الفصل 19 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
17
كلمة
9,644
وقت القراءة
49 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

انتبه جاسم للطرقات التي تأتي من مكان ما. ففتح عينيه بتثاقل، لتخترقهما أشعة الشمس فأغلقهما مجدداً. استمع لطرقات على باب شقته، فوقف مسرعاً يطأطأ عظامه المتشنجة من نومة الأريكة. وفتح الباب لتتقابل نظراته مع نظرات سلوى وعمرو المندهشين من هيئته المزرية. حاول عمرو كبح زمام ضحكاته وهو يرى جاسم ما زال بملابس زفافه، بينما حركت سلوى شفتيها بامتعاض. هز جاسم رأسه بقوة ورسم ضحكة خافتة على ثغره وهو يقول:

مرحباً: أهلاً وسهلاً. اتفضلي يا ماما، اتفضل يا عمرو. مصمصت سلوى شفتيها بضيق وقالت: أهلاً بيك يا حبيبي. دلفا لشقتهم وأشار لهم جاسم بالجلوس. فالتفتت إليه سلوى وقالت بتردد: هي وعد فين يا ابني؟ أشار لها جاسم على غرفتهم وقال بابتسامة باهتة: في الأوضة جوة. اتفضلي ادخلي لها يا ست الكل. اتجهت سلوى لغرفة وعد وطَرقت الباب أكثر من مرة، فأتاها صوت وعد وهي تقول بغضب: انت ما بتتعبش؟ سيبني أنام بقى يا قليل الأدب.

لم يتمالك عمرو نفسه وانفجر ضاحكاً، بينما حك جاسم مؤخرة رأسه بخجل. فطَرقت سلوى الباب بقوة وقالت بحدة: افتحي الباب يا وعد. بعد لحظات فتحت وعد الباب، فولجت سلوى للداخل وأغلقت الباب. بينما قذف جاسم عمرو بوسادة الأريكة قائلاً بضيق: بطل ضحك بقى، إيه بتتفرج على الأراجوز؟ استمرت ضحكات عمرو الساخرة وقال له بنبرة مواسية: تِعيش وتاخد غيرها. وأنا اللي افتكرتك مسيطر. بس ربنا يعينك عليها. أجابه جاسم وهو يطقطق عظام رقبته بألم:

انت بتقول فيها. ده أنا لسه بسخن. لبستني في الحيطة ودماغي ورمت. دي مفترية يا معلم. لم يتوقف عمرو عن الضحك وجاسم يتابعه بضيق. ثم انتبه لعلب حلويات كثيرة أحضرها عمرو معه، فسأله بتعجب: إيه كل العلب دي؟ دي حلويات الصباحية يا معلم. قال صباحية قال. حدجه جاسم بتحذير. وهو لم يتوقف ضحكه عليه. اجتذبت سلوى وعد من ذراعها بالقوة وأجلستها على فراشها وجلست بجوارها وقالت بغضب: بت يا وعد، هو جاسم ما دخلش عليكي؟ مسحت وعد مرفقها

متألمة وقالت بسخرية: ما دخلش عليا إيه بس؟ هو ما دخلش الأوضة أصلاً. ده إنسان قليل الأدب. ضربت سلوى ساقها وهدرت بها بخفوت: يا لهوي! انتي عايزة تفضحينا يا بت انتي؟ ده جوزك. جوزك. إيه يعني جوزي؟ المفروض يكون محترم. قبضت سلوى كفها أمام وجه وعد التي رمشت بسرعة من خوفها، بينما قالت سلوى بعصبية: انتي هبلة يا بنتي؟ أمال لو مش متعلمة كنتي قلتي إيه؟ ده حقه وانتي مراته وربنا دلوقتي زعلان منك والملائكة كمان.

زَمّت وعد شفتيها بضيق، بينما تابعت سلوى بحدة: اعقلي يا وعد وما تخسريش جوزك. واتفضلي غيري بيجامتك دي والبس قميص نوم حلو وسرحي شعرك وابقي زي القمر كده عشان جاسم يرضى عنك وربنا يرضى عنك. أومأت وعد برأسها وقالت بخنوع: حاضر يا ماما. المهم انتوا كويسين وروضة عاملة إيه من غيري؟ ابتسمت سلوى وهي تربت على رأسها بحنو وقالت: روضة عاملة مناحة ومش بتبطل عياط. وكلنا مفتقدينك. بس قومي يلا اعملي اللي قلتلك عليه تمام. حاضر.

انصرفت سلوى وعمرو وأغلقت وعد باب الغرفة عليها مجدداً. فاستند جاسم بظهره على الباب وقال بابتسامة مازحة: صباح الخير يا دودو. ابتسمت وعد وهي تستند بظهرها على الباب وأجابته بهدوء: صباح النور. طرق بأنامله على الباب متسائلاً بهدوء: مش هتفتحي الباب بقا؟ فكرت وعد قليلاً وأجابته ببرود: شوية كده وهبقى أفتح. عقد ذراعيه أمام صدره وقال بضيق: طب ماما وعمتو ألفت وعمتو نجوى طالعين كمان شوية. يرضيكِ يشوفوني ببدلة الفرح؟

فكرت وعد قليلاً ثم قالت بمكر: جاسم.. ممكن تجيبلي ميه ساقعة أشرب؟ أجابها بهدوء: حاضر يا حبيبتي. اتجهت لخزانته وأخرجت منامته له وفتحت الباب بهدوء ووضعتها على مقعد بجوار باب الغرفة وأغلقت الباب مجدداً. أثناء عودته عثر على منامته فابتسم ابتسامة متسعة وقال برضا: ماشي يا ستي.. شكراً. بس لما ماما تيجي ممكن تبقي تخرجي تقعدي معاها. عشان خاطري ما تحرجنيش. أجابته وعد بخفوت: حاضر.

واتجهت لخزانتها لتنتقي شيئاً ترتديه لمقابلة والدته وخصوصاً عمتيه. هنا قررت الانتقام منهما على معاملتهما الجافة لها. فاختارت فستاناً مناسباً وابتسمت بمكر وقالت: أنا هوريكم يا حيزبونتين انتوا. هعرفكم مين هي وعد. بعد نصف ساعة صعدت دولت ونجوى وألفت واستقبلهم جاسم بابتسامة مرحبة. احتضنته والدته وربتت على ظهره وقالت بفرحة: صباحية مباركة يا حبيبي. زَمّ جاسم شفتيه بسخط وأجابها بهدوء: الله يبارك فيكي يا ماما.

فسألته نجوى بامتعاض: أمال فين العروسة؟ إيه هي مكسوفة؟ أجابها جاسم وهو يطالع امتعاضها بيأس: هتيجي حالا يا عمتو. ثم صاح بها قائلاً برجاء مخفى: يا وعد.. تعالي يا حبيبتي ماما هنا. التفت جاسم بجسده لوالدته وقال لها بهمس خافت: ماما مش عاوز حد يضايق وعد. دي بقت مراتي ومش هسمح لحد يزعلها.

لم تجبه دولت وهي تتطلع خلفه بإنبهار. لم تكن هي الوحيدة المصابة بتلك الحالة من التجمد، بل طالع دهشة عمتيه وهما تنظران خلفه أيضاً. فالتفت ليرى سبب تلك الحالة من الدهشة حتى وصلت حواجبه للأعلى وقاربت على ملامسة السقف. تقدمت وعد ناحيتهم مرتدية فستاناً أسود ضيق جداً حدد منحنيات جسدها بقوة، يصل طوله لمنتصف ساقيها ومن الأعلى عاري الكتفين بفتحة صدر مربعة أظهرت طول رقبتها المثالي وبياضها المشبع بالوردي.

