الفصل 22 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
20
كلمة
8,047
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

تطلع جاسم بجوع للطعام الموضوع على الطاولة أمامه. ثم زفر بضيق وهو يقترب من وعد الجالسة بالشرفة، تتابع حمام السباحة أسفل الفندق، ومن بعيد ترى البحر بصفائه وزرقة مياهه الخلابة. استند بكتفه على إطار باب الشرفة وهو يتابع انفعالاتها بنهم. تلتقط عينيه أدق تفاصيلها. جوع قاسٍ يستهلكه. فمن يكون بجواره أشهى فتاة في العالم ويتطلع إليها بزهد. انتبهت وعد لوقفته، فرمقته بطرف عينيها ببرود وعادت تتطلع للبعيد مجدداً قائلة بنبرة فاترة:

"عاوز إيه؟ لم يتحرك من مكانه ولم تتحرك بملامحه عضلة واحدة، وهو يتلقف حركة شفتيها بشغف. تحركت شفتيه بثبات قائلاً: "عاوزك." أظلمت عيناها ووقفت مسرعة منتصبة، رافعة ذقنها بإباء فرسة عربية جامحة، وقالت بغضب: "نعم.. عاوزني إزاي يعني؟ كانت عيناه تطوف على جسدها بجرأة ووقاحة متأملاً جمالها المغري، مما سبب لها إجفالاً بسيطاً لا يلاحظه سوى صياد ماهر.. مثله. اقترب منها بثقة فارداً جسده الرياضي، قائلاً بهمس ساخر:

"عاوزك.. تتعشى معايا.. ممكن؟ عضت على شفتها بخجل، ولعنت نفسها على تسرعها، وقالت بنبرة آسفة وقاتمة بنفس الوقت كنظراتها المتناقضة: "فهمت.. بس أنا مش جعانة، ماليش نفس. كل إنت ومالكش دعوة بيا." ضيق عينيه بضيق فاقداً صبره، ثم مال بجزعه قليلاً وحملها على ذراع واحدة ورماها على كتفه متمسكاً بخصرها. بينما صرخت هي بغضب وهي ترى كل شيء مقلوباً، وأخذت تركل الهواء بساقيها وهي تضربه بذراعيها على ظهره.

لم يأبه لتذمرها، بل سار بها ناحية الطاولة وأنزلها بقوة رامياً إياها على المقعد. هبت واقفة بحدة تلائم نظراتها المشتعلة، فأجلسها عنوة وسحب مقعداً آخر وجلس بجوارها. ثم حمل شوكته وغرس بها قطعة لحم كبيرة ودفعها في فمها بهمجية. كادت أن تبصق ما في فمها، إلا أن نظرة تحذير منه كانت كفيلة بعودتها عما في رأسها اليابس. ومضغتها بصعوبة وابتلعتها، ثم قالت بغضب: "لو سمحت سبني أقوم.. وبلاش حركاتك الهمجية دي معايا."

لم يبدُ أنه استمع إليها من الأساس، فقد غرس بفمها قطعة لحم جديدة ببرود. استمر إطعامه القسري لها حتى اطمأن أنها أكلت كفايتها، متغاضياً عن هذا السيل الجارف من فمها بكلمات لو من غيرها لقطع لسانها دون تردد. أطلق سراحها وهو يحمل هاتفه الذي أعلن عن وصول اتصال فيديو من سامر. أجابه قائلاً بمكر: "حصل." أومأ سامر برأسه وقال بابتسامة عريضة راضية: "حصل يا معلم.. ويالا انده لوعد عشان تشوفه لايف."

عادت إليه متعجبة من كلماتهم المبهمة وهي ترتدي مأزراً وحجاباً، وقالت بفضول: "هو في إيه.. وبتتكلموا فيديو ليه.. وإيه هو اللي هشوفه لايف؟ أجابها سامر بهدوء لا يناسبه إطلاقاً: "كتب كتاب مالك وروعة دلوقتي، واتفقنا إنه لو حصل.. تكونوا معانا وتشوفوه لحظة بلحظة.. جاهزين؟ رغم معرفتها السابقة بنية مالك تجاه روضة، إلا أنها شعرت بضيق غريب يجتاح مشاعرها المرتبكة. فمالك سيتزوج. استوقفها عقلها قليلاً لاعناً تفكيرها البائس، مردداً

بيأس: أن مالك ليس وحده من سيتزوج، بل حبيبة قلبها وأختها وصديقتها.. روضة. فابتسمت بهدوء، غافلة عن ذلك المقتحم لتفكيرها بنظراته العميقة، محللاً انفعالاتها بغضب كأنه استمع لما دار بخلدها. أشارت وعد بحاجبيها لسامر قائلة بفرحة موؤودة: "يالا يا عم المخرج ورينا كتب الكتاب."

ولج سامر بالهاتف لغرفة الصالون ووجه الكاميرا ناحية مالك الجالس بجوار المأذون، يقابله عيسى واضعاً كفه بكفه ويرددان كلمات الشيخ بفرحة. استمر كتب الكتاب حتى قال المأذون تقريراً للواقع متمنياً لهم السعادة: "بارك الله لكما.. وبارك عليكما.. وجمعكما في الخير." تعالت الزغاريد حولهم، بينما التقط سامر المنديل قائلاً بمرح: "عقبالي يا رب."

وطاف بالكاميرا على الجميع ناقلاً فرحتهم وسعادتهم لوعد وجاسم، بينما تجمعت العبرات في عين وعد بفرحة على سعادة أختها. فسرها القابع بجوارها على أنها دموع غيرة وندم على عشق قديم. امتقع وجهه وهو يتخيل أنها ما زالت تحتفظ بداخلها بحبها القديم. نظراتها.. دموعها.. ملامحها المتوترة.. كل شيء بها يؤكد ظنونه. أظلمت عيناه وهو يشعر بقبضة حديدية ساخنة تعتصر قلبه بقوة. شعر باختفاء الأكسجين من حوله، فسحب نفساً طويلاً وزفره على مهل.

أغلق الهاتف بعصبية ورماه بإهمال على الطاولة. برقت عيناها وهدرت به بغضب قائلة: "قفلت ليه.. كنت عاوزة أباركلهم." أولاها ظهره قائلاً بصوت أجش خشن نتيجة كظمه لغضبه: "إبقى كلميهم فون وباركيلهم." التفت حوله ووقفت قبالته، وقالت بغيظ: "إيه اللي ضايقك بالظبط.. مش فاهمة."

تطلع إليها مطولاً وقد احمرت عيناه وتحولتا لبركتين من الدم، وهو يقبض كفيه بقوة. نافذاً لأعماقها بملامح جديدة عليها كلياً، حتى أنها تراجعت خطوتين للوراء دون أن تشعر. لم يعطها الفرصة لأن تبتعد أكثر، فبحركة واحدة كانت قابعة في أحضانه. وبدأ في فك أزرار قميصها واحداً تلو الآخر بسرعة كأنه يعدو في سباق. حاولت إبعاده عنها بالقوة، ولكن مقاومتها كانت كنسمة هواء تمر على جسده الصلب المتشنج. لم تحركه ولو انشاً واحداً.

