لم تنضب دموعها ثانية.. لمتى ستعطى الأمان ليقابلها الغدر والخيانة؟ الخيانة.. خيانة الثقة.. تلك الثقة التي اكتسبتها بعد عناء كبير تجاهه.. كيف يكون القدر بتلك القسوة.. ففي اليوم الذي رغبت فيه بالاعتراف بحبها وعشقها إليه.. تصدمها حقيقته. ورغم ألمها ووجعها، إلا أنها ارتاحت قليلاً بعدما استمعت لغلق باب شقتهم يعلن حضوره.. كففت دموعها بقوة رافضة ضعفها وانكسارها.
وما هي إلا ثوانٍ واستمعت لدقات على باب غرفتها.. لم تجبه في البداية حتى هتف قائلاً بنبرة خفيضة ثابتة: "وعد لو سمحتي.. عاوز أتكلم معاكي ضروري." خرج صوتها متألماً وهي تجيبه بنبرة ماجنة: "قلتلك مش عاوزة أشوفك ولا أسمع صوتك.. ويا ريت تطلقني بسرعة.. عاوزة أرجع بيتنا." أطبق عينيه بضيق وقد تشنجت تعابيره وصمت قليلاً قبل أن يقول بصوت أجش حازم: "هعملك اللي إنتِ عاوزاه بس تعالي نتكلم أول."
وقفت بملامح صارمة وتوجهت ناحية باب غرفتها بخطوات واثقة منفعلة.. تخاطب نفسها بقوة ألا تضعف ولا تظهر أي تهاون معه.. تخشى استسلام قلبها البائس أمام نظراته الدافئة التي تضمها قبل ذراعيه اللذان باتا حصنها الآمن.. وبداخل ضمتهم وطنها وملجأها التي باتت تنتمي إليهم. عبست قليلاً وهي تفتح الباب بغضب. وقف مستنداً على الحائط بجوار الباب منتظراً طلتها البهية والتي يخشى من تحولها وغضبها.. انتبه لفتح الباب وولجها لخارج غرفتها.
ساحرة.. يريد أن يعرف سرها.. في إشراقتها ساحرة.. وفي حزنها أكثر سحراً.. قاوم بكل قوته ضمها لصدره واحتوائها ليقضي على حزنها المؤلم والموجع لقلبه. حدقته وعد بقوة وحزم وقالت بنبرة فاترة باردة: "اتفضل قول اللي عندك." لم يجفل عن احمرار عينيها وتورم أسفلهما من كثرة بكائها.. وتورد وجنتيها الزائد.. فتنهد بأسى وأشار على أريكتهم المفضلة وقال بنبرة ثابتة وهادئة: "تعالى نقعد شوية لأني عاوز أكلمك في موضوع مهم."
سارت بعصبية تضرب الأرض بقدميها وذيل حصانها الطويييييل يتهادل بنعومة حول ساقيها بشكل متناغم مع تهادي جسدها المثير. حك جاسم مؤخرة رأسه زافراً ناراً من أنفه وهو يتابع جمالها المرهق.. ثم تبعها وجلس بجوارها.. فانتفضت وابعدت عنه لآخر الأريكة والتفت بجسدها ناحيته تطالعه بغضب عابسة ما بين عينيها.
مسح جاسم ساقه فاقداً صبره وهو يتابع جذبها لشعراتها ليميلوا على كتفها قبل أن تجلس عليهم.. نفضت تلك الأفكار الجامحة برأسه قبل أن ينقض عليها ويلتهمها ببطء.. شديد. خرج من صمته قائلاً بتريث حذر: "وعد.. عاوزك تسمعيني يا حبيبتي قبل ما تحكمي عليا بالإعدام.. لأن بعدك عني هو موتي.. وحبي ليكي هو اللي خلاني عملت كده.. وعمري ما كنت هضيعك مني وأعيش عمري كله بندم."
تشبثت بطرف الأريكة بقبضتها قبل أن تنهار قوتها الزائفة وترتمي بحضنه تعلن سماحها وعفوها.. قاومت ضعفها وقالت بصوت هازئ بسيط: "وأنا دلوقتي اللي بندم إني اتجوزتك.. مش هقدر أثق فيك تاني.. يا ريتك كنت قولتلي إنك بتحبني وسبتلي قرار الاختيار بينكم.. مش.. مش يمكن كنت اخترتك إنت." ضغط شفتيه بقوة وهو يتأملها مترأفاً بحالها.. ثم قال بصوت خفيض يائس:
"وممكن كنتي تختاريه هو.. وأنا مقدرتش أسيب أي فرصة للظروف.. أنا قلت لنفسي إنك ملكي وكنت مستعد أعمل المستحيل بس تبقي ليا.. لوحدي." برقت عيناها بإنفعال وتمهلت قبل أن تجيبه.. ذلك التمهل الذي يحرق من يقف أمامه مترقباً.. كانت بنظرتها ألم أشعره بالضآلة والصغر.. ابتعد بعينيه عنها وانتظر ردها الذي وصله قاتم بلا حياة بلا رحمة لشعوره المخزي قائلة بضيق:
"لوحدك.. طول الوقت بتتكلم بالأنا.. مفكرتش غير في نفسك وبس.. قد كده إنت أناني.. أنا دلوقتي مصممة أكتر إني أطلق منك وقراري نهائي ومش هرجع فيه." ووقفت مسرعة.. رغم قساوة كلماتها إلا أنه جذبها من رسغها وأجلسها عنوة قائلاً بصوت أجش عميق: "لسه كلامنا ما خلصش." جذبت رسغها منه بالقوة ووقفت ثم قالت بقوة وكأن الغضب قد انحصر بداخلها وترك مكانه للبغض:
"ماتلمسنيش تاني.. اللي بينا خلاص انتهى.. افهمها بسرعة لأني ما بحبش أعيد كلامي كتير." رغم شعوره بالذنب.. لكنه لم يستسلم ووقف أمامها وقد استعد بكل أسلحته لمعركته القادمة مع شهرزاد العنيدة مستغلاً حبها له دون رحمة.. لم تحيد عينيه عن عينيها وهو يحدقها بتحدٍ وقال بنبرة هادئة لا تماثل شعوره المستعر والمتقد بنيران تلتهمه حياً: "حاضر يا وعد.. هعملك اللي إنتِ عايزاه."
شهقت بداخلها بذعر بعدما تدفقت دماؤها بسرعة كبيرة لقلبها الذي أخذ ينبض بقوة مؤلمة.. وأدت عشرات الكلمات التي كانت تتزاحم فوق لسانها في انتظار أخذها لحريتها والانطلاق بوجهه.. ولكن حزم أمره وقرر انصياعه لطلبها الكاذب. ابتلعت ريقها بتوتر وسألته بنبرة مرتعدة: "هتطلقني؟ أبى أن تخرج فرحته بصدمتها على ملامحه المتجمدة.. فقط اكتفى بإيماءة خفيفة من رأسه وقال غير مكترث: "أيوة هعملك اللي إنتِ عايزاه بس بشرط."