تأملها جاسم من قدميها الموضوعة بخف أسود بكعب صغير وصعد قليلاً متأملاً ساقيها الملفوفتين بدقة وفستانها الأسود. وكل هذا في كفة من الميزان وشعرها والذي تعدى طول فستانها وأوشك على ملامسة ركبتيها في كفة أخرى. مال جاسم برأسه ليصل لآخر طول شعرها الرائع في طوله ولونه البرتقالي الممزوج بالأحمر فقال مسحوراً: شهرزاد. استمع لشهقة عمتيه بصدمة فقال بداخله: قل أعوذ برب الفلق. ومن شر حاسد إذا حسد. ومن شر حاسد إذا حسد.

وقفت وعد أمام دولت وقالت لها بابتسامة هادئة: أخبار حضرتك إيه يا طنط؟ ردت عليها دولت مسرعة بابتسامة عريضة وهي تتأملها بقوة: مافيش طنط. قوللي ماما بس. إيه الحلاوة دي كلها يا وعد؟ كنتي مخبية كل ده فين؟ احمرت وجنتا وعد المنقوشتين بنقاط نمش لذيذة زادتها براءة وخجل وقالت بخفوت: متشكرة يا ماما. عنيكي اللي حلوة.

وقفت ألفت ونجوى، فاقتربت منهم وعد وهي تسير بخيلاء وترى الإعجاب بعينيهم. مدت ذراعها لنجوى لتصافحها فاجتذبتها نجوى لصدرها وضمتها بقوة ومررت يدها على ظهرها ثم تطاولت يدها وأمسكت صدرها بقلة حياء. فشَهِقَت وعد بخجل بينما صفع جاسم رأسه. فقالت نجوى بتنهيدة طويلة: لأ حلوة. مبروك يا عروسة. رمقتها وعد بازدراء. بينما جذبتها ألفت لحضنها وربتت على ظهرها بقوة آلمتها. فتأوهت وعد بألم وابتعدت عنها فجذبتها من شعراتها وقالت بشك:

ده شعرك ده ولا باروكة؟ تأوهت وعد وجذبت شعراتها من يدها وقالت بضيق: إيه باروكة؟ لأ طبعاً ده شعري وأظن إنك اتأكدتي. مال جاسم بجسده ناحية والدته وهمس لها قائلاً برجاء: ماما عشان خاطري نزليهم بقى ومش عاوز أشوف حد قبل السبوع على الأقل. عشان خاطري. ثم وقف مسرعاً وهتف قائلاً بقوة: وعد.. تعالي يا حبيبتي. وقفت أمامه وقالت بعبوس: أيوة. ادخلي المطبخ وحضري حاجة نشربها لو سمحتي. ثم اقترب منها وهمس بخفوت:

إياكي تخرجي من المطبخ قبل ما يمشوا. مفهوم. أومأت وعد برأسها متفهمة وقالت برقة: حاضر يا حبيبي. ذاب مع نبرة صوتها وجمالها وعض على شفته بقوة وهو يتابع سيرها المثير بجسدها الساحر. فضربته والدته على ذراعه وقالت ساخرة: مالك يا حبيبي؟ انشف شوية مش كده؟ هي صحيح حلوة.. قوي.. بس اتقل كده قدامها. التفت برأسه ناحيتها وقال بابتسامة زائفة: منورانا يا ست الكل.

بعد انصرافهم، ركض جاسم مسرعاً وانتزع المفتاح من باب غرفتهم وأخفاه بعيداً وهتف قائلاً بلهفة: وعد.. تعالي يا حبيبتي مشيوا خلاص. خرجت وعد من المطبخ تحمل صينية كبيرة عليها طعام الإفطار وقالت ببساطة: أنا واقعة من الجوع. تعالي نفطر. طاف على جمالها بعينيه وقال بتنهيدة حارة: أوووف.. نفطر.. وماله. بس انتي مش سهلة برضو فضلتِ مخبية عليا موضوع شعرك. بس فعلاً. ضحكت ضحكة عالية وقالت وهي تجلس على طاولة الطعام: شوفت الليفة بقا؟

يعني طلعت قارعة ولا حمرا؟ استند بذراعه على الطاولة وذراعه الأخرى على ظهر مقعدها وهمس بقوة أمام وجهها: ده انتي طلعتي من الآخر.. صاروووووووخ. تنحنحت وعد بخجل وقالت برقة: طب اقعد بقا عشان نفطر. أنا ما أكلتش من امبارح. انصاع لطلبها وجلس بجوارها وتناولوا إفطارهم وجاسم يلتهمها بعينيه. أنهموا إفطارهم ولملمت وعد الأطباق ودلفت للمطبخ وجاسم خلفها مسحوراً. أنهت مهامها والتفتت ورائها إليه قائلة بضيق:

وباعدين بقا روح شوف حاجة أعملها. طالعها بحب واقترب منها قائلاً بتنهيدة ملتاعة: هو انتي حلوة قوى كده إزاي؟ ابتسمت بخجل ودارت وجهها منه فحملها وقال بابتسامة شغوفة: يا أحلى يوم في عمري. وولج بها لغرفتهم وأنزلها ببطء شديد مدغدغاً أعصابها. ثم مرر أنفه على رقبتها قائلاً بهمس: كنت مستعد أدفع عمري بس تبقي ليا.

لأول مرة تشعر بتلك الرجفة التي اجتاحت مشاعرها وجسدها. لمساته كانت كشرارات أشعلت بداخلها نيران لذيذة جعلتها تنساق وراء طوفانه الذي اكتسحها وبقوة. شعرت بشفتيه تقتحم عذرية شفتيها بعمق، فلم تشعر بنفسها وهي تبادله قبلاته ورفعت ذراعيها وأحاطت بهم عنقه كأنها تتمسك به قبل السقوط في أمواجه العاتية. لم يغفل عن وهنها فحملها ومددها على فراشهم مقتحماً كل حصونها وأبوابها وقلاعها. فاستسلمت وسلمت بطيب خاطر.

إهئ إهئ.. أنا عايزة أروح لماما. جذبها جاسم إليه قائلاً بضحكة خفيضة حتى لا يثير حنقها أكثر: تعالي يا حبيبتي.. بتعيطي ليه دلوقتي؟ ابتعدت عنه وجذبت الملاءة عليها وقالت بغضب عاصف: لو لمستني تاني يا قليل الأدب هضربك والله. زادت ضحكاته وجلس مستنداً بظهره على الفراش. ثم حدجها بجرأة وقال هامساً: طب تعالي جنبي وأجيبلك آيس كريم وشوكولاتة. ضيقت وعد عينيها بضيق وحملت الوسادة وأنهالت بها عليه وهي تهدر بعصبية: بتساومني يا سافل؟

ده أنا هموتك النهاردة. حاول صد هجامتها وهو منهار من الضحك ثم قبض على معصميها وجذبها بالقوة فسقطت على الفراش فاعتلاها بسرعة وكبل ذراعيها بذراعيه وجسدها بجسده وقال بمداعبة: مش أنا سافل بقا؟ هوريكي السفالة على حق ربنا. ابتلعت وعد ريقها بتوتر وقالت باستسلام: أنا آسفة. غمز لها بعينه وقال بغموض: آسفة دي ما تأكلش عيش. لازم تعتذري بشكل تاني وبطريقتي. هزت رأسها نافية وقالت بقوة زائفة:

لأ أنا وطريقتك عمرنا ما هنجتمع في جملة واحدة. لأني متربية. كانت نظراته تتحداها دون أن يرف له جفن. على الرغم من أنها ترتجف داخلياً بسبب قربه الشديد منها لكنها كانت تعاند وتكابر. فاقترب منها أكثر حتى باتت أنفاسه تداعب وجهها بنعومة وقال برقة: يعني أنا مش متربي.. وسافل.. وقليل الأدب.. غلطاتك زادت ولازم تتعاقبي حالا.