تابع فكه للأزرار ثم انتزع قميصها وجذب تلك الحقيبة الصغيرة التي ترتديها دائماً والتي بداخلها أغلى هدية على قلبها.. منه. وضع المصحف على كفه وجذب كفها وسط ذهولها ووضعه فوق المصحف، وقال لها بصوت أجش خشن مرعب: "هسألك سؤال وعاوزك تقسمي على المصحف إنك هتقولي الصراحة قبل ما تجاوبي." ابتلعت ريقها بتوتر وقد احتدمت نظراتها وأصبحت متحفزة، متحدة وقالت بقوة وثبات:

"أنا عمري ما خفت من حد وكذبت.. طول عمري بقول للأعور إنت أعور في عينك وما برجعش. تيجي إنت عاوز تحلفني على مصحف عشان خايف لأكذب عليك.. عموما.. موافقة." كانت نظرات التحدي بينهما مشتعلة بشدة، كأنه صراع بين قوتين شديدي الصلابة. تحرك فكه قليلاً وسألها بتخوف بائس: "لسه بتحبي مالك يا وعد.. صح؟ ابتسمت شفتاها بسخرية، ابتسامة لم تصل لعينيها، وشددت على المصحف تحت راحتها وقالت بثبات وتأنٍ:

"هجاوبك وهقسم على المصحف زي ما طلبت.. بس إنت جاهز تتحمل اللي هقوله." إعصار مدوٍ عصف بكيانه كله، فما سيخرج من بين شفتيها قادر على اقتلاعهما من جذورهما من شدته. ولكن هز رأسه ببطء علامة. فليكن. وأجابها بهدوء مشتعل: "جاهز." انتصبت في وقفتها أمامه ورفعت ذقنها بكبرياء، وقالت بصدق: "الأول لازم تعرف إني حبيت مالك يمكن فترة قصيرة بس مشاعري اتحركت لأول مرة في حياتي على إيده.. كان غصب عني وتبت واستغفرت وناجيت ربنا يسامحني."

حاولت بقوة احتجاز تلك العبرات الساخنة التي تلسع عينيها بألم وهي تتابع حديثها بنبرة قاتمة كنظراته نحوها. نظرات وحش يحتضر بعد اعترافها البسيط. ولكنها قالت: "أقسم بالله العظيم إن اللي في قلبي دلوقتي واللي ملكني غصب عني واللي بتقي ربنا فيه بأقصى ما عندي.. هو إنت يا جاسم." حررت يدها من على المصحف وجذبته وأعادته لحافظته وخلعته عنها وهي تقول متجاهلة الكائن المصدوم أمامها وهي تبعد قائلة بخفوت عاجز:

"بس.. مهما كنت بحبك فا ده مش هيغير شيء من قراري إننا لازم نبعد عن بعض." ثم التفتت إليه وقد انسابت دموعها في صمت مؤلم على وجنتيها، وأردفت قائلة بألم: "عارف يعني إيه تبقى في الجنة والنار مع بعض.. لا إنت قادر تستمتع بالجنة وأنت بتتعذب بالنار.. ولا النار وعذابها قادرة تنسيك الجنة اللي إنت فيها.. بحبك.. وبكرهك.. حاسس بالعذاب اللي جوايا يا جاسم."

أغمض عينيه ساحباً نفساً طويلاً مرتاحاً، مستمتعاً باعترافها بحبه.. كأنه يتلذذ بالكلمة متغاضياً عن باقي الكلمات. صادقة.. متأكداً من صدقها. فتح عينيه فوجدها تكفف عبراتها بقوة كأنها ترفض أن يرى الجزء الضعيف بها. الضعيف بحبه.

اقترب منها بخطوات حنونة. لا أعلم ما هي الخطوات الحنونة ولكنها فسرت خطواته هكذا. مال عليها متلقفاً دمعة علقت بأهدابها بشفتيه. تشبثت بالأرضية بأنامل قدميها وهي تضمهم بالبساط علها تستمد منه القوة لتبقى واقفة على قدميها التي تتهاوى تحتها من رقة قبلته. وكأنه شعر بها فابتعد عنها قليلاً متعمقاً في عينيها اللوزيتين ذات اللون البني المائل للاحمرار والذي زاد احمراره اشتعالاً مع خلفية شعراتها الحمراء، فكانت كالشمس المتوهجة رغم ضعفها. ملكة.. ملكة متوجة بأبهى صورها. شهرزاد.

فشهرزاد قصت له رواية عشقها أخيراً.. مصاحبة بالخزلان وال.. الكره. خرج صوته متحشراً وهو يقول بنبرة لا تحمل الهزل: "كنت أفضل تنسحبي وترفضي تردي عليا.. بس إنتي إخترتي.. إخترتي تجاوبي وإداتيني صك ملكيتك بإيدك. بعد النهاردة يا وعد كل حاجة هتتغير حتى لو غصب عنك.. إنتي ملكي لآخر نفس في صدري ومتأكد إنك هتفضلي ملكي حتى بعد ما أموت."

ومال عليها مجدداً لاثماً شفتيها بقبلة دغمتها باسمه، كأنه يؤكد ويسجل عقد امتلاكه الحصري لها. ثم التفت بجسده وغادر الغرفة مسرعاً هارباً من ضعفه أمامها. لا يستطيع استغلال وهنها بهذا الشكل المنفر. كانت تتطلع في أثره بشرود. كم تمنت أن يبقى ويأخذها إليه بالقوة. ولكن تركها في أشد حالات ضعفها وحاجتها إلى ضمته وانصرف.

تهاوى جسدها وسقطت جالسة بوهن ودموعها لا تتوقف. فما تفعله به وبها هو أنانية منها كما لقبته سابقاً. فكما ستعاقبه.. ستعاقب نفسها وأيضاً.. بلا رحمة. -جلس مقابل البحر شارداً متألماً.. سعيداً. كلما تذكر اعترافها تدفق الدم بأوردته بقوة كأنه عثر على إكسير الحياة. مل من جلسته التي امتدت لنصف الليل، فقرر الرجوع للاطمئنان عليها.

ولج لغرفته بهدوء. بحث بعينيه عنها فوجدها ممتدة بالشرفة على مقعد مداد بإسدال صلاتها ونائمة وقد تمردت أشعتها وسقطت بجوارها ملامسة الأرضية. يا الله.. كم كانت بهجة للنظر. قمر وشمس معاً. بحث حوله بعينيه هل رآها أحد بتلك الهيئة الآسرة. اطمأن قلبه، فجثى أمامها وتأملها بشوق. ربت على كفها محاولاً إيقاظها، فلم تستجب، فإضطر شاكراً الظروف لحملها. فحملها ضاماً إياها ناحية قلبه.