الآن أصبحت دقات قلبها تقصف بجنون هادر.. لم تحد بعينيها عنه ولم تتخل عن نظرات التحدي بهما.. ولكنها قالت بجمود مصاحب بابتسامة ساخرة: "طالما هتطلقني.. فا هسمع شرطك." خرجت فرحته بابتسامته الجانبية التي أصبحت تبغضها بشدة لأنها تشتت تركيزها وعزمها على إذاقته الويلات. اقترب منها ببطء كفهد يستعد للانقضاض على فريسته.. ثم وقف قبالتها وقال بثقة:
"لازم نمشي من هنا بأسرع وقت ومحدش يعرف مكان لينا.. وعشان كده مينفعش أطلق.. وإلا هتفضلي معايا بصفتك إيه؟ عقدت حاجبيها وقالت بتعجب قلق: "مش فاهمة قصدك إيه." زفر بقوة مداعباً وجهها بأنفاسه المشتعلة التي أشعلتها وأشعلت الأجواء من حولها.. وهي تغوص في بحور عينيه مجدداً سابراً لأغوارها.. ولكن قال ببساطة متجاهلاً انهيارها أمامه: "القوة اللي مكلفة بحمايتنا قبضت على واحد كان واقف بسلاح.. ومستنيني عشان يطخني ويريحك مني."
اتسعت عيناها بقوة وهي تتلمسه دون وعي منها وطافت عيناها عليه كلياً بذعر ثم قالت بتوتر: "عمل فيك حاجة الحيوان ده.. اتكلم بسرعة ساكت ليه." ابتسم بسعادة واحتضن وجهها بين كفيه وقال لطمأنتها: "اهدّي يا حبيبتي أنا كويس.. بس لازم نمشي الصبح على طول.. تمام." أومأت برأسها وهي تحتضن كفيه المحيطة لوجهها براحتها وقالت بخوف: "تمام."
لاحظ تماديها وانصياعها الضعيف لمشاعرها.. فابتعدت عنه وعادت لغرفتها بهدوء وأغلقت ورائها الباب بالمفتاح. ارتمى جاسم بجسده على الأريكة مستنداً برأسه عليها متطلعاً سقف شقته شارداً.. يعلم جيداً أنه أخطأ.. ولكن حبها ما دفعه لارتكاب حماقته التي سيدفع ثمنها غالياً.
فمجرد أن تحرمه منها هذا أقسى عذاب.. التفت برأسه ناحية غرفتها متنهداً بضيق.. بداخله نيران تدفعه لكسر الباب وتكسير رأسها لو انقضى الأمر حتى يحتضنها وتعود لصدره الرحب. جفاها النوم وهي تتقلب بفراشها يميناً ويساراً.. كأنها متمددة على جمر متقد.. كيف لها النوم بعيداً عن ملجأها وموطنها.. صدره الواسع الدافئ.
جلست بفراشها تشعر بالضيق.. ثم أنزلت ساقيها حتى لامست قدماها الأرضية.. سارت على أناملها بهدوء وقربت أذنها من الباب تتصنت عليه.. لم يأتها صوتاً ولا حركة. فتحت الباب بهدوء وأطلت برأسها تبحث عنه فوجدته مستلقياً على أريكتهم بملابسه ويغط في نوم عميق.. سارت نحوه ببطء وتطلعت إليه بشوق.. لم تمل من وقفتها وهي تتابع غفوته بابتسامة حنونة حزينة.
اخترقت أشعة الشمس عينيه.. فتململ في نومته شاعراً بألم برأسه.. حاول رفع ذراعه ناحية رأسه ليمسدها ولكن ثقل ما منعها. ابتسمت شفتيه بهدوء وهو لم يفتح عينيه بعد.. فعبق شعراتها ورائحة المسك أخبروه أنها مستلقية بملجأها. فتح عينيه بهدوء فصدق حدسه وهو يراها متشبثة بصدره كطفلة صغيرة رأت كابوساً مزعجاً وتمسكت بوالدها.. قبل شعراتها بهدوء حتى لا يوقظها مستمتعاً بقربها. شعر بحركتها فأغلق عينيه مسرعاً مدعياً النوم.
تحركت قليلاً ثم مسحت وجهها بصدره كقطة منزلية تداعب صاحبها.. ثم فتحت عينيها بتثاقل فوجدت نفسها قابعة في أحضانه.. تذكرت ضعفها بالأمس واستسلامها لألم جسدها الذي رغب في النوم.. فإضطرت للتمدد بجواره واضعة رأسها على صدره كما اعتادت. شعرت بالحرج فابتعدت عنه بهدوء وقفت مترنحة.. ثم بحركات سريعة كانت داخل غرفتها وأغلقت ورائها الباب. ابتسم جاسم ابتسامة مشرقة وهو يقرب ذراعه لأنفه مستنشقاً رائحتها الذكية بشغف.
أجاب رنين هاتفه قائلاً بثبات: "أيوة يا سامر.. كله تمام." "أيوة.. حجزتلك في مكان يجنن وهادي وبرايفت.. عشان وعد تبقى على حريتها." اعتدل جاسم في جلسته وسأله بتوجس: "القوة اللي بتأمن جاهزة ولا هنروح في أبو نكلة.. لأ.. لأننا هنروح بيت أهل وعد عشان تودع أهلها لأنهم مسافرين بعد بكرة." "متقلقش مأمنين وكله تمام وأنا ومالك هنساعدهم بس بطريقتنا.. قوللي صحيح وعد عاملة معاك إيه." ابتسم جاسم بسخرية مقرباً ذراعه من أنفه مجدداً..
وأجابه بتنهيدة يأسه: "مطلعاهم عليا يا معلم.. ومش ناوية تجيبها لبر." "بالراحة عليها يا جاسم دي بتحبك بس صدمتها فيك أكيد صعبة.. إنت عارف إحنا اللي مدلّعينهم وخليناهم يتمرّدوا علينا.. وهما مايستاهلوش غير ضرب القبقاب." رفع جاسم طرف شفتيه بتذمر وقال بضيق: "قبقاب.. تعرف ياض يا أصفر إنت يوم ما تفكر تبص لعلا بطرف عينيك بس.. هخرج مصارينك من بطنك وألفها حوالين رقبتك أخنقك بيها."
وصلته ضحكات سامر العالية والذي أجابه بصدق قائلاً: "أنا اللي هعمل في نفسي كده لو زعلتها في يوم.. دي الحب كله يا معلم." صك جاسم أسنانه بغضب وهدر به قائلاً بامتعاض: "بتعاكس أختي قدامي يا بارد.. ده أنا هنفخك بس أشوفك." "خلاص يا عم ما بتصدق.. عموما جهزوا نفسكوا يالا اليوم لسه طويل والحمد لله.. الحمد لله.. كله أحداث." أغلق جاسم هاتفه ووقف بكسل متجهاً لغرفته.. طرق بابها فأتاه صوت وعد من خلفه قائلاً بضيق: "يا نعم."
لاحت ابتسامة خفيفة على ثغره وقال بهدوء: "لو سمحتي جهزي الشنط عشان لازم نمشي وافتحي الباب ده عشان أغير هدومي وآخد دش." فتحت الباب واتجهت لخزانتها دون أن تعره أي اهتمام.. هز رأسه بيأس وولج لداخل غرفته فتح خزانته وأخرج منها ملابس نظيفة.. ثم ابتسم بمكر وهو يقترب بكتفه منها ببطء حتى لامسها.. ابتعدت وعد عنه بعدما حدقته بطرف عينيها بحدة. ابتسم بهدوء وتركها وولج للمرحاض ثم أطل برأسه قليلاً وطلب منها قائلاً بجدية:
"لو سمحتي حضري الفطار عشان تاكلي قبل ما نمشي." فتحت حقيبتها الكبيرة وقالت بعبوس: "مش عاوزة أتسمم." حك أسفل أنفه كاتماً ضحكاته ثم قال بسخرية: "أنا يا ستي عاوز أتسمم.. مش عاوز أطخّلي رصاصة وأنا على لحم بطني." "بعد الشر." خرجت كلماتها عفوية سريعة.. رد فعل طبيعي على خوفها عليه. اقترب منها قائلاً باستفهام رزين: "ولما إنتِ بتحبيني كده لزمته إيه الخصام والبعد.. ده أنا يوم واحد بعدتيه عني وهموت عليكي."