لمحت وعد التواء شفتيه في شبه ابتسامة ماكرة. فعادت لها تلك الرجفة وهو يداعب بشرة وجهها ورقبتها بشفتيه ويديه تغزو جسدها بنعومة سلبتها قوتها وتعقلها. حتى صوتها خرج منها مستسلماً وهي تقول اسمه بصوت خفيض مثير. ولكنّه التقط اسمه بشفتيه ليتذوق معها عشقاً من نوع آخر أصبحا به عاشقين بجسد واحد.

بعد مرور عدة أيام توجهت علا لمتابعة سير العمل بشركة جاسم الجديدة. والأهم هو شوقها لسامر الذي امتنع عن محاصرتها كعادته. بعدما اطمأنت عن انتهاء عمالها من تنفيذ ما خططته، شكرتهم على مجهودهم وتفانيهم. ووقفت تتطلع حولها بسعادة بعدما أصبح المكان جاهزاً للعمل. هبطت لمكتب جاسم بالأسفل وسألت موظفة الاستقبال بتحفظ: لو سمحتي هو الباشمهندس سامر العطار موجود؟ هزت الموظفة رأسها بالنفي وقالت بضيق:

لأ هو مش موجود وبقالو فترة طويلة مش بيجي. لأ هو ولا مستر مالك. ابتسمت لها علا بعملية وشكرتها وانصرفت. وقفت أمام سيارتها في المرآب بشرود ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها وهاتفت سامر دون تردد. ربما السبب تعجبها من حالة البعد بينه وبين جاسم هذه الفترة الطويلة. والأصدق أنها تشتاق وبألم ببعده عنها. انتظرت قليلاً حتى أتاها صوته الملتاع قائلاً بهدوء مصطنع: مدام علا.. تليفوني نور والله.

سيطرت على رجفة جسدها بعدما اخترقتها ذبذبات صوته التي طالما أسرتها وقالت بحزم قاطع: لازم أقابلك يا سامر.. ضروري. ساد الصمت للحظات انتظرت بهم رده حتى أجابها قائلاً بجمود: حاضر.. نص ساعة وهستناكي في المكان بتاعنا. ابتسمت براحة بعد كلمة "بتاعنا" فكل ما كانوا يتشاركوه هو سلواتها الوحيدة على بعدهم. فأجابته مسرعة بفرحة كانت واضحة كضوء الشمس: تمام.. سلام.

وأغلقت الهاتف واستقلت سيارتها بسعادة. أخرجت من حقيبتها بعض أدوات التجميل واطمأنت على شكلها. وعدلت من حجابها وانطلقت لمقابلة حبيبها كما كانت تذهب لرؤيته قديماً بلهفة فتاة كان هو كل شيء بحياتها.

وقفت بمكانهم القديم تطالعه بنظرات مشتاقة. ثم اقتربت منه وهي تتمنى أن يلتفت ويبتسم لها كعادتهم القديمة. فطالما شعر بها قبل أن تقترب منه. وبالفعل وجدته يلتفت إليها ولكن بوجه جامد لا يحمل أي تعبير. ورغم ذلك عينيه تمردت وهي تطالعها بشوق. مدت يدها ناحيته وصافحته قائلة بهدوء: أخبارك إيه يا سامر؟ صافحها وأجابها ببرود قاسٍ: كويس الحمد لله. قلقتيني.. في مشكلة؟ حاولت الثبات والصمود أمام حدته المؤلمة وسألته بضيق:

ما رجعتش شغلك ليه؟ مش خلاص موضوع جاسم ومالك انتهى؟ تطلع سامر ناحيتها بتعجب. ثم وضع يديه بجيبَي بنطاله وقال بصوته العميق: وانتي مالك ومال الموضوع ده؟ بلعت حدته وتهكمه بغصة مؤلمة وقالت بقوة: انتوا أصحاب ومالكمش غير بعض. وخلاص جاسم اتجوز وعد وهي بتحبه على فكرة. يبقى ليه تكبروا الموضوع؟ طب مالك وله حق يزعل. انما انت بتعاقب جاسم على إيه؟ أولاها ظهره حتى لا تفضحه عينيه أكثر وهي لا تفارق شفتيها وقال بجمود:

انتي مش فاهمة حاجة. ولو فاكراني واقف في صف مالك تبقي غلطانة لأن مالك نفسه مش بيكلمني خلاص. قطبت حاجبيها بعدم فهم وسألته بريبة: ومالك مخاصمك ليه؟ طب وجاسم ذنبه إيه في لعب العيال بتاعكم ده؟ التفت إليها بجسده مسرعاً وأجابها بغضب: لعب عيال. لعب العيال اللي بجد هو اللي عمله أخوكي عشان يبقى مع وعد دلوقتي على حساب حياة أعز أصحابه. اتسعت عينا علا وسألته بتوجس قلق: قصدك إيه؟ زفر بضيق وقال بشرود متألم:

مش عاوز أتكلم في الموضوع ده. لأني تعبت وماليش ذنب. وقفت علا أمامه وسألته هذه المرة بصرامة قاطعة: لأ هتتكلم وهتقولي في إيه بالظبط. يا إما انت بتتبلى على جاسم وصدقني هحتقرك بجد. صك سامر أسنانه بغضب وهدر بها قائلاً بنبرة ساخطة: احتقري أخوكي أقرب بعد ما خلى بنت تصور مالك معاها في أوضاع تبان شمال ومالك بريء عشان وعد تشوفها وتكرهه وحضرتك ياخدها لنفسه ويحرق قلب مالك عليها. زي ما أنا اتحرق قلبي عليكي قبل كده.

انهارت قواها وهي تستمع إليه. تاهت بين كلماته القاسية عن حقيقة أخيها المخزية. فخرج صوتها خفيضاً وهي مطأطئة رأسها بخجل: انت كذاب. جلست ريتال على أحد المقاعد تتابع باب روضتها في انتظار قدوم والدتها بغضب على تأخرها. فاقتربت منها إحدى العاملات وربتت على ظهرها وقالت لها بابتسامة ودودة لتطمئنها: متخافيش يا حبيبتي ماما زمانها جاية وهتاخدك. وقف مصطفى أمامهم وتطلع لريتال بقوة ثم قال للعاملة بمكر:

قومي انتي امشي يا أم حسن عشان عيالك وأنا هقعد مع البنت قدامي وقت. ابتسمت العاملة براحة وقالت بامتنان: ربنا يكرمك يا مستر مصطفى. للعيال هيروحوا ولسه هاأكلهم. يلا سلامو عليكو. تركتهم العاملة وانصرفت. فجلس مصطفى بجوار ريتال وهو يتفحصها بجرأة. ثم مرر أنامله على وجهها وسألها بابتسامة شيطانية: اسمك إيه يا حلوة؟ التفتت إليه برأسها وقالت بعبوس: اسمي ريتال يا مستر. اسمك حلو قوي. انتي زعلانة عشان ماما اتأخرت؟ أومأت

ريتال برأسها وقالت بضيق: أنا مخصماها. كل مرة الولاد يروحوا وأنا لأ. حملها مصطفى على قدميه وربت على ساقيها وقال بمداعبة: ما تزعليش يا حبيبتي. تعرفي أنا حبيتك قوي. هاتي بوسة. هزت ريتال رأسها نافية وقالت ببرائة: لأ عيب. مس روضة قالت محدش يبوسنا غير بابا وماما. سب مصطفى روضة في سره. ثم قال بابتسامة مصطنعة: بس هو بابا بيبوسك كده. تنهدت ريتال بحزن وقالت بخفوت: أنا ما عنديش بابا. هو في الجنة عند ربنا.

