انتبه عمرو على صراخ روضة. فترك شقته مسرعًا راكضًا على الدرج. فقابل والدته وجدته وهما ينطلقان بهلع على الدرج. فتخطاهم مسرعًا. فوجد مالك مغشى عليه، مستندًا على روضة، وسراج يحاول حمله. فاقترب منهم مسرعًا قائلاً بحزم: "بعد إذنك يا عمي أنا هشتاله وحضرتك كلم الدكتور حالا."
وبالفعل حمله عمرو على كتفه وسط صراخ آمال وروان. ودخل به لغرفته ومدده على الفراش. وتطلع لبقع الدماء التي تغطي ملابسه بقلق. ثم بحث بجسده فلم يجد به جراحًا، فقط جرح بسيط بجبهته. فقال لنفسه متعجبًا: "الدم ده من إيه، يا ترى دم مين ده، إستر يا رب." خرج مسرعًا واجتذب روضة من ذراعها بالقوة وهدر بها قائلاً بغضب: "مالك كان بيعمل إيه في حضنك يا أستاذة." وقف عيسى بجوارهم وقال بحدة: "احترم نفسك يا عمرو، إنت بتكلم روضة."
أغمض عمرو عينيه مسيطرًا على غضبه، ثم فتحهما بسرعة قائلاً بإيجاز: "طب تفهمنا يا بابا." كففت روضة دموعها ورفعت نقابها وقالت بخوف: "لقيته قاعد عمال بيعيط وقاعد يقول إن جاسم ضحى بنفسه عشان وعد. قعدت جنبه وخرجت تليفوني علشان أتصل بوعد. فلاقيته مال عليا وأغمى عليه. حد يكلم وعد، قلبي مش مطمن." هز عمرو رأسه متفهمًا وهاتف وعد التي أجابته بدموعها: "الحقني يا عمرو." انتصب عمرو في وقفته وسألها بقلق: "فيكي إيه يا وعد؟
وجاسم كويس ولا في حاجة حصلتله؟ أجابته من بين شهقاتها ودموعها: "إحنا في الإسعاف رايحين المستشفى. جاسم اتجرح في جسمه ونزف دم كتير وأغمى عليه. أنا خايفة عليه قوي يا عمرو." "مع إني مش فاهم حاجة بس هكلم الحاج فضل. وشوية وهنبقى معاكي. خلي بالك من نفسك ومنه تمام." أومأت وعد برأسها وقالت بصوت مرتعش: "حاضر. بس ما تتأخروش عليا." تطلع عمرو ناحية روان المنهارة على حال أخيها وقال بشرود: "مش هنتأخر عليكي. سلام يا حبيبتي."
سأله عيسى بقلق انعكس على ملامحه الصلبة: "في إيه يا عمرو؟ التفت عمرو برأسه لوالده وقال له بصلابة: "بابا جاسم في المستشفى ووعد معاه. خد ماما وروح لها وأنا وروضة هنفضل مع مالك." ربت عيسى على ظهره وقال موافقًا: "حاضر يا ابني. يلا يا سلوى تعالي معايا بسرعة." وقفت سلوى وسألته بقلق: "يالا فين؟ مش هسيب آمال لوحدها." هز عيسى رأسه باستنكار وقال بعصبية:
"قومي يا سلوى بسرعة، لأن جاسم نقلوه المستشفى ووعد معاه ومش فاهم حاجة عنهم. فيالا بسرعة بقى." وقفت مسرعة وشهقت بقلق وقالت بتخوف: "ربنا يستر. يلا يا أبو عمرو بسرعة." جلست إمتثال مكانها بجوار آمال وقالت بتوتر: "طمنونا لما تعرفوا حاجة." اقترب عمرو من سراج وملس على ظهره قائلاً بتهذب: "هيبقى كويس إن شاء الله يا عمي. بس ممكن حضرتك تقعد شكلك مرهق جدًا." هز سراج رأسه نافيًا وهو يجيبه بأسى:
"مش هرتاح غير لما أطمن عليه. اللي شافه مالك الكام يوم اللي فاتوا كتير على أي بني آدم. الله يكون في عونه." بعد فترة حضر الطبيب وعاينه. ثم خرج إليهم مكفهر الوجه وقال بلوم: "إيه ده يا جماعة؟ هو آخر مرة أكل إمتى؟ بعد كشفي عليه باين جدًا إنه تخطى اليومين من غير أكل. ده غير الكدمات والجروح اللي في وشه." مد يده بورقة ناحية سراج وقال بصرامة: "الدوا ده ييجي فورًا. بسرعة لو سمحتم." التقط عمرو الورقة وقال بإيجاز:
"دقائق وهيكون قدامك." وانطلق مسرعًا. وقفت روضة على باب غرفة مالك تتطلع إليه بألم. وأغمضت عينيها متذكرة لحظة دفنه لرأسه بحضنها كأنه يستمد منها الراحة والأمان. فزفرت عبراتها بهدوء واستغفرت ربها. انتفضت على لمسة سراج لكتفها قائلاً بابتسامة هادئة: "ما تخافيش يا حبيبتي. هيقوم منها وهيبقى كويس. تعرفي إني مبسوط إن كل ده حصل. لأن سعادة مالك معاكي يا روضة." التفتت إليه روضة مسرعة وقالت بحسم قاطع:
"انسى الموضوع ده خالص يا عمو أرجوك. إوعى تقوله لحد عشان خاطري." ربت على ذراعها وقال بإيجاز: "حاضر يا حبيبتي." ...................................................................................................................................... العشق...
كلمة لها ألف تفسير. ولكن عندما تفقد إيمانك بالعشق، وتلحد بكل مبادئه، وتأتيك الصفعة التي على أثرها تعود لإيمانك وتشرق شمس نبضات قلبك بأنه يستحق الحياة، وحياته في عشقه. فمن يؤثرك على نفسه يستحق أن تنحت له تمثالاً داخل قلبك وعقلك وكيانك بأكمله.
كلما تذكرت تضحيته وتألمه ودمائه التي ملأت فستانها الأبيض كقلبها، لعنت نفسها. كيف قالت له في يوم أنها لن تحبه، فقط ستتزوجه زواجًا يحكمه العقل وفقط. وكان رده أنه لن ييأس وسيعمل جاهداً على إثبات أنه هناك عشق، وأنه يعشقها بجنون. وثقته الأكبر في أنها ستعشقه هي أيضًا. وقد كان.