عادت لحقيبتها بتوتر وهي تضع ملابسها بها قائلة بحدة: "عمري ما هسامحك يا جاسم.. افهم بقا عشان تسهل علينا البعد." زفر جاسم بقوة ثم تركها وعاد للمرحاض صافعاً الباب خلفه بقوة لترتعد فرائصها فجأة.. جلست بجوار حقيبتها بنظرات خاوية شاردة بلا شيء.. أسئلة كثيرة تدور برأسها وتنتظر إجابته عليها.. أسئلة ستزيدها حقناً وغضباً ونفوراً منه.. فل تنتظر الوقت المناسب للاستماع لإجاباتها.
قاد سيارته بتوتر وهو يرتب أفكاره لذلك اليوم.. حتى ابتسمت شفتيه متذكراً عشقه الأول والأخير. ارتدى سماعة هاتفه وهاتفها منتظراً صوتها بلهفة حتى أجابته قائلة بصوت رخيم: "عاوز إيه يا سامر عالصبح." ضرب ساقه بضيق وهو يهز رأسه مستنكراً ردها البارد مثلها.. ثم أجابها بحدة: "هي دي صباح الخير يا حبيبي.. يا خطيبي.. ياللي هتبقى جوزي قريب." "آه.. ده انت فايق ورايق بقا.. شيلني من دماغك يا سامر أنا اللي فيا مكفيني وزيادة كمان."
تنهد مطولاً بضيق ثم قال بصوته العميق الهادئ: "ارتحتي امبارح لما علقتي لأخوكي المشنقة.. أهي وعد سمعتكم وطالبة الطلاق وجاسم نفسيته زي الزفت." "يالهووووي.. طلاق.. هي وصلت لكده والله ما كنت أقصد." شعر بالضيق من سماع نبرة الحزن منها فقال مسرعاً بنبرة مداعبة: "ربنا يعينه عليها هما مسافرين هاني مون صغير كده.. يمكن يقدر ينسيها وترجع عن اللي في دماغها.. المهم عاملة إيه يا روح سامر." "ده وقتك إنت كمان.. سبني باللي أنا فيه."
شفتيه بامتعاض وقال بسخرية: "ليه معاملة أسير الحرب دي.. ده أنا سامر اللي قولتيلي امبارح إنك بتحبيه بجنون وهتتجنني لو بعد عنك.. طلع النهار ساح الكلام.. يا متناقضة." "آه أنا بحبك.. بس لسه ما سامحتكش على اللي عملته فيا ووعدك هطلعه على جتك تالت و متلت.. يا حبيبي." وعد جديد بلا رحمة.. ألا يكفيها ما عاناه من بعدها وزواجها لغيره.. حتى تنوي له الأبشع.. يكفيه قربها منه وهو يعلم جيداً أنه سيضرب بوعدها عرض الحائط وعن قريب.
تنهد مطولاً وأجابها بهمس ناعم: "اتزوجيني واعملي فيا اللي إنتِ عايزاه.. قربي مني وعاقبيني براحتك.. بس ما تبعديش عن قلبي تاني.. وحشتيني يا أحلى طفلة متفجرة الأنوثة في الدنيا كلها." وصلته ضحكاتها الرنانة المثيرة وهي تقول بمكر أنثوي واثق: "هيحصل وهتجوزك إن شاء الله وساعتها هبقى بين إيديك وبعيدة عنك.. وده أكبر عقاب ليك على اللي شفته من قلبك الواطي." ابتسم بخفوت وتابع كلماته الناعمة محتفظاً بهمسه الرقيق:
"أنا كمان بحاول أسامحك بعد جرحك ليا.. بس الأصعب عليا إني أعيش بعيد عنك.. هندawi جروحنا بإيدينا والنتيجة هنبقى أسعد اتنين في الدنيا مع بنتنا." "يمكن.. بس إنت عمرك ما بعدت عني.. كنت دايماً جوايا غصب عني.. قلبي اللي اتوجع واتألم في بعدك.. هو اللي بيوعدك بإنه هياخد حقه منك وبعد كده هيوريك اللي عمرك ما كنت تتخيله." اتسعت ابتسامته المشرقة وهو يتابع الطريق بفرحة.. ثم قال بحب:
"بعشقك.. إنتِ ليا غصب عني وعنك.. إنتِ متفصلة ليا وبس.. بحب هزارك وتكشيرتك وعصبيتك وحركة نفضتك لشعرك بعيد عن وشك.. وشفايفك اللي هتموتني في مرة." وصلته أنفاسها المتوترة والمتأثرة بكلماته الصادقة.. لم تجبه فقط أغلقت الهاتف بهدوء. سحب نفس طويل وزفره على مهل مردداً بغناء: "أنا لك على طول خليك ليا.. خد عين منى وطل عليا.. وخد الإتنين واسأل فيا.. من أول يوم راح مني النوم."
