الفصل 37 | من 40 فصل

رواية وعد ريان الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم اسماء حميده

المشاهدات
16
كلمة
3,986
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

جهز مصطفى حقيبة سفره، ممسكًا كف يدها في قبضته يسحبها معه إلى خارج الشقة، ومنها إلى خارج البناية. وجد والده يتقدم نحوهما، وعيناه مصوبتان على يديهما المتشابكتين. لاحظ بريق العشق المطل من عيني ولده، وقلبه يخلص الدعاء في أن يهب الله صغيره كل ما يتمناه، وأن تكن همس تُكن لولده قدرًا من تلك المحبة الخالصة التي زرعها الله في قلبه لها. اقترب منهما الحج زكري موجهاً حديثه لمصطفى قائلاً:

"إيه يا درش مبدر يعني وواخد القمر بتاعنا ورايح على فين؟! أطرقت همس رأسها بخجل قائلة: "صباح الخير يا عمو." الحج زكري بابتسامة بشوشة: "صباح الورد يا ست البنات." مصطفى بضجر هامساً: "يا مثبت العاقل والدين يا رب." ثم رفع صوته قائلاً وشبح ابتسامة مغيظة يلوح على شفتيه: "خف يا زيكو هنخسر بعض. وبعدين نوجة بتسأل عليك هه؟

فاهمني طبعاً. ولو سألت عليا أنا أو الآنسة همس خطيبتي، اللي هي خطيبة ابنك واخد بالك انت، قولها إننا هنخطف رجلينا لغاية سوهاج صد رد كده عشان آنسة وعد بعتلها عربية صاحب الشركة يوصلها هناك، وطبعاً ميصحش أسيبها تسافر لوحدها." الحج زكري يحك ذقنه مفكراً بعبوس: "خطيبة مين؟ رايحة فين؟ وسوهاج إيه اللي رايحها صد رد دي؟! مصطفى: "لا يا حج مش وقت اندهاش خالص، اطلع انت لنوجة وأنا هكلمها أفهمها وهي تفهمك بالطريقة."

ربت الحج زكري على كتف ولده يميل عليه قائلاً بهمس: "والعة معاك يا درش، بس متعرضهاش عشان مقلش منك قدامها." مصطفى بتراجع: "قد القول يا حج، طب اتفضل انت يا عم الناس في حفظ الله." ابتسم الحاج زكري على مناوشة ابنه، فقد اعتادا معاً على هذا المزاح، فعلاقتهما أقرب لصديقين عن كونهما أب وابنه.

غادر الحج زكري تاركاً همس تحاول تخليص كفها من قبضته، ولكنها فشلت بالأخير. فكلما حاولت، شدد هو حصار يده حول كفها كمن يقبض على جوهرة ثمينة. وبعد مغادرة أبيه، ألقى نظرة تجاه المقهى فوجد السائق لا يزال يتناول فطوره، فسحبها خلفه يقطع بها الطريق إلى الجهة الأخرى. استوقفته همس، تسأله بتعجب: "العربية هناك أهيه! انت مودينا على فين؟! مصطفى ضاغطاً بخفة على قبضة يدها قائلاً: "إيه يا هموستي؟ كل شوية موديني على فين؟

امسكي الصبر وإنتي هتعرفي." همس: "مش فاهمة أمسكه إزاي يعني؟! مصطفى زاويًا حاجبيه بتفكير: "هو إيه اللي هتمسكيه إزاي؟! همس: "الصبر يا مصطفى؟! مصطفى بضحكة رجولية جذابة خاطفة لقلبها وهي تدقق النظر بوسامة ملامحه: "لا، انتي محتاجة كورس في اللغة." همس وهي ترفع أنفها بتفاخر: "أنا بتكلم تلت لغات على فكرة، إنجليش و چيرماني و فرنش." مصطفى مصفقاً بيديه: "حلاوته، أموت أنا في الفرنساوي والعود الفرنساوي وال... همس باستهجان: "إيه؟!