مددها ببطء على الفراش فتمسكت برقبته بوهن. فحملها مجدداً وجلس بها كطفلة صغيرة. انتبه على شريط حبوب يعلمه جيداً فقد اعتمد عليه للنوم بعد موت طارق. اشتعلت عيناه بغضب، ولكن تراجع فوراً وهو يستمع لهمهمتها المتألمة. فبدأ يهدهدها ويضمها إليه متألماً على حالها. فسر بعض الكلمات المبهمة ومنها اعتراف ثانٍ بعشقها له. فسأل نفسه بلوم: هل لم تستطع النوم وهو بعيد عنها فلجأت للأقراص المنومة؟

تنهد بأسى ومددها وضبمها إليه بحنو مقبلاً شعراتها بنهم وأغمض عينيه مستمتعاً بقربها.. من قلبه. -قتله الانتظار وهو يقطع ممر الدرج بضيق. وبين الدقيقة والأخرى يتطلع بساعة معصمه ثم يعود للتحرك ذهاباً وإياباً في انتظارها. مرت الدقائق دهر.. متعجباً من لهفته المهلكة. وما هي إلا ثوانٍ ورآها تهبط أمامه بخيلاء آسرة بعينيها عينيه الجائعة لملامحها المختفية تحت نقابها.

وقفت أمامه وهي تخفي حالتها المزرية وهي تراه أمامها جذاباً كعادته. لم تخفض عينيها ولم تستغفر ربها كعادتها، بل نهلت من ملامحه بخجل، فهذا الوسيم أصبح.. زوجها. طال صمتهم ونظراته تزداد جرأة وجموحاً. فابتلعت ريقها بتوجس وقالت بتوتر: "صباح الخير." أغمض عينيه مستمتعاً بنبرتها المريحة لأذنه والنافذة لقلبه مباشرة. ثم فتح عينيه ورفع نقابها بشغف كمن يفتح علبة هدايا منتظراً المفاجأة بداخلها.

ما أن وقعت عينيه على ملامحها الملائكية حتى ابتسم بمشاغبة. فاقترب منها أكثر وقال هامساً بنبرة ساحرة: "قولتي إيه؟ أشاحت بوجهها للجانب وهي تخفي ابتسامتها الخجلة. فلامس طبع الحسن بذقنها والذي زاد تعمقه مع ضحكتها الخافتة وأدار وجهها ناحيته برقة متعمقاً في عينيها سابراً لأغوارها بدفء نظراته. فقالت بتلعثم من حيائها: "أنا كده هتأخر على شغلي يا مالك." زم شفتيه بغضب وقال بحدة:

"شغل إيه بس.. هي مش خلاص دي إجازة آخر السنة.. أنا مش فاهم بتروحي ليه أصلاً." حركت رأسها قليلاً محررةً ذقنها من أنامله التي تداعبها برقة ناعمة. ثم أجابته متنحنة من إرباك مشاعرها: "بس لازم أروح برضه.. عموما مش بتأخر وبرجع بدري." رفع سبابته أمام وجهها وقال محذراً بتسلط: "إوعى نقابك ده يترفع لأي سبب وحد يشوفك.. مفهوم." ابتسمت برقة وهي تتابع غيرته وتحذيره الجميل كحاله. ثم أجابته بتلقائية: "حاضر يا حبيبي."

شهق شهقة عالية ورفع حاجبيه متعجباً. أو بالأحرى لم يصدق أذنيه. نعم ليست هي المرة الأولى التي تقول فيها كلمة "حبيبي"، ولكنها اليوم لها مذاق آخر. انتبهت روضة لتلقائيتها فعضت باطن فمها بخجل وتوردت وجنتيها بشدة.

جعلته يفقد السيطرة على نفسه وهو يقترب منها يقبل وجنتيها المرتفعتين ببطء قاتل. شعرت بقلبها يقصف بقوة. وصدرها يعلو ويهبط بسرعة كأنها خرجت من سباق عدو. تطلعت بعينيه بنظرات والهة مستسلمة. ولكن تحول مقلتيه ناحية شفتيها جعلتها تبتعد مسرعة وهي تنزل نقابها على وجهها لتخفي به ضعفها، وقالت بقوة زائفة: "أنا.. أنا همشي بقى.. السلام عليكم."

وانصرفت مسرعة. ولكن قبضة خشنة أوقفتها ومنعت تقدمها وأدارتها بخفة كفراشة ناحيته. ابتسم بشغف وهو يتابع اهتزاز حدقتيها بتوتر وبرودة يدها، وقال بجنون متملك: "غصب عني.. بس قلبي ضعيف ناحيتك ومش هقدر أسيطر على نفسي كتير لازم تبقي بين إيديا في بيتنا بأسرع وقت.. يا اللي طعمك وريحتك زي المشمش."

حرر قبضتها فانطلقت مسرعة مبتعدة عن محيطه المشتعل كنظراته الجديدة عليها. حمدت ربها أنها ترتدي النقاب تخفي تحته ابتسامتها البلهاء وتورد وجنتيها والتي ما زالت تشعر بملمس شفتيه عليهما. -استيقظت وعد وهي تشعر بثقل وألم يعصف برأسها. عيناها ترفض تلبية أمر عقلها بأن ينفتحا. ولكن شعور آخر يغزو كيانها المنوم. لمسات رقيقة على وجهها وخصوصاً جرحها الوردي.. وكلمات غير مفهومة تخترق أذنيها.

حاولت جاهدة فتح عينيها حتى استطاعت. تطلعت حولها بعينين توشكان على الانغلاق مجدداً فرأت شفتي جاسم تعبث بوجهه بوقاحة. تطلعت بعينيه بلوم فقال لها معاتباً: "إنتي خدتي قرص كامل من المنوم يا مجنونة قلبي." أومأت برأسها مؤكدة. فمرر أنامله على شعراتها بحنو وقال بضيق: "المفروض تاخدي نص قرص.. ولو إني مش فاهم تاخدي منوم ليه أصلاً." غمز لها بعينيه بعبث وقال هامساً: "أكيد معرفتيش تنامي بعيد عن حضني صح." مسحت أعلى حاجبيها

وتطلعت حولها قائلة بتعجب: "إحنا بقينا إمتى." أجابها وهو ما زال يمسد شعراتها برقة: "إحنا قربنا من المغرب وحضرتك لا صليتي فجر ولا ضهر ولا عصر." حاولت الجلوس فساعدها حتى استندت بظهرها إلى ظهر الفراش وقالت بوهن: "دماغي لسه تقيلة.. مش قادرة أفتح عنيا." حك أسفل أنفه وقال بمشاغبته كالعادة: "الحل الوحيد.. إنك تقفي تحت الدش شوية يمكن الماية تفوقك.. وبما إنك دايخة فا أنا هخاف عليكي تبقي لوحدك فهادخل معاكي يا قلبي."