لمعت عينا مصطفى بوميض شيطاني حقير بعدما اعتقدها لقمة سائغة وقال بهمس: بس بابا عادي بيبوسك كده. وقبلها من شفتيها. ثم مرر أنامله على أعلى فخذها. فتمسكت بيده وقالت بقلق: عيب تلمس توتا من هنا. تطلع حوله وخشي أن يراه أحد. فحملها ودلف بها غرف المعلمات الفارغة بعد انصراف الجميع وأغلق ورائه الباب قليلاً لتنفيذ مخططه القذر.

عادت روضة مسرعة للمدرسة بعدما نسيت دفتر النشاط خاصتها داخل درج مكتبها. فسارت مسرعة وهي تشعر بالخوف من خلو المدرسة. وعندما اقتربت من غرفتها. استمعت لبكاء طفلة وصوت رجولي معها. فشعرت بالقلق ودفعت باب الغرفة ببطء. فاتسعت عينيها بذعر وهي تتابع تعدي هذا الحيوان على ريتال التي أخذت تصرخ وتقول من بين دموعها: عيب.. كده عيب.. توتا مس بتحبك. صرخت روضة بصوت عالٍ وقد جحظت عينيها وتسارعت أنفاسها: ابعد عنها يا قذر.

حاول مصطفى ستر نفسه مسرعاً. فاستغلت ريتال انشغاله بارتداء ملابسه وركضت ناحية روضة وهي تبكي وترتجف بخوف. فجذبتها روضة مسرعة وأغلقت باب الغرفة وأكدت غلقه بالمفتاح. ثم حملتها وضمتها لصدرها وربتت على ظهرها وقالت بحنو: متخافيش يا توتا. أنا معاكي.

ضرب مصطفى الباب بقدميه صارخاً بقوة. فتمسكت ريتال بروضة وأخذت تصرخ بخوف. فجلست بها روضة وأخرجت هاتفها من حقيبتها وهاتفت جاسم فوجدت هاتفه مغلقاً. ثم هاتفت وعد فوجدت هاتفها مغلقاً. لم تجد أمامها سوى مالك فهاتفته وانتظرت رده. فأجابها مسرعاً: السلام عليكم. أخبارك إيه يا روضة؟ لم يخرج صوتها كأنه تجمد بحلقها من هول ما رأت. وبعد فترة قالت برجفة مرتعدة: الحقني يا مالك.

وقفت وعد أمام المجلى تجلي صحون الطعام ثم ابتسمت بخفوت والتفتت لذلك المتابع لكل حركاتها دون كلل مستنداً بكتفه على المبرد يتأمل حافية القدمين التي تقف أمامه بشعراتها التي تبتلعها وقميصها الأسود الشفاف والذي يصفه بالكريم لأنه لا يحجب عن عينيه شيئاً من جسدها الغض. هزت رأسها بملل وقالت بضيق مفتعل: هو انت هتفضل ماشي ورايا زي ضلي كده؟ سيبني براحتي بقى يا جاسم.

انتصب في وقفته واقترب منها بعينين مسحورتين بجمالها وكبل خصرها بذراعيه وقربها منه. ثم قبل أنفها برقة وقال هامساً: قلب جاسم.. وعقل جاسم.. وروح جاسم. لسه مش مصدق إنك بقيتي بتاعتي يا عمري. داعبت وعد صدره بأناملها وقالت برقة ناعمة: هتفضل تحبني بالطريقة دي على طول. ولا بعد شهر العسل خلاص هنبقى زي أي اتنين متجوزين؟ خلل أنامله بشعراتها الناعمة الطويلة وقال بصدق قاطع:

أنا كل يوم بحبك أكتر من اللي قبله. وافتكر إنك قلتيلي يوم ما اشترينا الشبكة إن اللي بينا الأفلام لسه ما عرفتوش. لأنك كنتي واثقة إني بعشقك بجنون. عضت وعد على شفتها السفلى وهي تغوص مع شباك عينيه السوداء كعادتها. بينما اقترب هو من شفتيها بعطش عاشق ولهان. رن هاتف المنزل الداخلي. فرفع جاسم عينيه بملل وقال بضيق: مش طريقة دي. الموبايلات وقفتها أهرب منهم إزاي بس. دفعته وعد برفق وقالت بحزم: رد على الفون لما أخلص اللي ورايا.

خطف منها قبلة سريعة وتركها وخرج لردهة شقتهم وأجاب الهاتف على مضض: أيوة يا ماما. أجابته دولت بضيق: قافل تليفونك ليه يا جاسم؟ ده حتى مالك كلمني وقال لي خليك تكلمه ضروري. قطب جاسم جبينه بتعجب وقال بنبرة مشدوهة: مالك؟ ثم تنفس مطولاً وزفره على مهل وقال لوالدته ببساطة: حاضر يا ماما هكلمه. سلام دلوقتي. وأغلق الهاتف وتوجه لغرفته. حمل هاتفه وفتحه وهاتف مالك بتوجس من القادم. أجابه مالك بعاصفة هوجاء صارخاً به بعصبية:

انت قافل الزفت ده ليه؟ قدامك خمس دقايق وتيجي على مدرسة ريتال. في مدرس حيوان هناك كان هيعتدي عليها بس روضة لحقتها وحبسته وأنا مش هرحم أمه. ما تتأخرش بقى يا.. يا عريس. وأغلق الخط بوجهه. تجهمت ملامح جاسم وصك أسنانه بغضب وفتح خزانته مسرعاً وأخرج منها ملابسه وبدلها على الفور. وهو يتوعد من تجرأ ولامس صغيرته. أمانة طارق برقَبته. أنهت وعد أعمالها وخرجت من المطبخ فوجدت جاسم يخرج من غرفتهم مهرولاً. فسألته بريبة من هيأته:

في إيه يا حبيبي رايح فين؟ قبل جبينها وقال بملامح وجه مجمدة وتنذر بالشر: ما فيش يا حبيبتي مشكلة في مدرسة ريتال هحلها وهرجع على طول. خلي بالك من نفسك. وتركها وخرج مسرعاً. في سيارته هاتف علا وينوي خنقها ما أن يراها. فهذه ليست أول مرة تتركها بمفردها بالروضة لوقت متأخر. ابتسم سامر بسخرية وقال بحدة: أنا مش كداب وعمري ما كدبت وانتي عارفة. بس دي الحقيقة أخوكي غلط وأنا ومالك دفعنا التمن. يعني مفيش حاجة هترجع زي زمان تاني.

وقفت مصدومة. تعلم جيداً أنه قال الحقيقة ولكنها تتمنى ولأول مرة ألا يكون على حق. تطلعت بشاشة هاتفها المضيئة باسم جاسم بضيق. وبعد فترة أجابته ببرود: أيوة. خرج منه صوت غليظ كوحش كاسر جاهز للانقضاض على أحدهم وقد قرر أن تكون هي فريسة غضبه وهو يهدر بوحشية: حضرتك فين يا باشمهندسة؟ ويا ريت يكون في سبب مقنع لتأخيرك على بنتك وإلا هتشوفي مني أيام أسود من شعرك يا علا.

