعينيه وعلى ثغره أجمل ابتسامة رأتها نهلة بحياتها. صعد سيارته واستعد وهو يتطلع للطريق كأنه عدو له سيسحقه تحت إطارات سيارته. وما أن أعطيت إشارة البدء حتى انطلق مسرعًا وهو يلهث كأنه يمتطي فرسًا ويركض به هاربًا من أفكاره ووحدته وذلك الظلام المحيط بحياته الرتيبة المملة. والتي تحمل ذكرى مؤلمة وهي فقدان أخ عزيز على قلبه وقلب أخته. وعندما شعر بأنه يقترب من الفوز، بدأ صراخه المعتاد يخرج معه كل ما يشعر به من ألم ووحدة. وكأنه أسد يزأر زأرته الأخيرة عقب ذبحه بسكين باردة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...