تسللت الراحة لقلب وعد وهي تراه يفتح جفنيه بتثاقل. تمسكت بكفه أكثر حتى شعر بها. فالتفت برأسه ببطء فوقعت عيناه عليها. فابتسم براحة بعدما تأكد أنها بخير وفتح شفتيه الجافتين وقال بصعوبة وبصوت خشن: "بحبك." عضت وعد على شفتها خجلًا. ثم حركت مقلتيها يمينًا ويسارًا بإحراج. فوقفت والدته مسرعة بلهفة عندما وصلها صوته قائلة بفرحة: "حمد الله على السلامة يا حبيبي. كده يا جاسم تخوفنا عليك."
ابتسم إليها بوهن. وطمأنها بعينيه. فأتاهم صوت سامر قائلاً بهزل: "تخافي على مين بس يا طنط؟ ده يتخاف منه بعد كده. عامل فيها طرزان وبيتنطط على الكابلات عادي. لخاف يتكهرب ولا إنه يقع من الثامن تنكسر رقبته." ضيقت ألفت ما بين حاجبيها وقالت بسخط: "يا أخي إن شاء الله إنت يا بعيد. إنت هتفول عليه يا سامر." أجابها بمداعبة وهو يستند بكتفه على الحائط:
"أفول على مين بس يا طنط. ابن أخوكي خلاص رسميًا وحصريًا بقى ماوكلي وخلاص هيروح يعيش في الغابة مع أصدقائه الحيوانات." جذبته ريتال من بنطاله. فانحنى وحملها بابتسامة محبة حانية. فلفت ذراعيها حول رقبته وسألته بسعادة: "إنت تعرف ماوكلي يا سامر؟ أنا بحبه قوي." قطب سامر جبينه بضيق مفتعل وقال لها بحدة: "بتحبي مين يا هانم؟ شكلي هشيل تردد سبيستون من عندكم. إنتي بتحبيني أنا وبس مفهوم." هزت رأسها نافية بقوة وقالت بغضب:
"لأ. أنا بحب سبونج بوب وجامبول وجاسم كمان." ابتسم جاسم بشدة متأوهًا من جروحه وقال بصوت متحشرج: "يعني بتحبيني فوق البيعة. ماشي يا توتا." تطلعت إليه بشفقة وسألته ببرائة: "كل دي واوا يا خالو؟ إنت مش بتعيط ليه؟ قرصت وعد وجنتها وقالت بمداعبة: "علشان هو بطل خارق. والأبطال الخارقين مش بيعيطوا."
شعور بالنشوة ملأ خلجات جاسم. فسحرته تراه بطلها الخارق. داعب كفها بأنامله بإغواء. فابتسمت بخفوت خجلًا. بينما مصمصت نجوى شفتيها بتذمر ووقفت بجوار فراش جاسم وخزت وعد في ذراعها وقالت بغضب: "حاسبي بقى خليني أطمن على جاسم." حاولت وعد سحب كفها من جاسم بحرج وقد زفرت بضيق من معاملة نجوى الجافة لها. ولكن تشبث بها قائلاً بخفوت حازم: "أنا كويس يا عمتو ما تخافيش." لاحظت نجوى تمسكه بكفها. فمصمصت شفتيها مجددًا وقالت بفتور:
"طيب. عمومًا حمد الله على سلامتك." لم تترك عيني عيسى وجه ألفت ونجوى وفسر امتعاضهم ناحية وعد. فعلى العكس قال بابتسامة ممتنة: "مش عارف أشكرك إزاي يا جاسم يا ابني. لولاك كانت وعد دلوقتي في حالة ما يعلم بها إلا المولى." ثم حرك رأسه ناحية فضل وقال له بقوة: "يا زين ما ربيت يا حاج فضل. دلوقتي أنا أقدر أسافر وأنا مطمن عليها مع راجل بيحبها وبيفديها بحياته. ربنا يبارك لك فيه." ربت فضل على ساقه وقال بابتسامة هادئة وقد
علت ملامحه الفخر بولده: "دي مراته يا أبو عمرو. ربنا يهنيهم ويسعدهم ويقوم بالسلامة بسرعة عشان نفرح بيهم إن شاء الله." همست دولت لعلا في أذنها أن تأتي بعصير للجميع. فوافقت وخرجت من الغرفة تتبعها عينيه الخضراء بشوق. فانتبه لرنين هاتفه. رفع سامر الشاشة أمامه فابتسم بهدوء وترك الغرفة وخرج للرد. أجاب هاتفه قائلاً بصوته العميق الهادئ: "ألو. أخبارك إيه." أجابته لمى بضيق: "بقالي كام يوم ما سألتش عني. فا قلقت عليك. إنت كويس."
يعلم جيدًا أنها تكن له مشاعر بداخلها. نظراتها وهمساتها وابتسامتها. كل شيء بها يخبره بمشاعرها البريئة تجاهه. كم يتمنى أن ينعم بالقليل من الاهتمام والدفء الذي يشعر بهم معها. فابتسم ساخرًا وقال بأسف: "غصب عني والله. جاسم تعبان شوية وفي المستشفى." شهقت بذعر وسألته وقد ارتجف صوتها قليلاً: "جاسم؟ هو كويس ولا جراله إيه؟ قول لي بسرعة يا سامر إنت مش عارف غلاوة جاسم ووعد عندي إزاي." هدأها قائلاً بحزم هادئ:
"اهدئ يا بنتي. هو كويس، شوية جروح خفيفة وهيخرج بكرة إن شاء الله." "طب حصله إيه؟ حادثة ولا إيه؟ حك ذقنه بشرود وقال بهدوء: "هاجيلك بكرة وهحكيلك على كل حاجة عشان اللي حصل يتكتب في رواية والله. خلي بالك من نفسك كويس. ولو احتجتي أي حاجة في أي وقت كلمني. تمام." وصلته أنفاسها الناعمة وهي تقول برقة: "حاضر. بس ما تتأخرش عليا عشان خاطري." ابتسم ابتسامة متسعة وهو يقول بمداعبة:
"ده أنا أجيلك دلوقتي عشان خاطرك ده. بس هنخليها لبكرة. يلا سلام." "مع السلامة." أغلق الهاتف وتطلع إليه مطولاً بشرود. أوقات كثيرة ينتابه الخزي من استغلال مشاعرها ليشعر هو بما ينقصه في عشقه السرمدي لتلك الآخذة التي تتقدم نحوه الآن بنظرات نارية حتى وقفت أمامه بكبريائها قائلة بتكلف: "ما فيش فايدة يا سامر. سايب الأوضة وخارج تستناني ليه."