صعد درجات السلم المهترئ بنفس متقطع.. حتى وصل لسطح البناية القديمة.. وقف قليلاً لالتقاط أنفاسه ثم توجه ناحية الشقة القابعة في آخره.. طرق الباب وانتظر الرد. بعد قليل انفتح الباب بحرص فقال مسرعاً بخوف: "أنا ياسر يا أمير باشا." فتح له أمير الباب على مصرعيه وقال بحدة وهو يلج للداخل مجدداً: "اقفل الباب وراك وتعالى ورايا." أغلق الباب واتبعه حتى جلس أمامه على طاولة طعام صغيرة تتوسط تلك الشقة الصغيرة.. فسأله أمير بفضول يقتله:
"إيه الأخبار.. لسه الواد ما نفذش." طأطأ ياسر رأسه بخزى وقال بقلق من ردة فعله: "مش عارف أقول لحضرتك إيه." مرر أمير كفه على صفحة وجهه بقوة نافثاً ناراً من أنفه وقال بتخوف: "لأ قول متتكسفش.. ما هو أنا مشغل معايا شوية *****." زم الرجل شفتيه بامتعاض على سبابه اللاذع وقال بضيق: "الواد اتمسك وقال على كل حاجة." ضرب أمير الطاولة أمامه بكلتا يديه بقوة كبيرة مسبباً دوياً هائلاً ثم وقف منتصباً وقال بشراسة:
"اتمسك إزاي ده كمان.. هي خلاص بقت صعبة أقتل حتة بت لا راحت ولا جت هي وال**** اللي هي متجوزاه." ابتلع ياسر ريقه بصعوبة من فرط توتره وخوفه من هيأة ذلك الوحش الكاسر أمامه.. أردف أمير قائلاً بضياع: "يعني أجيب قاتل محترف.. وأجيبله شقة جنب بيتهم.. لأ ويبقى معاه واحدة زي مراته عشان محدش يشك فيه.. وفي الآخر يتقبض عليه برضه.. طب عرفوا بوجوده إزاي." شبك ياسر أنامله ببعضها على الطاولة وقال بصعوبة:
"رجالة جاسم هما اللي مسكوه قبل الحكومة وهما اللي خلوه يعترف وبعد كده سلموه للقوة اللي بتحميهم.. أصلهم شكوا في الشقة وفيها حد أغلب الوقت واقف ورا الشباك.. فمسكوه بسلاحه." كانت نظرات أمير المشتعلة تنذر بالأسوأ.. نظرات شيطانية مشتعلة بحقد أسود دفين.. فقال له ياسر بأدب: "يا باشا حضرتك لازم نهرب برة البلد.. والفرصة اللي قدامنا ممكن متعوضش تاني.. اسمع كلامي أرجوك." هز أمير رأسه بقوة نافياً وقال بصوت رخيم قاسٍ:
"مش قبل ما أطمن إن جاسم وسامر واللي اسمها وعد دول ماتوا وانتهوا وآخد علا.. وساعتها أهرب وأنا مرتاح.. غير كده مش هتحرك من هنا." هز ياسر رأسه بيأس وقال ببساطة: "اللي حضرتك تشوفه يا باشا.. وإحنا هنفضل نتابعهم من بعيد لحد ما نلاقي فرصة وصدقني يا باشا مش هنضيعها." وضع أمير ساقاً فوق الأخرى بتترفع وسأله بلهفة: "لسه ما لقيتوش لمى." هز ياسر رأسه نافياً وقال بضيق:
"كأنها فص ملح وداب.. إحنا شكّينا إنها المنقبة اللي بتمشي مع سامر.. بس كل ما نراقبهم رجّالته يعطلونا بعربياتهم عشان ما نقدرش نتابع هو بيروح فين." ابتسم أمير بسخرية وقال متهكماً: "مش مكسوف وإنت قاعد تقولي رجالة جاسم عملوا.. رجالة سامر ساوا.. وأنا رجالتي ورق.. شوية نسوان مش عارفين يعملوا حاجة من اللي طلبتها.. طب ورجالة مالك أخبارهم إيه كويسين." حك ياسر مؤخرة رأسه وقال بتوجس وهو يطالع ملامحه الغاضبة:
"رجالة مالك خلاص وصلوا لبنت من البنتين اللي إحنا بعناهم.. الأغبيا شغلوها على النت فكان سهل يلاقوها." ضغط أمير عينيه بقوة فاقداً صبره وقال من بين أسنانه: "أغبيا.. مش قادرين يستنوا عالبت شوية.. شغلوها نت بسرعة أديها اتعرفت." أنزل ساقه ومال بجذعه ناحية ياسر متعمقاً في نظراته وقال بحزم قاطع:
"أنا عارف إنهم مش هيسبوني غير ميت.. وده مش هيحصل.. بس لو حصل.. كل الورق اللي معاك يتقدم للحكومة والفيديوهات كمان تتسلم عشان ما أبقاش روحت لوحدي." أومأ ياسر برأسه موافقاً وقال بخنوع: "تحت أمرك يا باشا."
ودع جاسم ووعد أهله ولم يعر لعلا أي اهتمام تجاهلها تماماً فشعرت بالضيق والذنب بعدما لاحظت حزن وعد.. صعدا سيارته وانطلق بها مسرعاً.. كانت تتابع الطريق بشرود حتى انتبهت أنهم متوجهون لمنزل أسرتها.. فالتفتت إليه مضيقة ما بين عينيها بتعجب وسألته بشك: "إحنا رايحين بيت بابا ليه؟! لم يلتفت إليها وأجابها بجفاء واضح بنبرته الخشنة: "عشان نسلم على باباكِ ومامتك قبل ما يسافروا." رفعت حاجبها بضيق وقالت بصوت مكظوم:
"وأنا مش عاوزة أسلم على حد.. خلينا نمشي من هنا لو سمحت." هز رأسه بيأس وتنهد مطولاً ثم قال بصلابة: "أنا بقى عاوز أسلم عليهم.. وإنتِ حرة." عادت لشرودها الحزين وهي تطالع الطريق.. وهو يرمقها بطرف عينيه بين الحين والآخر مستمتعاً بجمالها الهادئ.. وعيناه على السيارات المتابعة لهم منذ خروجهم من منزل والده. وصل أخيراً فصف سيارته أمام باب منزل عيسى وسألها مرة أخرى: "هتنزلي معايا ولا هتنّشفي مخك."
لم تجبه وكتفت ذراعيها أمام صدرها بهدوء.. فترجل هو من السيارة وأشار لأحد فاقترب منه وهمس له بشيء وتركه وصعد. انتبه عيسى على طرق بباب شقته فوقف واتجه نحوه.. فتحه ففوجئ بجاسم يقف أمامه.. رحب به بود قائلاً بابتسامة هادئة: "أهلاً يا ابني اتفضل." صافحه جاسم بقوة وقال بثبات بابتسامة مرحة: "حبيت أسلم على حضرتك وماما سلوى قبل ما تسافروا.. والله هتوحشونا."
مد عيسى رقبته قليلاً متطلعاً خلفه باحثاً عن صغيرته فلم يجد أحد.. تنهد بضيق وأشار لجاسم بالدخول. كانت تصارع رغبة وقنوط.. قلبها يتوسل إليها أن تصعد وتودعهم وإلا ستندم.. وعقلها يتمرد كعادته لا يرغب في الضعف مرة أخرى فليرحلوا ويتركوهم مجدداً. خرجت من السيارة وأغلقت ورائها الباب واستندت عليه.. فاقترب منها شخص ما وقال بعملية: "لو سمحتي يا هانم ادخلي جوة العربية أو اتفضلي ادخلي جوة البيت.. بس بلاش الوقفة دي."
امتعض وجه وعد وهي تتابع حديثه المستفز الجاف.. ثم سألته بتهكم: "وانت مين ان شاء الله عشان تقولي أعمل إيه وما أعملش إيه." "أنا المسؤول عن حمايتكم.. يا ريت حضرتك تسمعي الكلام." حدقته وعد بغضب وهي تنتصب في تحفز ثم ضربت الأرض بقدمها وقالت بتذمر: "أنا هقف براحتي وريني هتعملي إيه ان شاء الله." ربتت إمتثال على ذراع جاسم وقالت بحنو: "منور الدنيا يا حبيبي.. وسلملي على وعد وقولها إني زعلانة منها." ابتسم بخفوت خجل وقال بتلقائية:
"معلش يا تيتة هي يومين وهتروق وهتجيلك." طأطأت سلوى رأسها بحزن وقالت بصوت ضائع: "لما هنسافر هتيجي.. هي مش عاوزة تشوفنا." شعر جاسم بالحرج وتمنى لو لم يأتِ من الأساس.. ثم ابتسم بهدوء وهو يستمع لدقاتها الناعمة مثلها على باب الشقة والتي يحفظها عن ظهر قلب.. فتح عيسى الباب ليتفاجأ بوعد أمامه.. طالت نظراتهم فتنحى قليلاً تاركاً لها المجال للدخول. ولجت بهدوء حتى رأت جدتها فصرخت قائلة بطفولة:
"وحشتيني يا إمتثال.. أكيد البيت كئيب من غيري صح." استقبلتها إمتثال بحضنها وربتت على ظهرها بحنو قائلة: "وانتي وحشتيني وحشني صوتك في البيت.. بس لو قولتي إمتثال تاني هشبشبلك." ضحكت وعد ضحكة عالية وقالت بمداعبة وهي تبتعد عن أحضانها قليلاً: "ليه كده يا إمتثال بس." أشارت الجدة لجاسم وقالت بتوعد: "لا مؤاخذة يا جاسم يا حبيبي ناولني الشبشب من جنبك.. أنا هخليها تحرم تقول لي كده تاني."