إيه؟! احترم نفسك، انت بتعاكسني ولا إيه؟! مصطفى بتأكيد وهو يهز رأسه بالإيجاب: "حصل. وبعدين هو عيب إن الجوز يدلع جوزته؟! همس: "طب معلش، ممكن تقولي إحنا واقفين هنا ليه؟! مصطفى: "مفاجأة؟! همس بفرحة ودلال: "بجد! مفاجأة إيه يا صاصا؟! مصطفى محملقاً بنظره إلى أعلى قائلاً بتضرع إلى الله: "صبرني يا رب." ثم توجه بنظره إليها: "ابوس إيد أمك بلاش دلع وإحنا برة، بدل ما أرزعك بوسة في وسط الشارع ونلاقي بوكس الآداب داخل علينا بضهره."

أخذها مصطفى وتوجها إلى محل الصاغة الموجود بالجهة المقابلة للبناية، يلقي السلام على صاحبه: "صباحوو أربعة وعشرين قيراط على عم الصاغة كلها." المعلم عبده صاحب المحل: "صباحوو يا درش، شاري ولا بتدحرج السلام يا غالي؟ مصطفى وهو يوجه بصره إليها: "طب وعهد الله شاري وأوي كمان." المعلم عبده، ولم يخفى عليه نظرات مصطفى الولهة لمن نشبت بسببها خناقة أول أمس: "باين عليك يا درش، مبروك مقدماً يا عريس." مصطفى:

"يبارك في عمرك يا مَعْلَمة، فرجنا بقى على أفخم حاجة عندك تليق بست الحسن والجمال." الحج عبده وهو يخرج من (الڤترينا) تابلوه معلق عليه بعض من المشغولات الذهبية: "أحلى تشكيلة لأجمل عروسة." مصطفى بحنق: "أنا أقول انت ما تقولش وما تبصش أساساً، أقولك دور وشك الناحية التانية." المعلم عبده: "جرى إيه يا درش؟! فيه إيه يا جدع؟! هو أنا بردو هبص لمرات أخويا الصغير؟! ما تطلعش منك دي يا معلم مصطفى."

مصطفى بخزي ولكن ما بيده حيلة، شدة حبه لها تشعل فتيل غيرته عليها من أقرب الأقربين إليه: "مش القصد يا معلم عبده، أنا بس اللي دماغي مش رايقة، فتلاقيني قافش حبتين." المعلم عبده بتفهم لما يحاول مدارته، محترماً غيرته عليها فهذه أخلاق أولاد البلد الجدعان: "كان الله في العون يا درش، الجواز بردو مسئولية والتزامات وأنت جدع وقد المسئولية." مصطفى وهو يتناول التبلوه من يد عبده قائلاً: "تشكر يا عوبد." ثم وجه حديثه إليها:

"نقي شبكتك يا ست البنات." كانت تهم بالرفض، ولكنها خضعت لرغبته ونظرة الإصرار بعينيه، وبدأت بالاختيار. فاختارت إنسيالا رقيقاً وخاتماً يماثله وناولته إياهما. أخذ مصطفى يعاين تبلوه آخر الأساور الذهبية قائلاً: "فرجنا يا عوبد الغوايش والدبل اللي عندك." أسرعت همس تقبض على ذراعه برقة قائلة بهمس: "خلاص يا مصطفى دول حلوين أوي وعجبوني، يله بقى عشان منتأخرش على وعد." مصطفى: "هو فيه شبكة من غير دبل؟!

وبعدين انت اخترتي شبكتك إنما الغوايش دول هديتي ليكي يا ست البنات." المعلم عبده: "أبو الكرم كله يا معلم مصطفى، وطول عمرك مذوق." مصطفى بعد أن انتقى لها زوجاً من الأساور الذهبية والتقط كفها يلبسها إياهما بعد أن عايرهم المعلم عبده على ميزان الذهب هما وما انتقته همس: "انجزينا بقى يا عوبد وشوف حسابك كام... واعملنا فاتورة."