عقد ذراعيه أمام صدره وهو يطالعها ببرود قاسٍ. متفرسًا لملامحها بقوة جعلتها تبتلع ريقها بتوتر. بينما انفصلت شفتيه ببطء وابتسم ساخرًا وقال بنبرة فاترة: "أول مرة ما يكونش كلامك صح. أنا خرجت أرد على التليفون. بس." هزت رأسها بيأس وقالت بضجر: "حاضر. هصدق بمزاجي." رفع سامر هاتفه أمام وجهها وقال بقوة واثقة:
"أدي المكالمة من دقيقتين بالظبط. ما تقلقيش بالمكالمة دي أقدر أقولك إني خلاص أخذت قراري وهتجوز أخيرًا وهخلص من سيطرتك على قلبي." رغم صلابتها المزيفة التي تدعيها الآن. لكن شحوبها المؤلم له أخبره بعنائها من كلماته القاطعة. لم يرحمها ولم يضعف أمامها تلك المرة وهو يقول متابعًا ببساطة قاسية: "مش هتباركي لي يا علا؟
على العموم عادي بس حابب أتكلم عليها معاكي. اسمها لمى عندها واحد وعشرين سنة. يتيمة وزي القمر. لأ. القمر هو اللي زيها." وعبث بهاتفه قليلًا ووضعه أمام عينيها وأردف قائلاً بجمود: "شوفي صورتها. تجنن مش كده. بس براءتها وطفولتها أكتر حاجة شدتني ليها. وحبها ليا هيساعدني أنساكي وأدفنك جوايا." أدفنك جوايا. ما أقساها من جملة شقت قلبها نصفين. أيعقل أن تكون تلك النهاية. ببساطة...
لم تتزحزح عيناها عن صورة تلك الفاتنة. بإشراقها وجمالها وطفولتها الظاهرة بتلك الابتسامة الساحرة لأي رجل. أفاقت لنفسها المحطمة وهو يبعد هاتفه عنها قائلاً بثبات: "يا رب تكوني ارتحتي." لم تقوى على الرد. لأول مرة تخرج من معركة خاسرة. نعم خاسرة. خسرت عشقها الوحيد. خسرت نفسها معه. خسرت كبرياءها الذي طالما أكد لها أنه سينتقم منه ويذيقه الويلات. وها هي تدفع الثمن وتتذوق الويلات.
تركته بهدوء وولجت لغرفة جاسم راسمًة ابتسامة مزيفة على ثغرها. رافعة أنفها بإباء كعادتها وكأن شيئًا لم يكن. لحظة...
في الحقيقة كان ما كان وتحولت لحطام امرأة. فإن كنت تظن أنها هكذا تشعر بالراحة الآن. فأنت واهٍ. فقلبها الخائن ممتلئ بحبك ومتيم بتفاصيلك. وعقلها البائس لا يتوانى عن ذكرك وتذكيرها بما كان. وروحها الهشة تحاوطك بكل مكان وتهفو وراء أي خبر عنك. حتى جسدها يشتاق لمساتك البريئة له قديمًا. وتأتي أنت بمنتهى الصفاقة وانعدام الرحمة وتسألها هل هكذا ارتاحت.
................................................................................................................................................ من أجل عينيك... عشقت الهوى. من أجل عينيك تحملت الكثير. أن أراك وأحرم على عيني أن تطوف هائمة بملامحك. أن يصل صوتك لقلبي وأحرم على أذني الانسياق وراء ذبذباتك الساحرة. ألا أجتمع بك في نفس المكان وأهرب وتسألني فلا أجد إجابة. هذا كله لأنك غبي. وأعمى. وأبكم. ولا تشعر.
انتهى المحلول المغذي لجسده الهزيل. فأغلقت روضة جهازه وأخرجته من الإبرة المغذية بكفه الصلب. وما أن التفتت لتخرج من غرفته حتى سمعت همسه الخافت: "روضة." اتسعت عيناها بفزع. وتطلعت حولها برجاء ألا يكون قد سمعه أحد. ولكن أصر على إحراجها أمام الجميع حين هذى بغفوته قائلاً بحشرجة: "روضة." وقفت آمال مسرعة وحملت كفه بين راحتيها وقالت من بين دموعها: "كلنا جنبك يا حبيبي. فوق يا مالك عشان خاطري."
كأنه استمع لرجائها ففتح عينيه ببطء شديد حتى انتبه لنفسه. حاول جاهداً أن يتذكر ما حدث له حتى أتته كلماتها الأخيرة الحنونة كما اعتادها مصاحبة بكلمة جديدة وغريبة. حبيبي. لم يكن يهذي وقتها. فما رآه بعينيها وقتها من لهفة وقلق كفيل بتصديقه لما سمع. قبلته آمال بجبهته الباردة وقالت بلوم: "كده يا مالك تخضني عليك. بقالك أكتر من يومين ما أكلتش طب ليه يا حبيبي كل ده. الدنيا مش بتقف عند حد."
كأنه لم يسمعها فطاف بعينيه حوله فرأى الجميع. ورأى تلك العينين الصادقتين والذي لطالما اعتبرهما ملاذاً أخوياً صادقاً. إذا لم يكن أخويا على الإطلاق. الآن وفقط تنبه لمعاناتها. لم يحيد ببصره عنها. ففطنت أنه قد سمع كلماتها المتسرعة العفوية والتي انطلقت منها دون وعي. فنحن حين نخاف تنطلق أحاسيسنا بصدق يصدمنا لاحقًا. ابتلعت روضة ريقها بتوتر وقالت بخفوت مرتعش: "أنا هطلع أنا. حمد الله على سلامته." أجابها الجميع: "الله يسلمك."