تعالت ضحكات الجميع على مداعبتهم التلقائية بسعادة.. أما جاسم فارتاحت ملامحه وهو يتابع ضحكتها الساحرة التي افتقدها منذ الأمس. عادت روضة من عملها ففتحت باب الشقة وولجت رافعة نقابها قائلة دون انتباه لمن بالداخل: "تيتة.. يا الله الجو النهاردة حر جداً يا ريت تكوني طابخة آيس كريم على الغدا." تفرس جاسم في ملامحها التي فاجأته.. فأخفض بصره بابتسامة ماكرة قائلاً بداخله:
"يا مالك يا ابن المحظوظة دي قمراية.. ده لو شافها مخه هيلسع." اتسعت عينا روضة وهي ترى وعد أمامها ففتحت لها ذراعيها وقالت بفرحة: "دودو.. إيه المفاجأة الحلوة دي." ضمتها وعد بحب وقالت بشوق: "رغم إنك كنتي معايا امبارح.. بس وحشتيني قوي يا حبيبة قلب وعد." قبلتها روضة قبلة طويلة على وجنتها وقالت بحب: "يسلملي القمر والشمس مع بعض.. إنتِ جيتي هنا إزاي." أشارت وعد على جاسم وقالت ببساطة:
"أصل أنا وجاسم مسافرين في مكان هادي كام يوم فجينا نسلم على ماما وبابا قبل ما يسافروا." فوجئت روضة بجاسم.. فأنزلت نقابها وهي تتمتم بالاستغفار.. ولعنت نفسها على خطأها ثم اقتربت منهم وقالت بخجل: "السلام عليكم.. إزيك يا جاسم." أجابها بابتسامة هادئة مقدراً خجلها: "وعليكم السلام.. إزيك إنتِ يا روضة." لفت ذراعها حول كتفي وعد وقالت: "كويسة الحمد لله.. مالقتوش غير النهاردة عشان تسافروا."
لفتت وعد رأسها ناحية وجهها وقطبت حاجبيها بتعجب وسألتها بفضول: "في إيه النهاردة؟ "عمار هييجي وهنقعد مع بعض عشان الرؤية ونتكلم شوية أشوف مناسب ليا ولا لأ." جذبتها وعد من ذراعها بالقوة وابعدت عن جمعهم قليلاً وسألتها هامسة بنبرة غاضبة: "اتجننتي يا روضة.. عمار مين.. طب ومالك ده تقريبا قالي إنه معجب بيكي." زفرت روضة بضيق وقالت وهي مطأطأة رأسها بحزن:
"هو ماخدش خطوة وعمار دخل البيت من بابه وقدرني.. بس مالك واقف مكانه بيتفرج وأنا قررت هقدر اللي يقدرني." ملست وعد على ذراعيها وقالت بحنو: "بس إنتِ بتحبي مالك وهو بيحبك ليه بقا تكتبى عليكم الوجع.. ده صعب قوي يا رودي." ابتسمت روضة ابتسامة مصطنعة وغمزت لها بعينها وقالت بمداعبة لتغيير الحوار: "رايحين شهر عسل مش كده.. أيوة يا عم." "أهه النبر ده اللي جايبنا ورا.. صحيح أخبار عمورة والبت مراته إيه؟ هزت روضة رأسها
بهدوء وأجابتها قائلة: "كويسين الحمد لله.. شاكين إن روان حامل عملت تحليل والنهاردة بالليل هتبان نتيجته." شهقت وعد بفرحة وقالت بابتسامة متسعة: "واو يعني أنا هبقى عمتو." "إن شاء الله تبقي عمتو وتبقي أحلى ماما في الدنيا كمان." قطع جاسم حديثهم وهو يقول مستأذناً: "هنِمشي إحنا بقا.. تروحوا وترجعوا بالسلامة." اقتربت وعد وروضة منهم ووقفت قبالة والدها الذي احتضنها بحنو وقال بحب:
"هتوحشيني يا وعد.. خلي بالك من نفسك ومن جوزك يا حبيبتي." تبادله ضمته وقالت بجفاء: "حاضر." احتضنتها سلوى بقوة وسقطت دموعها وهي تقول بحشرجة هامسة: "بكرة تفهمي وتقدري اللي عملته.. إحساس صعب لما تلاقي جوزك وحبيب عمرك بيروح لغيرك.. نار الغيرة كانت بتنهش فيا يا بنتي.. ربنا ما يدوقك النار دي." ابتسمت وعد بسخرية مستهزئة وقالت هامسة أيضاً بنبرة جافة:
"ليه مصرة إني أكرهك أكتر.. أنا لو ربنا كرمني بطفل هضحي علشانه بعمري وعمري ما هسيبه ثانية عشان أنا أنانية مبفكرش غير في نفسي.. تروحي وترجعي بالسلامة لو لينا نصيب نقابل بعض تاني." أبعدتها سلوى عنها وحملقت بوجهها وقالت بقلق: "قولتي ليه كده.. هو لسه في خطر على حياتك." أزاحت وعد ذراعيها وقالت بقوة:
"الأعمار بإيد ربنا.. يمكن عمري يخلص قبل ما أشوفك تاني.. وساعتها هتعرفي طعم النار اللي بجد على كل يوم كان ممكن تقضيه معانا وسبتينا فيه." وتركتهم وانصرفت مسرعة.. لحقها جاسم مسرعاً وهرول ورائها على الدرج وجذبها وضمه لصدره.. فانهارت باكية متشبثة بصدره.. ثم صرخت قائلة بضياع: "أنا بكرهكم كلكم.. مش هسامحكم أبداً.. كلكم أنانيين." حاوطها بذراعيه وضمه بقوة لصدره متنفساً بصعوبة.. ثم همس بجوار أذنها:
"اهدّي يا حبيبتي.. كل حاجة هتبقى زي ما إنتِ عايزة.. والله بحبك ولو هتلوميني على حبك فأنا في حبك أناني." ابتعدت عنه وكفت دموعها وهبطت الدرج مسرعة.. تبعها وهو يشعر بالضيق على حالتها.. صعدت السيارة وأغلقت ورائها الباب وهي تفكر بألم. انطلقا بالسيارة لوجهتهم ووعد في حالة شرود ووجوم يرهقه بشدة.. وعدها بالسعادة والحب اللانهائي.. فأعطاها الحزن والخزي.
طوال طريقهم الطويل لم تنطق بشيء.. فقط صمت مقيت.. فاستسلمت لسلطان نومها وغفت بهدوء.. لمحها جاسم بطرف عينيه فصف السيارة بجانب الطريق. تأملها بشوق.. ولمس وجهها بأنامله مستمتعاً بنعومتها.. مال عليها قليلاً وقبل وجنتها بتلهف.. انتبهت وعد ففتحت عينيها بتثاقل.. وجدته يحلق بها بقوة.. فاعتدلت في جلستها وعدلت ملابسها وقالت بضيق: "إنت وقفت ليه.. أنا تعبت مش هنوصل بقا."