عبست بعينيها وقالت بضيق بنبرة قاطعة: "لأ طبعاً.. ساعدني أوصل للحمام وأنا هكمل." هز كتفيه بتسليم. ووقف وحملها بين ذراعيه. وولج بها للمرحاض. ثم أنزلها على قدميها. لم تشعر بساقيها وكادت أن تسقط. فالتقتها جاسم بين ذراعيه وبدأ في نزع ملابسها وهي تتذمر بحدة. ولكن أبقاها بملابسها الداخلية ووضعها تحت المياه. فشهقت بشدة من برودة المياه ولكن أوقفها عنوة حتى علا صوتها وبدأت تتحكم في جسدها فتركها قائلاً بضحكة خبيثة:

"بما إنك فوقتي.. فأنا هخرج عشان مش هستحمل أكتر من كده." وتركها وخرج. استندت بيديها على الحائط وما زالت المياه تتدفق على رأسها. ما إن شعرت بتحسن حتى اغتسلت وخرجت مرتدية مأزر الاستحمام. وتلف رأسها بمنشفة. تغاضى جاسم عن مشاعره المتهورة التي تعيد وتكرر على مسامعه أن تلك الجنية زوجته.. زوجته وله حقوق عندها. إلا أنه تماسك وسيطر على جموحه.

بعدما أدت فروضها. شعرت بعصافير معدتها تصرخ بقوة تتوسلها التزود. ابتسم جاسم بخفوت وهو يترجم ملامحها الجائعة. فقال بهدوء وهو يتطلع بالتلفاز: "إيه رأيك ننزل نتعشى في المطعم تحت بدل حبستك هنا من ساعة ما جينا." تركت عنادها على إحدى الأرفف بداخلها وأجابته مسرعة وهي تتجه ناحية الخزانة: "موافقة.. خمس دقايق هلبس وننزل."

اختارت فستاناً أصفر كناري ذا أكتاف متهدلة تحته قميص أسود وارتدت حجاباً أسود. وقف يتأمل جمالها حتى انتهت وحملت حقيبتها وقالت بفرحة طفولية: "يالا بينا أنا جعانة جدا." أشار لها بذراعه لتتقدمه. فتقدمته بهدوء وما أن خرجا من غرفتهم حتى احتضن كفها بين راحته بامتلاك. لم تجادله فهي في حالة من الوهن والضعف لا تسمح لها.

دلفا للمطعم وأجلسها على طاولة بجوار ساحة الرقص وهناك شباب وفتيات يرقصون برومانسية. تابعتهم وعد بعينيها بابتسامة هادئة. أثناء تناولهم لوجبتهم اقتربت منهم ساندي وقالت كأنها تفاجأت بوجودهم: "جاسم.. مش معقول أخيراً ظهرت." وضعت وعد شوكتها وتطلعت نحوها بضيق من ملابسها المتحررة.. جداً. بينما أجابها جاسم بأدب: "إزيك يا ساندي." "كويسة جداً عشان شوفتك." عضت وعد على شفتها بقوة كادت تدميها من غضبها. بينما تقدمت ساندي ناحية جاسم

ومالت نحوه قائلة بدلال: "تسمحيلي بالرقصة دي." ضيقت وعد عينيها كاظمة غيظها وأجابتها مسرعة بابتسامة خافتة: "سوري.. بس جوووووزي مش بيرقص مع حد غيري وكنا دلوقتي هنرقص سوا." ووقفت مسرعة وجذبت جاسم من كفه واتجهت ناحية ساحة الرقص. ووقفت أمامه. لم يخفِ ابتسامته الجانبية وهو يطالعها مستمتعاً بدفاعها الشرس في ملكيتها له. ولف خصرها بذراعه وضم كفها بكفه ووضعهما على قلبه علها ترفق بحاله.

لعنت وعد تسرعها وهي تشعر براحة غريبة تغزو كيانها من قربها منه. كان عليها التفكير في حل آخر للتخلص من تلك.. السمجة. قربها جاسم منه وهمس في أذنيها بخفوت مثير: "إنتي مش عايزة تطلقي مني وتبعدي عني.. ليه بقا بتقطعي عليا.. سيبيني ألاقي واحدة تعوضني." ابتسمت شفتي وعد وقد برقت عيناها بالشر وتأكد حدسه وهو يشعر بأنامل قدمه تدهس تحت كعب حذائها المدبب. كتم تأوهه وقال متحشراً: "ليه كده بس يا مفترية."

اقتربت منه ورفعت نفسها على أناملها وهمست له بنبرة محذرة سوداء: "صحيح هتطلق منك.. بس بحبك.. وكلمة تانية وهولع فيك وفيها سامع." أومأ جاسم برأسه وقال ساخراً وهو يتمايل بها برومانسية: "ولما إنتي بتحبيني ما ترحمي أمي بقا هموت عليكي." لم تحيد بعينيها عنه وهي تستمتع بتمايلهم وقالت بخفوت هادئ: "هنطلق.. ومش فضل معاك يوم تاني صدقني.. بس يقبضوا على أمير ومش هقعد معاك ثانية." لفها بيده وضمه إليه ليصبح ظهرها ملامساً

لصدره وهمس بأذنها بمشاغبة: "هتقدري تبعدي عني.. وتعيشي حياتك ولا كأننا حبينا بعض.. ما أظنش." التفت برأسها نصف التفافة حتى تلاقت أعينهم وامتزجت أنفاسهم. ابتسمت له برقة وقالت بعبث: "بتعجبني ثقتك في نفسك قوي.. بس إنت لسه متعرفنيش كويس." داعب ثغرها بأنفه وهو يضمها إليه أكثر متمايلاً بها بنعومة ساحرة وقال بتنهيدة حارة: "هموت وأعرفك كويس.. يا شهرزادي."

داعبت كلماته الناعمة قلبها ولامست نظراته الملتاعة غريزتها الأنثوية نحوه. تنهدت مطولاً وقالت وهي تذوب بعينيه: "قلتلك قبل جوازنا إن قلبي ميت.. بس إنت أصرت ترجعه يدق عشان يوجعك زي كل اللي وجعوني."

أدارها نحوه مجدداً وأخذ يلفها بسرعة تحت ذراعه وطار حولها فستانها ليطير ما بقى من عقله وهو يتأمل جمالها. ثم جذبها ناحية صدره مكبلاً خصرها بذراعيه وهو يلتهمها بعينيه متابعاً تمايلهم الساحر. ثم همس أمام شفتيها بشوق ظهر بأنفاسه المشتعلة التي ألهبت وجهها قائلاً برقة: "ما كانش قصدي أوجعك.. كنت عاوزك ليا.. أنا حبيتك قوي.. إنتي نصيبي وهتفضلي لآخر نفس في صدري."