جلس سراج بجواره فلاحظ نظراته التي تلاحق روضة حتى اختفت. فابتسم بهدوء وسأله قائلاً بحنو: "إيه يا وحش. تقع كده. ما كانش عشمي فيك." ابتسم مالك بخفوت مرهق وقال بتحشرج: "آسف لو خوفتكم عليا." وقفت إمتثال ورتبت على كفه وقالت بنبرة حانية دافئة: "سلامتك يا حبيبي. أنا هروح أعملك فرخة وشوربة لسان عصفور تتقوت بيهم." قبل كفها وقال بامتنان: "شكرا يا تيتة." قبلت آمال رأسه وقالت بفرحة:
"هروح مع الحاجة إمتثال أعملك الأكل وهاتكله كله مفهوم." أومأ مالك برأسه وقال بخفوت: "إن شاء الله يا ماما." كففت روان عبراتها وهي تتابع حالته المؤلمة. فوضع عمرو ذراعه حول كتفيها وقربها لصدره وقال بضيق: "خلاص يا رونى. هيبقى كويس وأحسن من الأول كمان." مسحت أنفها بمحارم ورقية وقالت بتمني: "يا رب يا عمرو." تطلع مالك بعمرو وقال لوالده بهدوء: "بابا. أنا عاوز عمرو لواحده."
لف سراج رأسه ناحية عمرو الذي أومأ له برأسه مبتسمًا بخفوت لطمأنته. فعاد سراج بعينيه لمالك وقال بموافقة مشروطة: "حاضر. بس مش عايز انفعال." ابتسم إليه مالك ابتسامة ضعيفة كحاله وقال بثقة: "ما تخافش يا بابا. إحنا في الأول والآخر إخوات وعشرة عمر." تنهد سراج تنهيدة طويلة وقال بهدوء متزن: "ربنا يهدي الحال يا ابني."
وخرج من الغرفة ومعه روان. سحب عمرو مقعدًا ووضعه أمام فراش مالك وجلس عليه منتظرًا ما سيقوله. فرفع مالك نفسه قليلاً ليجلس نصف جلسة وقال بخجل: "عارف إني غلطت. وخنت ثقنك فيا. بس غصب عني حبتها." وانهارت دموعه بغزارة. وتعالت شهقاته المتألمة. فانحنى عمرو ناحيته ومسح عبراته بكفه وقال بشفقة على حاله: "طب اهدئ. ولو هتتعب هخرج وأسيبك ترتاح." تابع مالك بكاءه وقال بألم مهلك:
"بحبها. بحبها قوي يا عمرو. وعارف إنه مش من حقي أقول كده. بس بتعذب. هموت يا عمرو." اجتذبه عمرو لصدره وقال متأوهًا بصوت عالٍ على حاله البائس: "عيط. خرج اللي جواك عشان ترتاح."
"تخيل إنك تخسر أكبر وأغلى حلم في حياتك. ده أنا سافرت عشان أقدر أجمع فلوس لشقتنا. كنت بحلم بأيامنا سوا. وحياتنا اللي جاية. هعيش إزاي من غير ما تعزف لي عالجيتار. من غير ما تكون ضحكتها ليا لوحدي. حتى كسوفها. خلاص كلها بقت لغيري. طب قول لي بالله عليك هستحمل إزاي." استمر بكائه لفترة حتى هدأ قليلاً وقال بهدوء مضطرب: "أنا لازم أسيب البيت وأمشي. مش هقدر أشوفهم مع بعض لأن وعد بعد اللي عمله عشانها هتحبه وأنا مش هستحمل."
استند عمرو بظهره على مقعده وقال بتوجس: "مش هتحتاج تسيب البيت ولا حاجة. لأن فرحهم بعد أسبوعين." ضغط مالك عينيه بقوة فذرفت آخر عبراتها. ولم يقو على فتحها مجددًا. فاستسلم لضعف جسده ونام. هز عمرو رأسه بضيق وهو يتأمل عذابه وهروبه بألم. فهو قد ذاق العشق. وليلة واحدة بعدها روان عنه وشعر بغربة وشوق مؤلم. فما حال مالك الآن. تركه نائمًا وخرج ليجلس مع الجميع. .........................................
لم ترحمها عيناه كعادته. فارتبكت وابتعدت عنه. جلست وعد بجوار والدها بخجل. فمال عليها قائلاً بهمس خافت: "مش هنمشي بقا يا وعد. الوقت اتأخر." اتسعت عيناها بضيق وقالت له بنبرة ناعمة تحمل الرجاء: "مش هقدر أسيبه وأروح. بالي هيفضل مشغول عليه. عشان خاطري يا بابا سيبني معاه." امتعض وجه عيسى وتابع بخفوت غاضب: "ميحصلش يا بنتي. إنتي صحيح مراته بس ماينفعش أسيبك معاه لوحدك." استمعت سلوى لحوارهم فقالت بمكر لدولت:
"إنتي هتفضلي مع جاسم يا حاجة دولت." هزت دولت رأسها بقوة وقالت مؤكدة: "طبعًا. هو أنا هطمن غير وأنا جنبه." فقالت لها سلوى بخبث لئيم: "طب إيه رأيك أفضل معاكي للصبح وأهه أبقى جنبك لو جاسم احتاج حاجة." ابتسمت دولت بتفهم بعدما لاحظت لهفة جاسم ووعد لجوابها فقالت بابتسامة هادئة: "يا ريت يا سلوى. لأني عاوزة نتفق على شوية حاجات. الفرح بعد أسبوعين." التفتت سلوى بجسدها ناحية زوجها وقالت له بتوجس:
"إيه رأيك يا أبو عمرو. أفضل أنا ووعد مع الحاجة دولت." ابتسم عيسى بخفوت وقد فطن لما يحاك حوله. ثم قال بتنهيدة ساخرة: "اللي تشوفوه. هقوم أمشي أنا بقا وهجيلكم الصبح يكون جاسم خرج." ودعته سلوى على الباب. بينما غمز جاسم لوعد التي عبثت بحجابها بخجل وهي تخفي ابتسامتها. فابتسم بسعادة وهو يرى تأثيره عليها. تلك الوعد الساحرة. زوجته وحبيبة قلبه الوحيدة والأخيرة.
بعد ساعات انصرف الجميع وغفت دولت بإرهاق على إحدى الأرائك التي تتحول لفراش. وتمددت بجوارها سلوى مدعية النوم كي تترك لوعد وجاسم الفرصة للحديث. اطمأن جاسم لغفوتهم. فأشار لوعد بأنامله أن تأتي إليه. فوقفت وتوجهت نحوه بخجل. وسألته ببلاهة بنبرة صوتها الناعمة: "محتاج حاجة مني يا جاسم." أومأ برأسه وقال بابتسامته الجانبية والتي تنذرها بالأسوأ وتأكدت عندما قال بمداعبة: "قربي مني عاوز أقولك سر."