المعلم عبده ويداه تعبث بأزرار آلته الحاسبة محدداً السعر، بينما أخرج مصطفى بطاقة الائتمان خاصته يناولها إياه. وبعد انتهائه من محاسبة الصائغ، خرجا من المحل. وقد انتهى السائق من تناول فطوره، ومر على المحل المجاور للمقهى يبتاع لهما بعضاً من الكيك المغلف والبسكويت والعصائر المعلبة، ليتناولاها بعد أن استقلوا السيارة ولم ينسى نصيب السائق منها. وبدأت رحلتهم على الطريق قاصدين عروس الصعيد سوهاج.

بعد الحديث الذي دار بين ماجد وسوسن وسوء ظنها به بأنه لن يختلف كثيراً عن من دمر حياتها، فبالأخير هما ينحدران من نسل عائلة نصار. فأحد أبناء تلك العائلة وهو والد ماجد قاتل عمها، فقام أباها بقتل أبيه ثأراً لأخيه والد صقر. وعاد رضوان ليأخذ ثأر عمه منها بكل دناءة وخسة، وجاءت إرادة الله لتخلصها منه، لتسقط في بئر عار تلبسها لزواجها سراً منه، مخلفاً لها الذل والمهانة. وآخر مراحل تلك المذلة أنها اقتادت للزواج من ابن القتيل دون

إرادة ولا علم، لتتم هي آخر مراحل انتقام تلك العائلة وتبقى قرباناً قدمه السابقون ليشفي اللاحقون غليلهم بها، تتلقفها أيديهم ليترك كل منهم ندوباً لروحها كتلك الندوب التي تشوه جسدها. مع فارق أن ندوب الجسد تندمل وتشفي، أما ندوب القلب والروح فنظل نتجرع آلامها أبد الدهر. ومع تلك القصة المأساوية التي يعاني منها الكثيرون نتيجة من تشبث عقولهم بأفكار ومواريث عقيمة، نهانا عنها الله في كل الأديان السماوية وأنزلها بكل كتبه المقدسة

وعلى ألسنة رسله. فلقد نهانا الله عن التجاوز في القصاص، فقد

قال الله في كتابه العزيز: "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" صدق الله العظيم. كما جاء في كتابه المقدس: "لي النقمة والجزاء في وقت تزل أقدامهم، إن يوم هلاكهم قريب والمهيئات لهم مسرعة." ففي القرآن اشترط الله القصاص لمن يستحق وقد حمل جزاء جرمه. وفي الكتاب المقدس اختص الله نفسه بعقاب الآثم. فما أثمها هي، لينسج الأول شباكه لتزل قدمها ويضع رأس عائلتها بالوحل وهي الوسيلة.

ويأتي الثاني ليأخذ دور البطولة وكأنه يصلح ما أفسده الآخرون على حسابها، وبعدها يمن عليها بزواجه منها. فلو قام أحدهما بقتلها سفحاً لوجدت خلاصها. ولكن بعد حديثها معه، لِما تستشعر صدقه ونبل أخلاقه؟! لِما تتلمس طيبة ودفء في حضرته؟! وهذا ما لم يعجبها فتحدثت إليه بحدة ندمت لها لاحقاً. ووجدت حالها تسأله بمراوغة ونبرة يشوبها بعض المرح في محاولة لامتصاص غضبه، وللحق تعجبت من حالها لما تحرص على إرضائه قائلة: "إيه يعني؟!

بعد الهري ده مفيش أكل لسوسن؟! ده آني حتى يتيمة وإنت أبو الكرم كله." رفع رأسه إليها بعدما قد كان جالس على تلك الأريكة يستند على فخذيه بمرفقيه مطأطأ رأسه في حركة يعتادها، يحاول كبح غضبه منها وتجرأها على رفع صوتها بوجهه وتذكيره بأنها مجبرة على الزواج منه، وهذا يصعب على رجل تقبله، وخاصة رجل كماجد ذو شخصية حساسة مراعية.