لم ينتبها أن الموسيقى قد توقفت وقد بدأت الأنظار المتعجبة تحيطهم. حتى ابتسم الجميع وتعالت همهماتهم التي جعلت وعد تلتفت حولها بخجل مبتعدة عنه قليلاً. فتعالى التصفيق من حولهم فضحك جاسم ضحكة عالية وحيا الجميع برأسه وسحب وعد ورائه وترك المطعم بعد تلك الفضيحة المخجلة. جذبت وعد ذراعها منه وهدرت به بغضب: "عاجبك اللي حصل ده.. الناس هيقولوا علينا إيه دلوقتي." زفر جاسم بضيق ووضع يديه في جيبي بنطاله وقال ببرود:

" عادي يعني.. هيقولوا اتنين بيموتوا في بعض." ارتدت القناع الساخر وعقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بحدة: "ريح نفسك يا جاسم أنا وإنت مش لبعض.. اتقبل الفكرة أسرع أحسن لينا." ضيق عينيه بعدم فهم وسألها بتعجب: "إنتي مجنونة يا بنتي.. ولا عاوزة تجنيني." رمقته وعد بحدة وتركته وصعدت لغرفتها. صعد ورائها وولج للداخل وتجاهلها تماماً. بدل ملابسه وارتدى ثوب السباحة. وتيشيرت وتركها وانصرف تحت أنظارها المتعجبة.

بينما هبط هو واتجه للمسبح وجلس على أحد المقاعد شارداً متألماً. ثم خلع تيشرته وتوجه للمسبح وقفز به بمهارة عالية. وقفت ساندي تتابعه بإعجاب من رجولته الطاغية الظاهرة على جسده العاري بعضلاته واسمرار بشرته المثير.

اتجهت وعد ناحية شرفتها بملل. وتنفست مطولاً مستمتعة بنسمات البحر الهادئة. تطلعت بالمسبح حتى اتسعت عيناها ورفعت حاجبها بضيق وهي ترى جاسم يسبح وتلك ال.. الشمطاء تجلس على حافة المسبح مرتدية ثوب سباحة لا يخفي شيئاً من جسدها تركل الماء بقدميها وهي تأكل جاسم بنظرتها دون خجل أو حياء. خرج جاسم من المسبح وتوجه إلى مقعده وحمل منشفته وبدأ في تجفيف جسده. وقفت ساندي واتجهت نحوه قائلة بمكر:

"قولي يا جاسم.. ليه سبت عروستك ونزلت.. ده انتوا حتى في الهاني مون." أزاح المنشفة من أمام عينيه وأجابها ببرود قاسٍ: "وإنتي مالك.. أنا مبحبش حد يتدخل في حياتي الخاصة." ابتلعت إهانتها بابتسامة لعوب وقالت بهدوء: "سوري ما تزعلش مني.. بس يمكن عروستك مش... قاطعها قائلاً بحزم قاطع: "مراتى خط أحمر.. ولازم تعرفي إن وعد دي بتجري في دمي.. بعشقها.. وبقولك الكلام ده عشان تشيليني من دماغك."

لم تعر لكلماته أي اهتمام وتقدمت نحوه ببطء. فانزلقت قدماها قليلاً فصرخت بذعر. التقطها جاسم بين ذراعيه فلفت ذراعيها حول رقبته وتنفس بصعوبة فسألها بقلق: "إنتي كويسة.. رجلك جرالها حاجة."

تعمقت عيناها بشفتيه الغليظة المثيرة وزاد وضعها المزرى تساقط قطرات المياه من شعراته على وجهها. ودفء صدره القوي لم تشعر به مع أحد غيره. انتبه إلى نظراتها وقربهم الذي جعل صدره ينهج بشدة وقلبه يقصف بقوة. فابتعد عنها مسرعاً وحمل حاجياته وانصرف بمشاعر مضطربة. ولج لغرفته تتصاعد الأبخرة من رأسه من شدة غضبه. توجه ناحية المرحاض فاستوقفته وعد قائلة بسخرية: "طلعت يعني.. ده أنا قولت سهرتك هتطول."

مر أنامله بشعراته المبتلة وهو يكظم غضبه. ثم التفت برأسه ناحيتها وتأمل غضبها بصمت. فسألته وهي تقف أمامه رافعة ذقنها بكبرياء: "عايز تعوض تقصيري معاك مع البتاعة دي." رفع حاجبه بتعجب وسألها بفتور: " قصدك إيه؟ "قصدى لما كانت البتاعة دي حضناك." وضع ذراعيه في خصره وقال بنفاذ صبر: "كانت حضناني إزاي.. محصلش." رفعت وعد ذراعيها ولفتهم حول عنقه وقالت بقوة: "زي كده.. كانت حضناك وهي عريانة زي كده.. وإنت كمان حضنتها."

استمتع برائحة مسكها التي اخترقت أنفه وأحاط خصرها بذراعيه وقربها إليه قائلاً بمشاغبة: "زي كده." أومأت برأسها مؤكدة وقالت بغضب: "أيوة.. وكمان كنت هتبوسها صح." دنا منها بهدوء ولثم شفتيها برقة وسألها هامساً: "زي كده." ثم قبلها قبلة عميقة قليلاً مستمتعاً بضعفها وابتعد عنها قليلاً وقال متابعاً همسه المثير: "ولا زي كده."

وعاد لشفتيها مجدداً ولكن هذه المرة ملتهمهما بجوع قاتل. أغمضت عيناها وقد تركت له عجلة قيادة مشاعرها المضطربة. متعلقة برقبته تجذب رأسه إليها أكثر. فرفعها عن الأرض وقربها إليه أكثر وقد سحبتهما دوامة الرغبة ولم يشعرا بشيء سوى حاجتهما لبعض. تبادلا قبلاتهما الصادقة. فقرر جاسم التمادي ومددها على الفراش وتابع انسياقه وراء مشاعره. حتى انتبهت وعد لتماديهم. فدفعته بعيداً عنها. وجلست تحتضن جسدها وقالت بوهن بصوت مرتجف:

"ما ينفعش يبقى بينا حاجة تاني.. ليه بتعمل فيا كده." جلس أمامها يتطلع إليها بعدم فهم كعادته الأخيرة. ثم هز رأسه بيأس قائلاً بنبرة ذبيحة: "بتعملي فيا كده ليه.. أنا بحبك ولو حجتك موضوع مالك.. فمالك نفسه صالحني واتجوز.. ليه بقا العذاب ده.. خلي في قلبك شوية رحمة."

وتركها ودلف للمرحاض. دفنت وعد رأسها بين ساقيها وقد أجهشت ببكاء حاد. معه حق.. ولكن لا يشعر بها. لا يشعر بتخبطها. ما بين حبها له وفقدانها للثقة به. كما فقدت الثقة بمن حولها سابقاً واحداً تلو الآخر. خرج من المرحاض فوجدها قد ذهبت في سبات عميق وما زالت وجنتاها نديتان بدموعها. جلس بجوارها متأملاً ملامحها الحزينة ونومتها جالسة. فمددها بهدوء وتركها ووقف في الشرفة شارداً يفكر فيما أصابهم وتقلباتها الغريبة.