ابتسمت بخفوت. واقتربت منه ثم مالت بجسدها نحوه تاركة مساحة ليست بقليلة بينهما وسألته بتلعثم خجل: "سر؟ إيه؟ "عاوز أنام ساند راسي على كتفك لو سمحتي." قالها جاسم ببرائة لذيذة. لتتسع عيني وعد بصدمة ووضعت أناملها الناعمة مثلها على فمها من خجلها وقالت بخفوت منزعج: "إنت قليل الأدب." ضحك عليها بخفوت حتى تألم من جروحه. وهدأ من ضحكاته قائلاً برجاء عابث:
"عشان خاطري. إنتي بس هتقعدي على السرير جنبي وأنا هميل عليكي براسي زي ما أخدتك في حضني في الأسانسير." ضيقت وعد عينيها بتوعد شرس وضربته على ذراعه بقوة. فتألم قائلاً بضحكة هادئة: "آه. بتضريني وأنا متخيط بسببك. ماشي بس أخف وأنا هخيط لك إيديك جنبك." عضت على شفتها السفلى بإحراج وقالت كاتمة لضحكاتها: "أنا آسفة. بس تستاهل يا قليل الأدب. ويالا نام بقا." جذب كفها لفمه ولثمه برقة. ثم قال بتنهيدة حارة:
"اعملي فيا اللي إنتي عاوزاه. بس ما تبعديش عني. ربنا يصبرني على الكام يوم اللي لسه وتبقى بتاعتي لآخر يوم في عمري يا عمري." حاولت سحب كفها منه بخجل ولكنه تمسك به أكثر وطلب منها بجدية رقيقة: "ممكن تجيبي الكرسي بتاعك جنبي. عشان أنام وأنا ماسك إيدك."
تطلعت إليه بشك. ثم انصاعت لطلبه وجلست بجواره. وهو يتأملها بنهم حتى شعر بثقل في عينيه ولم يشعر بشئ بعدها. ابتسمت وعد بحب وهي تتأمله في نومه. بدا لها كطفل صغير مريض ويشغب لكي لا يشعر من حوله بالقلق. وضعت كفها الأخرى فوق كفه واستندت برأسها على فراشه وغفت هي الأخرى بسلام.
في الصباح تألم جاسم من جروحه فتململ في فراشه وفتح عينيه ليرى أجمل مشهد قد تراه عينيه. جنيته الناعمة نائمة بجواره. رفع يده ناحية وجهها وملس عليه بحنو. ولم يتصدى لرغبته الملحة في ملامسة جرحها الوردي الجميل. كم كانت ناعمة كغيمة هادئة. فأخذه الفضول أكثر لمطالعة سرها الحربي. فدس أنامله تحت حجابها ليعرف هوية شعراتها. ولكنها شعرت به ومسكته متلبسًا بجرمه. أوقفت كفها تقدم أنامله وانتزعتهم بضيق. ثم فتحت
عينيها بتثاقل وقالت بلوم: "عيب كده على فكرة. ومش هتعرف برضه عن شعري حاجة." انتبهوا على ضحكات سلوى التي استيقظت للتو وقالت لوعد بمعاتبة: "ليه كده يا وعد. إديله فكرة عن شعرك يا حبيبتي بدل ما يتصدم بعد الجواز." زم جاسم شفتيه بمداعبة وقال بهزل ساخر: "واضح إنه وحش جدًا. بس ربنا المستعان في كوافيرات شاطرين وهيحولوه بإذن الله من ليفة لحرير. خلي أملك في ربنا كبير يا حبيبتي." ضيقت سلوى حاجبيها باستنكار وقالت بضيق:
"إيه ده هو إنت فاكر إن شعرها...... قاطعتها وعد بسرعة قبل أن تفضح أمرها وقالت بحدة قاطعة: "ماما. لو سمحتي مش عاوزاه يعرف حاجة عن شعري. عشان خاطري." هزت سلوى رأسها بيأس وقالت بابتسامة خافتة: "اللي تشوفيه يا بنتي. بس حرام يتصدم فيكي في أول يوم ليكم سوا. هتبقى مفاجأة صعبة على أعصابه." لم يفهم جاسم تلميحاتها فقال بخوف: "إوعى تطلعي قرعة يا وعد." ضحكت وعد ضحكة عالية وقالت بسخرية:
"إنت وحظك. يا هطلع حمرا. يا هطلع قارعة. بس الأكيد إني محضالك مفاجأة." "إستر يا رب." ...................................................................................................................................... عدل جاسم من هندامه بسعادة وهو يتأمل جمال حبيبته الساحرة التي تخطت كل الحدود اليوم. اتسعت ابتسامته وقال لائماً نفسه بقوة: "دي قرعة برضه. دي حمرا ومرملة كمان. يخرب بيت حلاوتك يا شيخة."
كادت عيناه أن تخرج من محجرها وهو يتابع تقدمها نحوه وهي متأبطة ذراع والدها والموسيقى حولهم تترجم ما يحدث بـ "طلي بالأبيض طلي". فستانها الأبيض الواسع والذي لا يترك مساحة لوالدها الذي يسير بجوارها بسعادة. فها هو سيسلم ابنته لزوجها.
كانت وعد تتنفس بصعوبة وهي تسير ببطء تجر فستانها الواسع المرصع بالأحجار اللامعة والذي جعلها أميرة هذه الليلة. وكعادتها تعلقت عيناها بعينيه وهو يبتسم ابتسامة واسعة تعكس سعادته ولهفته. لم تخف انبهارها بوسامته وجاذبيته التي انعكست على ملامحها المبتسمة بخفوت هادئ يحمل الشغف. وأخيرًا سلمها والدها إليه وقبله وطلب منه أن يحافظ عليها ويسعدها. قبله جاسم بحب واحتضنه وأكد له أنه سيضعها بعينيه وقلبه.
مد جاسم كفه ناحيتها. فمدت يدها نحوه وسلمته كفها وزمام أمورها وحياتها بأكملها. فحمل كفها وقبله وقبل جبهتها ببطء شديد مستمتعًا بحصوله عليها أخيرًا. ثم تطلع داخل عينيها وقال بصدق آسر: "بحبك يا أحلى حاجة حصلتلي في حياتي."