ابتسم بشغف وهو يتابع ملامحها الغاضبة والتي تزيدها جاذبية وسحراً يقاومهم بكل قوته.. تمناها وهي بعيدة عنه.. ويتمناها الآن وهي قريبة منه.. طفلة.. أجمل طفلة رآها بحياته. أجابها بهدوء متزن وهو يستند بمرفقه على نافذة سيارته.. وقد قرر العبث معها قليلاً.. فتلك القطة تحتاج لتهذيب: "ما تجيبى بوسة." رفعت حاجبها بحدة وقالت وهي تحدقه بسخط وغيظ:
"نعم.. إنت اتجننت.. إحنا خلاص خلصنا وهطلق منك بعد ما يقبضوا على أمير.. نقطة ومن أول السطر." مال ناحيتها بقوة حتى لامس صدره صدرها محاوطها بتملك وهمس أمام شفتيها برقة: "إيه رأيك إني هخليكي تبوسيني بمزاجك." ابتلعت ريقها بتوتر وقالت متلعثمة من قربه الشديد منها: "لا والله.. طب اخلص وامشي بقا لو سمحت." ابتسم ابتسامته الجانبية وطالعها بقوة نافذاً لروحها متعمقاً في عينيها اللوزية الدافئة وأجابها بهمس مغوٍ:
"طب هنشوف هتبوسيني بمزاجك ولا لأ." ثم اعتدل في جلسته وارتدى حزام الأمان وانطلق بالسيارة والتي بدأت سرعتها تعلو وتعلو.. اتسعت عينا وعد وهي تتابع الطريق وقد بدأ في الاختفاء من شدة سرعة انطلاق السيارة. ابتلعت ريقها بتوتر وانكمشت في نفسها بخوف وقالت بصوت مرتعش: "جاسم.. بلاش هزار هنموت." ضحك ضحكة عالية وقال وهو يتابع الطريق:
"أنا هوايتي الوحيدة هي سباق العربيات.. وبفضل ربنا محدش قدر يسبقني لحد دلوقتي.. ومتعود على السرعة دي.. لو إنتِ متضايقة.. هاتى بوسة وأنا هخف السرعة." ارتجفت بشدة وقالت بتلعثم: "أنا خايفة قوي.. هدي السرعة لو سمحت." هز رأسه نافياً وقرب وجهه منها وأشار على وجنته وقال ببساطة: "هاتي بوسة أول." اقتربت منه وقبلته بوجنته قبلة طويلة عميقة وتشبت بعنقه.. فهدأ السرعة ببطء حتى صف السيارة وهي ما زالت متمسكة به.. ضمها لصدره
بقوة وقال بتنهيدة حارة: "ما تخافيش يا عمري.. اهدي أنا آسف إني خوفتك." ابتعدت عنه بخجل وهي تعدل من حجابها بتوتر.. ثم قالت بعبوس وصدرها يعلو ويهبط بذعر: "أنا ما خفتش على فكرة.. عادي يعني." تعالت ضحكاته الساخرة وقال بصعوبة لاهثاً: "بقا ما خفتيش.. أمال بوستيني ليه." تنحنت بخجل وقد احمرت وجنتاها بشدة وقالت بتلعثم: "يعني.. عشان.. عشان ضربتك بالقلم امبارح والمفروض.. يعني ما كنتش عملت كده."
ضيق عينيه ورمقها بمكر بطرف عينيه قائلاً بهدوء: "لا والله.. طيب هصدقك بمزاجي." وقاد سيارته مجدداً.. بعد ساعات من الهدوء التام بينهما فقط صوت المذياع يصدح بأغانٍ وجاسم مندمج معه يشاركه الغناء.. اقتربا من الوصول لوجهتهم فهدأ جاسم السرعة وصف السيارة وهو يتطلع لسيارة بالجانب الآخر من الطريق واقفة وتبدو معطلة.
ارتدى نظارته الشمسية وترجل من السيارة متوجهاً ناحية السيارة الأخرى.. استوقفه فتاة منحنية على موتور سيارتها تتفحصه وترتدي ملابس تتصدق من خلالها بجسدها على المارة.. كانت ترتدي فستان قصير.. جداً.. يصل لمنتصف ساقيها ومع انحنائتها أظهر المزيد.. ناهيك عن صدرها العاري وأكتافها التي تزينت برسومات من الوشم مطلقة شعراتها المصبوغة بالأشقر العنان حول وجهها المختفي تحت كمية لا بأس بها من مستحضرات التجميل.
رفعت الفتاة رأسها تتابع اقتراب هذا الشخص منها.. ما أن رأته بوضوح حتى تأملته بجرأة من قدميه حتى شعراته.. ارتسمت على ثغرها المصبوغ بلون أحمر قانٍ جريء مثلها ابتسامة عابثة وهي تطالع وسامته ورجولته بإعجاب. اقترب منها جاسم متغاضياً عن عرضها السخي لجسدها وقال بتلقائية: "في مشكلة يا فندم.. تحبي أساعدك." لعقت شفتيها ببطء وهي تلتهمه بعينيها ثم أجابته برقة: "العربية عطلت فجأة ومش عارفة السبب."
هز جاسم رأسه متفهماً وأشار لها بذراعه أن تبتعد وقال بتوتر من وقفتها المثيرة: "طب بعد إذنك هبص عليها." اعتدلت في وقفتها واستندت بظهرها على مقدمة السيارة وهي تتابعه. زفرت وعد بضيق.. بعدما شعرت بالملل.. تطلعت ناحية السيارة المعطلة فوجدت جاسم اختفى وراء غطاء مقدمة السيارة المفتوح.. أخذها الفضول فترجلت من سيارتهم وسارت نحوه.
وصلت لأذنيها ضحكة رقيعة.. بل خليعة.. جعلت عيناها تتسع حد الجحوظ.. فسرعت في خطاها حتى رأت جاسم منحني يستكشف الموتور بينما تقف جواره.. مهلاً.. ماذا ترتدي تلك.. عفواً.. لماذا لا ترتدي ملابسها أهذه غفوة منها أم أنها تقصد.. ضغطت وعد على شفتيها وقالت وهي تقترب بهدوء مشتعل: "في مشكلة في العربية يا حبيبي." التفت جاسم برأسه ناحيتها وما أن رآها ورأى غيرتها بعينيها المشتعلة حتى ابتسم برضا وهو يجيبها قائلاً بمداعبة:
"الظاهر في مشكلة كبيرة في العربية.. إيه اللي نزلك في الشمس دي يا عمري." صكت وعد أسنانها بقوة وهي تنقل أنظارها ما بينه وبين تلك.. لا تجد لها اسماً غير المتفضلة من جسدها.. ثم قالت من بين أسنانها بغيظ: "زهقت ووحتني فا قولت أطمن عليك.. وبما إن العربية خلصانة فا إنت مش هتقدر تساعدها.. فانمشى إحنا بقا." أغلق جاسم باب موتور السيارة وتطلع بالفتاة وخلع نظارته وسألها بأدب: "هو حضرتك كنتي رايحة فين."