انتبه على رنين هاتفها فولج للغرفة مجدداً وتطلع بشاشته ثم أجاب بهدوء: "السلام عليكم.. إزيك يا روضة." "وعليكم السلام.. أخباركم إيه يا جاسم.. وعد كويسة." جلس على الفراش بجوار وعد وأجابها بحزن: "إحنا كويسين الحمد لله.. معلش وعد نايمة شوية." "مش مشكلة أنا قولت أطمن عليها." ارتجف جسد وعد وبدأت في نوبة جديدة من هزيان النوم. عبس جاسم قليلاً فربما تراودها كوابيس مزعجة. فربت على كفها بحنو. بينما سألته روضة بقلق

وهي تستمع لهمهمات وعد: "في إيه يا جاسم.. وعد مالها." قبل كف وعد برقة وهو يتأمل حبات العرق التي تجمعت على جبينها واهتزاز عينيها المؤلم وأجابها بتنهيدة حزينة: "أنا هحكيلك كل حاجة يا روضة عشان ضميري يرتاح وعشان أظهر براءة مالك." وقص عليها ما فعله كي يفرق بين وعد ومالك ومعرفة وعد بما فعله وتخبطها وعدم اتزانها. فقالت روضة بثقة:

"كنت واثقة إن مالك عمره ما يعمل كده.. دلوقتي خلينا في وعد.. لو تفتكر يا جاسم الدكتور اللي كان بيعالجها لما دخلت في الغيبوبة قال إنها لازم تروح لدكتور نفسي.. بس جوازكم جه بسرعة وانشغلنا.. وعد لازم يشوفها دكتور في أقرب وقت وإلا ربنا هو اللي عالم باللي ممكن يحصلها." أجابها بخفوت وهو يداعب شعرات وعد: "عندك حق.. أنا هتصل بيه فوراً وهخليه يشوف لي أحسن دكتور." "ما تضغطش عليها يا جاسم.. واستحمل عشان خاطرها."

رأسه كأنها تراه وقال بقوة: "حاضر ما تقلقيش." "هبقى أكلمها بكرة.. تصبح على خير." أغلق الهاتف وهاتف الطبيب واستعلم عن حالتها وأكد له أنها تحتاج رعاية نفسية ضرورية. وأرسل له رقم طبيب نفسي. فهاتف جاسم على الفور وقص عليه حالة وعد. فأخبره أن يراها في أقرب وقت وطلب منه أن يفعل ما في وسعه حتى يفوز بثقتها مجدداً.

-وقفت روضة تتابع الطريق من نافذة غرفتها مستندة برأسها على إطارها عاقدة ذراعيها أمام صدرها شاردة بحال وعد. تشعر بالذنب والتقصير. كان لابد لها أن تمنعهم عن جريمتهم بحق صغيرتها وزواجها وهي نفسياً غير متزنة. لتأتي صفعة جاسم ومعرفة وعد بما فعله ليكمل حقدها وانعدام ثقتها للجميع. لم تشعر بوالدتها والتي تقف خلفها. فربتت سلوى على كتفها قائلة بتعجب: "سرحانة في إيه يا حبيبتي." أجابتها روضة بضيق وهي تتابع الطريق بعينيها:

"في وعد.. ربنا يسامحكم على جوازتها اللي جت بسرعة دي." تحركت سلوى ووقفت قبالة روضة وسألتها بقلق: "وعد مالها.. وقصدك إيه يا روضة." سحبت روضة نفساً طويلاً وزفرته على مهل وقالت باستهجان: "فاكرة يا ماما لما بقيت أقولكم بلاش تستعجلوا في جوازها.. محدش فهمني وحضرتك اتهمتيني إني بغير منها.. بقيت أصرخ وأقولكم وعد محتاجة دكتور نفسي.. محدش سمعني." قبضت سلوى على ذراعها وقالت بتخوف: "إيه اللي حصل بنتي مالها."

ابتسمت روضة بسخرية وهي تطالع والدتها بجمود وقالت بحدة: "بنتك!!! .. أهي بنتك مش مرتاحة مع جوزها وحالتها النفسية زي الزفت.. رغم إنها بتحبه جداً.. متلخبطة وكلكم السبب في اللي بيحصلها.. عمري ما هسامح حد فيكم لو جرالها حاجة." لم تشعر سلوى بساقيها فجلست على فراش روضة بوهن. فعادت روضة للتطلع من شرفتها قائلة بنبرة مختنقة: "ما تشغليش بالك بينا.. سافري وحافظي على جوزك.. وإحنا معانا ربنا والناس اللي بيحبونا."

مرارة كلمات روضة ونبرة اليتم بحديثها جعلت سلوى تختنق بدموعها فتركتها وخرجت مسرعة. رغم شرودها إلا أن حدقتيها تحركوا قليلاً ناحية آسرهما وهو يصف سيارته. وما أن ترجل منها حتى استند عليها وأخرج هاتفه وأجرى اتصالاً. التفت روضة برأسها ناحية فراشها تطالع هاتفها الذي يخبرها باتصاله. فابتسمت بخجل وتوجهت نحوه حملته وعادت للشرفة تطالعه وهو لا يراها وأجابته برقة: "السلام عليكم." أغمض مالك عينيه مستمتعاً بنبرتها الناعمة

وأجابها بتمهل مثير: "وعليكم السلام.. آآه لو تعرفي وحشاني إزاي." اتسعت ابتسامتها وهي تتابعه بشوق. طال صمتها فاعتدل مالك في وقفته وقال هامساً برقة: "رودي." أجابته هامسة بدلال: "هااا." خلل أنامله بشعراته البنية وقال بتنهيدة حارة: "بحبك قوي." رفعت روضة يدها ناحية قلبها الذي زادت دقاته فجأة بصورة آلمتها. وابتلعت ريقها بتوتر. طال صمتها فسألها بمشاغبة: "هو أنا لو طلعت عندكم دلوقتي عشان أشوفك باباكي هيقول عليا إيه؟

ضحكت روضة ضحكة عالية وقالت بصوت رائق متسلي: "هيقول عليك مجنون طبعاً." وضع يده بجيبه وقال وقد لمعت عينيه بلؤم: "واضح كده إني على إيديكي هبقى مجنون رسمي وليس على المجانين ملام." عقدت روضة حاجبيها بتعجب وسألته بتوجس: " قصدك إيه؟ سار ناحية بنايتهم وقال بابتسامة هادئة ولكن بنبرته كل الجنون: "قصدي إني هشوفك.. ودلوقتي.. ويقولوا اللي يقولوه.. سلام يا مشمشتي."