شعرت باضطراب في مشاعرها. ولكن قلب الأم أخبرها بالأسوأ. فسألته بتخوف وكأنه إقرار واقع وليس سؤال: بنتي جرالها حاجة؟ التفت سامر برأسه ناحيتها بريبة. بينما تابع جاسم كلماته التي كانت تصل لمسامعها كسياط من نار يجلد جسدها وقبله روحها قائلاً بصوت مكظوم:

لأ أبداً. بس واحد حاول يعتدي عليها وسيادتك بتتسرّحي ولولا روضة كان مستقبل البنت ضاع. قسماً عظيمًا يا علا لو جرالها حاجة لهحرمك منها وأحرق قلبك عليها لأنك أم مهملة مش بتفكري غير في نفسك وبس. وأغلق الهاتف بوجهها وكأنما أغلق أمامها باب الرحمة والغفران. اتسعت عيناها حتى ارتسم الخوف على ملامحها بأقصى صوره. وركضت مسرعة ناحية سيارتها. فأوقفها سامر بجسده وسألها بقلق: ريتال مالها يا علا؟ رفعت عيناها نحوه

بحدة وقالت بغلظة منفعلة: بنتي كانت هتروح مني. عشان أنا أم ما أستحقهاش. فكرت في نفسي وبس زي ما جاسم قالي. لكن خلاص كفاية لغاية كده. دي آخر مرة هنشوف بعض فيها تاني. روح اتجوز بأقصى سرعة يا سامر وادُفني وادفن نفسك معايا لو هو ده الحل الوحيد عشان نبعد عن بعض. وتركته وابتعدت مسرعة. وقف للحظة يتابعها بعينيه ثم استفاق من صدمته وركض مسرعاً واستقل سيارته واتبعها.

وصل مالك أخيراً للروضة. فوقف بسيارته أمامها دون أن يصفها أو يغلقها. كل ما فكر به هما ريتال و.. وروضة التي وصله صوتها مذعوراً بشكل لامس قلبه مباشرة. ولج داخل المدرسة راكضاً حتى وقعت عيناه على روضة وهي تحتضن ريتال لا يعلم لحمايتها أم لتستمد منها القوة والأمان. رفعت روضة عينيها ناحيته فاطمأن قلبها أخيراً. ولكنّه باغتها قائلاً بجنون: هو فين؟

أشارت له روضة بعينيها على باب غرفة المعلمات. فانطلق مالك نحوه كوحش كاسر لا يرْدعه أحد. فتح الباب وسحب المفتاح وولج للداخل. ما أن رأى ذلك الحيوان البشري حتى سبه بأفظع الشتائم وأحقرها وتوعده بجحيم على الأرض. وما زاد الطين بلة هو ما قاله مصطفى برهبة مما هو قادم: حضرتك محصلش حاجة. روضة دي كدابة وبتكرهني وعايزة تأذيني وخلاص. انقض عليه مالك بعد كلماته وأخذ يكيل له اللكمات والضربات دون وعي وهو يقول بشراسة:

ما تجيبش سيرتها على لسانك ال*** ده لأني هقطعهولك بس بعد ما أخليك ما تنفعش ببصلة. وصل صراخ مصطفى المتألم لروضة وريتال التي ارتخت قبضتها من حول رقبة روضة قليلاً كأنها ارتاحت لصوت تعذيبه. ما هي إلا دقائق ووصلهم صوت فرملة سيارة تنذر عن قدوم زلزال عاصف. وبالفعل ركض جاسم داخل الروضة حتى وقعت عيناه عليهما فاقترب منهم مسرعاً وسأل روضة بإيجاز: عملها حاجة؟ هزت روضة رأسها نافية. وقالت براحة لا ترتسم على ملامحها:

ملحقش. ربنا ستر وأنا رجعت عشان آخد كشكول النشاط فشوفته وهو.... لم تستطع متابعة حديثها وكان هذا كفيلاً بإشعاله بغضب واتجه ناحية الصراخ. فوجد مالك يضربه بقوة. اقترب منهم جاسم وسحب مالك من كتفه وهو يتطلع بمصطفى بغضب قائلاً بغل: عنك انت يا صاحبي الدبيحة دي بتاعتي.

وخلع حزام بنطاله أمام ما تبقى من أنظار مصطفى ولفه حول معصمه وأنهال عليه به وقد تعالى صراخه المتألم مستغيثاً بأحد يرحمه من ذلك العذاب. كان جاسم كالمغيب بينما قال له مالك وهو يتابع تعذيبه بتشفى: كل حزام بينزل على جسمك تمن كل ولد أو بنت إيديك طولت ولمستهم يا و***. وحياة مامتك لنخليك خرقة. وصلت علا أمام الروضة ورأت سيارة جاسم فترجلت مسرعة من سيارتها. فوجدت ريتال بأحضان روضة. فركضت نحوها. وهي تصرخ بخوف:

بنتي.. بنتي جرالها حاجة يا روضة.. الكلب ده اغتصبها ولا لحق؟ أجابتها روضة بنبرة هادئة بعض الشيء: لأ ربنا حماها. كانت تلك الكلمات التي وصلت لمسامع سامر كفيلة بهدم المدرسة على من بها. فاتجه ناحية الصراخ ووقف يتابع حفل تعذيب جاسم لذلك الحيوان. فسحبه من كتفه وقال بنبرة مشتعلة: عنك انت يا صاحبي. سيبهولي أنا بقى. أنا هخليه يتمنى الموت بس بعد ما يبقى سوسن. وقف جاسم بجوار مالك بعدما فك حزامه من يده وارتداه مجدداً. ثم تطلع

بمالك وقال له بصوت قاتم: كلم البوليس يا مالك ييجوا يلحقوه من إيد سامر. ده إن لحقوه. أومأ مالك برأسه وأخرج هاتفه وأجرى اتصالاً بالشرطة. حاولت علا بكل الطرق حمل ريتال وإجبارها على ترك روضة ولكن ريتال دفنت رأسها بصدر روضة ولم تتركها. لعنت علا نفسها، كيف تركتها بمفردها وتأخرت عليها كعادتها. فأي عذاب قد وضعت به تلك الصغيرة لتصبح على تلك الحالة من الذعر ولكن ذراع جاسم انتزعتها من أفكارها وهو يبعدها بعنف وجثى أمام

ريتال وقال بنبرة حانية: توتا.. أنا جاسم. مش هتكلمي خالو يا حبيبتي. فتحت عيناها وتطلعت إليه بخوف. فتابع حديثه المطمئن لها قائلاً ببساطة: إحنا ضربنا الراجل الوحش ده. ومش هيلمس توتا تاني. خلاص مش هتخافي من أي حاجة. تطلعت داخل عينيه تبحث عن صدقه. ثم قالت بصوت مرتجف: انتوا ضربتوه وعملتوا فيه واوا. أومأ لها جاسم برأسه وقال مؤكداً: أيوة. وكمان الظابط هياخده ويحطه في السجن عشان يضربه كمان.

فكت ذراعيها من حول رقبة روضة ورفعتهما تجاهه فالتقتطها مسرعاً وضَمّها لصدره بقوة ومسح على شعراتها بحنان. ثم قال بداخله بحزن: سامحني يا طارق. ما كنتش قد أمانتك. بس أوعدك من النهاردة هحطها جوة عيني. قطع مالك الممر ذهاباً وإياباً في انتظار خروج ريتال وسامر من مكتب النائب العام. ثم أخرج من جيب بنطاله علبة سجائر وأشعل واحدة وسط نظرات التعجب من الجميع. لم يتمالك جاسم نفسه واقترب منه ونزع السيجارة من فمه ودعسها

بقوة وهدر به بعصبية: إيه اللي انت بتهببه ده؟ من إمتى وانت بتدخن؟ ابتسم مالك بسخرية وتطلع للطريق من النافذة وقال ببرود: إيه؟ خايف عليا؟ ضغط جاسم عينيه بقوة زافراً بضيق. ثم فتحهما وحدجه بقوة ورفع سبابته أمام عينيه قائلاً بتحذير: لو شفتك بتدخن تاني. وحياة خالتك ما هرحمك. رن هاتف جاسم فتطلع لشاشته وابتسم بخفوت. لم يبتعد وأجاب هاتفه بتلقائية: ألو.. أيوة يا حبيبتي. امتعض وجه مالك وأخرج علبة سجائره. فانتزعها جاسم منه وقذفها

من النافذة وقال بغلظة: انت ما بتفهمش. أنا مش حذرتك ولا عاوزني أتغابى عليك. أشاح له مالك بذراعه وتركه وابتعد. فعاد جاسم بهاتفه على أذنه وقال بهدوء: أيوة يا وعد. خلصتوا يا حبيبي؟ حك مقدمة رأسه وقال بهدوء: هانت. لما يخلصوا كلام مع توتا هجيبها ونيجي على طول. الحمد لله ربنا حماها. ده أنا لو كنت معاكم كنت قطعت الحيوان ده. ضحك جاسم بخفوت وقال ساخراً: شيلينك للتقيلة يا عم إبراهيم. كده يا جاسم. زعلت منك.