أطرقت وعد برأسها بخجل فتعالت التصفيقات حولهم. فسار بها لمنتصف قاعة الزفاف وحيوا الجميع وبدأت مراسم الزفاف بتلك الرقصة الرومانسية. كانت وعد متحفظة في البداية حتى اعتادت قربه منها وحاوت عنقه بيديها مقتربة منه بخجل لذيذ. ربتت إمتثال على ذراع روضة التي كانت تبكي بقوة وهي ترى صغيرتها عروسًا جميلة. مالت عليها إمتثال وقالت بصوت عالٍ: "اهدئي يا روضة مش كده. كلنا زعلانين وهتوحشينا بس دي سنة الحياة."
أجابتها روضة وهي تكفف دموعها في نقابها بصوت مرتعش قليلاً: "هروح البيت من غيرها يا تيتة. جاسم أخدها مني." ضحكت إمتثال بسخرية واحتضنتها بذراعها بحنو وقالت بهزل: "ليه هو إنت ناوي تطولي معانا. إنتي دلوقتي متقدم لك عريس فكري ولو وافقتي هتحصليها بسرعة." اعتدلت روضة بجلستها وقالت بقوة حازمة: "مش وقته يا تيتة. أنا أصلًا مش بفكر في الجواز. خلينا في فرح حبيبة قلبي وبس."
رقصت وعد مع جاسم طوال الوقت لم يتركها تبعد عنه وأصدقاؤهم وأقاربهم يحاوطونهم بسعادة. شعرت وعد بإرهاق من فستانها الثقيل وطلبت من جاسم الجلوس قليلاً. اقتربت منها منتقبة وعيناها الرمادية ممتلئة بالدموع. وقفت وعد مسرعة واحتضنتها بقوة وسعادة وقالت بعدم تصديق: "قطتي. وحشتيني جدًا يا لمى." احتضنتها لمى بقوة وقالت من بين دموعها: "مبروك يا وعد. لو ما كنتش جيت النهاردة كنت هتجنن." ابتعدت وعد قليلاً وقالت بابتسامة متسعة:
"حبيبتي. أنا اللي فرحتي كملت النهاردة لما شوفتك." ثم أشارت وعد لروضة التي تقدمت نحوها. فطلبت منها وعد أن تجلس لمى معها هي وعلا. فأومأت روضة برأسها وأشارت للمى بأن تسير معها. وجلست بجوار علا تتابع الحفل والذي يحييه نجوم الغناء المشهورين والذين أسعدوا الجميع بغنائهم. وكانت وعد في أسعد لحظات حياتها وهي لا تترك كف جاسم الذي يتطلع لسعادتها براحة.
.............................................................................................................................................. اتسعت عينيه بفزع وصرخ قائلاً بخوف: "إيه اللي إنت بتقوله ده. إنت متأكد يا ابني إنت." هدأه قائلاً بثقة وذعر: "والله متأكد يا باش مهندس سامر. الجهاز اللي زارعينه لأمير في مكتبه سمعت منه إنه كلم واحد على التليفون وتأكد منه إنه جوة قاعة الفرح وطلب منه يقتل العروسة."
تعالت شهقات سامر وهو يهدر بغضب مهلك وقال له بحدة وتركيز: "إنت اسمع اللي هقوله عليك كويس جدًا. التسجيل الصوتي اللي معاك ابعته للرائد أحمد زي ما فهمتك قبل كده. واطلب منه يتحرك فورًا يقبض على أمير قبل ما يهرب ويبعت قوة للقاعة بسرعة عشان لو قدرنا نمسك الراجل ده. فهمت." "أيوه يا هندسة هنفذ اللي إنت قولته بالحرف يا كبير. سلام."
أغلق سامر الهاتف واتجه ناحية قاعة الفرح يأكله القلق على وعد. ولمى. ولج للداخل وعينيه تلتقط ما حوله بسرعة شديدة. رن هاتفه فرد مسرعًا: "أيوة يا ابني عملت اللي طلبته منك وكلمت سيادة الرائد." "الرائد؟ هو في إيه بالظبط يا سامر." انتبه سامر للصوت فوجده مالك. فتنهد بأسى وقال بعصبية: "معلش يا مالك أصل الكلب اللي اسمه أمير باعت حد يقتل وعد يوم الفرح. عاوز يحرق قلب جاسم عليها الحيوان." أتاه صراخ مالك وهو يقول بغضب:
"يا نهار أسود. وعد. إنت فين." "أنا واقف في القاعة بس مش شايف حد غريب." أسرع مالك بسيارته وقال منهيًا حوارهم: "أنا جايلك حالا سلام." وضع سامر الهاتف في جيب سترته. وأخذ يطوف بعينيه على وجوه الجميع. حتى توقف عندها. كم كانت بهية تسر الناظرين. بفستانها الفضي. لعن ذكائها في اختيار ما يناسبها ويجعلها فاتنة. هز رأسه بقوة وقال لائماً نفسه: "وده وقته إنت كمان. فوق كده عشان تلحق المصيبة دي من غير ما حد يحس." بعد دقائق ضربه
مالك على كتفه وسأله بلهث: "هااه. لقيت حد." هز سامر رأسه نافيًا وقال بضيق: "لأ. بس الكلب أمير مكلم الراجل ده وكان جوة القاعة. يا ترى بس مستخبي فين."
وقعت عيني مالك على وعد الساحرة. كم مرة تخيلها بفستانها الأبيض وكم مرة تمناها بين يديه. فصرخ قلبه متألمًا وهو يراها تراقص جاسم برومانسية. وعيونهم متعلقة ببعضهم. وضع يده على قلبه المتألم وابتلع ريقه بصعوبة وهو يراها تلف وحولها فستانها تحت ذراع جاسم المنتشي من الفرحة ثم ضمها إليه ليصبح ظهرها ملامس صدره القوي وتمايل بها بنعومة ساحرة مرددين كلمات الأغنية سويا. ثم لفها ناحيته بحركة واحدة متقنة وكبل خصرها بذراعه وكفها بين راحته على صدره وجبهته ملامسة لجبهتها. ثم قبل جبهتها مطولاً برقة.