شهقت روضة وهي تراه يلج للبيت بثبات. وما هي إلا ثوانٍ واستمعت لجرس الباب. تورّدت وجنتيها بخجل وقالت بهمس لذيذ: "يا مجنون.. ده طلع بجد.. أعمل معاك إيه بس." ظلت بغرفتها حتى طرقت امتثال الباب ودلفت إليها قائلة بابتسامة خبيثة: "مش هتخرجي تقابلي جوزك يا أختي." لملمت روضة شعراتها خلف أذنها بتوتر وقالت بتلعثم: "جوزي.. أأ.. ليه هو فين." غمزت لها امتثال بعينها وقالت بسخرية: "عليا يا بت.. ما إنتي أكيد عارفة إنه جاي."

ابتسمت روضة بخفوت. فجذبتها امتثال من ذراعها وقالت بثبات: "بنات آخر زمن.. يلا يا أختي ده عينه هتطلع من وشه على باب أوضتك." شهقت روضة بضيق وقالت لإيقاف جدتها: "لحظة يا تيتة لما ألبس حجابي." "حجاب إيه يا هبلة ده جوزك." لم تستطع روضة فك حصار يدها فوجدت نفسها أمام عيني مالك المصعوقة والتي تنطلق منها الألعاب النارية وهو يتطلع لشعراتها ومنامتها الوردية.

صرخ قلبه فجأة وهو يرى جنته تتحرك نحوه وشعراتها السوداء الناعمة تهفو حول وجهها الملائكي. لم يكن شعرها طويلاً بل يصل لأكتافها فقط ولكنها ناعم بشكل خارق. أقسم بداخله أنه لا توجد ربطة شعر أو مشبك قادر على تجميع شعراتها الناعمة كالحرير، فهذا الشعر خلق ليهفو فقط كطائر يغرد وإن حبسوه بقفص لن يشجو مطلقاً.

ابتسم بخفوت وهو يتأمل تلك الزهرة الوردية التي بعثت بقلبه الربيع. بمنامتها الطفولية والتي أظهرت شكل جسدها الناعم. وثمارها الناضجة. في لوحة متناقضة لهيئة طفلة بخف الدب التي ترتديه في قدميها. وجسد أنثى بحق. فتلك الجنة باتت له. روضته التي عوضه ربه بها عن آلامه السابقة. أشار عيسى لروضة قائلاً بهدوء: "اقعدي يا بنتي.. ده مالك جاي يشوفنا محتاجين حاجة قبل ما نسافر."

أجلستها امتثال بجوارها. فأطرقت روضة رأسها بخجل كأنها عارية أمامه دون حجابها وعباءتها الفضفاضة. ابتسمت امتثال لمالك وسألته بود: "تشرب إيه يا حبيبي." خرج من شروده بعلبة الهدايا التي أصبحت زوجته والتي تفاجئه كل مرة بما يقتله ويسحبه إليها أكثر وبسرعة أكبر. وأجاب امتثال بابتسامة هادئة: "شكراً يا تيتة.. أنا جيت بس أطمن لو عايزين حاجة مني." مصمصت امتثال شفتيها بسخرية وهي ترى نظراته لروضة. وقالت ببساطة:

"وماله.. ما نتحرمش منك يا ابني." سأله عيسى بجدية وهو يلتفت بجسده نحوه مستنداً على ركبتيه بمرفقيه ضاماً لكفيه: "قولي يا مالك قدامك قد إيه على فرحكم إن شاء الله." اعتدل مالك في جلسته وأجابه برزانة وتعقل:

"والله يا عمي أنا الأول هجيب لروضة شبكتها اللي هي هتختارها بنفسها.. وبابا هيبيع حتت الأرض بتاعته هو وعمامي وهاخد حقها وأكمل عليه وأشتري شقة وهفرشها.. وحق روان هفتح لها حساب في البنك وكل شهر هحطلها قسط منه لغاية ما أديهولها كامل بإذن الله." ابتسم عيسى براحة وهز رأسه متفهماً وقال بهدوء:

"ربنا يتمم لكم بخير.. وعمرو هيبقى معاك دايماً وكل اللي علينا هو هيجيبه وأنا هحوله أول بأول فلوس وزي ما عملت مع وعد هعمل مع روضة وهجيب لها أحسن حاجة." تحركت مقلتا مالك ناحية جنته الوردية وقال بتنهيدة حارة: "ربنا يخليك ليهم يا عمي." خرجت سلوى من غرفتها وجلست معهم بملامح حزينة ووجه محمر من كثرة بكائها. ارتسم على ثغرها ابتسامة باهتة وقالت: "أخبارك إيه يا مالك يا حبيبي." لاحظ مالك حالتها فأجابها بتوتر:

"كويس الحمد لله.. جيت عشان أشوف لو محتاجين مني حاجة قبل سفركم." أجابته سلوى بتنهيدة طويلة متألمة: "لأ يا حبيبي أنا خلاص مش هسافر." حل الوجوم على وجوه الجميع. بينما خرج عيسى عن صمته قائلاً بتعجب: "مش هتسافري إزاي يعني." سحبت نفساً طويلاً لتعطي نفسها القوة والثقة وقالت بحدة: "زي ما سمعت مش هسيب ولادي وأسافر تاني." ابتسمت روضة ابتسامة متسعة وتمنت في تلك اللحظة أن تكون وعد معهم. فها هي والدتها تكسر قيودها وتتحرر أمامها.

وقف عيسى بحدة أمامها وقال بقوة: "إيه اللي قلبك فجأة كده." وقفت سلوى أمامه رافعة ذقنها وقالت بنبرة قاطعة: "سفر ومش هسافر.. وكمان يا ترجع مصر وتطلق مراتك التانية.. يا تطلقني وتسافر لها وتنساني." حك مالك أسفل أنفه ووقف قائلاً بحرج: "أنا هنزل بعد إذنكم." وخزت امتثال روضة بذراعها وقالت هامسة: "قومي وصلي جوزك."

وقفت روضة بتثاقل وتبعت مالك حتى فتح باب الشقة وإلتفت إليها. لاحظ سعادتها الغريبة فوالديها يتشاجران وقد ينتهي شجارهم بالانفصال وهي في قمة سعادتها. لامس وجنتيها بأنامله وسألها متعجباً: "إنتي مبسوطة يا مشمشتي.. أنا الصراحة مش فاهمك." تنحنحت بخجل وهي تبعد وجهها عن يده العابثة وقالت وهي تلف شعراتها خلف أذنها: "محدش يقدر يفهمني غير وعد.. أنا مبسوطة جداً.. ماما أخيراً فاقت." هز مالك رأسه مندهشاً وقال بهدوء:

"بغض النظر.. لو حصل أي حاجة وإحتاجتيني كلميني فوراً." انتبه لذلك السلسال الفضي الملتف حول جيدها. جال بخاطره شيئاً عنه فسحبه بهدوء تعجبت له روضة بشدة. وبالفعل وجده سلساله الفضي والذي أهداها إياه بعد عودته من السفر المرة الأولى. رفع عينيه نحوها وهمس بحرارة أمام وجهها: "روضة." جذبته منه وأعادته داخل ملابسها بخجل. والتفتت برأسها ناحية الشجار المحتد وعادت مرة أخرى لمالك وهي تغلق الباب قائلة بسعادة عارمة:

"سلام دلوقتي يا مالك.. هبقى أكلمك قبل ما أنام." جذب كفها وقبله قائلاً برقة: "هستناكي يا مشمشة.. سلام." أغلقت الباب ووقفت تتلمس مكان أنامله على وجهها. فسمعت والدها يصيح بغضب: "بعد العمر ده كله تقولي طلاق.. لأ و بتهدديني كمان." عقدت سلوى ذراعيها أمام صدرها وقالت بقوة: "أنا مش بهدد.. أنا بخيرك.. حرام عليك تعبت بقا يا أخى." صك أسنانه بغضب وصاح بها قائلاً بصوت عالٍ: "بقولك إيه إنتي عارفاني كويس.. مش أنا اللي يتلوى دراعي."