ولكن بعد جملتها الأخيرة بنبرتها تلك بمرحها هذا، بابتسامتها البشوش التي رآها تزين ثغرها ووجهها ذو الملامح البريئة، وهي تقولوها بتلك العفوية التي نجحت في تبخير الغضب المحتدم بداخله تجاهها. ولكن تحولت ملامحه إلى التجهم ثانية، فظنت أنه لم يسامحها. بينما هو يتساءل من سوسن؟! نهر حاله وشك بقواه العقلية ومراكز الاستقبال والإرسال لديه. هل بتلك الابتسامة أعملت شفرة شوشت بها رادرات عقله، سوسن!!

حتماً سوسن هذا اسمها فماذا سيكون غير ذلك، فهي حقاً أجمل زهرة لامعة ومبهجة الألوان ولها رحيق مميز قد رأتها عيناه.

هز رأسه ينفض تلك الأفكار، ومع تلك الهزة وهذا التجهم والشرود خشت غضبه، فقسوة ما عايشته جعلت منها شخصاً هشاً ضعيفاً يلتمس السلام والهدوء والسكينة، أبعد أحلامها أن تنأى بنفسها عن كل جنس آدم أقربهم وأبعدهم، أن يتركها الجميع تعيش بدون خوف، أن تغفو جفونها مطمئنة أن غداً لا ينتظرها آلام روحية وعذاب جسدي، فقالت والدموع تتحجر بعينيها تود أن تركع عند قدميه أن يرحمها، فتقدمت نحوه بأقدام مرتجفة، وقلب يرتعد خوفاً، وهو يتابعها

بأعين متفحصة حائرة من تغير حالها، فقد كانت تتبسم منذ قليل والآن يملأ الحزن ملامحها، وتضاعفت دهشته عندما توقفت قدماها عنده، تسلم راية التحرك لعبراتها، تمد أناملها بتردد تمسك كف يده مسببة رجفة لذيذة لجسده ينتقل وميضها ترسل ذبذبات لخلاياه عبر أوردته منعشة قلبه بطرب رنان، وذلك كله من لمسة، أي لمسة إنها حقنة أدرينالين ضغط صمامها لتصب بشريانه لحظياً.

بينما هبطت بجسدها على ركبتيها أمامه أرضاً تلثم ظهر كفه ودموعها وجدت مستقر على راحته، ولكن وقع تلك الدموع التي تتساقط على كفه كوقع ماء نار سُكبت تشوه قلبه أو ربما تغسله من أي ضغينة قد تدنس رابطهما الآن أو بعد ذلك، فهي أضعف من يؤخذ ثأر منها، فالثأر وإن بغض لا يؤخذ من الضعفاء. قالت من بين شهقاتها: "آني آسفة لو كنت ضايجتك." وأخذت تهز رأسها بهيستيريا وهي تقبل يده مرة أخرى:

"أحب على يدك يا خوي ما تشليش مني، آني هكون خادمتك بجية عمري بس بالله عليك بلاها ضرب جتتي معدتش حاملة." آهة خرجت من جوفه وكأنها نار حارقة، وقد تصلب جسده بفعلتها، قلبه يصرخ بأي ذنب عُذبت تلك المسكينة؛ ليصل بها الحال إلى هذا الحد. مد يده يقبض على ذراعها السليم يرفع جسدها عن الأرض يستقيم بجسده من مجلسه، وما إن أصبحت رأسها بمستوى صدره فهو يفوقها طولاً مد سبابته يرفع ذقنها لأعلى لتقابل عسليتيها سوداويتيه قائلاً

بتأثر وإشفاق: "بزيدي بكي، ما أعوزش أشوف دموعك، ومتخافيش مني آني مهأذكيش واصل ولا في نيتي ليكي أي حاجة عفشة." اللمعت عينيها ببريق الأمل تناظره بأعين تشع براءة وتبسمت من بين دموعها تقول بلهفة: "صوح اللي عتجول ده، ولا بتضحك علي؟ هز رأسه برفض يبتسم لبرائتها، فبدت بضآلة جسدها وقصر قامتها مقارنة به كطفلة تستجدي وعداً من أبيها بالسماح وعدم العقاب. ماجد: "لاه، ما بضحكش عليكي."