طب أنا أقدر. أجي بس وأطمن على توتا وأنا هصالحك في أسبوع على الأقل. لم تجبه ولكنّه تخيل ابتسامتها الخجلة واحمرار وجنتيها. فأردف قائلاً بخبث: ضحك ضحكته الجانبية وقال بنبرة حانية وهو يتخيلها أمامه: بموت في ابتسامتك دي. لو معاكي دلوقتي كنت.... قاطعته وعد قائلة بتعجب: وعرفت منين إني ببتسم؟ تنهد مطولاً وقال: حفظت كل ردود أفعالك. وتعرفي كمان انتي دلوقتي بتلعبي بصوابعك في قميصك صح.

تطلعت وعد بأناملها التي تداعب قميصها القصير من خجلها وقالت لتغير دفة حوارهم: ممكن أنزل أستناك عند ماما دولت لغاية ما تيجي؟ موافق بس بشرط. تلبسي الإسدال ومحدش يشوف شعرك. مفهوم. أجابته بتنهيدة حارة وقالت برقة: حاضر يا حبيبي. تيجوا بالسلامة. باي. باي يا قلبي. أغلق هاتفه وبحث عن مالك فوجده يجلس بجوار روضة. فابتسم بمكر قائلاً بداخله: يا رب يا حمار تحس باللي بتحبك بجد. عشان ضميري بقا يرتاح.

في البداية ساد الصمت. حتى بادر مالك وتحدث بأعجوبة. فقال بتلعثم وشيء آخر لا يعلمه هو: انتي.. انتي كويسة يا روضة؟ أومأت برأسها وقالت بخفوت: أيوة. بس مصدومة شوية. كل ما أفتكر إني لو ما كنتش رجعت كانت ريتال جرالها حاجة بعد الشر.... بحس بتأنيب ضمير. قاطعها قائلاً بحزم: بس هي كويسة. فكري في الشيء الإيجابي وبس. واحمدي ربنا اللي حماها وحماكي كمان لأنه الحيوان ده كان ممكن يأذيكي عشان ما حدش يعرف عنه حاجة. أومأت برأسها وقالت:

عندك حق. ابتسم مالك بخفوت وقال بنبرة صوته الحانية: تصدقي إنه وحشني قعدتي معاكي وكلامنا وخناقتنا على الكتب. أنا من آخر كتاب اديتهولي ما قرأتش وانشغلت بحاجات تانية. أجابته بهدوئها الرزين كعادتها قائلة: لأنك اكتشفت إن الحاجات التانية دي أهم. تطلع أمامه بشرود وقال بتنهيدة حارة تحمل في طياتها ألمه: يمكن. بس تعرفي دي ما كانتش أول مرة ليا أتصدم فيها. واضح إني منحوس ومش مكتوب ليا الراحة والحب.

قطبت روضة جبينها بضيق وبداخلها غضب لو طاله لخلعت حذائها وأنهالت به على رأسه حتى يشعر بها وبعدها ستسلم نفسها للشرطة كي ترتاح وتستريح. بينما لاحظ هو صراعها الداخلي ففطن لما يدور برأسها فقال بمكر: واضح إن في حد مزعلك ولو طولتيه في حالتك دي. مش بعيد يتنقل المستشفى بعدها. ابتسمت روضة بيأس. لا تدري على حالها ولا على ذكائه الحاد فقط في تلك النقطة. لاحظت اقترابه منها وشعرت بأنفاسه الساحرة وهو يهمس لها بنبرة لم تعهدها منه:

تعرفي إيه أكتر حاجة نفسي فيها دلوقتي وبشدة؟ سألته بريبة من طريقته المثيرة في الحديث: إيه؟ حتى نظراته لعيناها لا تبشر بخير أبداً. واضح أن الجمود سيتزحزح من مكانه أخيراً أو ربما تتوهم. ولكنّه حملها بجملته لمكان آخر كعادته عندما قال بصدق تام: نفسي أشوف ابتسامتك دي وأشوف معاها وشك وبعد كده محدش يشوفك تاني غيري.

انتظر ردة فعلها. فوجئ بتحولها لتمثال حجري عتيق مسمى بالصدمة. وفجأة دبت الحياة بجسد هذا التمثال وتشنجت تعابير وجهه واستمع لشهقة خفيفة. لم ينكر أنها كانت لذيذة. جداً. ووقفت فجأة وقالت بقلق: عمرو جه. لم تكف عن ذرف دموعها رغم محاولات والدها المستميتة في أن يجعلها تهدأ. ثم تنفس مطولاً باحثاً عن كلمات تدعمه وقال برزانة: كفاية بقا يا علا البنت كويسة والحمد لله. كل ما بشوفك بتعيطي بتعب يا حبيبتي. مسحت أنفها بإحدى محارمها

الورقية وقالت بألم: هنتعامل مع ريتال إزاي يا بابا؟ أكيد هتفضل خايفة وعمرها ما هتنسى اللي حصلها ده. هتكبر متعقدة وخايفة لأني أم مهملة. جذب كفها وضمه بين راحتيه وقال بحنو لتهدئتها: هنوديها لدكتور نفسي ومش هنقصر معاها وهتبقى كويسة إن شاء الله. هي صغيرة وهتنسى بسرعة. ثم رفع عينيه وهتف بجاسم ومالك وقال بصرامة: جاسم.. تعالي لو سمحت انت والأستاذ المقُموص مش عارف من إيه ده وهو عارف نفسه.

اقترب منه جاسم بينما ترك مالك روضة وعمرو وتوجه ناحيته. أجابهما الاثنان معاً: تحت أمرك يا حاج. التف الجميع حوله فسألهم بمبدأ الأخذ بالشورى قائلاً: عاوزكم كده تلاقوا حل ننسى بيه ريتال اللي حصل. بدأت روضة الحديث وقالت بهدوء: نفضل كلنا حواليها عشان تحس بالأمان. بس برضه بمجرد ما تخرج من باب وكيل النيابة محدش يتكلم قدامها عن الحادثة أبداً وكأنها ما حصلتش. أمن عمرو على كلماتها وقال متابعاً باهتمام:

مش كده وبس. هي خلاص بلاش تروح الكي جي الكام يوم اللي لسه وتروح مصيف وتتفسح ونحاول ننسيها بس بفرحة. أضاف جاسم قائلاً بحماس: وبعد يومين عيد ميلادها. لازم نكون كلنا حواليها ونخليها تشارك في التحضيرات وتعمل كل اللي هي عايزاه. ونبقى كلنا حواليها خصوصاً انت يا مالك. تحولت أنظار الجميع لمالك بترقب في انتظار رده. فكر قليلاً وقال باستسلام:

ريتال دي حتة من طارق وعمري ما هخلي عنها لآخر يوم في عمري. وهبقى جنبها في عيد ميلادها وهعمل المستحيل عشان تنسى اللي حصلها. حدجه فضل بغضب وقال باستنكار: طب وأنا يا أخويا. هفضل شايل الشغل كله على دماغي وحشتني القعدة معاك يا مالك والمعرض ملوش طعم من غيرك وشغل كتير متعطل. هاااه هترجع ولا هتدلعلك يومين كمان. ابتسم مالك بخفوت وأجابه بهدوء: هرد على حضرتك بعد بكرة في عيد ميلاد توتا.