فتحت روضة الباب لعمرو الذي ترجل إليهم على صياح والده. وولج متسع العينين يتابع شجارهم. جلست سلوى مرهقة وقالت ببرود: "إنت ليه واخدها تحدي وتهديد.. أنا عاوزة أستمتع بحمل روان بأول حفيد ليا وأقف جنب روضة وأجهزها لفرحها.. وأرجع ثقة وعد فيا تاني." جلس عيسى بجوارها واحتضن كفيها بين راحتيه وتطلع داخل عينيها برجاء وقال بضيق: "طب وأنا.. هتسبيني يا سلوى بعد العمر ده كله."

سالت دموعها بصمت وتطلعت بكفه الحانية والتي كانت نعم العون لها على جرحه. ثم خرجت كلماتها بنبرة ميتة.. كأنها حبستها داخل قفصها الصدري لسنوات ونهشته ونهشتها وخرجت أخيراً للنور قائلة بألم: "إزاي سبتك تعمل فيا كده.. كنت حاسة إن في واحدة في حياتك بس بدل ما أقف وأوقف المهزلة دي.. ذليت نفسي وسافرت معاك وسبت ولادي." لعقت شفتيها التي ارتوت من دموعها وقالت بوهن:

"لبستك بدلة فرحك بإيدي يا عيسى.. عارف يعني إيه.. ضحكت عليا وقولت لي إنك رايح فرح وماقولتليش إنه فرحك إنت.. لما رجعت وقولتلي إنك اتجوزت حسيت إني انذبحت وبسكينة باردة.. وبرضه بدل ما أقف قدامك ذليت نفسي أكتر ووافقت تشاركني فيك واحدة تانية." كفت دموعها بكفها وتطلعت داخل عينيه المصدومة وسألته بقهر:

"بالله عليك يا عيسى.. ترضى اللي عيشته معاك ده يحصل لحد من بناتك.. يعني لو وعد جاتلك وقالتلك إن جاسم غدر بيها واتجوز عليا هتعمل إيه معاه.. رد عليا." أغمض عينيه واستسلم لسيل كلامها المؤلم ووقف مسرعاً وخرج وأغلق ورائه باب شقته بهدوء. جلست إمتثال بجوار ابنتها الوحيدة وضمتها لصدرها وشاركتها دموعها. احتضن عمرو كتفي روضة بذراعه وهو يتأملهم بحزن وعجز. تطلع سراج بمالك بترقب حتى لاحظ الهدوء يخيم على المنزل فمصمصت

آمال شفتيها وقالت بحزن: "شكلهم خلصوا.. يا عيني عليكي يا سلوى ربنا يهديهولك." انتبهوا لطرقات خافتة على باب الشقة. فوقف سراج وفتح الباب فوجد عيسى أمامه ومظهره يوحي بألمه. لم ينطق بل خرج وجذب الباب ورائه وانصرفا فهو يعلم صديقه جيداً وهو الآن مجروح. التفت مالك ناحية آمال التي وقفت وارتدت خمارها وقالت فاقدة لصبرها: "أنا هطلع لسلوى الموضوع شكله كبير." ابتسم مالك بخبث وقال بهدوء: "وأنا كان طالع معاكي.. أطمن على عمرو."

أشاحت آمال بيدها وهي تحدجه بغضب قائلة: "يا مالك إنت كمان ده وقتك.. هي يعني لحقت توحشك." لمعت عينيه وقال بداخله: "وحشتني بس.. ده أنا هتجنن خلاص.. يا رب هون." وتبع والدته لشقة سلوى التي ارتمت بصدر آمال باكية فور رؤيتها. ربتت آمال على ظهرها بحنو وقالت بصرامة: "أخيراً يا سلوى ارتحتي من الحمل اللي كان طابق على نفسك.. إياكي ترجعي سلوى الضعيفة تاني." حرك مالك شفتيه بامتعاض وقال ساخراً:

"جري إيه يا ماما إنتي جاية تهدّي النفوس.. هي والعّة لوحدها كتر خيرك." رمقته آمال بنظرات نارية وقالت بحدة: "وإنت مالك يا حشري.. وباعدين إيه اللي خلاك تطلع ورايا." جلس عمرو بجواره وقال له بضيق من زياراته المتكررة: "فعلاً إيه اللي طلعك هو كل شوية هتسعدنا بزيارتك." زم مالك شفتيه وقال بسخط وهو يقف منتصباً وعابساً قليلاً: "إيه يا جماعة هو مافيش حد طايقني ليه."

التفت برأسه قليلاً ناحية جنته التي خرجت من غرفة والدها تقلب شيئاً ما بين يديها وشعراتها الحريرية تغطي وجهها. فابتسم بشوق وقال مداعباً: "لأ ده في حد ونص طايقني.. صبرني يا رب." رفعت روضة وجهها ناحية الصوت الرجولي الناعم والذي طالما رافقها في أحلامها فابتسمت بخجل وهي تطالع تلك الألعاب النارية التي تطلقها عينيه فور رؤيتها. تجاهلته قليلاً وأعطت لوالدتها الدواء وقالت بشفقة على حالها المنهار:

"لو سمحتي يا ماما خدي دوا الضغط كده مش كويس عشانك." صفع مالك وجهه برفق وقال بتنهيدة حارة: "ولا كويس عشاني والله." بالرغم من حاله الحزن والضيق السائدة إلا أن كلمات مالك جعلت الجميع يضحك بخفوت. بينما احمرت وجنتا روضة باستحياء من جرأته. فوقف عمرو ودفعه من ذراعه فاقداً صبره وهو يهدر به بعصبية: "شرفتنا ونورتنا.. ما تقطعش الجوابات.. مع السلامة." تطلع به مالك بنظرات رجاء واستحلفه قائلاً:

"طب وحياة ابنك يا شيخ لتسبني شوية.. خلي في قلبك رحمة." تعالت ضحكات عمرو وهو يدفعه أمامه بقوة أكبر حتى خرجا وأغلق الباب. -"رواية وعد بلا رحمة"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...