مررت أناملها بشعراتها الشقراء والتي لا تلائمها مطلقاً وقالت ببطء مثير: "كنت طالعة السخنة.. وإنت كنت رايح فين." اعصرت وعد قبضتها وهي تطالع دلالها المنفر.. المقزز.. وما زادها اشتعالاً عندما سألته بوقاحة أين يذهب.. ألم تلحظها بعد.. فهما اثنان وهو ليس بمفرده.. وما أن فتح فمه ليرد حتى استندت وعد بكفها على كتفه مقتربة منه بشدة وهي تطالعها بنظرات لو كانت ملموسة لخنقتها فوراً وقالت مقلدة نبرتها اللزجة:
"إحنا كمان طالعين عالسخنة.. هاني مون." كتم جاسم ضحكته وقرر استغلال الموقف بدهاء.. فلف ذراعه حول خصرها مقربها إليه أكثر وقال بجدية ماكرة: "اتفضلي حضرتك وإحنا نوصلك في طريقنا ولما توصلي الأوتيل تقدري تخلي حد يشوفلك العربية ويجيبهالك هناك.. هو حضرتك نازلة في أوتيل إيه؟ حدقتهم بامتعاض من قربهم المستفز وقالت ببرود: "أوتيل.... رفع جاسم حاجبيه متعجباً وقال ببساطة:
"إيه الصدفة دي.. إحنا كمان نازلين في نفس الأوتيل.. حيث كده اتفضلي معانا." هزت كتفيها بتسليم وفتحت باب سيارتها الخلفي وأخرجت حقيبتها.. فأسرع جاسم وحملها عنها بشياكة وأشار لسيارته.. فصفرت الفتاة بإعجاب وقالت بحماس بعدما لمعت عيناها: "واو.. عربيتك تجنن.. دي موديل السنة دي.. مافيش في مصر منها غير كام واحدة بس."
ابتسم جاسم بخفوت وهو يجذب وعد المتصنمة مكانها بغضب ينهشها بقوة.. وضع الحقيبة على المقاعد الخلفية للسيارة.. فوجد الفتاة تلتفت ناحية وعد التي تشع ناراً من كل مكان بها وقالت بدلال طفولي: "بليز ممكن تركبي إنتِ ورا وأنا هركب قدام عشان الكعب عالي ومش هعرف أركب ورا." ضيقت وعد عينيها وقالت بنبرة فاترة هازئة: "اقلعي الشوز بتاعك عادي.. إشمعنى ده يعني اللي افتكرتي تلبسيه.. ما إنتِ نسيتي تلبسي هدومك وخرجتي بقميص النوم."
وضع جاسم أنامله على فمه كاتماً ضحكاته بصعوبة وهو يرى الفتاة تنفث بغضب وانحنت لتخلع حذائها فارتفع فستانها أكثر.. فوقفت وعد أمامها تحجب الرؤية عن جاسم وهي تحدقه بتوعد ونظرات قاتمة تنذره بالأسوأ. انتهت الفتاة من خلع حذائها وصعدت للسيارة بهدوء وانتشاء رغم كلمات وعد الجارحة.. صعدا الاثنان أيضاً بأماكنهم.. أدار جاسم سيارته وانطلق.. فقالت له الفتاة بفرحة هيستيرية: "ممكن تفتح سقف العربية يا.. هو إنت اسمك إيه؟
أجابها وهو يمتثل لأمرها وفتح سقف سيارته بهدوء: "جاسم.. جاسم رحال." لوت ثغرها بإعجاب وقالت بنبرة هامسة متسلية: "على رأي إخواتنا اللبنانيين.. بيلبقلك كتير." ثم قالت بهدوء بطيء كأنها تتذوق الاسم: "جاسم.. واو اسم يجنن ولايق عليك جدا." نظر جاسم بطرف عينيه على الجمرة المشتعلة القابعة بجواره وعاد بعينيه للطريق وأجابها بامتنان: "شكراً يا فندم." اقتربت منهم وهي تستند بذراعيها على مقعدي جاسم ووعد قابعة بينهما
وقالت بابتسامة شغوفة: "قولي يا ساندي.. بلاش يا فندم دي." هز جاسم رأسه بتوجس من ردة فعل وعد التي اقتربت منه قائلة بدلال مثير: "لسه بدري على الأوتيل يا حبيبي.. زهقت والجو بقا خنيق بشكل هيخليني أخنقه أنا بإيديا لو ملمش نفسه." التفت إليها واقترب منها هائماً بعينيها اللوزية الدافئة وقال هامساً بنظرات نهمة: "قربنا يا قلبي.. أنا عارف إنك تعبتي من المشوار.. بس أوعدك إني هنسيكِ التعب ده أول ما نوصل."
ذابت مع نظراته وكلماته المحفزة لمشاعرها الجديدة عليها ولكنها تمالكت وابعدت بهدوء متذكرة تلك المتفضلة بجسدها وتتابع حوارهم الخاص دون خجل. وصلوا أخيراً للفندق.. فترجل جاسم أولاً فاستقبلهم موظف الفندق وحمل حقائبهم على عربة مخصصة لحمل الحقائب.. ودع جاسم ساندي قائلاً بود: "فرصة سعيدة يا ساندي." غمزت له بعينها وقالت بإغواء وهي تنصرف حاملة حذائها بيدها خلف كتفها: "أكيد هنتقابل تاني.. باي."
همت وعد بالانقضاض عليها وجذبها من شعراتها وتنظيف أرضية الفندق اللامعة بها و لكن جاسم كبلها بذراعيه وهو يهمس بجوار أذنها: "اهدّي كده وصلي على النبي.. مش عاوزين فضايح من أولها." نفضت ذراعيه بغضب والتفتت إليه بترفع وثقة لا حدود لها وقالت باتزان متناقض مع حالتها السابقة: "إنت فاكر إني هغير من طائر البغبغان دي.. لا يا بابا.. أنا لو ألبس فستان زي اللي هي لبساه ده وأسيب شعري.. هوقف شعب مصر كله على رجل."
اقترب منها وهو يعض شفته باستثارة قائلاً بهيام: "طب إلبسيهولي أنا أول وأنا أحكم.. ولو إني عارف الحكم مسبقاً يا موزة الموزز كلهم." ابتسمت بغرور ونفضت كتفها بدلال وانطلقت داخل الفندق.. تبعها بعينين تلتهما بشوق.. بعد قليل صعدا لغرفتهم.. انبهرت وعد بفخامتها وبتلك الورود والشموع المنتشرة بكل مكان بجناحهم.. فابتلعت ريقها بتوتر.. وتوجهت ناحية الشرفة تتابع البحر بنظرات سعيدة. وقف جاسم ورائها وسألها بهدوء: "عجبك الأوتيل."
التفتت برأسها نصف التفافة وقالت ببرود: "أكتر حاجة عاجباني فيه إنه فيه كنبة كبيرة عشان أعرف أنام عليها." زفر جاسم بملل وتركها وخرج فتح حقيبته وأخرج منها ملابس نظيفة وتوجه للمرحاض لعله يهدأ نيرانه المشتعلة من تلك الحمقاء الساحرة. وقفت روضة أمام مرآتها بشرود متألم.. ولجت عليها سلوى وقالت بفرحة شديدة: "جاهزة يا روضة.. العريس بره."
تنهدت روضة بأسى وقالت بنبرة ميتة لا حياة بها.. متأملة نفسها بفستانها الأخضر الواسع والضيق عند الخصر وقد تخلت عن نقابها وأظهرت وجهها والتي اكتفت بأن كحلت عينيها السوداء الواسعة برسمة عربية ساحرة تليق بعينيها بشدة.. وارتدت حجاب أبيض هادئ: "جاهزة يا ماما."
تبعت والدتها للخارج وحملت صينية الجاتو ودلفت لصالونهم بخجل حتى جحظت عيناها وكادا أن يتركا محجريهما وينطلقا للخارج وهي تطالع مالك جالساً بمنتصف الغرفة بأريحية.. تطلعت حولها متأملة وجوه الجميع بتعجب ارتسم على ملامحها بقوة. شهق مالك بداخله وهو يتابع تقدمها نحوه.. لقد رسمها بخياله كثيراً.. لكن الواقع أجمل بكثير.. بكثير جداً.