انفتح باب النائب العام وخرج مصطفى مكبلاً ويدفعه أحد الجنود. وقفت علا وأخذت تصرخ به وتضربه. فجذبها جاسم من خصرها وأجلسها عنوة. فهدأها والدها قائلاً: اهدي يا علا مش كده. التفت إليه عمرو مشدوهاً وسألهم بتخوف: انتوا اللي لونتوه كده؟ ده بقى ولا بلطة الرسام من كتر الألوان. وضع مالك يديه بجيبَي بنطاله وقال ببساطة: ده أنا مَسِيت عليه بشوية لوكميات وبواني وشلاليط. بتاع ربع ساعة بس. رفع عمرو حاجبيه وقال بسخرية: بس!!!

عقد جاسم ذراعيه أمام صدره وقال ببساطة أكبر: وأنا قلعت حزامي ونفضته وفين يوجعك بس. بتاع ربع ساعة كمان. اتسعت عينا عمرو بتعجب وقال بسخرية: بس!!! ابتسم مالك ساخراً ووضع يده على ذراع جاسم وقال بتلقائية أصدقاء لم تشوب صداقتهم شائبة: بس اللي إحنا عملناه كوم واللي عمله سامر كوم تاني. ده نفضه ولا المرتبة وبعد ما تعب عمل معاه الدنيئة. أجابه جاسم بتلقائية أكبر وهو منهار من الضحك:

شوفته لما قطع سلك الكهربا من الراديو. أنا قولت هيضربه بيه لقيته بيعرى السلك ووصله بالكهربا وعمل عليه حفلة شاي وحوله لسوسن زي ما قال. ده كهربه في أماكن تخليه يتحسر على شبابه. ما انت عارف سامر لما بيتعصب ما بيشوفش قدامه. عندك حق. أنا لو كنت أعرف إنه جاي كنت رحمت الواد شوية. بس هو عرف إزاي انت قولته؟ لأ. أنا قولتلك انت بس. واتفاجأت بيه معانا. مش مهم المهم ظبطنا الواد يا صاحبي.

انتبه مالك لاسترساله في الحديث ببساطة مع جاسم. ونعته بـ "صاحبي" دون أن يشعر. ولاحظ الابتسامة التي علت وجوه الجميع من عودتهم لطبيعتهم. فابتلع مالك ريقه بتوتر والتفت خلفه وقال بمكر: هما اتأخروا جوة ليه؟ ريتال زمانها جاعت. بعد لحظات خرج سامر يحمل ريتال وتبتسم ببرائة. وما أن رأت فضل اتسعت ابتسامتها وقالت: جدو حبيبي. انت جيت. التقطها فضل من على ذراع سامر وحملها وقبلها قائلاً بمداعبة:

جيت آخدك عشان نشتري حلويات وعاوزك معايا. yes. يالا يا جدو. بس استنى هقول لمالك حاجة. اقترب منها مالك وقال بابتسامة واسعة ممسحاً على شعراتها السوداء الناعمة: اطلبي يا أميرتي وأنا هنفذ فوراً. قبلته في وجنته وقالت بتلقائية: أنا بحبك قوي يا ملوكي ربنا يخليك ليا وبحب سامر كمان. بس بحب سامر أكتر حاجة. قرصها سامر بوجنتيها وقال بمداعبة: يا سنوفة. ده أنا أجيب الشبكة بقا وأخطبك. موافقة؟

أيوة موافقة بس اصبر شوية لما أبقى كبيرة وقد ماما وهبقى أتجوزك. التفتت ناحية جدها وقالت بحماس: يالا يا جدو هنجيب تورتة ليا أنا وسندس وهجيب بقلاوة لجاسم ومسبك لماما. خرجوا سوياً وعلا تتابعهم براحة. فاقترب منها جاسم وسألها بعبوس: هتعرفي تسوقي ولا تروحي معايا؟ أجابته بفتور: لأ هروح لوحدي. وانطلقت مسرعة. جلس مالك بجوار روضة وقال بمداعبة: مكملناش كلامنا. قولتي إيه في إني هاموت وأشوف ابتسامتك. رفعت روضة حاجبها

باستنكار وقالت بحدة: مالك. في حدود بينا وعمرك ما عدتها. ما تزعلنيش منك. هز كتفيه بثقة وقال هامساً: بكرة تشوفي وإنتي اللي هتوريني وشك بنفسك. هزت روضة رأسها بيأس ولم تجادله وهي تقاوم عقلها وأجبرته على عدم التقاط إشارته إليه. بينما غمز سامر لجاسم عليهما وقال: على فكرة الواد ده حمار. أجابه جاسم بتأكيد موجز: عندك حق. التفت إليه سامر وقال ببساطة: وانت كمان حمار. هز جاسم كتفيه بتسليم وقال: عندك حق.

انحنى سامر بجسده وحمل حقيبة علا التي نسيتها ولامسها بشوق وقال بتنهيدة ملتاعة: وأنا كمان حمار. هز جاسم رأسه وقال مؤكداً: عندك حق. وزع عمرو نظراته بينهما بتعجب. ثم سألهم بريبة: في إيه مالكم؟ حدجه سامر مطولاً ثم قال بمنطق عملي: تصدق ياض يا عمرو إنك الوحيد العاقل اللي فينا. برافو عليك. زَمّ عمرو شفتيه بعدم فهم وقال مؤمناً عليه: فعلاً عندك حق. مع إني مش فاهم حاجة. جاءهم صوت من خلفهم قائلاً بترحاب:

جاسم رحال ورجالته. ده الدنيا نورت. التفتوا إليه فبادر جاسم وصافحه باهتمام قائلاً: سيادة الرائد. أهلاً وسهلاً. أهلاً بيك. إنت بتعمل إيه هنا يا عريس؟ ابتسم جاسم بخفوت متذكراً حبيبته الساحرة وشعر بشوق جارف يجتاحه ويجبره على الركض نحوها. ورغم صراعه الداخلي أجابه بهدوء: مشكلة كده وخلصت. قولي صحيح أخبار الزفت أمير إيه؟ لسه ما فيش أخبار عنه؟ وقف الجميع منتظراً رده بترقب. فأجابه قائلاً بضيق:

لسه مش لاقينه. بس نصيحة مني خد عروستك واختفي لأنه مش هيسيبكم. اكفهر وجه عمرو وسأله بقلق وذعر: هو ممكن يأذي وعد تاني؟ أجابهم أحمد بتلقائية: أكيد طبعاً. هو عايز يحرق قلب جاسم زي ما اعترفلي الراجل بتاعه ومش هيرجع غير لما يأذيه. ده غير إن اللي بيشتغل معاهم حَسّوه بقى كارت محروق وطالبين رقبته. زفر جاسم بقلق وقال بحدة: وأنا أفضل قلقان عليها كده لحد ما انتوا تلاقوه. دي هترجع معايا الشغل. قالت روضة بذعر وهي ترتجف:

أوعى تخليها ترجع الشغل مهما حصل. خلل جاسم أنامله بشعراته وقال باستياء: أنا وعدتها إننا هنرجع الشغل سوا. ولو رجعت أنا وسبتها هي. هتعمل معايا الصح وانتوا مش عارفينها بقا الصراحة. ضحك الجميع عليه. بينما قال له سامر: خلاص خدها وروحوا شهر عسل في أي حتة بعيد. تطلع إليهم جاسم بتوجس وقال نافذاً لعقولهم: طب والشركة؟ هترجعوا ولا إيه؟ غمز سامر لمالك يسأله رأيه. فأومأ مالك برأسه وقال ممتعضاً: عشان خاطر الحاج فضل بس. أنا هرجع.