ومال برأسه يقبل جبينها فتغلغلت رائحتها الطفولية الممزوجة بعبير من الزهور إلى روحه تثير بداخله مشاعر لم يستطع تفسيرها، بينما رفعت كفها تمسك بقميصه، في حركة أكثر إثارة.

بعدما أخبرت أنيتا صقر بأن أنچيل قد أصابتها الحمى، انخلع قلبه خوفاً. الصقر الذي عهده الجميع متحجر القلب لا يعرف الحب مدخلاً إليه، يؤلمه قلبه على امرأة، عن أي قلب نتحدث إنه قلب الصقر الموصد على جروح غائرة، قلب أغلق بابه منذ زمن بعد أن غرس به نصل حاد مزدوج أدير بحرفية ليصنع جرحاً لا يدويه الزمن، جرح ستره خلف حاجز حائل بينه وبين الحب، ولكن شيئين أحذرهما الموت إذ يأتيك بغتة، والحب إذا جاءك فجأة فلا شافع في الموت ولا مانع للحب.

هرع الصقر يلبي نداء قلبه ليطمئن على من أرقت مضجعه شوقاً إليها. وعندما طرق باب الغرفة ولم يجبه صوتها دخل مسرعاً؛ ليتقصى الأمر ووجدها تعاني ألماً لا حول لها ولا قوة. أسرع يغلق مزلاج باب الغرفة؛ حتى لا يدخل أحد من الخدم ويراه بقاعتها فإن تم توقيع عقد زواجهما فلا يزال هناك مراسم تتويجها بالثوب الأبيض، والأسوأ أن يراها أحداً بهذا الثوب المثير حتى لو كانت امرأة مثلها فهو يغار.

بعد إغلاق المزلاج، أسرع إلى التخت يضع يداً أسفل ظهرها يحاوط الجزء العلوي من جسدها واليد الأخرى أسفل فخذيها يستقيم بها واقفاً متوجهاً ناحية المرحاض ينحني بجزعه لأسفل؛ يحاول إيقافها تحت رشاش المياه، ولكن قدميها باتت كالهلام لا تحملانها، فحاوط خصرها يدعم جسدها بذراع واحد إليه حتى لا يتراخى جسدها فتسقط أرضاً وباليد الأخرى فتح صنبور المياه لينهمر الماء البارد على كليهما.

وعندما شعرت ببرودة الماء المنهمر على جسدها المحموم شهقت وهي ترتجف بشدة وذراعيها المتهدلتين إلى جانبها من شدة الإعياء ارتفعتا تلقائياً تدفع جسده بعيداً عنها، وجسدها ينتفض معلناً رفضه لتلك البرودة التي اجتاحته وهي تحاول دون وعي الابتعاد عن مرمى المياه، ولكن رفع ذراعه الآخر يدعم رأسها مسنداً إياه إلى كتفه، ويده القابضة على خصرها تقربها إليه محاولاً تثبيت جسدها تحت الماء وهي تحاول الفكاك، تقاوم تلك البرودة بارتجاف

هيستيري ترغب في الخلاص مما يحاصرها فكادا أن يسقطا معاً بسبب مقاومتها، فلم يجد بداً سوى أن يستدير وهي بين ذراعيه ليتبادلا الأماكن فأصبح ظهره إلى الحائط يشدد من احتضانها لجسده، وبعد يأسها من الهروب من تلك القبضة وخارت مقاومة جسدها، لفت ذراعيها حول هذا الوتد الذي يحول دون ابتعادها تضم جسدها إليها تتلمس الدفء تتشبث به بقوة.