تأمل جمالها الهادئ برسمة عينيها الآسرة وحجابها الأبيض الذي ضاع بياضه هباء بالمقارنة مع بياضها.. وجنتيها مرتفعتان للأعلى بشكل يغريك أن تقتطفهما دون خجل.. أما شفتيها فتلك قصة أخرى.. لم تصبغهما.. ولم قد تحتاج لملونات وهما بلون الفراولة وممتلئتين قليلاً. وكل هذا في كفة وطابع الحسن بذقنها في كفة أخرى.
توقفت عينيه عنده كأنه نسي الدنيا وما عليها.. رأى طابع الحسن كثيراً بكل أشكاله ولكن بتلك الجاذبية والجمال.. لم يرى.. ولن يرى. وضعت روضة الصينية بحدة وقالت بغضب مشتعل: "هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط.. وفين عمار." وقف مالك غاضباً بشدة وقال بحدة: "عمار مين والناس نايمين.. هو أنا أهبل عشان أخلي حد غيري يشوفك." أغمضت عيناها وهزت رأسها بعدم فهم ثم فتحتهما ورفعت ذراعيها في مستوى صدرها وتسائلت بفضول:
"حد يفهمني اللي بيحصل عشان أنا خلاص برج من دماغي هيطير." جذبها عمرو من رسغها وأجلسها بجواره واحتضن كفيها بين راحتيه وقال لها بهدوء: "أنا هفهمك.. يوم ما ماما قالت إنك وافقتي تقابلي عمار.. وقف مالك وطلب مني نطلع شقتنا وطلعنا." *** فلاش باك *** جلس عمرو على الأريكة وهو يرى حركة مالك كبندول الساعة وهو يقطع الردهة ذهاباً وإياباً بغضب.. ثم توقف والتفت لعمرو وقال بقوة كأنه يخلص نفسه من حمل ثقيل أرهقه:
"بص يا عمرو بصراحة بقا.. أنا بحب روضة ومش هسمح تضيع مني هي كمان.. المرة اللي فاتت زعلت مني عشان لفيّت من وراك.. المرة دي أنا جاي وش ودغري." وضع عمرو ساقاً فوق الأخرى وهو يتابعه بملامح جامدة لا تحمل أي تعبير.. بينما تابع مالك حديثه قائلاً دون توقف: "روضة مش هتكون لغيري إن شاء الله.. أنا بحبها ومتأكد إنها بتحبني ومش هسمح لحد مهما كان مين يفرقنا.. فساعدني أرجوك وحياة روان عندك." ابتسم عمرو بخفوت زافراً براحة وقال بحدة:
"أخيراً نطقت يا أخي.. كفارة يا معلم." جلس مالك بجواره مسرعاً متلهفاً وسأله بعيون تلمع من الفرحة: "يعني هتساعدني يا أبو نسب.. شكلك موافق وهتساعدني صح." ساد الصمت قليلاً.. ذلك الصمت البغيض.. ومالك يطوف بعينيه على ملامح عمرو المبهمة.. حتى قطع عمرو تلك الحالة قائلاً بتفضل: "أنا هفكر وأسألها وأبقى أرد عليك." وقف مالك مسرعاً وقال برجاء: "بس أنا مش عاوزها تعرف.. عاوز أفاجئها وأشوف ردة فعلها."
ابتسم عمرو ابتسامة عريضة وقال موافقاً: "تمام.. ده بس عشان أنا متأكد من حبك ليها يا أعمى القلب والنظر." ابتسم مالك بهيستيرية وقال رافعاً عينيه للسماء: "ألف حمد وشكر ليك يا رب." وقف عمرو قبالته وقال بجدية: "طب بابا وماما هتعمل معاهم إيه؟ حك مالك ذقنه وضيق عينيه مفكراً.. ثم قال بفرحة: "لقيتها.. بعد عيد ميلاد ريتال.. هخليهم يركبوا معايا العربية وهفاتحهم وربنا المستعان ويوافقوا بيا." ملس عمرو على ذراعه وقال بحميمية:
"إن شاء الله هيقتنعوا وهيوافقوا عليك.. مافيش حد يقدر يسعد روضة ويستاهلها غيرك يا صنم." احتضنه مالك بقوة قائلاً بفرحة: "حبيبي يا عمورة.. ربنا يطمن قلبك ويرزقك بالذرية الصالحة." *** عودة للوقت الحالي *** وعمرو ما زال محتضن كفيها قائلاً بحنو: "وأنا مش هلاقي أأمن من مالك عليكي يا ست البنات." بينما جلست سلوى بجوارها وقالت بابتسامة متسعة:
"لو تعرفي هو عمل إيه عشان يقنع باباكِ.. ده طلع مجنون رسمي.. وإحنا اللي كنا فاكرينه عاقل.. المهم دلوقتي.. كلنا موافقين على مالك يا حبيبتي.. بس رأيك إنتِ اللي هيمشي في الآخر." ابتسمت روضة بخجل فازداد تعمق طابع الحسن بذقنها فأشاح مالك ببصره عنها مستغفراً ربه.. وانتظر.. انتظر.. انتظر. حتى وصله صوتها قائلة بخجل هادئ: "موافقة." وقف منتفضاً قائلاً بفرحة طفولية مشاغبة: "أيوة بقا.. أخيراً.. يا ما انت كريم وعظيم يا رب."
ابتسم عيسى ساخراً وقال بتمهل عاقل: "اهدأ يا ابني مش كده لأغير رأيي." جلس مالك مسرعاً وقال بنبرة عاقلة هادئة رزينة: "متأسف.. الفرحة لسعتني شوية.. المهم دلوقتي أجيب المأذون." اتسعت عينا روضة بدهشة وقد ارتفعا حاجبيها بتعجب وفغرت فمها.. فأجابه عيسى بهدوء ثابت: "والله لو روضة موافقة ما عنديش مانع.. أهه أطمن عليها قبل ما نسافر."
التفت الجميع ناحية روضة في انتظار ردها.. مرت عينيها على وجوههم جميعاً بتعجب.. حتى غمز لها سراج بمداعبة.. فابتسمت بخجل.. فوقف مالك منتفضاً مجدداً وأخرج هاتفه وأجرى اتصالاً وقال مسرعاً بتلهف آمر: "اطلع بالمأذون حالا يا سامر.. كلنا بنستناك." أجابه سامر ضاحكاً بشدة: "حالا يا عريس.. مبروك يا مالوك." أغلق مالك الهاتف وقال بسعادة ترجمت على ملامحه البراقة بوميض عاشق:
"قومي يا روضة البسي نقابك وجهزي بطاقتك.. والله لسه مش مصدق.. حاسس إني بحلم." تعالت الزغاريد من حولهم.. فخرجت روضة مسرعة لغرفتها تذرف دموع الفرحة.. وما أن ولجت حتى سجدت لله شكراً.. ودموعها لا تتوقف على سعادة كانت تتمناها وظنتها بعيدة.. صعبة المنال.. ولكن كما وعدنا الله وفي.. فقد قال تعالى: (ادعوني أستجب لكم)
واستجاب دعوتها وعوضها عن أيام الألم والوجع بفرحة لم تتخيلها.. لم تقنط من رحمة ربها وقد أغدق عليها بكل الفرحة التي دائماً ما طلبتها ونالتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!