امتعض وجه مالك بشدة واكفهرت ملامحه بغضب وهو يضغط أسنانه بعصبية. فرفع سامر حاجبيه بأسى ومال عليه قائلاً بعتاب هادئ: "مش وقته يا مالك. أنا حاسس بيك بس في ورانا مصيبة لو حصلت هيتحرق قلبنا كلنا. ساعدني الله يخليك." هز مالك رأسه باستنكار وقال بحدة: "كانت المفروض تبقى في حضني أنا مش هو. سرقها مني يا سامر. نار وقايدة جوايا." أنهى كلماته وهو يعتصر قبضته بشدة جعلت مفاصل كفه تبيض. ثم اشتعلت عينيه بقوة وقال بصوت أجش
غاضب وهو يضرب صدره بقبضته: "هو ما يستاهلش السعادة دي. دي من حقي أنا." كبل سامر ذراعه وقال باستعطاف: "أبوس إيدك امشي. مش هيبقى موت وخراب وديار." انتبه عمرو لوقفة مالك وتحفزه الغاضب فاقترب منهم بتوجس وسألهم بحدة: "في إيه مالكم واقفين كده ليه؟! اتسعت عيني مالك بشرار ناري ودفع ذراع سامر وركض بغضب يعكس ما بداخله مسرعًا. فصرخ سامر بصوته العميق مذعورًا: "استنى يا مجنون."
أثناء تمايلهم الرومانسي انتبه جاسم لركضة مالك نحوهم. فعبس بقوة وضغط أسنانه متوعدًا له. حتى لاحظ نظراته النارية خلفه. فالتفت بجسده خلفه. فرأى ملثمًا يحمل سلاحًا ناريًا ويصوبه ناحية وعد. ففرد جسده كالطاووس أمامها ليحمي حبيبته ورغم ضخامة فستانها إلا أنه غطاها بالكامل بجسده. بينما حمل مالك عمودًا حديديًا مذهبًا موضوع ديكورًا بجوار منصة العروسين وهبط به على رأس الملثم وهو يصرخ بغضب: "يا ابن الكلب. هموت أمك."
وانهال على جسده بالعمود الحديدي حتى أوقفه سامر مسرعًا وهدر به بعصبية: "خلاص يا مالك هيموت في إيدك." انحنى عمرو وحمل سلاحه ثم ضربه بقدمه فصرخ الملثم مستغيثًا: "آه. ارحموني. خلاص." فطن جاسم لما يحدث حوله فترك وعد وهم بالانطلاق نحوهم فتمسكت به وقالت برجاء: "متسبنيش يا جاسم عشان خاطري." التفت إليها واحتضن وجهها المستدير كالبدر بين راحتيه وقال بنبرة حانية لطمأنتها: "متخافيش يا حبيبتي إنتي دلوقتي في أمان." هزت وعد
رأسها بقوة وقالت نافية: "لأ. أنا مش خايفة على نفسي أنا خايفة عليك إنت." ضم رأسها لصدره براحة وقبل جبينها وقال بهدوء: "حاضر مش هسيبك بس اهدئ ما تخافيش." وقف الجميع يتابع ما يحدث بذعر. فانصرف أغلب المدعوين. وأخيرًا وصلت الشرطة وتم القبض على الملثم. بعد هدوء الحال نسبيًا بحث جاسم بعينيه عن مالك. فلم يجده.
اقترب سامر من لمى الجالسة بجوار روضة وعلا وعلى عينيها من أسفل نقابها علامات الخوف الشديد. وقفت علا وهي تتأمل وسامته ببدلته الرمادية وقميصه الأوف وايت والذي أبرز جمال عينيه. اعتقدت أنه سيحدثها كعادته ولكن تجاهلها وجلس بجوارها، وقال للمى: "يلا يا لمى عشان تروحي." صعقت علا من تجاهله لها. وجلست بخجل عارم. بينما وقفت لمى وودعتهم واطمأنت عليها وانصرفت مع سامر.
اطمأن الجميع على العروسين وطلب فضل من جاسم أن ينصرفوا. وبالفعل غادر الجميع بعدما ودعوهم. وصلوا أخيرًا لمنزل أهل جاسم وصعدوا لشقتهم. أغلق جاسم باب شقتهم خلفهم متنفسا الصعداء. سحب جاسم نفسًا طويلًا وزفره ببطء وقال براحة: "أخيرًا بقينا مع بعض. لقد هرمت من أجل هذه اللحظة." ابتلعت وعد ريقها بتوتر وهي تعبث بفستانها بخجل. ثم سألته بصوت متحشرج: "هما قبضوا على أمير ده ولا هرب." نزع جاسم ربطة عنقه بضيق وألقاها على
أريكة بجواره وقال بلوم: "أمير إيه وبتاع إيه بس في ليلة زي دي. إنسي كل حاجة وأي حاجة تانية غيري." شعرت بالخوف من تقدمه نحوها بعيون تلتهمها ونظرات كالصقر تخترق روحها فتصنعت الجدية وعبست قليلاً ثم قالت بجمود زائف: "خليك مكانك لو سمحت. لأنك لو قربت مني هزعلك على فكرة." ضحك جاسم ضحكة عالية وفي لحظات كان قد كبلها بذراعيه محاوطًا خصرها بتملك. ثم همس أمام وجنتها لإثارتها:
"مكسوفة مني للدرجة دي. إنتي مش عارفة ومتأكدة إني بحبك وبموت فيكي." حاولت تخليص نفسها ولكنه باغتها بقبلة ساخنة على شفتيها انتظرها طويلًا جدًا. شهقت وعد من فعلته الجريئة ودفعته بقوة شديدة فارتطم بالحائط خلفه متألمًا من رأسه. بينما رفعت هي سبابتها أمام وجهه وقالت بغضب: "إنت قليل الأدب. وأنا لو كنت أعرف إنك كده ما كنتش وافقت أتجوزك. كلكم زي بعض بتحكمكم رغباتكم وبس. حاجة تقرف."
والتفتت تجر فستانها حتى ولجت لغرفتها وأغلقتها بالمفتاح وجاسم يتابعها بذهول ممسكًا برأسه التي تؤلمه من ارتطامه بالحائط. ثم ابتسم بخفوت وقال ساخرًا: "يا بنت المجنونة. طب وحياتك عندي لو طولتها لهاكلك مرة واحدة." ثم خلع سترة بذلته واقترب من باب الغرفة وطرقها. فلم تجبه. فطرقها مجددًا وقال بضيق: "افتحي يا وعد ربنا يهديكي." جاءه صوتها وهي تقول بعصبية: "إيه شايفني مجنونة. واتفضل امشي روح أوضة تانية نام فيها يا قليل الأدب."