هدمت فعلتها تلك البقية الباقية من ثبات الصقر الانفعالي وبدأت ارتجافت جسدها تتسلل إلى أوصاله تدغدغ حواسه وداخله يتوسلها أن ترحم رجولته المعذبة، وجسده الذي اشتعل رغبة بها، وزادتها عليه عندما دفنت رأسها بحنايا عنقه وشفتيها تتلمس جانب وجهه وأنفاسها تضرب وبقوة نقاط الضعف مثيرة عاصفة هوجاء من المشاعر الجارفة حد اللعنة، فتصاعدت دقات قلبه وتهدجت أنفاسه يضمها إليه أكثر حتى بات جسداهما متلاحمين ومال رأسه لا إرادياً إليها وقد

أغواه هذا الانسجام الجسدي والروحي بعد استكانة جسدها بين ذراعيه فدفن هو الآخر رأسه بعنقها يستنشق عبيرها وشفتيه تتذوق طراوة بشرتها وهو يقبلها قبلات رقيقة على رقبتها أسفل أذنها، فبدأت حواسها تتنبه وحرارتها تبدأ بالهبوط رويداً رويداً، بينما أحدهم قد اندلعت بقلبه وجسده ناراً مهلكة تهدد بوقوع كارثة لا محالة، أخذت ترمش بأهدابها محاولة استيعاب ما يجري حولها والحالة التي يبثها إياها بدأت تستحوذ عليها هي الأخرى.

أخذت تئن بنشوة ورائحة عطره الممزوجة برائحة جسده الرجولي تتخلل حواسها فلقد احتفظت مراكز الإحساس لديها بتلك الرائحة التي تعزف أنغاماً معطرة بروحها الهائمة طوال ليلها تحفر ملامحه ورائحته وأنفاسه داخلها، وتصاعدت قبلاته إلى خدها عندما بدأت برفع رأسها إليه تنظر إلى وجهه وهو يستند بجبينه إلى جبهتها وعينيه تراقب بعيون صقر جارح قطرات الماء التي تجري من أعلاها تتحطم بين شفاها الكرزية تكمل سيرها على ذقنها الذي يزينه طابع الحسن وشعرها الحريري التصقت خصلاته بعنقها الذي حرره من غزو شفتيه وهو يمني نفسه بغزو آخر أكثر اكتساحاً وأعمق انتشاراً وكلاهما يتنفس أنفاس الآخر.

رفعت كفها إلى خده ولا يزال ذراعها الآخر يطوق عنقه، تتلمس أناملها شعيرات ذقنه النامية، وهي تسأل حالها أكان ينقصه جاذبية حتى تضفي تلك اللحية الخفيفة سحراً خاصاً به مكملة جاذبية الصقر. أو كان ينقصه هو الآخر تلك اللمسات الرقيقة ليعلن الشوق التمرد رافضاً ما يمليه عليه العقل.

رفع هو الآخر كف يده يرجع خصلات شعرها خلف أذنها براحته يتلمس جانب خدها، وهو يتأمل وجهها الصبوح وعندما هبطت بنظراتها إلى شفتيه وكأنها تدعوه ليتأمل خاصتها الذي يراقبهما بجوع منذ البداية، وبات التماسك درباً من دروب الجنون فمال رأسه يلبي دعوة شفتيها وهو أكثر من مرحب يتذوق قطرات الماء العالقة بهما ومن ثم انقض يقبلها بنهم وهي تبادل شوقه ولهفته بشوق مماثل وكفه يدعم رأسها من الخلف يقربها إليه وهو يستشعر حلاوة شهد تلك الشفاه

بالتناوب وآهة منتشية خرجت من جوف صدرها ابتلعتها قبلاته يروي بها ظمأ خلفته أخرى تاركة الجفاف يشقق خلايا روحه متعطشاً لمن تعالج ندوب حب زائف، وها قد جاءت تلك الغريبة عن أهله وبلده ووطنه بروح شرقية في زي أوربي يكتب اسمها إلى جانب اسمه في قصص العشق الملحمية وقد من الله عليه بها في حلاله وعفه عن عشق يوقعه في الخطيئة، فهي زوجته على سنة الله ورسوله.

وبينما هما على تلك الحالة من ثورة المشاعر حتى.............

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...