ربت سامر على ذراعه وقال بحماس: وأنا كمان هرجع. الشغل وحشني أصلاً. زفر جاسم براحة وقال بسعادة: حلو جداً. يلا نمشي بقا ونقابل في عيد ميلاد ريتال. جلست في مكانها المعتاد تطالع غروب الشمس بتأمل. أحياناً يحملها عقلها لأيام كانت بها أسعد طفلة بالعالم مع والديها. قبل أن تنطفئ سعادتها ويموتا ويتركاها بمفردها تواجه الصعاب. فيتركها عمها في دار رعاية كأنها لا تعني له شيئاً.

أكثر أحلامها سيطرة على عقلها الباطن هو تكوين أسرة سعيدة. أن يرزقها الله بزوج صالح وأولاد بارين في بيت يحتضنهم بسعادة ودفء. أن يعوضها الله ما حرمت منه لتعطيه لزوجها وأولادها. بينما هي شاردة. كان هو يجدف بقاربه الصغير مستمتعاً بالغروب. فوقعت عيناه عليها فتأملها مصعوقاً من جمالها البريء. فانفرجت شفتيه بابتسامة شغوفة وقال: هي دي حقيقة ولا دي النداهة اللي بيحكوا عنها وهتندهني وأروح في الرجلين؟

لم يقاوم شغفه وانطلق بقاربه نحوها وقارب الشط. ثم قفز من القارب ملامساً الأرض وسار نحوها. أخرجها من شرودها صوت بسبسة. فتطلعت لمى بجوارها فرأت شاباً ضخم البنية. عريض المنكبين. أسمر ذو ملامح شرقية حادة. وشعراته تكاد تلامس كتفيه وتهفو مع نسائم الغروب. أخذت تتأمله بإعجاب فبطل روايتها ها هو يقف أمامها. فارس أحلامها بشحمه ولحمه وعضلاته وشعراته وكل ما تمنته يوماً بحبيب المستقبل. سألت نفسها بقلق: ده حقيقي ولا أنا بحلم؟

وصلته كلماتها فابتسم بترفع غريب وسألها بلهفة: انتي اللي حقيقي ولا انتي النداهة زي ما بيقولوا ولا حكايتك إيه؟ يا الله حتى صوته الرجولي الأجش والناعم بنفس الوقت. لا لابد أنها نائمة الآن وتحلم هذا تفسيرها الوحيد. بل هو التفسير العلمي الأدق لحالتها. ولكنها قررت متابعة اللعبة وأجابته ببرود: أنا مندهتش على حد. انت اللي بسبستلي على فكرة. وباعدين انت طلعتلي منين؟ أشار بعينيه على مياه النيل وقال بغرور لذيذ. مثله:

من الماية. كنت بجدف بمركبي شوية فشوفتك افتكرتك النداهة اللي حكولنا عنها زمان عشان ما ننزلش الماية بالليل. بس طلعتي إنسية زينا. رفعت حاجبها بترفع وقالت ساخرة: و ليه ما بقاش إنسية يعني؟ عنيا حمرا وطالعلي قرنين. اتسعت ابتسامته ليزداد سحره وتظهر أسنانه البيضاء والتي تناقض مظهره البربري وشعراته ما زالت تداعبها نسائم الغروب. أجابها بهدوء متعقل. للغاية:

أصل بصراحة أنا سافرت بلاد كتير وشوفت بنات وستات كتير. بس بسحرك ده. عمري ما شوفت. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تستمع لكلماته اللذيذة. مثله. فقد وصفها ذلك. اللذيذ. بالساحرة. ولكنها أجابته بقوة زائفة: واديك شوفت. مين حضرتك بقا وعاوز إيه؟ أزاح شعراته التي دفعها الهواء على عينيه لخلف رأسه وقال بثقة وكبرياء لا تلائم غيره من الرجال:

أنا اسمي يحيى. وعمري ٢٧ سنة. مش مرتبط ولا بحب. وبشتغل مع والدي في الصيد وعندنا مراكب بتسافر لبلاد كتيرة. أما بقى عاوز إيه. فأنا مش هضيع فرصة إني أتعرف عليكي. صرخت بداخلها وقالت بهيام: يا لهوووووي. يعني موز. وقمر. ويجنن واسمه يحيى كمان. هو أنا لو قولته تتجوزني أبقى مجنونة. شعر بصراعها الداخلي وشرودها. فمرر كفه أمام عينيها وقال بابتسامة لذيذة مثل شفتيه الغليظة في فم صغير. هذا اليحيى كله تناقضات ولكنّه لذيذ جداً. أفاقت

من شرودها وقالت بصرامة: تتعرف على مين يا قبطان انت. انت هتصاحبني. تبدلت ملامحه فلعنت نفسها بشدة قائلة بداخلها: الله يخرب بيتك يا لمى هتطيري الولد مني والله لو مشي لهمسك في رجله وأعيط وأقوله اتجوزني والنبي. مرر يحيى أنامله أسفل ذقنه وقال بمكر: يا ريت والله. هو أنا أطول إن النداهة بجلالة قدرها تصاحبني. بس الأول عرفيني بنفسك زي ما أنا عرفتك بنفسي. دي الأصول. لم تسيطر على لسانها الذي تمرد عليها واعترف بكل شيء قائلاً:

اسمي لمى. يتيمة وبعد موت بابا وماما عمي رماني في ملجأ وسافر ولما تميت السن القانوني واحدة صاحبتي ساعدتني وخلتني أعيش مع ست كبيرة في البيت ده. عشان ما أبقاش لوحدي وعمري ٢١ سنة ومعايا دبلوم إلكترونات وكمبيوتر ومش مرتبطة. قالت كلامها كله دفعة واحدة وبمجرد ما انتهت أخذت تلهث كأنها خرجت من سبق. لاحظت اتساع ابتسامته اللذيذة. للغاية. بينما تأملها هو لفترة طويلة ثم قال بحزم قاطع: تتزوجيني. إيه ده ببساطة كده؟

فين الساسبنس والأكشن اللي في الروايات؟ لأ روايتي لازم تبقى فيها شد وجذب أكتر. وباعدين أنا مش بحب النهايات السريعة. بس اللذيذ ده قال لي تتجوزيني. ده بجد ولا أنا بحلم ولا إيه الحكاية بالظبط؟ راقب يحيى تغير ملامحها بين الامتعاض أولاً. ثم التعجب ثانية وانتهت بتنهيدة حارة. أخرجها من شرودها مطقطقاً بأنامله أمام وجهها قائلاً بتعجب: بتروحي مني فين بس. بقولك تتجوزيني.

لملمت لمى شعراتها البنية وعقدتها كذيل حصان يصل طوله لمنتصف ظهرها. وتنفست مطولاً وقالت بسخرية من وضوحه وجرأته: انت مجنون يا حضرت. جواز إيه انت تعرفني أصلاً؟ لعق شفتيه بهدوء وغمز لها بعينيه وقال بصرامة: بكرة زي دلوقتي هاجيلك وهاخد رأيك وهتبقى موافقة إن شاء الله. وهاخد رقم ولي أمرك وهطلبك منه وهجيب والدي وهخطبك وبعدها.. هتجوزك يا.. يا لمى.

كانت تستمع إليه وتراقب عينيه السوداء الواسعة بوله. كم تتمنى الآن أن تلمسه لتتأكد أنه حقيقة وليس وهماً. ولكنّه تطلع إليها مطولاً وتركها وانصرف. ثم قفز قفزة متمرس داخل قاربه وجلس بداخله وجدف قليلاً ثم عاد بعينيه الواثقة إليها وصنع بأنامله قلباً وأقرب يده من قلبه وأشار عليه وأشار إليها ليخبرها بأنها داخل قلبه وأنها له مهما حدث.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...