ضرب كفيه ببعضهما متعجبًا. ثم اتسعت ابتسامته وهو يقول بهدوء: "طب أنا آسف. وهبقى مؤدب. افتحي بقا الباب." "قولتك لأ. ويالا سيبني لوحدي بقا أنا تعبانة وعايزة أنام. وابقى خلي قلة أدبك تنفعك. كلكم زي بعض." حك جاسم مؤخرة رأسه وابتعد عن باب الغرفة وهو يلعن حظه العاثر قائلاً بحنق: "الليلة اتضربت خلاص. دي عين بنت لذين هي الجوازة دي منقوق عليها. ماشي يا وعد."
......................................................................................................................................
وقف سامر خلف مالك يتابع شروده بالنيل. ثم اقترب منه وقفز عاليًا وجلس بجواره على سور الكورنيش ونظر أمامه بشرود أيضًا. ساد الصمت بينهم لدقائق كثيرة وكلاهما يرثي حبه. حتى ابتسم سامر بخفوت. وتحولت ابتسامته لضحكة عالية ثم استند بذراعيه على السور ووقف وسار عليه دون توقف ذهابًا وإيابًا. التفت إليه مالك يطالعه بغرابة حتى جلس سامر بجواره وهو يلهث وقال ساخرًا: "مش غريبة اللي حصل معانا. طارق ياخد مني علا. وجاسم ياخد منك وعد."
ثم عاد لضحكاته الساخرة مرة أخرى وقال بهزل: "مش عارف ألوم الظروف ولا ألوم نفسي ولا ألومها هي. تعرف إني دلوقتي نفسي أسأل ربنا هو عمل فيا كده ليه. حرمني منها ليه." عنفه مالك بشدة قائلاً: "استغفر ربنا يا سامر. كل شيء قسمة ونصيب وإحنا نصيبنا في حتة تانية خلاص." زفر سامر بحدة وقال ببرود يجمد الحمم: "أنا هتقدم للمى. وأتجوزها وأنسى وأعيش بقا." حك مالك ذقنه وقال بابتسامة ساخرة:
"المحارب استسلم خلاص. عمومًا اللي فيه الخير يقدمه ربنا. ولمى على الأقل مش لقيطة هي معروف أهلها مين. وأتمنى تكون سعادتك معاها." أغمض سامر عينيه مستنشقًا نسمات الليل الحانية وقال بأسى: "أنا سعادتي وراحتي مع اللي ملكت قلبي من وهي عيلة صغيرة. بس هحاول أبني قلب وعقل وروح جداد عشان أقدر أسعد لمى."
التف مالك بجسده وقفز على الطريق. تبعه سامر الذي تطلع إليه بابتسامة ماكرة. ضيق مالك عينيه وقد وصله فحوى رسالته فحدجه بتحدي. بينما رفع سامر رأسه مستهزئًا بتحديه. وبلمح البصر انطلق الاثنان ركضًا يسابقان الريح وصوت أنفاسهم يشق صمت الليل حتى تعبا ووقفا يلهثان ويلتقطان أنفاسهما بصعوبة. انحنى مالك وتمسك بركبته محاولًا التنفس بينما تعالت ضحكات سامر عليه وأشار بسبابته نحيته وقال بازدراء:
"عجزت يا مالك. مش قادر تجري كام متر. عليه العوض في الشباب." ثم مال عليه قليلاً وقال له نصيحة مهمة للغاية: "نصيحة من أخوك. إلحق اتجوز قبل القطر ما يفوتك." أجابه مالك وهو ما زال يحاول التقاط أنفاسه قائلاً بصعوبة: "أخد نفسي بس وهعرفك مقامك." تعالت ضحكات سامر مجددًا وتابع سخريته قائلاً: "تاخد نفسك. ده إنت فاتك القطر والقطر اللي بعده وهنشوف لك تاكسي بعد كده." ابتسم مالك بخفوت متناسيًا ألمه. فسأله سامر بمداعبة:
"عارف إزاي تجيب لبن من الخيط." قطب مالك جبينه بتعجب وانتصب في وقفته وقد زادت ابتسامته وقال بفضول: "لأ مش عارف. قول لي يا ظريف." "تقعد تلف الخيط. وتلف الخيط لحد ما يبقى بكرة وتحلبها. هههههه." شمر مالك ساعديه بضيق وركض ورائه وهو يقول بصوت مكظوم: "ده أنا هحلبك إنت يا غتت." ركض سامر أمامه وقد تعالت ضحكاتهم حتى استند على سيارته ليلتقط أنفاسه. ووقف مالك بجواره وقال بنبرة ماجنة:
"شوف المفارقة يا أخي. يوم ما أخسر وعد. أكتشف إن في واحدة تانية بتحبني وأنا ما كنتش حاسس بيها." عقد سامر ذراعيه أمام صدره وقال ببساطة: "الأستاذة روضة. صح." التفت إليه مالك برأسه وعلى وجهه علامات التعجب والصدمة فأردف سامر بصوت متسلي: "بس تعرف إنها لايقة عليك جدًا. ومحترمة جدًا. وإنت حمار جدًا." هز مالك رأسه مؤيدًا كلامه وسأله بفضول: "عرفت إزاي إنها بتحبني."
"بص يا سيدي. أولًا عينيها كانت دايما وراك. ثانيًا فاكر لما تعبت وأنت كلمتني طلبت رقم الدكتور. ده كان نفس اليوم اللي سيادتك قلت لوعد إنك بتحبها وأكيد وعد قالت لها. فامستحملتش وجالها انهيار عصبي. تخيل إنها معانا في الهوا سوا ووعد خطفتك منها."
كأن سامر ضربه على رأسه بقوة. لم يلاحظ من قبل أنها تكن له مشاعر. رغم أن الجميع على ما يبدو كانوا على علم بما داخلها فكلمات والده الدائمة عن تمنيه لروضة زوجة له. وكلمات والدته الدائمة عن جمالها وطيب أخلاقها. وكلمات روان الساخرة كلما تحدث مع روضة بمفردهم عن مشكلة أحدهما.
تجلت أمامه الآن نظراتها التي لم يفسرها سابقًا وهي تخبره بعذابها. أطبق عينيه بقوة لاعنًا نفسه كيف سبب لها هذا الألم والأصعب كيف تعايشت بينهم وكأن شيئًا لم يكن. تنفس مطولًا وزفره دفعة واحدة هامسًا بعذاب: "روضة." انتبها على آذان الفجر. فتوجهها لمسجد البحر القريب منهم وتوضأ وصلوا فرضهم وكلاهما يدعو ربه بوصال قريب مع من يستحقهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!